تراجم الشعراء .. الصديق .

تراجم الشعراء .. الصديق

وكان أوزنهم عنده وألصقهم بقلبه هو ابن شاهويه. هؤلاء أهل المجلس، سوى الطارئين من أهل الدولة، لا فائدة في ذكرهم. قال زيد بن رفاعة، وكان قريباً له من جهة الخوف له: رأيت الوزير اليوم يصف ندماءه بكلام يصلح أن يكتب على الأحداق، ويعرض على أهل الآفاق، ليستفيده الصغير والكبير.
قال: أصحابي طرائق قدد، كما قال عبد الحميد الكاتب: الناس أخياف مختلفون: وأصناف متباينون، فمنهم علق مضنة لا يباع، ومنهم غل مظنة لا ينباع، وكما قال الآخر:
الناس أخياف وشتى في الشيم … وكلهم يجمعهم بيت الأدم
وأما ابن زرعة فكبره بالحكمة، وخيلاؤه بالثروة، قد قدحا في حافة عقله، وهو لا يحس بذلك القدح، فليس لنا منه إذا جالسنا إلا النفج، والتعظيم، والتهويل بأرسطاطاليس، وأفلاطون، وسقراط، وبقراط، وفلان وفلان، ومجالس الشراب تتجافى عن هؤلاء، وهؤلاء يجلون عن مجالس الشراب، يا نائم، يا غافل، يا ساهي، وأين أنت من هؤلاء الحكماء القدماء، أسيرتك سيرتهم، أحالك حالهم؟ إنما تدعي عقائدهم باللسان، وتنتحل أسماءهم باللفظ، فإذا جاءت الحقيقة كنت على الشط تلعب بالرمل، ولولا أنه يكدر هزل جدنا بجد هزله، لكان محمولاً مقبولاً، ولكنه يأبى إلا ما ألفه، وأفاد المران عليه، وما أخوفنا أن يمل الجماعة، وإن لم تمله الجماعة.
وأما ابن عبيد فكلفه بالخطابة، والبلاغة، والرسائل، والفصاحة، قد طرحه في عمق لج لا مطمع في انتقاذه منه، ولا طريق إلى صرفه عنه، هذا مع حركات غير متناسبة، وشمائل غير دمثة، ومناظرة مخلوطة بذلة أهل الذمة، ودالة أصحاب الحجة.
وأما ابن الحجاج فقد جمع بين جد القاضي أبي عمر في جلسته، وحديثه، وقيامه، وتخطئته مع حياء كأنه مستعار من الغانية الشريفة، وبين سخف شعره الذي لا يجوز أن يكون لراويه مروءة به فكيف لقائله، فنحن إذا نظرنا إليه تخلينا صورة سخف شوهاء في صورة عقل حسناء، ولا تخلص هذه من هذه، ولا جرم استمتاعنا به قاصر عن مرادنا منه، ودنوه منا ناب عن مراده له.
وأما أبو الوفاء فهو والله ما يقعد به عن الموآنسة الطيبة، والمساعدة المطربة، والمفاكهة اللذيذة، والمواتاة الشهية، إلا أن لفظه خراساني، وإشارته ناقصة، هذا مع استفاده بمقامه الطويل ببغداد، والبغدادي إذا تخرسن كان أحلى وأظرف من الخراساني إذا تبغدد، وإن شئت فضع الاعتبار على من أردت، فإنك تجد هذا القول حقاً، وهذه الدعوى مسموعة.
وأما مسكويه فإنه يسترد بدمامة خلقه ما يتكلفه من تهذيب خلقه، وأكره له المشاغبة في كل ما يجري، لا يجد في نفسه من المكانة والقرار ما يعلم معه أن مضاءه في فن آخر هو فيه قصير الباع، بليد الطباع، وصاحب هذا المذهب ممكور به، مصاب بجيد رأيه، وقد أفسدهن قال المهلبي، وسمعت المهلبي، كما لم يصلحه، قال ابن العميد، وفعل ابن العميد، وما ذكره لهذين إلا استطالة على الحاضرين، والتشيع بذكر الرجال واضع من قدر الرجال.
وأما أبو بكر فهو تميمة المجلس، ولا بد للدار وإن كانت قوراء من مخرج، وهو بجهله مع خفة روحه، وقبح وجهه أدخل في العين، وألصق بالقلب من غيره مع علمه، وثقل روحه، وحسن ظاهره.
وأما الأهوازي أبو القاسم فلا حلاوة، ولا مرارة، ولا حموضة، ولا ملوحة، وإنما هو كالبصل في القدر، وكالإصبع الزائدة في اليد، على أنا نرعى فيه حقاً قديماً، ونرحمه الآن رحمة حديثة.
وأما سيدي أبو سعيد فو الله إني لأجد به وجداً أتهم فيه نفسي، وما وجدت ألم سهر معه قط، وإني أرى حديثه آنق من المنى إذا أدركت، ومن الدنيا إذا ملكت، وإن تمازجنا بالعقل، والروح، والرأي، والتدبير، والنظر، والإرادة، والاختيار، والعادة ليزيد على حال توأمين تراكضا في رحم، وتراضعا من ثدي، ونوغيا في مهد، وما أخوفني أن يؤتى من جهتي، أو أوتى من جهته، وإن عاقبته موصولة بعاقبتي، لأني مأمنه وهو مأمني، وما أكثر ما يؤتى الإنسان من مأمنه، والله المستعان.
وأما ابن شاهويه فشيخ ليس لنا فيه فائدة إلا ما يلقي إلينا من تجاربه ومشاهداته، ولولا زيادته التي يضع بها من نفسه، وبعض من تجاربه لكان هدك من رجل ولكن من لك بالمهذب، ألم يقل الأول: أي الرجال المهذب
قال زيد بن رفاعة: قلت أيها الوزير إن طلوعك على ثنايا ضمائرهم، وعلمك بخفايا سرائرهم يطالبانك بالإفراج عنهم، وقلة الاكتراث بهم قال: لا نفعل، والله ما لهذه الجماعة بالعراق شكل ولا نظير، وإنهم لأعيان أهل الفضل، وسادة ذوي العقل، وإذا خلا العراق منهم، فرقن على الحكمة المروية، والأدب المتهادى، أتظن أن جميع ندماء المهلبي يفون بواحد من هؤلاء، أو تقدر أن جميع أصحاب ابن العميد يشتهون أقل من فيهم؟ قال: قلت: هذا ابن عباد بالري وهو من يعرف ويسمع قال: ويحك! وهل عند ابن عباد إلا أصحاب الجدل الذين يشغبون، ويحمقون، ويتصايحون إلى أن تبح حلوقهم، وهو فيما بينهم يصيح ويقول: قال شيخانا أبو علي وأبو هاشم، دعنا من حديثه، وغثاثته، وسعبذته، فما أحب أن أزيد في وصفه على ما أشرت إليه، والله لو تصدى إنسان متوسط في العلم، والأدب، والحنكة، والإنصاف، لذكر شأنه وسيرته، ووصف حاله وطريقته، لحكي كل غريبة، وأتى بكل أعجوبة، الرجل مجدود، وفي زمرة أهل الفضل معدود.
رويت هذا الخبر على ما اتفق، وكنت أطلب له مكاناً مذ زمان فلم أجد إلا هذه الرسالة الآتية على حديث الصداقة والصديق.
قال الشاعر:
إذا لم تدر ما الإنسان فانظر … من الخدن المفاوض والمشير
وقال الآخر:
لا تسألن عن امرىء واسأل به … إن كنت تجهل أمره ما الصاحب
وقال عدي بن زيد الشاعر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه … فإن القرين بالمقارن مقتدي
وقال بعض السلف: الصاحب كالرقعة في الثوب، فإن كان مشاكلا لم ينب عنه الطرف، وإن كان غير مشاكل كان الفضوح.
وذكر عند النبي صلى الله عليه وآله رجل كان يألفه قبل أن بعثه الله نبياً يقال له أبو السائب فقال: نعم الصاحب كان أبو السائب كان لا يماري، ولا يشاري.
سمعت أبا سعيد السيرافي يقول في تفسير هذين الحرفين: أي كان لا يشغب، ولا يلج، وقال: قيل في نبزهم الشراة أنهم إنما نبزوا بهذا للجاجهم في دينهم، كما قيل أيضاً: إنما نبزوا بهذا الاسم لأنهم باعوا أنفسهم لما سمعوا الله تعالى يقول: ” إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ” .
كتب أبو تمام الزينبي إلى ابن معروف:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد. فإن الحال التي نزدوج عليها، ونستبصر فيها، ونتقاسم حقيقتها وخالصتها، ونتذاوق حلاوتها ومرارتها، ونتهادى خلقها وجديدها تحدثني بأن العتب على تقصير يكون من أحدنا قدح في عينها، ونحت لجانبها، وخدش لوجهها، فإن كان هذا صحيحاً فالعتب محظور، وصاحب التقصير معذور، وإن كان فيه لو، أو لا، أو لعل، أو نعم فأحدنا عليه مستزاد وملوم، وأنا أعوذ بالله من أن يرد على أحدنا من صاحبه مالا يطيق، أو يعدل بصاحبه من السعة إلى الضيق، وقد نمي إلي نبيذ مما دار بينك – أطال الله بقاءك – وبين مولانا المطيع – أدام الله أيامه – في حديث كنت مخصوصاً به من أمر البصرة، وما أفضى إليه إصعادي عنها على الوجه المشهور عند الصديق الجافي على العدو، فسبح ظني في واد من الظنة إن كان الله قد برأك منها فقد ابتلاني بها، وإن كنت غنياً عنها فأنا فقير إليها، وقد جد بي الفكر في تعرف ذلك منك، فلسانك أنطق بالصدق من لسان العابد الزاهد، وعقلك أعلى وأشرف من أن تتخذني غير شاكر ولا حامد، وبالله الذي لا إله إلا هو، ما يقوم لي شعث ما بيني وبينك في المنام بحيازتي جميع الأماني في اليقظة، فإن رأيت أن تجعل لي إلى لقائك طريقاً، إما بالزيارة المشرفة، وإما بالاستزارة المستشرفة فعلت إن شاء الله.
فأجابه أبو محمد:
؟بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإن الحال التي أشرت إليها ببيانك الناصع، من أدبك البارع، فهي والله محوطة بالنفس والروح، مذبوب عنها بالخاطر، عند اللمحة والسنوح، وتالله أعوذ كما عدت من ريب تتوجه نحوها، أو شوب يدب إليها، وكيف ذاك والشفقة عليها مرفرفة، والرأفة بها موكلة، ويد الثقة بعينها وشهادتها حاضنة، والنفس إلى كل ما يرد منها أو يصدر إليها ساكنة، فهذا باب ينبو عن الكلام فيه لمغالطة مخوفة تجري عليه، فأما الحديث الذي نمى إليك نبيذ منه مما دار بيني وبين مولانا – حرس الله مكانه – ونصر سلطانه، فليس فيه إلا ما يجذب بصنعك إلى العلياء، ويقر عينك بين الأولياء، ويطيل باعك على الأعداء، ويجعلك واحد الدنيا بين الأرض والسماء، فثق بما قلت، واسكن إلى ما كتبت، فإن الخير متيقن، والسعادة مظلة، والولي مرفوع، والعدو موضوع، والله على جميع ذلك مشكور محمود، ولولا أن القلم لا يطيق صريح ما همك، لحملته كيف ما كان إليك، واللقاء صبحة يوم الاثنين عندك على الروشن الميمون: فإن رأيت أن تصرف عن بالك، كل شاغل عن ذلك، وتملأه بكل سار بذلك فعلت، مهدياً به إلي روحاً أتعجله، وسروراً أنتظره، إن شاء الله.
وكتب ابن عبيد الكاتب إلى ابن الجمل الكاتب كاتب نصر الدولة شاشنيكير:
بسم الله الرحمن الرحيم
الصداقة – أطال الله مدتك – التي قد وكدها الله بيننا بالدين أولاً، ثم بالجوار ثانياً، ثم بالصناعة ثالثاً، ثم بالممالحة رابعاً، ثم بالمنشأ خامساً، ثم بالمعاقرة سادساً، ثم بالتجربة سابعاً، ثم بالإلف ثامناً، ثم بالميلاد تاسعاً، ثم بانتظام هذه كلها عاشراً تتقاضاني لك حقوقاً، أنت عن التقصير فيها أغنى، وأنا بالإعفاء عنها أملى، وإذا كنا على هذا السياج دارجين، وفي هذه الحومة داخلين، وعنها خارجين، فليس لحاسد إلينا سبيل، ولا لمتكلف علينا دليل، والله إنك لتذكر، وأجد لذكرك عبقاً يزيد على عبق العنبر، وتوصف فأرى لوصفك مالا يراه أحد من البشر لأحد من البشر، وربما حلمت بك في الرؤيا، فيكون في ذلك قوتي طول يومي، ومن كان هذا نعته من أجلك، فكيف ينمق بالقلم شوقه إليك، وكيف يذكر ما يختصه لك، وكيف يجهز ما يشتمل عليه من خالصته ومحبته إليك قد يقصر اللفظ للطف المعنى، كما يطول المعنى لقصر اللفظ، والإخاء إذا قدم استحصدت مرائره، واستوسقت سرائره، وعند ذلك يكون الوصف باللسان تكلفاً، والتكلف للوصف تأففاً، وقد حضر لعبدك ولدي ختان أنت أولي الناس فيه بالقيام والقعود، بين الناي والعود، فإن رأيت أن تبدر إلى ذلك غداة غد، مكافحاً للشمس عند الطلوع، غير عائج إلى غيره فعلت إن شاء الله.
فأجابه ابن الجمل:
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أوتيت – مد الله في عمرك – لساناً، وبياناً، وقلماً، وخطاً، فمن رام شأوك انقعص، ومن توهم اللحاق بك نكص، فلله درك من ساحر بلفظه، وخالب بقلمه، ومؤيد بعقله، ومسعود بفضله، ومقدم بفرعه وأصله، ومشهور بإنصافه وعدله، ذكرت الصداقة التي وكدها الله بيننا بالأسباب التي أحصيتها، والوجوه التي سردتها، ولو لم يكن الحال على ما وصفت لكان الذي أوجبه لك على نفسي من الطاعة إذا دعوتني، والائتمار إذا أمرتني، والتشرف إذا ناجيتني، والانتساب إليك إذا قبلتني، والاعتماد عليك إذا أذنت لي فوق مودات أهل الزمان، بدرجات عاليات، وقامات مديدات، وباقيات صالحات، فكيف ونحن نجتمع في نصاب، ونجتلي في نقاب، ليس لنا في إخلاص المودة شريك، ولا يتقدمنا فيها ضريب، وما أسأل الله بعد هذا كله إلا دوامها، وصرف العيون عنها، ومد الإمتاع بها، وسكون النفس والروح إليها. فأما ما أومأت إليه من البدار إلى خدمة ولدك سيدي – نماه الله – فإني غير ملتفت إلى فرض ونفل دونه والسلام.
وقال جعفر بن يحيى لبعض ندمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان قال: إنك لمثر من الأصدقاء.
وقال سهل بن هارون: الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له.
قيل لأبي العيناء: هل ظفرت بصديق موال؟ قال: ولا بعدو مرائي.
ولما احتاج زياد إلى الحقنة وصفت له فتفحشها فقيل له: إنما يتولاها الطبيب، قال: إن كان لابد منها فالصديق.
قيل للجنيد: ابن عطاء يدعي صداقتك فهل هو كما يقول؟ قال: هو فوق ما يقول، وأجد ذلك له من قلبي بشواهد لا تكذبني عنه، ولا تكذبه عني.
قيل لأبي علي النصير: لم لا تتخذ الأصدقاء؟ قال: حتى أفرغ من الأعداء، فو الله لقد شغلوني بأنفسهم عن كل صديق يعينني عليهم، وإحالة العدو عن العداوة أولى من استدعاء الصداقة من الصديق.
قيل لرويم: ما الذي أقعدك عن طلب الصديق؟ قال: يأسي من وجدانه.
قيل لأعرابي: ألك صديق؟ قال: أما صديق فلا، ولكن نصف صديق، قيل: فكيف انتفاعك به؟ قال: انتفاع العريان بالثوب البالي.
قيل لصوفي: صف لنا الصديق؟ قال: هو الذي إذا عرض لك بالمكروه، صرحت أنت له بالمحبوب، وإذا صرح لك بالمحبوب ساعدته عليه.
قلت للأندلسي: مم أخذ لفظ الصديق؟ قال أخذ بنظر من الصدق، وهو خلاف الكذب. ومرة قال من الصدق، لأنه يقال: رمح صدق أي صلب، وعلى الوجهين، الصديق يصدق إذا قال، ويكون صدقاً إذا عمل، قال: وصدقة المرأة وصداقها وصدقتها كله منتزع من الصدق والصدق، وكذلك الصادق، والصديق، والصدوق والصدقة، والمتصدق والمصدق، كل هذا متواخ.
سمعت القاضي أبا حامد يقول: قلت للمنصوري: ما أشغفك بابن عبدك مع تشاكس ما بينكما في البلد والمذهب فقال: ذاك لأني وجدته كما قال الشاعر:
موفق لسبيل الرشد متبع … يزينه كل ما يأتي ويجتنب
تسمو العيون إليه كلما انفرجت … للناس عن وجهه الأبواب والحجب
له خلائق بيض لا يغيرها … صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
وحدثنا حمد بن محمد كاتب ركن الدولة قال: دب بيني وبين أبي الفضل يعني ابن العميد بعض المفسدين فكتب إلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن تسفيق الكلام بيني وبينك موضوع، لأنك عن ذلك مرفوع، وقد رضيت أن تستأني فيما تسمع، فإذا صح به ذنب عاقبت بقدره، أباد أم أبقى، توسط أم تطرف، ولا أقول إلا ما قال الأول:
أطعت الوشاة الكاشحين ومن يطع … مقالة واش يقرع السن من ندم
أتاني عدو كنت أحسب أنه … علينا شفيق ناصح كالذي زعم
فلما تباثثنا الحديث وصرحت … سرائره عن بعض ما كان قد كتم
تبين لي أن المحرش كاذب … فعندي لك العتبي على رغم من زعم
قيل لصوفي: من الصديق؟ قال: من لم يجدك سواه، ولم يفقدك من هواه.
وقيل للشبلي: من الرفيق؟ قال: من أنت غاية شغله، وأوكد فرضه ونفله. قيل له: فمن الشفيق؟ قال: من إن دهمتك محنة قذيت عينه لك، وإن شملتك منحة قرت عينه بك. قيل له: من الوافي؟ قال: من يحكي بلفظه كمالك، ويرعى بلحظه جمالك. قيل له: فمن الصاحب؟ قال: من إن غاب تشوفت إليه الأحباب، وإن حضر تلقحت به الألباب. قيل: فمن النديم؟ قال: من إن نأى ذكر عند الكاس، وإن دنا ملك بالاستئناس.
كتب محمد بن عبد الملك بن محمد الزيات إلى إبراهيم بن العباس الصولي أيام مقامه بالأهواز كتاباً يقول فيه: قلة نظرك لنفسك حرمتك سنا المنزلة، وإغفالك حظك حطك عن أعلى الدرجة، وجهلك بقدر النعمة أحل بك اليأس والنقمة حتى صرت من قوة الأمل معتاضاً شدة الوجل، ومن رجاء الغد متعوضاً يأس الأبد، وركبت مطية المخافة بعد مجلس الأمن والكرامة، وصرت معرضاً للرحمة بعد ما تكنفتك الغبطة، وقد قال الشاعر:
إذا ما بدأت امرءاً جاهلاً … ببر فقصر عن حمله
ولم تره قابلاً للجمي … ل ولا عرف الفضل من أهله
فسمه الهوان فإن الهوا … ن دواء لذي الجهل من جهله
قد فهمت كتابك، وإغراقك وإطنابك، وإضافة ما أضفت بتزويق الكتب بالأقلام، وفي كفاية الله غنى عنك يا إبراهيم، وهوض منك، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فكتب إليه إبراهيم يستعطفه:
أخ كنت آوي منه عند إدكاره … إلى ظل أفنان من العز باذخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه … فأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
وإني وإعدادي لدهري محمداً … كملتمس إطفاء نار بنافخ
فما نجع فكتب:
وكنت أخي بإخاء الزمان … فلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت أذم إليك الزمان … فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبا … ت فها أنا أطلب منك الأمانا
فلم يثن ذلك محمداً فكتب إليه كتاباً غليظاً وكتب في آخره:
أبا جعفر خف نبوة بعد دولة … وعرج قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن يك هذا اليوم يوماً حويته … فإن رجائي في غد كرجائكا
فما مرت الأيام حتى كان من أمر محمد ما كان، وولي إبراهيم ديوان الرسائل فأمر أن ينشأ فيه رسالة بقلة طاعته ففعل.
كان بين أبي الخطاب الصابي وبين أبي كعب الداهية التي لا ترام بعد صداقة كانت زائدة على شبكة الرحم، ولحمة النسب، فقيل له – أعني أبا الخطاب – كيف أنت مع ابن كعب فأنشد:
خليلان مختلف شأننا … أريد العلاء ويبغي السمن
وكان ابن الجلاء الزاهد بمكة يقول لأصحابه: اطلبوا خلة الناس في هذه الدنيا بالتقوى تنفعكم في الدار الأخرى، ألم تسمعوا الله تعالى يقول: ” الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ” .
وقال الحراني في تصنيف الناس: منهم من هو كالغذاء الذي يمسك رمقك ولابد لك منه على كل حال، لأنه قوام حياتك، وزينة دهرك، ومنهم من هو كالدواء يحتاج إليه في الحين بعد الحين على مقدار محدود، ومنهم من هو كالسهم الذي لا ينبغي أن تقربه فإنه سبب هلكتك.
قيل لأعرابي: كيف أنسك بالصديق؟ قال: وأين الصديق، بل أين الشبيه به، بل أين الشبيه بالشبيه به؟ والله ما يوقد نار الضغائن والذحول في الحي إلا الذين يدعون الصداقة، وينتحلون النصيحة، وهم أعداء في مسوك الأصدقاء وما أحسن ما قال حضريكم:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو في ثياب صديق
وقال آخر:
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم … مرمتها فالدهر بالناس قلب
وبادر بمعروف إذا كنت قادراً … وحاذر زوالاً من غنى عنك يعقب
فأحسن ثوبيك الذي هو لابس … وأفره مهريك الذي هو يركب
أيضاً:
اجعل صديقك من إذا أحببته … حفظ الإخاء وكان دونك يضرب
واطلبهم طلب المريض شفاءه … ودع اللئيم فليس ممن يصحب
يعطيك ما فوق المنى بلسانه … ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
واحذر ذوي الملق اللئام فإنهم … في النائبات عليك ممن يخطب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي … والنصح أفضل ما يباح ويوهب
آخر:
خير إخوانك المشارك في الض … ر وأين الشريك في الضر أينا؟
لا يني جاهداً يحوطك في الحض … ر فإن غبت كان أذناً وعينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم … بدلوا كل ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعاً: … أنت من أكرم البرايا علينا
وقلت لأبي المتيم الصوفي الرقي: كيف حالك مع فلان؟ قال: نتداوى بالرياء إلى أن يفرج الله، قلت: هلا تخالصتما عن الرياء والنفاق؟ فقال: والله إن خوفي من أن يصير الرياء والنفاق مكاشفة، والمكاشفة مفارقة، أشد من خوفي من الرياء. والعجب أن المؤونة علينا في الصبر على هذه الحال أغلظ من المؤون لو تصافينا، إلا أن التصافي لا يكون مني وحدي، ولا منه وحده، ولعله يتمنى ذلك مني، كما أتمنى ذلك منه، ولكن لا يطابق ذلك مطابقة لحيلولة الزمان، والفساد العام، وغلبة ما لا سبيل إلى تغييره، طلعت الأرض بأهلها، والحاجة ماسة إلى كلمة طرية، ودعوة فاشية، وأمر جامع، حتى تأتلف القلوب، وتنتفي العيوب، وهذا إلى الله الذي خلق الخلق، ودبر الشأن، وتفرد بالغيب، وتعزز بالقدرة، وكما أن في السنة الواحدة للزمان أحوالاً في الحر المفرط، والحر المتوسط، والبرد المتوسط، كذلك للدهر المديد أحوال في الخير العام، والشر العام، والخير الخاص، والشر الخاص، والعاقل من لا يتمنى مالا يوجد، ولكن يصبر على ما يجد إن حلواً فحلواً، وإن مراً فمراً، إلى أن يأذن الله بالفرج من حيث لا يحتسب.
قال معمر صاحب عبد الرزاق: ما بقي من لذات الدنيا إلا محادثة الإخوان، وأكل القديد، وحك الجرب، والوقيعة في الثقلاء.
قال الشاعر:
وما بقيت من اللذات إلا … محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً … فقد صاروا أقل من القليل
قال الأحنف: لا خير في صديق لا وفاء له، ولا خير في منظر لا مخبر له، ولا خير في فقه لا ورع معه.
قال العتبي: قال أعرابي: إذا استخار العبد ربه، واستشار صديقه، واجتهد رأيه فقد قضى ما عليه لنفسه، ويقضي الله في أمره ما أحب.
توفي ابن ليونس بن عبيد فقيل له: إن ابن عون لم يأتك. فقال: إنا إذا وثقنا بمودة أخ لا يضرنا أن لا يأتينا.
وحدثني العروضي قال: لما دعا السلطان علي بن عيسى من مكة تلقاه قوم من بغداد إلى زبالة وإلى ما فوقها ودونها، فلما قرت به الدار بمدينة السلام أتاه قوم لم يجشموا لقيه، فقال: كم من إنسان قعد لم يرم مجلسه حتى وافيناه فكان ألوط بقلوبنا، وأسكن في أسرارنا من قوم جشموا المسير إلى زبالة، إلا أن المودة هي الأصل، والصداقة هي الركن، والثقة هي الأساس، وما عدا ذلك فمحمول عليه، ومردود إليه.
قال يحيى بن أكثم: كنت أرى شيخاً يدخل على المأمون في السنة مرة، وكان يخلو به خلوة طويلة ثم ينصرف فلا نسمع له خبراً، ولا نرى له أثراً، لا نقدم على المسألة عنه فلما كان بعد قال لنا المأمون: واأسفاً على فقد صديق مسكون إليه، موثوق به، يلقى إليه العجر والبجر، ويقتبس منه الفوائد والغرر، قلنا وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أما كنت ترى شيخاً يأتينا في الفرط، ونخلو به من دون الناس؟ قلت: بلى، قال: فإنه قد تأخر عن إبانه، وأظن أنه قد قضى، قلت: الله يمد في عمر أمير المؤمنين، وما في ذلك؟ قال: كان صديقي بخراسان، وكنت أستريح إليه استراحة المكروب، وأجد به ما يوجد بالولد السار المحبوب ولقد كنت أستمد منه رأياً أقوم به أود المملكة، وأصل به إلى رضاء الله في سياسة الرعية، وآخر ما قال لي عند وداعه أن قال: يا أمير المؤمنين إذا استقش ما بينك وبين الله تعالى فابلله، قلت: بماذا يا صاحب الخير؟ قال: بالاقتداء به في الإحسان إلى عباده، فإنه يحب الإحسان إلى عباده، كما تحب الإحسان إلى ولدك من حاشيتك، والله ما أعطاك الله القدرة عليهم إلا لتصر على إحسانك إليهم بالشكر على حسناتهم، والتغمد لسيئاتهم، وأي شيء أوجه لك عند ربك من أن تكون أيامك أيام عدل وإنصاف، وإحسان، وإسعاف، ورأفة، ورحمة، ومن لي يا يحيى بمثل هذا القائل، وأنى لي بمن يذكرني بما أنا إليه صائر.
لما وقع الاختلاف بالمدينة خرج عروة بن الزبير إلى العقيق، واعتزل الناس، فعاتبه إخوانه فقال: رأيت ألسنتهم لاغية، وأسماعهم صاغية، وقلوبهم لاهية، فخفت أن تلحقني منهم الداهية، وكان لي فيما هنالك عنهم عافية.
قال سويد الصامت:
ألا رب من تدعو صديقاً ولو ترى … مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشهد ما كان شاهداً … وبالغيب صاب مستفيض من الثغر
يسرك باديه وتحت أديمه … نمية غش تلوها دبر الظهر
تحدثني العينان ما القلب كاتم … ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد اردته … فخير الموالي من يريش ولا يبري
قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق صديق تحتاج معه إلى المداراة، وبئس الصديق صديق تحتاج أن تقول له: أذكرني في دعائك، وبئس الصديق صديق يلجئك إلى الاعتذار.
قال الأعمش: أدركت أقواماً كان الرجل منهم لا يلقى أخاه شهراً وشهرين فإذا لقيه لم يزده على كيف أنت، وكيف الحال، ولو سأله شطر ماله لأعطاه، ثم أدركت أقواماً لو كان أحدهم لا يلقى أخاه يوماً سأله عن الدجاجة في البيت، ولو سأله حبة من ماله لمنعه.
كأن معالم الخيرات س … دت دونها الطرق
وخان الناس كلهم … فما أدري بمن أثق
فلا عقل ولا حسب … ولا دين ولا خلق
لقي رجل صاحباً له فقال له: إني أحبك، فقال: كذبت، لو كنت صادقاً ما كان لفرسك برقع وليس لي عباءة.
وقيل لأبي العريب المصري: إذا كان الرجل يحب صاحبه، ويمنعه ماله، أيكون صادقاً؟ قال: يكون صادقاً في حبه، مقصراً في حقه.
قال مالك بن دينار: إخوة هذا الزمان مثل مرقة الطباخ في السوق طيب الريح لا طعم له.
قال الأحنف: خير الإخوان من إذا استغنيت لم يزدك في المودة، وإذا احتجت إليه لم ينقصك.
قال أبو يعقوب: دخلنا على أبي المطيع القرباني نسأله الحديث فقدم إلينا طعاماً فأمسكنا عنه فقال: يا هؤلاء كانت المواساة بين الإخوان قبلنا بالضياع، والرباع، والبراذين، والمماليك، والدور والبدور، فصارت اليوم إلى هذا وهو مروؤتنا، فإن أمسكتم عن هذا أيضاً ذهب هذا القدر، وماتت سنة السلف فلا تفعلوا، فأقبلنا عليه وأكلنا.
قال بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكرك برؤيته ربك، خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً.
قال يحيى بن معاذ: واشوقاه إلى حبيب إذا غضب عفا، وإذا رضي كفى.
قلت لأبي سليمان: هل يلاث ما بين الصديقين، وهل يفضيان إلى هجر، وهل يفزعان إلى عتب؟ فقال: أما ما دامت الصداقة قاصرة عن درجتها القاصية، فقد يعرض هذا كله بينهما، لكنهما يرجعان فيه إلى أس المودة، وإلى شرائط المروءة، وإلى مالا يهتك سجف الفتوة، وأما الهجر فإن حدث حدث جميلاً، ولا مستمر لحوافز الشوق إلى المعهود، ومحركات النفس إلى التلاقي، وأما العتب فربما أصلح ورد الفائت، وشعب الصدع، ولم الشعث، والإكثار منه ربما عرض بالحقد، وأحدث نوعاً من النبو، وقد قيل: وما صافيت من لا تعاتبه، وربما كان العود إلى الصفاء بعد هذا الكدر فوق ما عهداه في الأول. وقال الأول:
أناس أمناهم فنموا حديثنا … فلما كتمنا السر عنهم تقولوا
ولم يحفظوا الود الذي كان بيننا … ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا
قلت فما الفرق بين الصداقة والعلاقة؟ فقال: الصداقة أذهب في مسالك العقل، وأدخل في باب المروءة، وأبعد من نوازي الشهوة، وأنزه عن آثار الطبيعة، وأشبه بذوي الشيب والكهولة، وأرمى إلى حدود الرشاد، وآخذ بأهداب السداد، وأبعد من عوارض الغرارة والحداثة.
فأما العلاقة فهي من قبل العشق، والمحبة، والكلف، والشغف، والتتيم، والتهيم، والهوى، والصبابة، والتدانف، والتشاجي. وهذه كلها أمراض أو كالأمراض بشركة النفس الضعيفة، والطبيعة القوية، وليس للعقل فيها ظل، ولا شخص، ولهذا تسرع هذه الأعراض إلى الشباب من الذكران والإناث، وتنال منهم، وتملكهم، وتحول بينهم وبين أنوار العقول، وآداء النفوس، وفضائل الأخرق، وفوائد التجارب، ولهذا وأشباهه يحتاجون إلى الزواجر، والمواعظ، ليفيئوا إلى ما فقدوه من اعتدال المزاج، والطريق الوسط. على أن العشق والمحبة وما يحويهما فيهما كلام من نحو آخر. وأنشد أبو عبيدة:
إن كنت لا تصحب إلا فتى … مثلك لم تقرن بأمثالكا
فأغض عينيك على ما ترى … فالمسك قد يستصحب الرامكا
يقال: رامك ورامك، سمعته من الحسن بن عبد الله الإمام السيرافي.
عتب ابن ثوابة أبو العباس على سعيد بن حميد في شيء فكتب إليه سعيد:
أقلل عتابك فالزمان قليل … والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه … إلا بكيت عليه حين يزول
والمنتمون إلى الإخاء جماعة … إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولكل نائبة ألمت مدة … ولكل حال أقبلت تحويل
فلئن سبقت لتبكين بحسرة … وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق … حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين … من لا يشاكله لدي عديل
وليذهبن جمال كل مروءة … وليقفرن فناؤها المأهول
ولذاك نكلف بالعتاب وودنا … باق عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء صفاؤه … وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة … فعلام يكثر عتبنا ويطول؟
آخر:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة … فكن أنت محتالا لزلته عذرا
آخر:
البس أخاك على تصنعه … فلرب مفتضح على النص
ما كدت أفحص عن أخي ثقة … إلا ذممت عواقب الفحص
آخر:
احذر مودة ماذق … مزج المرارة بالحلاوه
يحصي الذنوب عليك … أيام الصداقة للعداوه
سعيد بن حميد:
لقد ساءني أن ليس لي عنك مذهب … ولا لك في حسن الضيعة مرغب
أفكر في ود تقادم بيننا … وفي دونه قربى لمن يتقرب
وأنت سقيم الود رث حباله … وخير من الود السقيم التجنب
تسيىء وتأبى أن تعقب بعده … بحسنى وتلقاني كأني مذنب
واحذر إن جازيت بالسوء والقلى … مقالة قوم، ودهم عنك أجنب
أساء اختياراً أو عرته ملالة … فعاد يسيء الظن أو يتعقب
فخبت من الود الذي كنت أرتجي … كما خاب راجي البرق، والبرق خلب
وقال أعرابي: كثرة العتاب إلحاف، وتركه استخفاف.
وحدثنا ابو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي قال: كتب إلي أبو الشهم الحرمي أيام الشبيبة في خلافة المعتمد، والزمان موآت، والعيش رفيق، والأمل قوي، وطائر السعد مرنق، وغدير الأنس مغدودق: ما أحوجك أيها الفتى المقتبل، والصاحب المؤمل، إلى أخ كريم الأخوة، كامل المروة، إذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده لك من المودة، وإن لقي عدوك كف عنك غرب العادية، وإذا رأيته ابتهجت، وإذا باثثته استرحت. قال: فأجبته، هون عليك فليس هذا بأول متمنى فائت والسلام.
أخبرني المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا المبرد، حدثنا أبو عمر قال الأصمعي: دخلت على الخليل وهو جالس على حصير صغير فقال: تعال واجلس، فقلت: أضيق عليك، فقال: مه فإن الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وإن شبراً في شبر يسع متحابين!.
قال بعض السلف: ضربة الناصح خير لك من تحية الشانىء، ولا فضل للمرائي بالود على مظهر الشنآن.
قال أبو جعفر الشاشي: قد أصاب في الكلمة الأولى، فأما في الكلمة الثانية فهو مقصر، لأن المرائي له ظاهر يحمد وإن كان له باطن يذم، وليس كذلك الشنآن، فإنه ليس له باطن يحمد، ولا ظاهر يقبل، فقد بان فضل المرائي بالود على صاحبه. والمرائي قد يبلغ لك كثيراً من محابك، والرياء ستر سابغ، وليس بينه وبين الإخلاص إلا عقدنية، وضمير نفس، وصدق غيب، وصلاح سر.
وسمعت ابن شاهين يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: استعيذوا بالله من شرار الناس، وكونوا من خيارهم على حذر.
شاعر:
ثلاثة أصفيتهم إخائي … كأنهم كواكب الجوزاء
عطارديون يرون رأيي … كأنما أهواؤهم أهوائي
آخر:
خلان لي أمرهما عجيب … كل لكل منهما حبيب
ما لي في نجواهما نصيب … كأنني بينهما رقيب
وقال الأول:
قد ألبس المرء فيه العيب أعرفه … ولا أحب إخاء الكاذب الملق
حيناً وأطويه أستبقي ملولته … طي الرداء على أثنائه الخرق
آخر:
لحى الله من لا ينفع الود عنده … ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة … تقضت بها أسباب كل قرين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم … على خلق، خوان كل أمين
آخر:
عاشر الناس بالجميل … وسدد وقارب
واحترس من أذى الكرام وج … د بالمواهب
لا يسود الجميع من … لم يقم بالنوائب
ويحوط الأدنى وير … عى ذمام الأقارب
فهم ذو فطانة … عالم ذو تجارب
لا تواصل إلا ال … شريف الكريم الضرائب
واجتنب وصل كل و … غد دنىء المكاسب
نيرب لا يزال يو … قد نار الحباحب
لا تبع عرضك المص … ون بعرض المكالب
أنا للشر كاره … وله غير هائب
آخر:
بلاء ليس يشبهه بلاء … عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضاً لم يصنه … ويرتع منك في عرض مصون
والذين ضجوا من إخوانهم الذين وثقوا بهم فخانوهم، وبكوا بالدموع الغزيرة على ما فاتهم منهم، وساءت ظنونهم بغيرهم، فكثير بثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. هذا فرار بن سيار روى له ابن الأعرابي قوله:
جزى الله عني مرة اليوم ما جزى … شرار الموالي حيث يجزي المواليا
إذا ما رأى من عن يميني أكلباً … عوين عوى مستجلباً عن شماليا
ويسألني أن كيف حالي بعده … على كل شيء ساءه الدهر حاليا
فحالي أني قد حللت ببلدة … أصبت بها داراً لأهلي وماليا
وحالي أني سوف أهدي له الخنا … وأمشي له المشي الذي قد مشى ليا
وهذا الأسود بن يعفر يقول:
إن امرءاً مولاه أدنى داره … فيما ألم وشره لك باد
إن قلت خيراً قال شراً غيره … أو قلت شراً مده بمداد
فلئن أقمت لأظعنن لبلدة … ولئن ظعنت لأرسين أوتادي
كان التفرق بيننا عن ميزة … فاذهب إليك فقد شفيت فؤادي
آخر:
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا … شراً أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا
آخر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً … مني، وما سمعوا من صالح دفنوا
فهذا باب طويل لا طمع في بلوغ آخره.
وقال آخر:
ما ودني أحد إلا بذلت له … صفو المودة مني آخر الأبد
ولا قلاني، وإن كنت المحب له … إلا دعوت له الرحمن بالرشد
ولا ائتمنت على سر فبحت به … ولا مددت إلى غير الجميل يدي
ولا أقول نعم يوماً فأتبعها … منعاً ولو ذهبت بالمال والولد
ولا أخون خليلي في حليلته … حتى أغيب في الأكفان واللحد
آخر:
لله في الأرض أجناد مجندة … أرواحها بيننا بالصدق تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف … وما تناكر منها فهو مختلف
وقال إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب:
من يشتري مني إخاء محمد … بل من يريد إخاءه مجانا
بل من يخلص من إخاء محمد … وله رضاه كائناً من كانا؟
آخر:
قل لمن شط المزار به … ليت شعري عنك ما خبرك
أعلى حفظ لحرمتنا … أم عفا من ودنا أثرك
وكتب الحراني إلى صديق له:
؟بسم الله الرحمن الرحيم
إن كان ذهولك عن الدنيا اخضلت، وهطل عليك سماؤها، وأربت بك ديمها، فإن أكثر ما يجري في الظن بك، بل في اليقين منك، أملك ما يكون لغنانا أن يجمع بك، ولنفسك أن تستعلي عليك، إذا لانت لك أكنافها، وانقاد في كفك زمامها، لأنك لم تنل ما نلته خطفاً وخلساً، ولا عن مقدار أزحف إليك غير حقك، ومال إليك سوى نصيبك، فإن ذهبت إلى أن حقك قد يحتمل في قوته وسعته أن يضاف إليه الجفوة والنبوة، فيتضاءل في جنبه ويصغر عن كبيره، فغير مدفوع عن ذلك، وايم الله لولا ما منيت به النفس من الضن بك، وأن مكانك منها لا يسده غيرك لتنحيت عنك، وذهلت عن إقبالك وإدبارك، ولكان في جفائك ما يكسر من غربها، ويبرد من غليلها، ولكنه كما تكاملت النعمة لك، تكاملت الرغبة فيك.
بشار:
ربما يثقل الجليس وإن كا … ن خفيفاً في كفة الميزان
سمعت أحمد بن محمد الكاتب يحكي: قال العتابي: لا أحب رجلاً نقل إلي ما كرهت عن صديقي فغيرني له، ولا عن عدو فحملني على طلب الانتصار منه، ومع ذلك فلم يستحي بأن واجهني بما ساءني سماعه. أما قوله :
قد كنت أبكي على ما فات من سلفي … وأهل ودي جميعاً غير أشتات
فاليوم إذ فرقت بيني وبينهم … نوى: بكيت على أهل المودات
فليس ما نحن فيه بسبيل، لأن الكلام في الصداقة على كرم العهد، وبذل المال، وتقديم الوفاء، وحفظ الذمام، وإخلاص المودة، ورعاية الغيب، وتوقر الشهادة، ورفض الموجدة، وكظم الغيظ، واستعمال الحلم، ومجانبة الخلاف، واحتمال الكل، وبذل المعونة، وحمل المؤونة، وطلاقة الوجه، ولطف اللسان، وحسن الاستنابة والثبات على الثقة، والصبر على الضراء، والمشاركة في البأساء، والعلاقة، وإن كانت تستعير من هذه الأبواب شيئاً فليس ذلك لأنه من عتادها وأساسها، ولا ما لا يتم إلا به، ولكن من أجل التحسن والتزين، وهذا الذي قاله هذا الشيخ كلام قصد، قريب، سليم، مقبول، ولسنا نتعقبه بنقص، ولا نقدح فيه باعتراض، لأن العاشق والمعشوق ليسا من الصديق والصديق، وإن كانوا يتشابهون ببعض الأخلاق، ويتلاقون في بعض الأحوال، فليكن هذا الرسم كافياً محفوظاً، فإن المغالطة قد تقع في هذا كثيراً، والإنصاف يقوم عليه دائماً.
قال القرباني محمد بن يوسف: قلت للثوري: إني أريد الشام فأوصني قال: إن قدرت أن تنكر كل من تعرف فافعل، وإن استطعت أن تستفيد مائة أخ، حتى إذا خلصوا لك تسقط منهم تسعة وتسعين، وتكون في الواحد شاكاً فافعل.
قد شدد هذا الشيخ كما ترى، ولست أرى هذا المذهب محيطاً بالحق، ولا معلقاً بالصواب، ولا داخلاً في الإنصاف، فإن الإنسان لا يمكنه أن يعيش وحده، ولا يستوي له أن يأوي إلى المقابر، ولابد له من أسباب بها يحيى، وبأعمالها يعيش، فبالضرورة ما يلزمه أن يعاشر الناس، ثم بالضرورة ما يصير له بهذه المعايشة، بعضهم صديقاً، وبعضهم عدواً، وبعضهم منافقاً، وبعضهم نافعاً، وبعضهم ضاراً، ثم بالضرورة يجب عليه أن يقابل كل واحد منهم بما يكون له مرد من دين، أو عقل، أو فتوة، أو نجدة، ويستفيد هو من ذلك كله ما يكون خاصاً به، وعائداً بحسن العقبي عليه، إما في العاجل، وإما في الآجل، ولعزة الحال في وجدان الصديق، وتعذر السلامة على القريب والبعيد، قال القائل:
كن لثغر البيت حلسا … وارض بالوحدة أنسا
واغرس الناس بأرض ال … زهد ما عمرت غرسا
وليكن يأسك دو … ن الطمع الكاذب ترسا
لست بالواحد حراً … أو ترد اليوم أمسا
ما وجدنا أحداً س … اوى على الخبرة فلسا
قال علي بن عبيدة: إنه لا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ولا إخاء لمن يريد أن يجمع هوى أخلائه له حتى يحبوا ما أحبل، ويكرهوا ما كره، وحتى لا يرى منهم زللاً ولا خللاً.
بعث النضر بن الحارث إلى صديق له بعبادان نعلين مخصوفتين وكتب إليه: إني بعثت بهما إليك، وأنا أعلم أنك عنهما غني، لكني أحببت أن تعلم أنك مني على بال والسلام.
فأجابه: ما أنا بغني عن برك الذي يحثني على شكرك، ويخرطني في سلكك، ويزيدني بصيرة بزيادة الله عندك ومحبتك لأن أعلم أني منك على بال لأن يقيني بذلك راسخ، وحمدي عليه غاد ورائح، لاعدمتك لي أخاً باراً، ولا عدمتني لك قائلاً ساراً.
وقال الشاعر:
تكثر من الإخوان ما استطعت إنهم … كنوز إذا ما استنجدوا وظهور
وما بكثير ألف خل وصاحب … وإن عد منهم واحد لكثير
وقيل: لو تكاشفتم ما تدافنتم.
قال أبو غسان غناة بن كليب: اجتمعت أنا ومحمد بن النضر الحارثي وعبد الله بن المبارك، والفضييل ورجل آخر فصنعت لهم طعاماً فلم يخالف محمد بن النضر علينا في شيء، فقال له ابن المبارك: ما أقل خلافك فأنشد:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً … ذا حياء وعفاف وكرم
قوله للشيء لا إن قلت: لا … وإذا قلت: نعم قال: نعم
وأنشد أبو حاتم:
لعمري لقد ألفتني الهموم كما يألف الصاحب الصاحبا
فأما السرور فمثل العدو إذا ما رآني نأى جانبا
قيل لعبد الله بن أبي بكرة: أي شيء أمتع؟ قال: ممازحة محب، ومحادثة صديق، وأماني تقطع بها أيامك.
وقال الشاعر:
الناس أشباه السباع فانشمر … فمنهم الذئب ومنهم النمر
والضبع العثواء والليث المبر
آخر:
أخ لي يعطيني إذا ما سألته … ولو لم أعرض بالسؤال ابتدانيا
آخر:
ومن نكد الدنيا على الحرأن يرى … عدواً له ما من صداقته بد
آخر:
إذا أنت عاتبلت الخليل فلم يكن … بودك لم يعتبك حين تعاتبه
سمعت ابن كعب يقول: العتاب مذلة، وقل من بدأ به متظاهراً إلا وثاب عنه خاسراً، وربما أورث ما هو أضر مما عتب عليه، ومن نكده أنه يضطر إليه، وله ورد حلو، وصدر مر، ومأخذ سهل، ومترك صعب، على أن المودة كلما كانت أخلص، كانت أعراضها المفسدة أكثر، وقد قال الأول:
وما أنا في عتبي بأول ذي هوى … رأى بعض مالا يشتهي فتعتبا
ولقد أحسن الآخر في قوله:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً … صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أوصل أخاك فإنه … مقارف ذنب مرة ومجانبه
آخر:
وليس بمغن في المودة شافع … إذا لم يكن بين الضلوع شفيع
آخر:
رأيتك تفرى للصديق نوافذاً … عدوك من أوصابها الدهر آمن
وتكشف أسرار الأخلاء مازحاً … ويا رب مزح عاد وهو ضغائن
سأحفظ ما بيني وبينك صائناً … عهودك، إن الحر للعهد صائن
فألقاك بالبشر الجميل مداهناً … فلي منك خل، ما علمت، مداهن
أنم بما استودعته من زجاجة … ترى الشيء فيها ظاهراً وهو باطن
آخر:
عذيري من صديق لا يبالي … أأعذر في الحوادث أم ألاما
سرت نحوي نوائبه فرادى … فلم أجفل بها فسرت تؤاما
وأظمأني فلما رمت سقياً … سقاني غير مكترث سماما
آخر:
لا تطفئن جوى بعتب إنه … كالريح تغري النار بالإحراق
آخر:
ولا خير في ود امرىء متكاره … عليك، ولا في صاحب لا توافقه
آخر:
ألا أن خير الود ود تطوعت … به النفس، لا ود أتى وهو متعب
آخر:
إني إذا ما الخليل أحدث لي … صرماً ومل الإخاء أو قطعا
لا أحتسي ماءه على رنق … ولا يراني لبينه جزعا
سمع هذا ابن كعب فقال: ظلم، لم لا أحتسي ماءه على رنق، ولم لا أجزع لبينه، ولم لا أستصلحه، وأتلطف له، ولم أحرج عنه إذا أحدث لي صرماً؟ ولعل صرمه عارض، وملله عن غير عقيدة، وقطعه غلط، كأن الصديق مكسوب بسهولة، وموجود متى طلب، وهيهات! قال المأمون لعبد الله بن طاهر:
أخي أنت ومولاي … ومن أشكر نعماه
وما أحببت من أمر … فإني الدهر أهواه
وما تكره من شيء … فإني لست أرضاه
لك الله على ذاك … لك الله لك الله
وقال آخر:
ومولى كأن الشمس بيني وبينه … إذا ما التقينا لست ممن أعاتبه
آخر:
أكاشره وأعلم أن كلا … على ما ساء صاحبه حريص
وقال آخر:
أكرم رفيقك واعلم حين تصحبه … أن الرفيق أخ ما ضمه السفر
آخر:
الصدق أفضل ما حصرت به … ولربما نفع الفتى كذبه
ومن البلاء أخ جنايته … علق بنا، ولغيرنا نشبه
وقال عروة بن الورد:
فدع ما لمت صاحبه عليه … فشين أن يلومك من تلوم
كتب المعتصم إلى ابن ظاهر عبد الله: إياك أن تريني وجهك، فإني لست آمن نفسي عليك، ولك من قلبي مكان، ما أوثر أن يؤثر فيه ما يحيله عن صورته، ولأن تكون بعيداً وأنا لك، خير من أن تكون قريباً وأنا عليك، ولأن لا تراني وأنا واثق بك، أنفع لك من أن أراك وأنا ظنين فيك، وإذا صدقتك عما حنيت عليه ضلوعي من أمرك، فقد قضيت حقك في كفايتك، واستدمت به صفاء ضميرك، ولة قرأت لي ألف كتاب بالورود، فلا تعمل عليه، ولا يرخصن عندك هذا القول فإن تحته وجداً بك، واستنامة إليك، وابتهاجاً بمكانك، وازدياناً بخبرك وعيانك، واكتم هذه الحروف عن كل عين رائية، ولا تدل على شيء منه مصرحاً، ولا معرضاً، والزم فناء عزك، واستنشق نسيم شوقي إليك، وتطعم حلاوة ثقتي بك، وشم بارقة عتب إذا مع نقع، وإذا أمسك أهلك، وإذا در بر، وإذا أقلع أجزع.
كتب أبو بكر لرجل كتاباً في شيء جعله قطيعة له فحمله الرجل إلى عمر بن الخطاب ليمضيه: فلما نظر عمر فيه بزق عليه ومحاه، فعاد الرجل مستعراً إلى أبي بكر فقال: فعل عمر كذا وكذا، والله ما أدري أأنت الخليفة أو عمر، فقال أبو بكر: هو، إلا أنه أنا! وكان الزهري يرويه: إلا أنه أبلى، وعلى الوجهين المراد صحيح، والمرمى عال، والغاية بعيدة.
قيل لأعرابي: أبا لصديق أنت آنس أم بالعشيق؟ فقال: يا هذا الصديق لكل شيء، للجد والهزل، وللقليل والكثير، ولا عاذل عليه، ولا قادح فيه، وهو روضة العقل، وغدير الروح.
فأما العشيق فإنما هو للعين، وبعض الريبة، والعذل إليه من أجله سريع، وفي الولوع به إفراط مزجور عنه، وحد موقوف دونه، فأين هذا من ذاك؟ نهار بن توسعة:
عتبت على سلم فلما فقدته … وجربت أقواماً بكيت على سلم
آخر:
ونعتب أحياناً عليه ولو مضى … لكنا على الباقي من الناس أعتبا
قال أعرابي: تصف عقلك مع أخيك فالقه واستشره.
شاعر:
واحفظ صديق أبيك حين وجدته … واحب الكرامة من بدا فحباكها
آخر:
قبح الإله عداوة لا تتقي … وقرابة يدلى بها لا تنفع
آخر:
فتى لا يرزأ الخلان إلا … مودتهم ويرزأه الخليل
آخر:
وكل إمارة عما قليل … مغيرة الصديق على الصديق
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن مألفة.
قال أبو سعيد السيرافي: معناه أنه يؤلف ولا يجوز أن يؤلف حتى يألف، فذكر المثال الذي يقع الفعل فيه ومنه.
وقال بعض السلف: خير الناس إلف الناس للناس.
وقال الشاعر:
أقلل زيارتك الصدي … ق تكن كثوب تستجده
إن الصديق يغمه … أن لا يزال يراك عنده
وقال أبو هريرة: لقد دارت كلمة العرب: زرغباً تزدد حباً إلى أن سمعت من الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه، ولقد قالها لي.
قال العسجدي: ليست هذه الكلمة محمولة على العام، ولكن لها مواضع يجب أن تقال فيها، لأن الزائر يستحقها، ألا يرى أنه صلى الله عليه وآله وأصحابه لا يقول ذلك لأبي بكر، ولا لعلي بن أبي طالب وأشباههما، فأما أبو هريرة فأهل لذاك لبعض الهنات التي يلزمه أن يكون مجانباً لها، وحائداً عنها وقد قال الشاعر:
إذا شئت أن تقلى فزر متواتراً … وإن شئت أن تزداد حباً فزرغبا
آخر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة … ولكن عين السخط تبدي المساويا
آخر:
زر قليلاً لمن يودك غباً … فدوام الوصال داعي الملال
للعتابي:
ولقد أقول تصبراً وتكرماً … لما تخرم ودك الأيام
إن تجفني فلطالما قربتني … هذا بذاك وما عليك ملام
سعيد بن حميد:
إذا كثرت ذنوب من خليل … فقفه بين وصل واجتناب
وأنظره فللأيام حكم … بذلك كل ماضي العزم آب
وعاتبه فكم أبدي عتاب … جلية مشكل بعد ارتياب
ورج النفع في الإعراض عنه … إذا أخفقت من نفع العتاب
وراجعه بعفوك حين يثني … عناناً للرجوع أو الإياب
فإن العفو عن ذي الحزم أولى … إذا قدرت يداك على العتاب
فإنك واجد للحي ذنباً … وتعدم ذنب من تحت التراب
آخر:
تغير لي فيمن تغير حارث … وكم من فتى قد غيرته الحوادث
أحارث إن شوركت فيك فطالما … عتبنا وما بيني وبينك ثالث
سعيد بن حميد:
جعلت لأهل الود ألا أريبهم … بغدر، وإن مالوا إلى جانب الغدر
وإن أجزي الود الجميل بمثله … وأقبل عذراً جاء من جهة العذر
واحملهم مني على حكم منصف … تعلم حزم الرأي من عقب الدهر
وإن يدعني وصل أجبه ملبياً … وإن يدعني هجر أجب داعي الهجر
وقال:
وكنت إذا ما صاحب مل صحبتي … صددت، وبعض الصد في الحب أمثل
وقلت جميلاً حين أصرم حبله … فإن كان لم يأت التي هي أجمل
وقال:
أشكو إلى الله جفاء امرىء … ما كان بالجافي ولا بالملول
كان وصولاً دائماً عهده … خير الأخلاء الكريم الوصول
ثم ثناه الدهر عن رأيه … فحال والدهر بقوم يحول
فإن يعد اشكر له فعله … وإن يطل هجراً فصبر جميل
آخر:
أردت عتابكم فصفحت إني … رأيت الهجر مبدأه العتاب
آخر:
من كان لا يرجى لرفع شان … ودفع لأواء عن الإخوان
وليس في الدين بمستعان … فعيشه وموته سيان
آخر:
الناس من خادع ومختدع … وكلهم مانع لما حازا
تعاملوا بالخداع بينهم … ما جوز الناس بينهم جازا
آخر:
وصاحب كان لي وكنت له … أشفق من والد على ولد
كنا كساق يمشي بها قدم … أو كذراع نيطت إلى عضد
وكان لي مؤنساً وكنت له … ليست بنا وحشة إلى أحد
حتى إذا استرفدت يدي يده … كنت كمسترفد يد الأسد
وروي عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه حتى يحبه فإن القلوب تتجارى.
وروي أيضاً أنه قال صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة تتلاقى في الهواء، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
وقال رجل لشبيب بن شيبة: إني لأخلص لك الثقة، وأصفي لك المودة، قال شبيب: أشهد على صدقك وعلى صحة ودك، قال: وكيف تشهد على غيبتي وليس معي من الشاهد إلا قولي، قال: لأنك لست بجار قريب، ولا ابن عم نسيب، ولا مشاكل في صناعة فنسترهنك أسباب المحاسدة.
قال عدي بن زيد:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة … على المرء من وقع الحسام المهند
وقلت لأبي سليمان: لم صار التنافس والتعادي وما أشبههما في ذوي القربى أكثر وأشد، وهذا كالشيء المتعالم، وهو غني عن البرهان وإعادة القول والبيانن وليس ذلك كذلك مع الأجانب والأباعد، فإن كان كالشاذ، كما أن التصافي والتخالص أيضاً في ذوي الرحم كالشاذ؟ فقال: إن ذوي القرابة والرحم والنسب يرى كل واحد منهم أنه أولى وأحق بحيازة ما لأبيه وعمه، وأن غيره في ذاك كالمزاحم والدخيل والمتدلي، فتحفزه أعراض كثيرة من الحسد والغيرة والتنافس، على أن يكون هو وحده حاوياً لتلك المواريث من المال، والجاه، والقدر، والمنزلة، وهذه الأعراض لا تعتري الإنسان في البعيد والنسب، والبلد، واللغة، والصناعة والخلق. وكان كلامه أكثر من هذا لكني أوجزته، لأن الرسالة قد طالت، وأخاف أن تمل عند القراءة، وينسب واضعها إلى سوء الاختيار.
كان من دعاء ابن هبيرة: اللهم إني أعوذ بك من بوائق الثقات، ومن الاغترار بظاهر المودات.
وقال أيضاً: اللهم إني أعوذ بك من صديق مطر، وجليس مغر، وعدو يسر.
وقال علي بن ثابت:
إذا أديت حقاً لم أطأطىء … برأسي عند لقيان الصديق
وليس على مؤدي الحق لوم … وما هو للملامة بالحقيق
وإن ضيعت حقاً حدث عنه … كأني قد زنيت على الطريق
آخر:
لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ … حفي ولا ذي خلة أواصله
ولا من خليل ليس فيه غوائل … وشر الأخلاء الكثير غوائله
النمر بن تولب العكلي:
أحبب حبيبك هوناً رويداً … إذا أنت حاولت أن تحكما
آخر:
إذا المرء لم يحببك إلا تكرهاً … بدا لك من أخلاقه ما يغالبه
ابن سحيم:
إنما مولاك من ترمي به … من ترامي حين يشتد الوهل
وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
لقد عجبت وما بالدهر من عجب … يد تشح وأخرى منك تأسوني
وقال عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب:
لا يزهدنك في أخ … لك أن تراه زل زله
ما من أخ لك لا يعيب ولو حرصت الحرص كله
وله أيضاً:
لا تركبن الصنيع الذي … تلوم أخاك على مثله
ولا يعجبنك قول امرىء … يخالف ما قال في فعله
شاعر:
وأبيض قد نادمته فدعوته … إلى بدوات الأمر حلو شمائله
أخي ثقة إن ابتغ الجد عنده … أجده ويلهيني إذا شئت باطله
آخر:
وجرب حتى لو يشاء إذا رأى … أخا وجر أنباه بما ضمن الصدر
آخر:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه … فلما دعاني لم يجدني بقعدد
أي بضعيف. قال أبو سعيد السيرافي هذا أحد موضعي قعدد.
شاعر:
فما أصب إلى إلف أفارقه … وما تصدع أحشائي من الشفق
آخر:
أن المحب إذا تقادم عهده … نسي الحبيب وسام صاحبه القلى
العرب تقول: السؤال عن الصديق إحدى القرابتين.
آخر:
بأي جريرة أشكو الزمانا … لأول من وثقت به فخانا
آخر:
تجنب صديق السوء واصرم حباله … فإن لم تجد منه محيصاً فداره
وصادق إذا صادقت حراً أو امرءاً … كريماً من الفتيان يرعى لجاره
وقال:
هبوني امرءاً منكم أضل بعيره … له ذمة إن الذمام كبير
وللصاحب المتروك أعظم حرمة … على صاحب من أن يضل بعير
آخر:
وفيت كل صديق ودني ثمناً … إلا المؤمل دولاتي وأيامي
فإنني ضامن ألا أكافئه … إلا بتسويغه فضلي وإنعامي
آخر:
إذا كنت رباً للقلوص فلا يكن … رفيقك يمشي خلفها غير راكب
أنخها فاردفه فإن حملتكما … فذاك، وإن كان العقاب فعاقب
آخر:
كنا نعاتبكم ليالي عودكم … حلو المذاق وفيكم مستعتب
فالآن إذ ظهر التعتب منكم … ذهب العتاب فليس عنكم مذهب
آخر:
وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي … إذا صد عني ذو المودة أحرب
ولكنني إن دام دمت، وإن يكن … له مذهب عني فلي عنه مذهب
ولست إذا ذو الود ولى بوده … بمنصرف آثو عليه وأكذب
ألا إن خير الود ود تطوعت … به النفس لا ود أتى وهو متعب
يقال: أثا فلان بفلان إذا وشى به أثوا وإثاوة، سمعت ذلك من أبي سعيد السيرافي.
وأنشد اليزيدي فيما رواه لنا ابن سيف:
ألا إن إخوان الصفاء قليل … فهل لي إلى ذاك القليل سبيل
قس الناس تعرف غثهم من سمينهم … فكل عليه شاهد ودليل
آخر:
دعني من المرء وأعراقه … وماله الجم وأوراقه
فما الفتى كل الفتى غير من … يستعبد الناس بأخلاقه
أخوك من إن خفت من حادث … حللت منه بين آماقه
ليس بغدار ولا خائن … ولا كذوب الوعد مذاقه
ولا الذي يخبر عن وده … والفعل لا يأتي بمصداقه
طوعك ما دامت له سوقة … حتى إذا ارتاب بأسواقه
وأبصر الشر بدا مقبلاً … شمر للمكروه عن ساقه
يذم عند الناس إخوانه … ويمدح الذم بإشفاقه
يا ليته أعفاك من لسعة … ومن أياديه وأرقاقه
لا خيره قام به شره … ولا أفاعيه بدرياقه
وقال آخر:
وأغضي على أشياء لو شئت قلتها … ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا
وإن يك عودي من نضار فإنني … لأكره يوماً أن أحطم خروعا
آخر:
ويلقونني بالبشر ما دمت فيهم … فإن غبت عنهم قطعوا الجلد بالسب
وأغضي على أشياء منهم تريبني … ولولا اصطباري فاض من عظمها قلبي
آخر:
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها … عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا
كلانا غني عن أخيه حياته … ونحن إذا متنا أشد تغانيا
ولست بهياب لمن لا يهابني … ولست أرى للمرء مالا يرى ليا
كان ابن كعب يقول: أنا أستجفي هذا القائل، ولم لا أرى لصديقي فوق ما يرى لي؟ ولم لا أعتبده بالإعضاء، والإحسان، والتفضل، والصبر؟ ولم لا أفارضه وأقايضه؟ ولم أرى أني مغبون إذا كان الربح له، ولم لا أظلم نفسي في مرضاته وإن وجب أن نتسوى أبداً في الفعل والقول، ونتكايس في الانقباض والانبساط، ونتحافظ على اختلاس الحظ والنصيب، فهل تركنا لأصحاب المذاب والتطفيف شيئاً من الدناءة إلا وأخذنا به، ورأيناه مرغوباً فيه، تالله! ما هذا من الصداقة في شيء، وإنه إلى الخساسة والنذالة أقرب.
وقال بعض العلماء: التمس ود الرجل العاقل في كل حين، وود الرجل ذي النكر في بعض الأحايين، ولا تلتمس ود الرجل الجاهل في حين.
قيل لديوجانيس: ألك صديق؟ قال: نعم، ولكني قليل الطاعة له، قيل: لعله غير ناصح فلذلك أنت على ذاك قال: لا بل هو غاية في النصح، نهاية في الشفقة، قيل: فلم أنت على دأبك هذا المذموم مع إقرارك بفضل صديقك؟ قال: لأن جهلي طباع، وعلمي مكسوب، والطباع سابق، والمكسوب تابع، قيل: فدلنا على صديقك هذا الناصح المشفق حتى نخطب إليه صداقته، ونجتهد في الطاعة له، والقبول منه، قال: صديقي هو العقل، وهو صديقكم أيضاً، ولو أطعتموه لسعدتم ورشدتم، ونلتم مناكم في أولاكم وأخراكم، فأما الصديق الذي هو إنسان مثلك فقلما تجده، فإن وجدته لم يف لك بما يفي به العقل، ولم يبلغ بك ما يبلغ بك العقل، وربما أتعبك، وربما حزبك، وربما أشقاك، فاكبحوا أعنتكم عن الصديق الذي يكون من لحم ودم وعظم، فإنه يغضب فيفرط، ويرضى فيسرف، ويحسن فيعدد، ويسيء فيحتج، ويشكك فيضل.
قال الشاعر:
أخي لن تستفيد، الدهر، مثلي … شريكاً في الحياة وفي الممات
أتتركني وأنت ترى مكاني … وتطلبني إذا حانت وفاتي
فليس بنافعي طلب بثأري … وأخذك من بغاني بالترات
فإن أهملتني وطرحت حقي … عليك فلا تغافل عن وصاتي
بني إذا هلكت فلا تضعهم … وصن عمن يعاديني بناتي
فلو كنت الأسير ولا تكنه … عزمت على حياتك لي حياتي
قال عيسى بن مريم عليه السلام فيما حدثنا ابن الجمل الكاتب النصراني لتلامذته: علامتكم التي تعرفون بها أنكم مني؛ أن يود بعضكم بعضاً.
وقال عيسى أيضاً لأيشوع تلميذه: أما الرب فينبغي أن تحبه بكل قلبك، ثم تحب قرينك كما تحب نفسك، قيل له: بين لنا يا روح الله ما بين هاتين المحبتين حتى نستعد لهما بتبصرة وبيان، قال: إن الصديق تحبه لنفسك، والنفس تحبها لربك، فإذا صنت صديقك فلنفسك تصون، وإذا جدت بنفسك فلربك تجود.
وقال الشاعر:
ومن لم يكن منصفاً في الإخاء … إن زرت زار وإن عدت عادا
أبيت عليه أشد الإباء … وإن كان أعلى قريش عمادا
وقارضته الوصل كيلاً بكيل … ووزناً بوزن علي لدادا
فإن هو صحح في وده … جعلت اللسان له والفؤادا
وإن بدل القول دون الفعال … بذلت اللسان وصنت الودادا
قيل لعبد الله بن المبارك: إن قوما يلتقون بالبشر والسلام فإذا تفرقوا طعن بعضهم على بعض. فقال: أعداء غيب، إخوة تلاق، تباً لهذه الأخلاق، كأنما شقت من النفاق.
وقال آخر:
وإذا صفا لك من زمانك واحد … فهو المراد، وأين ذاك الواحد
آخر:
وإن امرءاً يصلي الصديق بشره … لأول من يبقى بغير صديق
قال سعيد بن ميمون: لقيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فصافحني ثم قال:
إذا شئت أن تلقى خليلاً مصافياً … لقيت، وإخوان الثقات قليل
فقلت: أمثلك يقول الشعر؟ فقال: أو ما علمت أن المصدور إذا نفث برأ.
وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، وسوسوا السفلة بالمحاور صراحاً.
شاعر:
إذا صديق نكرت جانبه … لم تعيني في مرامه الحيل
آخر:
إذا المرء لم يبذل من الود مثل ما … بذلت له فاعلم بأني مفارقه
فإن شئت فارفضه فلا خير عنده … وإن شئت فاجعله صديقاً تماذقه
قلت للهائم أبي علي: من تحب أن يكون صديقك؟ قال: من يطعني إذا جعت، ويكسوني إذا عرين، ويحملني إذا كللت، ويغفر لي إذا زللت، فقال له علي بن الحسين العلوي: أنت إنما تريد إنساناً يكفيك مؤونتك، ويكفلك في حالك، كأنما تمنيت وكيلاً فسميته صديقاً، فما أحار جواباً.
وقلت للبنوي ولقيته بالدسكرة سنة خمس وستين: من تحب أن يكون صديقك؟ قال: من يقيلني إذا عثرت، ويقومني إذا ازوررت ويهديني إذا ضللت، ويصبر علي إذا مللت، ويكفيني ما لا أعلم وما علمت.
وسمعت أبا عامر النجدي يقول: الصديق من صدقك عن نفسه لتكون على نور من أمرك، ويصدقك أيضاً عنك لتكون على مثله، لأنكما تقتسمان أحوالكما بالأخذ والعطاء، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، فليس لكما فرحة، ولا ترحة، إلا وأنتما تحتاجان فيهما إلى الصدق والانكماش، والمساعدة على اجتلاب الحظ في طلب المعاش.
وقال أيضاً: قيل لأعرابي: ألك صديق؟ قال: لا ولكن أليف.
شاعر:
ويلقونني بالبشر ما دمت فيهم … فإن غبت عنهم قطعوا الجلد بالسب
وأغضي على أشياء منك تريبني … ولولا اصطباري فاض عن عظمها قلبي
وما ذاك من ضعف ولا سوء محتد … ولكن تناسي الذنب أقطع للذنب
آخر:
لقد أسمع القول الذي كاد كلما … تذكرنيه النفس قلبي يصدع
فأبدي لمن أبداه مني بشاشة … كأني مسرور بما منه أسمع
وما ذاك من عجب به غير أنني … أرى أن ترك الشر للشر أقطع
آخر:
نغيب إذا غبنا بنصح ونلتقي … بأحسن ما إلفان ملتقيان
ونخفي الهوى عمن أخاف وإننا … إلى من أمناه لمشتكيان
آخر:
يحيي ويستحيي إذا ما لقيته … وإن غبت أو وليت أرتع في عرضي
ولو شئت قد عض الأنامل نادماً … وأوطأته عن ذاك في منزل دحض
ولكنه إحدى يدي فلم إجد … سبيلاً إلى صول لبعضي على بعض
عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
فأنت أخي ما لم يكن لي حاجة … فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا ازداد ما بيني وبينك بعدما … بلوتك في الحاجات إلا تماديا
وله:
أصد صدود امرىء مجمل … إذا حال ذو الود عن حاله
ولست بمستعتب صاحباً … إذا جعل الصرم من باله
ولكنني صارم حبله … وذلك فعلي بأمثاله
وإني على كل حال له … من إدبار ود وإقباله
لراع لأحسن ما بيننا … لحفظ الإخاء وإجماله
وأنشد الأصمعي:
إذا ما امرؤ ساءتك منه خليقة … ففي الصفح طي للذنوب جميل
وإني لأعطي المال من ليس سائلاً … حفاظاً وإخوان الحفاظ قليل
حدثني أبو حامد العلوي، وكان من الحجاز، سنة سبعين وثلاثمائة بمدينة السلام قال: رمى أعرابي من بني هلال عن حيه إلى أطراف الشام فقيل له: من خلفت وراءك؟ قال: خلفت والداً ووالدة، وأختاً، وابن عم، وبنت عم، وعشيقة، وصديقاً، قيل له: فكيف حنينك إليهم؟ قال: أشد حنين، قيل: فصفه لنا؟ قال: أما حنيني إلى والدي فللتعزز به، فإن الوالد عضد وركن يعاذ بهما، ويؤوى إليهما، وأما نزاعي إلى الوالدة فللشفقة المعهودة منها ولدعائها الذي لا يعرج إلى الله مثله، وأما شوقي إلى الأخت فللصيانة لها، والتروح إليها، وأما شوقي إلى ابن العمم فللمكانفة له والانتصار به، وأما ابنة العم فلأنها لحم على وضم أتمنى أن أشبل عليها بالرقة، أو أصلها ببعض من يكون لها كفؤاً، ويكون لنا إلفاً، وأما صبابتي بالعشيق فذاك شيء أجده بالفطرة والارتياح الذي قلما يخلو منه كريم له في الهوى عرق نابض، وفي المجون جواد راكض. وأما الصديق فوجدي به فوق شوقي إلى كل من نعته لك لأني أباثه بما أجل أبي عنه، وأجبأ من أمي فيه، وأطويه عن أختي خجلاً منها، وأداجي ابن عمي عليه خوفاً من حسد يفقأ ما بيني وبينه، وأكني عن بنت عمي بغيرها لأنها شقيقة ابن العم، ومعها نصف ما معه، وهي من الشجرة التي تلفنا عيصها، وتلتقي علينا أفنانها، ويجمعنا ظلها. فأما العشيقة فقصاري معها أن أشوب لها صدقاً بكذب، وغلظة بلين لأفوز منها بحظ من نظر، ونصيب من زيادة، وتحفة من حديث، وكل هؤلاء مع شرف موقعهم مني، وانتسابهم إلي دون الصديق الذي حريمي له مباح، وسارحي عنده مراح، أرى الدنيا بعينه إذا رنوت، وأجد فائتي عنده إذا دنوت، إذا عززت به ذل لي، وإذا ذللت له عز بي، وإذا تلاحظنا تساقينا كأس المودة، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثقة، لا يتوارى عني إلا حافظاً للغيب، ولا يتراءى لي إلا ساتراً للعيب. قيل له: فهل نمى إليك خبره منذ بان عنك أثره؟ قال: نعم، لحقني بعض فتيان الحي أمس فسألته قرابتي وعشيرتي فنعت لي كلاً، وأطاب أخبارهم، حتى إذا سألته عن الصديق قال: ماله هجيري سواك، إن عبر فباسمك يستقل، وإن تنفس فبذكرك يقطع، وإذا أوى إلى ندوة الحي فبلسانك ينش وجودك يذكر، لا يمر بمعهد لك إلا حياه، ولا بمكان حله معك إلا تبواه، فقلت له: كف قليلاً فقد أججت في صدري ناراً كانت طافئة، وأبديت صبابة كانت خافية، وما أراني منتفعاً بالعيش دون أن أشخص إليه غير مبال بهذه الميرة والغيرة التي خرجت من جراهما.
قال أبو حامد: فضرب والله كبد راحلته إلى حيه، وترك ما كان فيه مستعراً مستقتراً. قلت لأبي حامد: ما أفصح هذا اللفظ، وما أرق هذا الحديث، لكني أنكرت قوله: جواد راكض، قال: أراد ذو ركض، ومثل هذا يندر في كلامهم.
شاعر:
طوى الكشح عمرو للصديق على حقد … وغنى له من شدة الكرب والوجد
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد … لقد زادني مسراك وجداً على وجد
أما في صروف الدهر أن ترجع النوى … بلى وبذاك القرب يوماً من البعد
وسمعت أبا دلف الخزرجي يقول: أنا أستجفي الشاعر الذي يقول:
والله لا كنت في حسابي … إلا إذا كنت في حسابك
فإن تزرني أزرك أو إن … تقف ببابي أقف ببابك
وكان يقول: ما هذه الغلظة والفظاظة، وما هذه المكايسة والمصادقة، أفليس لو قابلك صاحبك بمثل هذا الأمر وقف الأمر بينكما، وانتكث حبل المودة عنكما، ودبت الشحناء في طي حالكما.
وكتب أبو النفيس إلى صاحب له كان يغشاه كثيراً، ويباثه طويلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم
ليس ينبغي – أبقاك الله – أن تغضب على صديقك، إذا نصح لك في جليلك ودقيقك، بل الأقمن بك، والأخلق لك أن تتقبل ما يقوله، وتبدي البشاشة في وجهه، وتشكره عليه حتى يزيدك في كل حال ما يجملك، ويكبت عدوك، والصديق اليوم قليل، والنصح أقل، ولن يرتبط الصديق إذا وجد بمثل الثقة به، والأخذ بهديه، والمصير إلى رأيه، والكون معه في سرائه وضرائه، فمتى ظفرت بهذا الموصوف فاعلم بأن جدك قد سعد، ونجمك قد صعد، وعدوك قد بعد والسلام.
شاعر:
وكان الصديق يزور الصديق … لشرب المدام وعزف القيان
فصار الصديق يزور الصديق … لبث الهموم وشكوى الزمان
شاعر:
أتطلب صاحباً لا عيب فيه … وأي الناس ليس له عيوب
قال معاوية بن أبي سفيان: أكلت الطعام حتى لم أجد طعمه، وركبت الدواب حتى استرحت إلى المشي، ونكحت الحرائر والإماء حتى ما أبالي وضعت ذكري في فرج أو حائط، وما بقي من لذتي إلا جليس اطرح بيني وبينه الحشمة.
شاعر:
وواثق باعتقادي ليس ينصفني … إذا تزيدت رفقاً زاد عدوانا
أضربي حسن خلقي عند عشرته … وربما ضر حسن الخلق أحيانا
وأنشد العطافي فيما رواه لنا المرزباني عن أبي عمرو عنه:
عنف العتاب ملجة … فتوق من عنف العتاب
واستبق خلة من يلو … م فذاك أدنى للإياب
واصفح عن الأمر الذي … إعلانه هتك الحجاب
آخر:
كفى حزناً ألا صديق ولا أخ … أفاد غنى إلا تداخله كبر
وإلا التوى أو ظن أنك دونه … وتلك التي جلت فما عندها صبر
فلا زاد فوق القوت مثقال ذرة … صديق ولا أوفى على عسره يسر
وما ذاك إلا رغبة في إخائه … وإلا حذار أن يميل به الغدر
ومن صحب الأيام عاتب صاحباً … وحالف عذالاً وأدبه الدهر
امرؤ القيس:
وخليل قد أفارقه … ثم لا أبكي على أثره
شاعر:
لا مرحباً بوصال ذي ملق … تكدي مودته ولا تجدي
وإذا الصديق ذممت خلته … صيرت قطع حباله وكدي
حتى أرى خلاً يعاشرني … بمودة أطرى من الورد
آخر:
وصلتك لما كان ودك خالصاً … وأعرضت لما صار نهباً مقسماً
ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه … على كثرة الوراد أن يتهدما
شاعر:
ليهنئك بغض في الصديق وظنة … تحدثك الشيء الذي أنت كاذبه
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له: قد أعدت ذكر تصحيح المودة وإخلاص الموالاة بعد أن أكدهما الله لك مني، ومنك عني، وحللت أعلى المراتب من قلبي، وحزت أجزل الحظوظ من ودي، وخاطبك بذلك ضميري، وظهر شاهده من فعلي، فلا تزرين على ما بيننا بالاستزادة بما لا مزيد فيه، والتذكير بما لا ينسى، والتجديد لما لا يخلق، والوصف لما قد عرف، حتى كأن الإخاء معتل، وعقد الوصل منحل، والثقة لم تقع، والهجر متوقع، وسوء الظن يفري ويدع.
لآخر: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
وكتب آخر: أنا والله الولي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عقدة أوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، والمماذق أخو المنافق، والشاهد هدف للغائب، والرجل يعرف موقع رأيه إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، وحركات الإنسان ملحوظة، وأعماله محفوظة، وتصرفه بين ولي مشفق، وعدو مطرق، وكل يرصده وينقده، وللسانه فلتات، ولقلبه هفوات.
وقال بعض البلغاء: ليس تكمل محاسن الصفح إلا بالإضراب عن مذلة التوبيخ، فإن التأنيب أوجع وقعاً في وجه الكريم، من وقع الضرب في بدن اللئيم.
وقال أعرابي: الموبخ بعد العفو أولى بالتوبيخ، لأنه أفسد النعمة بالتذكير، وقبح الصفح بالتعبير.
وقال سهل بن هارون: العفو الذي يقوم مقام العتق ما سلم من تعداد السقطات، وخلص من تذكار الزلات.
وقال رجل للفضل بن سهل ذي الرئاستين: أنت أحق من تغمد هذه الفرطة، واغتفر هذه السقطة.
وقال أعربي: الودود من عذر أخاه، وآثره على هواه.
وكتب النصير إلى صديق له: سقياً لدهر لما خلي بنا، خلا منا، ولما تصدى لنا، تولى عنا، تلك أحق الأيام بالذكرى.
وقال الأحوص المدني: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودك ومن الاسترسال، حتى تجد له مستحقاً.
وقال أعرابي: إذا جاد لك أخوك بأكثره، فتجاف له عن أيسره.
وقال آخر: الحر يؤثر كرم الاستبقاء، على لؤم الاستقصاء.
وكتب الجراحي إلى صديق له: حرسني الله من الشك في إخلاصك، وأعاذني من سوء التوكل عليك، وأجارني مما يوحش منك، ويباعد عنك.
وقال النصير لصاحب له: أرجو أن يكون فيما لنا عندك، دليل على ما عندنا لك، وإن كنت بالفضل أولى، وبالمكرمة أحرى.
وأخبرنا علي بن عيسى قال: أنبأنا ابن دريد قال: أنشدنا عبد الرحمن عن عمه الأصمعي قال: وأظنها لابن قيس الرقيات:
لا يعجبنك صاحب … حتى تبين ما طباعه
ماذا يضن به عليك … وما يجود به اتساعه
أو ما الذي يقوى عليه … وما يضيق به ذراعه
وإذا الزمان رمى صفات … ك بالحوادث ما دفاعه
فهناك تعرف ما ارتفاع ه … وى أخيك وما اتضاعه
آخر:
فمن يك لا يدوم له وصال … وفيه حين يغترب انقلاب
فعهدي دائم لهم وودي … على حال إذا شهدوا وغابوا
وأنشد الأصمعي ولم يسم قائله:
تبدي لك العين ما في نفس صاحبها … من الشناءة أو ود إذا كانا
إن البغيض له عين يصد بها … لا يستطيع لما في الصدر كتمانا
وعين ذي الود ما تنفك مقبلة … ترى لها محجراً بشاً وإنسانا
والعين تنطق والأفواه صامتة … حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
قال أبو هاشم الحراني: ومن طباع الكريم وسجاياه رعاية اللقاءة الواحدة، وشكر الكلمة الحسنة الطيبة، والمكافأة بجزيل الفائدة، وأن لا يوجد عند عرض الحاجة مستعملاً سوم عالة.
وأنشدنا ابن كعب لعبد الله بن معاوية:
العهد عهدان فعهد امرىء … يأنف أن يعذر أو ينقضا
وعهد ذي لونين ملالة … يوشك إن ودك أن يبغضا
إن لم تزره قال قد ملني … وبالحري إن زرت أن يعرضا
شيمته مثل الخضاب الذي … بينا تراه قانياً إذا نضا
قال العباس بن الحسن العلوي لما مات الزبيري: رحم الله أبا بكر فقدته فما تمسكت بعده من أخ بعروة إلا تجذمت في يدي.
وعزى يزيد بن جرير آخر فقال: إني لم آتك شاكاً في عزمك، ولا زائداً في علمك، ولكنه حق الصديق على الصديق، فإن استطعت أن تسبق السلوة بالصبر فافعل.
وكتب عبد الله بن العباس بن الحسن العلوي إلى صديق له: أما بعد فمثل إعظامي إياك دعا إلى الانقباض عنك، ومثل ثقتي بك دعا إلى الانبساط إليك، فلما تكافأ هذان في نفسي كان أملكهما بي، وأولاهما بالأثرة عندي أقربهما إلى موافقتك، وأوقعهما بمحبتك. فعلمت أن أسر إخوانك لك أفزعهم عند الملمات إليك، وأوثقهم عند حوادث الأمور بك، ثم شفع ذلك عندي ما يدعو إليه المرء نفسه، وتنازعه نحوه من الطلب وتثقل عليه المؤونة فيدمن الإمساك.
وكتب غسان بن عبد الحميد المدني إلى جعفر بن سليمان الهاشمي يعاتبه: بلغني أن غاشاً ظالماً أتاك بأمر لم أكن له أهلاً، ولم تكن بقبوله خليقاً، لأنني لم أكن بأشباهه معروفاً، ولم تكن على استماع مثله مخوفاً، فوجد له فيك مساغاً، وعندك مستقراً، وكنت أحسب منازل إخوانك عندك، والثقة لهم منك في حصن حصين، ومحل مكين، لا تناله أكاذيب الكاذبين، ولا أقاويل المفترين، وذلك أن الكاذب كان بالتهمة علي في منزلي وحرمتي أحق مني بالتهمة على رأيي وخلقي، وأنا كنت عندك بالثقة في وفائي أحق منه بالتصديق في عضيهته إياي، فإن الأخ المخبور أولى بالثقة من الساعي بالكذب والزور، وإذا كان تحافظ الإخوان إنما هو معلق بأيدي السفهاء إذا شاؤوا سعوا، فقيل قولهم، فكيف تبقى على ذلك أخوة، أو ترعى معه حرمة، أو يصلح عليه قلب، أو يسلم معه صبر؟.
سهل بن هارون:
وما العيش إلا أن تجود بنائل … وإلا لقاء الأخ بالخلق العالي
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات إلى الحسن بن وهب:
لعمرك ما عيشة رغدة … لدي إذا غبت بالراضيه
وإني إلى وجهك المستنير … في ظلمة الليلة الداجيه
لأشوق، من مدنف خائف … لقاء الحمام، إلى العافيه
قيل لأبي زياد الكلابي: إنك فيما نراك تداجي إخوانك كثيراً، وهذا خلق أنت عالق به قال: لأن أداجيهم مستديماً لما بيني وبينهم أحب إلي من أن أدع المداجاة التي أملكها ولا أملك المصافاة التي قد فقدتها.
وسمعت ابن كعب الأنصاري ينشد كثيراً:
يا أخاً كان يرهب الدهر من ذكري له عند نائبات الحقوق كنت تحتل حبة القلب من قلبي وتجري مجرى دمي في عروقي كنت مني مكان بعضي من بعضي فأصبحت في مدى العيوق ما قذى عينك التي كنت ترعاني بها مرة وأنت صديقي أم بدت حاجة إليك أحلتني محل البعيد منك السحيق صرت تشري إذا التحفت بثوبي وتوحي إذا سلكت طريقي سمعت علي بن القاسم الكاتب يقول: قلت لأبي الفضل، يعني ابن العميد: ما ينقضي عجبي من إقدامك على الحاجب النيسابوري بعد التصافي الذي كنتما عليه، والملح الذي تجتمعان له، والرضاع الذي تتراوحان فيه، ووالله ما يفصل الناظر بينكما الظالم من المظلوم منكما، وإن إشكال الحال فيكما يدعو إلى سوء الظن بكما، وتوجيه اللائمة الشنيعة إليكما. فقال: يا أبا الحسن والله لقد كدت أن أكونه لولا أن الله بسط يدي عليه، وأظفرني به، إنه لما استحال الحال بليني وبينه أظلم الجو في عيني، وعزب عني رأيي، ووجلت من صولته وجولته، وكان كما علمت خطيب اللسان، بعيد الغور، خفيف الفور، يمري من ثبج بحر، ويتلقى جميع أموره بصدر ونحر، فما هنأني عيش، ولا طاب لي شرب، ولا فارقني وسواس حتى كان منه ما كان، فقلت له: كيف استحالت الحال بعد توكدها وتعهدها؟ قال: طلب من الحظوة عند ركن الدولة ما كنت أنا قد أفنيت شبابي، وعمري، وذخري له، فلم تسمح نفسي أن أفرج له عنه، ومنازل الأولياء عند الملوك محوطة بالغيرة الشديدة، والحمية المشتعلة، وليست الغيرة عليها إلا فوق الغيرة على السراري الحظيات، وبنات العم الموافقات، وفوق غيرة الضرة من الضرة، وإن الذي يعتري الرجال في هذه الأحوال أزيد من الذي يعتري النساء، إلا أن الرجال لا يتواصون بترك هذا الخلق، ولا يغير بعضهم بعضاً باستعماله، فقلت له: أفكان يرتقي لو بقي إلى أكثر من الحجابة التي أنت مسلم لها إليه، وغير منازع له في شيء منها؟ فقال: ما أسلم صدرك، وأصدأ نصلك، الرجل كان يحدث نفسه بالوزارة، ويوسوس إلى صاحبه بإثارة المال من الوجوه المجهولة، أفكان يجوز لي أن أحلم بهذا في النوم، ثم أتمتع بالعيش باليقظة؟ لا والله! وبعد فأنا كما قال الشاعر:
ولست مكلفاً أبدا صديقاً … معاشرتي على خلق ممض
ولا أن يستقيم على اعوجاجي … ويغفر بعض أحوالي لبعض
ولكني له عبد مطيع … على علاته أرضى واغضي
حرير حين يلمسني صديقي … حديد تحت ضرس رام عضي
فإن باشرتني فإليك أمري … وإن باغضتني فإليك بغضي
وكما قال الآخر:
ألم تعلمي يا عصم كيف حفيظتي … إذا السر خاضت جانبيه المجارح
أفر حذار الشر والشر تاركي … وأطعن في أنيابه وهو كالح
قلت لعلي بن القاسم: كيف كان يستجيز قتل النفوس وهو يتفلسف؟ قال: يا هذا الدين الذي نشره على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ينافق به، ويكذب فيه، والفلسفة التي وضعت على ألسنة قوم مجهولين لا يجوز أن ينافق بها، ويكذب فيها، إنما كان يتشيع بما يقوله ويدعيه، ويجب أن تكون مبايناً لهذا السواد الذي هو فيه، وحب الجاه، وحب الرئاسة، وحب المال مهالك الخلق أجمعين، نسأل الله تعالى أن يكره إلينا الدنيا، ويرغبنا في التقوى، ويختم لنا ولك بالحسنى بمنه وقدرته.
شاعر:
عدو صديقي داخل في عداوتي … وإني لمن ود الصديق صديق
أخبرنا أبو السائب القاضي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: سمعت علي بن عبيدة يقول لصديق له: قسم الله لنا من صفحك ما يتسع لتقصيرنا، ومن حلمك ما يردع سخطك عنا، ويعيد ما كان منك لنا، وزين ألفتنا بمعاودة وصلك، واجتماعنا بزيارتك، وأيامنا الموحشة لغيبتك برؤيتك، وسر بقربك القلوب، وبحديثك الأسماع.
شاعر:
فلا تله عن كسب ود الصديق … ولا تجعلن صديقاً عدواً
ولا تغترر بهدو امرىء … إذا هيج فارق ذاك الهدوا
آخر:
فبعدك يا شغب اجتويت صحابتي … ولاحظني الأعداء بالنظر الشزر
وأبدى لي الشحناء من كان مخفياً … عداوته لما تغيب في القبر
آخر:
ولئن كنت لا تصاحب إلا … صاحباً لا يزل ما عاش نعله
لا تجده ولو جهدت وإني … بالذي لا يكون يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر ال … ذنب ويكفيه من أخيه أقله
وأخبرنا المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: رأيت علي بن عبيدة يعاتب رجلاً ثم قال في كلامه: العجب أني أعاتبك وأنت من أهل القطيعة! وحدثنا أبو عبد الله النمري قال: لما وزر أبو محمد المهلبي سنة أربعين بعد وفاة أبي جعفر الصيمري كتب إلى أبي الفضل العباس بن الحسين وكان بينهما تواصل:
بسم الله الرحمن الرحيم
إني – حفظك الله – وحفظني لك، وأمتعك بي وأمتعني بك، قد بلوتك طول أيام أبي جعفر – قدس الله روحه – فوجدتك ذا شهامة فيما يناط بك، حسن الكفاية فيما يوكل إليك، كتوماً للسر إذا استحفظته، حسن المساعدة فيما يجمل بك الوفاق عليه، وقد حداني هذا كله على اجتبائك، وتقريبك، وإدنائك، وتقديمك، وغالب ظني أنك تعينني على ذلك بميمون نقيبتك، ومأمون ضريبتك، وجعلت دعامة هذا كله أني أجريك مجرى الصديق الذي يفاوض في الخير والشر، ويشارك في الغث والسمين، ويستنام إليه في الشهادة والغيب، ولي معك عينان، إحداهما مغضوضة عن كل ما ساءني منك، والأخرى مرفوعة إلى كل ما سرني فيك، فإن كنت تجد في نفسك على قولي هذا شاهداً صدوقاً، وإمارة نطوقاً، فعرفني لأعلم أن فراستي لم تفل، وحدسي عن طريق الصواب لم يمل، والحال التي قد جددها الله لي هي محروسة لك، ومفرغة عليك، ومستقلة بك، فأشركني فيها بخالصة الوفاء، أو تفرد بها إن شئت بحقيقة الصفاء، فلك الأمنة من حيلولة الاعتقاد، والسكون إلى عفو الاجتهاد، وثق بأن الذي خطبته منك إنما أريده لك، فلا تقعن في وساوس صدرك أن لكاشح لنا فيما نحن عليه طريقاً لنقص، أو لمحب لنا فيه باباً إلى الزيادة، واكتف بهذا القدر الذي دللتك عليه، واستقبل أمري وأمرك بالذي أرشدتك إليه، وإياك أن تستشير فيه غير نفسك فإنك بعرض حسد يكون عقالاً لحظك، والله يهديك للحسنى، ويقيني فيك غوائل العيون المرضى والسلام.
قلت للنمري: فبماذا أجابه؟ قال: من له بجواب في هذا السبك على هذه الحلاوة؟ إلا أنه استعان بأبي عبد الله فكتب له:
بسم الله الرحمن الرحيم
الوزير – أطال الله بقاءه – قد خاطبني بما إن لو غلطت في نفسي، وادعيت ما لا يليق بي، لكان في ذلك عذري، ولست من أصحاب البراعة، فأسهب خاطباً، أو أخطب مطنباً، وأنا – وإن فاتني هذا بفوت الصناعة – فلن يفوتني إن شاء الله ما يستحق علي من القيام بالخدمة وبذل الطاعة، حتى يكون جوابي صادراً على مذهب الخدم، كما كان ابتداؤه صادراً على مذهب أرباب النعم، وها أنا قد وكلت ناظري بلحظه، ووقفت سمعي على لفظه، انتظاراً لأمره ونهيه اللذين إذا امتثلت أحدهما وملت عن الآخر ملكت المنى، وأحرزت الغنى، وكانت شمسي به دائرة وسط السماء، وعيشي جارياً على النعماء والسراء، فلا يبقى لي غم إلا تفرى، ولا وغم إلا تسرى، ولا إرادة إلا مبلوغة، ولا بغية إلا مدركة، وقد رفلت. ومن نعمة الوزير – أدام الله أيامه – في عطاف من المسرة، الله أسأل إسباله علي مدى الدهر، بنفاذ أمره، وجواز خاتمه، وجريان قلمه، وشعاع شمسه، وسلامة نفسه، ودوام أنسه، وهو يجيب الداعي إذا أخلص في دعائه، ويعطي السائل سؤله إذا صفى ضميره في سؤاله، ولرأي الوزير العلو في قبول ما جاد به عنده من طاعته، وقابل به دعوته من إجابته، إن شاء الله.
وقال آخر:
أبا يعقوب صرت قذى لعيني … وستراً بين طرفي والمنام
وكنت على الحوادث لي معيناً … فصرت مع الحوادث في نظام
وكنت على المصائب لي سلواً … فصرت من المصيبات العظام
وقال عبدة بن الطبيب:
إن الذين ترونهم خلانكم … يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
فضلت عداوتهم على أحلامهم … وأبت ضباب صدورهم لا تنزع
وقال أبو إسحاق السبيعي: ثلاث يصفين لك ود أخيك: السلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب أسمائه، وأن لا تماريه.
سمعت العوامي يقول لعلي بن عيسى الوزير: إن الحال بينك وبين ابن مجاهد صفيقة فما الذي قربه منك، ونفقه عليك، وأولعك به؟ قال: وجدته متواضعاً في علمه، هشاً في نسكه، كتوماً لسره، حافظاً لمروءته، شفيقاً على خليطه، حسن الحديث في حينه، محمود الصمت في وقته، بعيد القرين في عصره، والله لو لم يكن فيه من هذه الأخلاق إلا واحدة لكان محبوباً ومقبولاً.
شاعر:
إذا أنا عاتبت الملول فإنما … أخطط في جار من الماء أحرفا
فهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن … مودته طبعاً فصارت تكلفا
آخر:
يعاتبكم يا أم عمرو بحبكم … ألا إنما المقلي من لا يعاتب
آخر:
إذا ما تقضى الود إلا تكاشراً … فهجر جميل للفريقين صالح
تلونت ألواناً علي كثيرة … ومازج عذباً من إخائك مالح
ولي عنك مستغنى وفي الأرض مذهب … فسيح، ورزق الله غاد ورائح
لتعلم أني إذ أردت قطيعتي … وسامحت بالهجران إني مسامح
آخر:
إذا ما المرء لم يحببك إلا … مغالب نفسه سئم الغلابا
ومن لا يعط إلا في عتاب … يخاف، يدع به الناس العتابا
أخوك أخوك من تدنو وترجو … مودته؛ وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي … وزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في الكريهة كل يوم … إذا ما معضل الحدثان نابا
وقال رجل لصاحب له: إنما اشتد غضبي، لأن من كان علمه أكثر، كان ذنبه أكبر، قال: فهلاً جعلت سعة علمي سبيلاً إلى حسن الظن بنزوعي، أو إلى أني غالط في تفريطي، مخطىء بقصدي، غير معاند لك، ولا جريء عليك.
ورأيت الزهيري وقد كتب إلى ابن الأزرق كتاباً كتب في آخر هذه الأبيات:
اذهب فلا حاجة لي فيكا … غطت على عيني مساويكا
وارغبتا فيك بدت سوءتي … واسوءتا من رغبتي فيكا
قد كنت أرجوك أخاً لي فلا … أفلح من أمسى يرجيكا
وقال بعضهم: تركتني معرفة الناس فرداً.
وأنشد آخر:
تركتني صحبة الناس ومالي من رفيق … لم أجد إشفاق ندماني كإشفاق الصديق
قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما يتصل بالوفاق، والخلاف، والهجر، والصلة، والعتب، والرضا، والمذق، والرياء، والتحقق، والنفاق، والحيلة، والخداع، والاستقامة، والالتواء، والاستمانة، والاحتجاج، والاعتذار، ولو أمكن لكان تأليف ذلك كلؤه أتم مما هو عليه، وأجرى إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وصبه على قالبه، فكان رونقه أبين، ورفيقه أحسن، ولكن العذر قد تقدم، ولو أردنا أيضاً أن نجمع ما قاله كل ناظم في شعره، وكل ناثر من لفظه لكان ذلك عسيراً، بل متعذراً، فإن أنفاس الناس في هذا الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار، أو معامل، أو حميم، أو صاحب، أو رفيق، أو سكن، أو حبيب، أو صديق، أو أليف، أو قريب، أو بعيد، أو ولي، أو خليط، كما لا يخلو أيضاً من عدو، أو كاشح، أو مداج، أو مكاشف، أو حاسد، أو شامت، أو منافق، أو مؤذ، أو منابذ، أو معاند، أو مزل، أو مضل، أو مغل، وقد قال الأوائل: الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مديناً بالطبع كما قيل فبالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ، والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة، ما يكون سبباً لانتشار الأمر، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم، وكتبنا جورهم وإنصافهم، وذلك أعلى فنون ما قالوه ونظروه، وعيون ما ذكروه ونشروه، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عن شيء حكيناه، ونغلق الرسالة فإنها إذا طال بغضت، وإذا بغضت هجرت، وربما نيل من عرض صاحبها، وأنحي باللائمة عليه من أجلها، وهو لم يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتى الإنسان من حيث لا يعلم، ويرمي من حيث لا يتقي، كما يأتي من حيث لا يحتسب، وينجو وقد أشفى، ويدرك وقد غلب اليأس. قال العطوي:
لا تبك إثر مول عنك منحرف … تحت السماء وفوق الأرض أبدال
الناس أكثر من أن لا ترى خلقاً … ممن زوى وجهه عن وجهك المال
ما أقبح الوصل يدنيه ويبعده … بين الصديقين إكثار وإقلال
الصنوبري:
يا ناصحاً ما زال يتبع نصحه … غشاً إذا نصح الصديق صديقه
فله العزاء بروم لست أرومه … قلت السلو يطاق لست أطيقه
آخر:
رميت هواي من مرمى قريب … وكنت أخي فصرت أخا الخطوب
قدرت من الجسوم على تناء … ولكن لا تنائي للقلوب
فمن تطلب الإنصاف يوماً … إذا جار الأديب على الأديب
آخر:
كم من صديق صادق الظاهر … متفق الأول والآخر
أطمعني في مثله مطمع … من خاطري، لا كان من خاطر
حتى إذا ما قلت فازت يدي … بمثله فوز يد القامر
وجدت في كفي منه كما … قد ملئت منه يد الزامر
آخر:
أخو ثقة يسر بحسن حالي … وإن لم يدنه مني قرابه
يسر بما أسر به ويشجى … إذا ما أزمة نزلت رحابه
أحب إلي من ألفي قريب … بنات صدورهم لي مسترابه
آخر:
ولا تصل حبل غادر ملق … فالغدر من شر شيمة الرجل
لا خير في غادر مودته … كالصاب، والقول عنه كالعسل
آخر:
ما لي جفيت وكنت لا أجفى … ودلائل الهجران لا تخفى
ما لي أراك نسيتني بطراً … ولقد عهدتك تذكر الإلفا
آخر:
أخلقت عنده الملالة وجهي … كيف لي عنده بوجه جديد؟
آخر:
أتعجب إن جفاك أخ … لغيرك عنك منتقل
فلا تعجب لجفوته … ثقلت فملك الرجل
آخر:
عهدي بطرفك لا يزال ملاحظي … يرنو إلي رنو طرف الحافظ
فاليوم تنبو عن جناني نبوة … وأراك من بعد الإساغة لافظي
آخر:
توق من الإخوان كل ممازح … يزول مع الأفناء حيث تزول
فلا تصحبن مستطرفاً ذا ملالة … فليس على عهد يدوم ملول
آخر:
وحقك ما تركي عتابك من قلى … ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم أصبر اليوم طائعاً … فلابد منه مكرهاً غير طائع
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة … فلا خير في ود يكون بشافع
إبراهيم بن العباس الكاتب:
أخ بيني وبين الدهر ص … احب أينا غلبا
صديقي ما استقام فإن … نبا دهر علي نبا
وثبت على الزمان به … فعاد به وقد وثبا
ولو عاد الزمان لنا … لعاد به أخاً حدبا
آخر:
كنت عبداً لك مأ … موناً على دنيا ودين
بعتني سمحاً بقول … جاء من غير يمين
ليت شعري عنك ل … م حكمت ظناً بيقين
سترى ما تكشف الخ … برة من غيب الظنون
آخر:
خليل نأى عني الزمان بوده … فأعرض واستولى على أمره الغدر
فألبسته الثوب الذي اختار لبسه … وأحسن من ود يضيق به الصدر
وأفضل من أمر يريبك تركه … وأجمل من مال يرم به الفقر
فإن عاش فالأيام بيني وبينه … وإن مات لم أجزع لمن ضمه قبر
إذا ما امرؤ جارت عليك ظنونه … وسامك ما فيه المذلة والصغر
فكله إلى حكم الحوادث إنه … كفى منصفاً ممن تظلمك الدهر
آخر:
عاشر أخاك على ما كان من خلق … واحفظ مودته بالغيب ما وصلا
فأطول الناس غماً من يريد أخاً … ذا خلة لا يرى في وده خللا
آخر:
أجفوتني في من جفاني … وجعلت شانك غير شاني
ونسيت مني موضعاً … لك لم يكن لك فيه ثاني
وسررت يوماً واحداً … أن لا أراك ولا تراني
وهجرتني وقطعتني … وقليتني في من قلاني
أفعلتها فالمستع … ان الله أفضل مستعان
آخر:
تملقته جهدي فلما رأيته … إذا لان مني جانب عز جانبه
جريت له في الصدر مني مودة … وخليت عنه مهملاً لا أعاتبه
أطين عين الشمس كيلا يقال لي … طبائعه مذمومة ومذاهبه
وأطريه بالقول الجميل وعنده … من التيه مطريه سواء وعائبه
آخر:
غلط الفتى في قوله … من لا يردك فلا ترده
من ناقش الإخوان لم … يبد العتاب ولم يعده
عاتب أخاك إذا هفا … واعطف بفضلك واستعده
وإذا أتاك بعيبه … واش فقل لم يعتمده
فلقلما طلب الفتى … عيباً لخل لم يجده
جرير:
وإني لمغرور أعلل بالمنى … ليالي أرجو أن مالك ماليا
بأي سنان تطعن القوم بعدما … نزعت سناناً من قناتك ماضيا
وقال آخر:
تبدلت بعدي والملول إذا نأت … به الدار عن أحبابه يتبدل
فبان القلى لي منك واتضح الخفا … ولاح لنا منه الذي كان يشكل
أحين أنارت للمودة بيننا … رياض بدا نوارها يتهلل
ودامت سماء اللهو تنهل سحة … علينا بأنواع الوفاء وتهطل
تنكبت قوس اللهو ثم رميتني … وخليتني أبكي الوصال وأعول
سأحفظ ما ضيعته من إخائنا … لتعلم أني عنه لا أتبدل
ابن أبي فنن:
إذا كنت تغضب من غير ذنب … وتعتب من غير جرم عليا
طلبت رضاك فإن عزلي … عددتك ميتاً وإن كنت حيا
قنعت وإن كنت ذا حاجة … فأصبحت من أكثر الناس شيا
فلا تعجبن بما في يديك … فأكثر منه الذي في يديا
وقال آخر:
وأخ كان لي ودوداً محباً … ناصحاً ومقاً ورفيقاً وشفيقا
كان أحلى من الجنى بصيب … المزن يرضيك صامتاً ونطوقا
لم لما أصابني الدهر بالجفوة … منه صار البعيد السحيقا
يا صديقي ما كنت لي بصديق … إنما كنت للزمان صديقا
صرت تشرى إذا التحفت بثوبي … وتشكي إذا سلكنا طريقا
آخر:
وأخ كان لي فأصبحت منه … كأشل اليدين أو كالأجب
ضاق ذرعاً بزلة لي كانت … فانتحى لانتهاك سري وثلبي
أفما كان في المودة والحر … مة حق يريه غفران ذنبي؟
وقال آخر:
وكل ملمات الزمان وجدتها … سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
لئن كنت أمسيت العشية سيداً … شديد شحوب اللون مختلف العضب
فما لك من مولاك إلا حفاظه … وما المرء إلا باللسان وبالقلب
هما الأصغران الذائدان عن الفتى … مكارهه والصاحبان على الخطب
فإلا أكن كل الكريم فإنني … أكف عن الجاني وأصبر في الجدب
ماني الموسوس:
رأيتك لا تختار إلا تباعدي … فباعدت نفسي لاتباع هواكا
فبعدك يؤذيني وقربي لكم أذى … فكيف احتيالي يا جعلت فداكا؟
آخر:
رأيتك تجفوني فأحدثت عزلة … لتخفي الذي يأتي إلي فتعذرا
آخر:
أطل حبل الشناءة لي وبغضي … وعش ما شئت فانظر من تضير
فما بيديك خيراً أرتجيه … وغير صدودك الخطب الكبير
إذا أبصرتني أعرضت عني … كأن الشمس من قلي تدور
آخر:
ومولى كأن الشمس بيني وبينه … إذا ما التقينا ليس ممن أعاتبه
قال ابن المرزبان الكاتب: سمعت الخليفة المطيع يقول: صديقك صديقك، وصديق صديقك صديقك، وعدوك عدوك، وصديق عدوك عدوك، وعدو صديقك عدوك، وعدو عدوك صديقك.
وقال آخر:
وذوي ضباب مظهرين عداوة … قرحى القلوب معاودي الأكباد
ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم … وهم إذا ذكر الصديق أعادي
وسمعت ابن بابويه القمي العالم يقول: قال جعفر بن محمد: مناغاة الصديق أعبث بالروح، وأندى على الفؤاد من مغازلة المعشوق، لأنك تفزع بحديث المعشوق إلى الصديق، ولا تفزع بحديث الصديق إلى المعشوق.
وحدثني ابن السراج قال: كتبت إلى ابن الحارث الرازي: كتبت إليك عن محل قد ابتهج بودك، وانزعج لصدك، يناديك، ألا إن القلب قد تألم بمفارقتك، فمتى يلم شعث الأنس بمشاهدتك، فأجبته: كلا وإن امتزج فرح الاتصال، بترح الانفصال، فما ضر مباعدة الأشباح مع مساعدة الأرواح، قال: فأجابني: أما صدر كتابك فغني عن دلالتك عليه، لإحساسي بشاهده عندي، وكيف أعدم الشاهد عليه وأنا الأول فيه، والجالب له، وأما عجزه فشديد الأخذ بطرف من القسوة، لسلوك بأحد الأمرين عن الآخر، ولو علمت أن تمام الأفراح، بمساعدة الأرواح، ومشاهدة الأشباح، لم تقل ما قلت، ولم يبلغ – أكرمك الله – في اللطافة أن يكون من غير هذا النوع الذي نحن منهن لكني أقول: كتبت إليك من محل موحش لبعدك، بلفظ مضطرب أنس بذكرك مستوحشاً، واستوحش إلى رؤيتك مستأنساً، ولو كنت قريباً مني لكان هذا كله مطرحاً، والأمل مدركاً مقترحاً، والعائق مرفوعاً، والطرف متنزهاً، والزمان نضراً، والدهر محموداً، والسلام.
شاعر:
وحسبك حسرة لك من صديق … يكون زمامه بيدي عدو
أخبرنا ابن مقسم قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: كتب رجل إلى الزبير بن بكار يستجفيه فأجابه:
ما غير الدهر وداً كنت تعرفه … ولا تبدلت بعد الذكر نسيانا
ولا حمدت وفاء من أخي ثقة … إلا جعلتك فوق الحمد عنوانا
وكتب سعيد بن جبير إلى أخ له: أما بعد، يا أخي، فاحذر الناس، واكفهم نفسك، ويسعك بيتك.
قال رجل لمحمد بن واسع: إني لأحبك في الله، قال: فأطع من تحبني فيه.
قال أبو خازم المدني لسلمة بن دينار: لأن يبغضك عدوك المسلم خير من أن يحبك عدوك الفاجر.
سمعت ابن الجلاء يقول بمكة: يقال: من لا إخوان له فلا عيش له، ومن لا ولد له فلا ذكر له، ومن لا مال له فلا مروءة له، ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا آخرة.
قال أبو عثمان النصيبي: من لا إخوان له فلا تعب له، ومن لا ولد له فلا حجاب عليه، ومن لا مال له فلا حساب عليه، ومن لا عقل له فهو في الجنة.
شاعر:
هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه … وإذا أسات كما أسأت فأين فضلك والمروه
وقال أعرابي: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب.
قال الفضل بن يحيى: الصبر على أخ يعتب عليه خير من أخ يستأنف مودته.
وسمعت ذا الكفايتين ابن العميد ببغداد يقول: إنشاء المعرفة صعب، فلما ندرنا من مجلسه قال أبو إسحاق الصابي: تربيتها أصعب من إنشائها. عرضت هذا الكلام على أبي سليمان فقال: أما الإنشاء فإنما صعب لأنه لا أوائل له يناط بها، ويؤسس عليها، وأما التربية فإنما صعبت أيضاً لأنها تستعير من الإنسان زماناً مديداً هو يشح به، وعناء متصلاً يشتد صبره عليه، ومالاً مبذولاً قلما تطيب النفس بإخراجه إلا إذا كان الكرم له طباعاً، ويجد من ضريبته إليه نزاعاً.
وقال ذو الشامة يرثي أخاه:
ذكرت أخي أخا الخي … رضي الله عنه الذي لم يبق لي خلفا
ولا أرجوه إلا الله من … ه الدهر مؤتنفا
أخاً ما كان لي كأخ … وبي برأ وبي لطفا
كفى من كنت كافيه … وسد مسد من سلفا
وحق لعين من أمسى … بما أمسيت معترفا
من الإيحاش والإيجا … س والإفراد أن يكفا
وقال أبو بكر: خير إخوانك من آساك، وخير منه من كفاك، وخير مالك ما أغناك، وخير منه ما وقاك.
قال المأمون الخليفة: من لم يؤاس الإخوان في دولته خذلوه في شدته.
وقال:
لا أعرفنك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زودتني زادي
وقال آخر:
ليس عندي وإن تغضبت إلا … طاعة حرة وقلب سليم
وانتظار الرضا فإن رضا السادات عز وعتبهم تقويم
رجل من بلعنبر:
لقد ألبس المولى على غش صدره … وأفقأ بيضات الضغائن بالهجر
يثير التداني بيننا كل دمنة … ويشفي التنائي بيننا وخز الصدر
آخر:
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم … على غير زهد في الإخاء ولا الود
ولكن أيامي تحرمن منيتي … فما أبلغ الحاجات إلا على جهد
آخر:
من عف خف على الصديق لقاؤه … وأخو الحوائج وجهه مملول
وأخوك من وفرت ما في كيسه … فإذا غدرت به فأنت ثقيل
آخر:
أيام أن قلت قال في سرع … وإن كرهنا بدا تأبيه
مساعد، مونق، أخو كرم … فليس شبه له يدانيه
آخر:
قل للذين صحبناهم فلم نرهم … إلا لمن صحبوا يرضون بالدون
سلامة الدين والدنيا فراقكم … وقربكم آفة الدنيا مع الدين
أنا النذير لمغبون بصحبتكم … محارف، جاهل، بالأمر مفتون
خاب الغبين الذي يبغي مودتكم … وليس هاجركم عندي بمغبون
وأخبرنا ابن مقسم قال: أنشدنا أحمد بن يحيى الشاعر:
وإني لتصفو للخليل مودتي … وقد جعلت أشياء منه تريب
أخاف لجاجات العتاب بصاحبي … وللجهل من قلب الحليم نصيب
فإن فاء لم أعدد عليه ذنوبه … وهل بعد فيئات الرجال ذنوب
ابن عروس:
يا فتى كانت به دنياي تصفو وتطيب
وله كانت تضيق الأرض بي حين يغيب
ما الذي رابك والأيام ما زالت تريب
فيم إعراضك عني … أيها الحر اللبيب
أملالاً فهو ما ليس يداويه طبيب
أم لظن فامتحن فالظن يخطي ويصيب
أم لعتب فعتاب الحر يجدي ويثيب
أم لذنب فلك الله بأني سأتوب
شاعر: كيف صبري عن بعض نفسي وهل يصبر عن بعض نفسه الإنسان آخر:
وإذا أرادك صاحب بجناية … جعل التجني للجفاء سبيلا
فترى دواعي الهجر في حركاته … وكفى بذلك شاهداً ودليلا
وأخبرنا المزباني قال: حدثنا ابن أبي الأزهر قال: أنبأنا بندار قال: أنشدني ابن السكيت:
إني لأصبر من عود به جلب … عند الملمات إلا عند هجران
إذا رأيت ازوراراً من أخي ثقة … ضاقت علي برحب الأرض أوطاني
وما صدود ذوات الدل أرمضني … لكنما الهجر عندي هجر إخواني
فإنت صدفت بوجهي كي أجازيه … فالعين غضبي، وقلبي غير غضبان
أخبرنا المرزباني أبو عبد الله، حدثنا الصولي، حدثنا أبو العيناء قال: كان ابن أبي داود يقول: لو أراد العباس بن الأحنف بقوله:
المرء قد يرزق أعداؤه … منه ويشقى بالصديق الصديق
إصلاحاً بين قبيلتين من العرب، أو إقامة لخطبة، أو إرسالاً لمثل وحكمة لكان أبلغ وأحسن.
وله أيضاً:
إذا امتنع القريب فلم تنله … على قرب فذاك هو البعيد
أخبرنا القاضي أبو السائب، حدثنا ابن أبي طاهر، قال الكندي: العباس – والله – ظريف، مليح، حكيم، وشعره جزل، وكان قليلاً ما يرضى الشعر فكان ينشد هذا كثيراً له:
ألا تعجبون كما أعجب … صديق يسيء ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطه … فيأبى علي ويستصعب
فياليت حظي إذا ما أس … ات أنك ترضى ولا تغضب
وقال لنا الناقط: كتب أبو الحوراء إلى صديق له: الله يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلا مثل الذكر منك لي محاسن تزيدني صبابة إليك، وضناً بك، واغتباطاً بإخائك.
أخبرنا ابن سحرة، حدثنا أبو إسماعيل الحريمي قال: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكنت قد تأخرت عنه فقال:
رأيت جفاء الدهر بي فجفوتني … كأنك غضبان علي مع الدهر
فقلت: أيها الأمير لو علمت أني أسمع هذا لأعددت له جواباً يناضل عني في الاعتذار، ويتقدمني بطلائع الشوق إليك، ويقوم لي مقام العذر قبلك، ولقد بدهتني بمفحمة، وتركبتني بمظلمة، وبالله الذي أسأله الزلفة عندك إني ما تأخرت إلا لعذر خافيه كالشمس وضوحاً، وغائبه كالحاضر عياناً، ومظنونه كالمشاهد يقيناً، ومع ذلك فلم أخل من خاطر شوق كالسنان، ونزاع نفس كالجمة، وتبرم بالعيش كالحمام، أفأنا أجفوك مع الدهر، وأكون ألباً له عليك، وأنا ألحاه على جفائه لك، إنحائه على إرادتك بما خالف هواك، كلا، والذي شق البصر، وجعلك الوزر والعصر. فقال لي هذا جوابك عما لم تعد له، فكيف بنا لو غمرتنا منك سحابتك الغداقة: ومزنتك الدفاقة، لله درك بادهاً ومروياً، وسابقاً، ومصلياً.
آخر:
غير ما طالبين ذحلاً ولكن … مال دهر على أناس فمالوا
الخليع:
لا تعجبن لملة صرفت … وجه الأمير فإنه بشر
وإذا نبا بك في سريرته … عقد الضمير نبا بك النظر
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي قال: حدثنا أبو داود الطائي قال: جاء رجل إلى حماد بن زيد فقال له: يا أبا سعيد اطلب لي رفيقاً إلى مكة، ما بينك وبين سنة، فلما جاء الحول جاء رجل إلى حماد فقال: أنا أطلب رفيقاً إلى مكة مذ سنة فجمع بينهما فمضيا إلى ابن عون فودعاه وقالا له: أوصنا، قال: أوصيكما بخصلتين، قالا: وما هما، قال: كظم الغيظ، وبذل المال، قال: فأتى أحدهما في منامه أن ابن عون أهدى لهما حلتين.
وقال الزبرقان:
ومن الموالي موليان فمنهما … معطي الجزيل وباذل النضر
ومن الموالي ضب جندلة … لحز المروءة ظاهر الغمر
يجني عليك إذا استطاع ولا … يعيطك عند غنى ولا فقر
وإذا حباك الله أرغمه … ودعا لتصبح غير ذي وفر
آخر:
ومولى كداء البطن لو كان قادراً … على الدهر أفنى الدهر أهلي وماليا
آخر:
ومولى قد رعيت الغيب فيه … ولو كنت المغيب ما رعاني
آخر:
فما حياة امرىء أضحت مدامعه … مقسومة بين أحياء وأموات؟
قيل لابن المقفع: بأي شيء يعرف الأخ؟ قال: أن ترى وجهه منبسطاً، ولسانه بمودته ناطقاً، وقلبه ببشره ضاحكاً، ولقربه في المجلس معجباً، وعلى مجاورته في الدار حريصاً، وله فيما بين ذلك مكرماً.
شاعر:
لهفي لأيام مضت … مشغولة بك فرغا
آخر:
وبي برح شوق لو فرشتك كنهه … لأيقنت أني في ودادك مخلص
ولا تأس من روح اجتماع يضمنا … إلى برد أيام بقربك يخلص
آخر:
أتاني عنك ما ليس … على مكروهه صبر
فأغضيت على عمد … وقد يغضي الفتى الحر
وأدبتك بالهجر … ولما ينفع الهجر
فلما زادني المك … روه واشتد بي الأمر
تناولتك من شري … بما ليس له قدر
فحركت جناح ال … ذل لما مسك الضر
إذا لم يصلح الخير … امرءاً أصلحه الشر
آخر:
ولما رأيتك لا فاسقاً … تهاب ولا أنت بالزاهد
وليس عدوك بالمتقى … وليس صديقك بالحامد
أتيت بك السوق سوق الرقيق … فناديت هل فيك من زائد؟
على رجل غادر بالصديق … كفور لنعمائه جاحد
فما جاءني رجل واحد … يزيد على درهم واحد
سوى رجل حان منه الشقاء … وحلت به الدعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهد … مخافة ردك بالشاهد
وأبت إلى منزلي سالماً … وحل البلاء على الناقد
آخر:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه … يلون ألواناً علي خطوبها
إذا عبت منه خلة فهجرته … دعتني إليه خلة لا أعيبها
وكان المهلبي يعجب من أبيات المثقب العبدي على ما حدثني به ابن البقال الشاعر:
فأما أن تكون أخي بحق … فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني … عدواً أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي … خلافك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني … كذلك أجتوي من يجتويني
وقال آخر:
بلوتهم واحداً واحداً … فكلهم ذلك الواحد
وكلهم خيره ناقص … وكلهم شره زائد
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه لنا ابن شاهين: تصافحوا فإن التصافح يذهب غل الصدور، وتهادوا فإن الهدية تذهب السخيمة.
قال أعرابي: البشر سحر، والهدية سحر، والمساعدة سحر.
وقال الأحوص:
فإن تشبعي مني وتروي ملالةفإنيوربي منك أروى وأشبع
شاعر:
إذا كتب الصديق إلى صديق … فقد وجب الجواب عليه فرضا
آخر:
وصاحب سلفت منه إلي يد … أبطت عليه مكافاتي فعاداني
لما تيقن أن الدهر حاربني … أبدي التندم في ما كان أولاني
أفسدت بالمن ما أوليت من حسن … ليس الكريم إذا أولى بمنان
أبو السائل مولى بني كهلان:
أرى فيك أخلاقاً حساناً قبيحة … وأنت صديق كالذي أنا واصف
قريب، بعيد، أبله، ذو فطانة … سخي، بخيل، مستقيم، مخالف
كذاك لساني شاتم لك مادح … كما أن قلبي جاهل بك عارف
تلونت حتى لست أدري من العمى … أريح جنوب أنت أم أنت عاصف
ولست بذي غش ولست بناصح … وإني لمن جهل بشانك واقف
أظنك كالستوق ما فيك فضة … فإن كنت مغشوشاً فإنك زائف
آخر:
أأمنحه ودي ويمنحني الأذى … لحى الله من ترضى بهذا خلائقه
آخر:
بنفسي من إن قال خيراً وفى به … وإن قال شراً قاله وهو مازح
آخر:
يرانا سواء فيعطي السواء … على كل حال وإن زدت زادا
آخر:
وقد تتعايش الأقوام حيناً … بتلفيق التصنع والنفاق
آخر:
أراني إذا عاديت قوماً وددتهم … وأنأى بود القلب عمن أقاربه
ويأتيك ودي وهو سهب وقد أبى … فؤادك إلا النأي ما لم يغالبه
فصلني فإني من جناحك منكب … وما خير رشد بان منه مناكبه
وقال فيلسوف: خير الأصحاب من ستر ذنبك فلم يقرعك ومعروفه عندك فلم يمنن عليك.
وقال فيلسوف: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليها فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن ودك ولا ينتقل عن طبعه.
وقال فيلسوف: حسبك من عدوك كونه في قدرتك.
وقال فيلسوف: لا تقطع أحداً إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه، ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فينسد طريقه عن الرجوع إليك، فلعل التجارب ترده إليك، وتصلحه لك.
وقال فيلسوف: لا يزال الإخوان مسافرين في المودة حتى يبلغوا الثقة، فتطمئن الدار، ويقبل وفود التناصح، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحل عقد التحفظ.
وقال فيلسوف: إخوان السوء ينصرفون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة، ومن شأنهم التوسل بالإخلاص والمحبة إلى أن يظفروا بالأنس والأمن والثقة؛ ثم يوكلون الأعين بالأفعال، والأسماع بالأقوال، فإن رأوا خيراً ونالوه لم يذكروه ولم يشكروه، وإن رأوا شراً أ ظنوه أذاعوه ونشروه، فإن أدمت مواصلتهم فهو الداء المعضل المخوف على المقاتل، وإن استرحت إلى مصارمتهم ادعوا الخبرة بك لطول العشرة لك، فكان كذب حديثهم مصدقاً، وباطلهم محققاً.
شاعر:
إني لآمل أن ترتد ألفتنا … بعد النذائر والبغضاء والإحن
قال أفلاطون: صديق كل امرىء عقله، وعدوه جهله.
قال سقراط: لا تكون كاملاً حتى يأمنك عدوك، فكيف بك إذا كنت لا يأمنك صديقك.
وقال أفلاطون: عمر الدنيا أقصر من أن تطاع فيها الأحقاد.
قال الشاعر:
والعمر أقصر مدة … من أن يمحق بالعتاب
وقال أفلاطون: إذا صحبت حازماً فأرضه في إسخاط حاشيته، وإذا صحبت أحمق فأسخطه في رضتء حاشيته.
قيل لديوجانس: ما الذي ينبغي للمرء أن يتحفظ منه؟ قال: من حسد إخوانه، ومكر أعوانه.
وقال أفلاطون: الأشرار يتتبعون مساوىء الناس، ويتركون محاسنهم كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح.
وقيل لأبارينوس: ما لفلان أعرض عنك؟ فقال: ما أشبه إقباله بإدباره، ومن زعم أنه يضرني فلينفع نفسه.
وقيل لثيفانون: من صديقك؟ قال: الذي إذا صرت إليه في حاجة وجدته أشد مسارعة إلى قضائها مني إلى طلبها.
وقال انكساغورس: إن الشدائد التي تنزل بالمرء محنة إخوانه.
وقال أفلاطون: لا ينبغي للعاقل أن يتمنى لصديقه الغنى فيزهى عليه، ولكن يتمنى له أن يساويه في الحال.
قيل لبشار: ما تقول في العتاب؟ قال: هو من الرجال خير، ومن النساء شر.
وقال أعرابي: ما افترق متعاتبان قط إلا على حسيكة.
وقال الأحنف: ما عاتبت أحداً إلا وما انثال علي منه أكثر مما عاتبته عليه.
وقال ابن همام السلولي: ما عاتبت أحداً إلا وهو مغيظ مزهو، وما اعتذر إلا وهو ذليل مقفو، فإذا كان العذر لا يسلم من الكذب، فكيف يسلم العتاب من الحقد؟ وسمعت ذا الكفايتين بمدينة السلام يقول لابن فارس: ما عاتبت أحداً إلا بلسان يخرج عن طبع صحيح، وقلب نصيح، وفؤاد سجيح.
شاعر:
خليل لي جزاه الله خيراً كلما ذكرا … أطاع بهجرنا قوماً أطاروا بيننا شررا
وقال العتابي: قلت لأعرابي قح: إني أريد أن أتخذ صديقاً فابعثه لي حتى أطلبه قال: لا تبعث فإنك لا تجده، قلت: فابعثه كيفما كان حتى أتمناه وإن كنت لا ألقاه، قال: اتخذ من ينظر بعينك، ويسمع بأذنك، ويبطش بيدك، ويمشي بقدمك، ويحط في هواك، ولا يراه سواك، اتخذ من إن نطق فعن فكرك يستملي، وإن هجع فبخيالك يحلم، وإن انتبه فبك يلوذ، وإن احتجت إليه كفاك، وإن غبت عنه ابتداك، يستر فقره عنك لئلا تهتم له، ويبدي يساره لك لئلا تنقيض عنه.
قالت امرأة عبد الله بن مطيع لعبد الله: ما رأيت ألام من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال: هذا من كرمهم، يغشوننا في حال القوة منا عليهم، ويفارقوننا في حال العجز منا عنهم.
وقلت للعباداني: من الصديق؟ قال: من شهد طرفه لك عن ضميره بالوفاء والود، فإن العين أنطق من اللسان، وأوقد من النيران.
شاعر:
أصد صدود امرىء مجمل … إذا حال ذو الود عن حاله
ولست بمستعتب صاحباً … إذا جعل الصرم من باله
ولكنني صارم حبله … وذلك فعلي بأمثاله
ومهما أدل بحق له … عرفت له حق إدلاله
وإني على كل حال له … من إدبار ود وإقباله
لراع لأحسن ما بيننا … بحفظ الإخاء وإجلاله
وكتب الزهيري إلى ابن السكن في آخر كتابه، وابن السكن إذ ذاك بالأهواز، والزهيري ببغداد:
لئن غاب عن عيني شخصك بالنوى … لما غاب عن قلبي المصافاة والود
ولا نسيتك النفس مني ساعة … ولا انتقض الميثاق والود والعقد
وأنشدنا علي بن هارون سنة خمسين وثلاثمائة ومات سنة ستين:
لئن غبت عن عيني بالبعد والنوى … لما غبت عن فكري وعن ناظر القلب
أراك على بعد المسافة بيننا … كما تبصر العينان مني على القرب
وقال روح أبو همام:
وعين السخط تبصر كل عيب … وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى
ولو يمنى يدي تكرهتني … إذاً لحسمتها بالنار حسما
وقال ابن هبيرة في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من جليس مغر، وصديق مطر، وعدو مسر، وأعوذ بك من أرجام النوكى، وكل ما أوجب ملابسة الحمقى، وأعوذ بك من أدب التجار، ومن أخلاق الصغار، ومن خلطة كل محرم تصعب رياضته، وكل حريص يغره حرصه، ونعوذ بالله من صحبة من غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستسيره، وأستعيذ بالله ممن لا يلتمس خالص مودتك، إلا بالتأتي لمواقع شهوتك، وأعوذ بالله ممن يساعدك على ساعتك، ولا يفكر في حوادث غدك، ولا يبالي في أي أقطارها نزلت، ومن أي أعيانها سقطت، ولذلك قالوا: صاحب السوء قطعة من النار، ولذلك قال القائل: ما رأينا في كل خير وشر خيراً من صاحب. وكان يقول: اللهم احفظني من بوائق الثقات، وعداوة ذوي القرابات.
شاعر:
إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي … يكون قليلاً لم تشاركه في الفضل
آخر:
إذا قل مال المرء قل صديقه … وضاقت عليه أرضه وسماؤه
إذا قل ماء الوجه قل حياؤه … ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازماً … أقدامه خير له أم وراؤه
آخر:
ستذكرني إذا جربت غيري … وتعلم أنني لك كنت كنزا
بذلت لك الصفاء بكل ود … وكنت كما هويت فصرت جبزا
وهنت إذا عززت وكنت ممن … يهون إذا أخوه عليه عزا
فرحت بمدية فحززت حبلي … بها مودتي بيديك حزا
فلم تترك إلى صلح مجازاً … ولا فيه لمطلب مهزا
ستنكت نادماً في الأرض بعدي … وتعلم أن رأيك كان عجزا
آخر:
أخوك الذي لو جئت بالسيف قاصداً … لتضربه لم يستغشك في الود
ولو جئت تدعوه إلى الموت لم يكن … يردك إشفاقاً عليك من الرد
يرى أنه في ذاك وان مقصر … على أنه قد آد جهداً على جهد
وقال رجل من بني نهشل بن دارم:
إذا مولاك كان عليك عوناً … أتاك القوم بالعجب العجيب
فلا تخنع إليه ولا ترده … ورام برأسه عرض الجنوب
فما لشئافة في غير ذنب … إذا ولى صديقك من طبيب
قال أبو سعيد السيرافي إمام الدنيا: يقال: شئفت الرجل أشائفه شأفاً وشأفة، ويقال أيضاً: شئفته وشئفت له.
قال عبد الله بن جعفر لصديق له: إن لم تجد من صحبة الرجال بدا فعليك بصحبة من إذا صحبته زانك، وإن خففت له صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلة سدها، أو حسنة عدها، وإن وعدك لم يخرصك، وإن كبرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن أمسكت عنه ابتداك.
وقال دعبل في معاذ بن سعيد الحميري:
فإذا جالسته صدرته … وتنحيت له في الحاشيه
وإذا سايرته قدمته … وتأخرت مع المستأنيه
وإذا ياسرته صادفته … سلس الخلق سليم الناحية
وإذا عاشرته ألفيته … شرس الرأي أبياً داهيه
فأحمد الله على صحبته … وأسأل الرحمن منه العافيه
وأتى رجل الحج فأتى شعبة بن الحجاج فودعه فقال له شعبة: أما إنك إن لم تر الحلم ذلاً، والسفه أنفاً سلم حجك.
وقال كثير:
ولست براض من خليل بنائل … قليل ولا راض له بقليل
وليس خليلي بالملول ولا الذي … إذا غبت عنه باعني بخليل
ولكن خليلي من يدوم وصاله … ويحفظ سري عند كل دخيل
آخر:
لا تثقن بأمري طويته … غش ويندي اللسان بالملق
فربما يلبس الجديد لأ … ن يستر ما تحت ما الخلق
شاعر:
ولربما غفل الفتى عن نفسه … ولحاظ عين عدوه ترعاه
حتى إذا ظفر العدو بفرصة … نفث الذي في بغضه أرداه
شاعر:
تغربت أسأل من قد أرى … من الناس هل من صديق صدوق
فقالوا: عزيزان لن يوجدا … صديق صدوق وبيض الأنوق
وقال ثا مسطيوس: الإنسان بلا أصدقاء كالشمال بلا يمين.
وقال أرسطوطاليس: أخلص الإخوان مودة من لم تكن مودته عن رغبة ولا رهبة.
وقال هرمس: القرابة تحتاج إلى المودة، والمودة لا تحتاج إلى القرابة.
وقال سقراط: مما يدل على عقل صديقك ونصيحته أنه يدلك على عيوبك، وينفيها عنك، ويعظك بالحسنى، ويتعظ بها منك، ويزجرك عن السيئة، وينزجر عنها لك.
وقال خالد بن صفوان يصف رجلاً: ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية.
شاعر:
ومما يسكن قلب الغريب … رفيق تطيب به الصحبه
آخر:
فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى … حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذا ما هو ما شاه
وفي الشيء من الشيء … مقاييس واشباه
عبد الرحمن بن حسان:
ومتخذ وداً لمن لا يوده … كمعتذر عذراً إلى غير عاذر
المتلمس:
احفظ نصيحة من بدا لك نصحه … وكذاك رأي الحر جهدك فاقبل
للقطامي:
لعلك إن رددت علي نصحي … سيندمك الذي عملت يداكا
وأنشدنا أبو الفتح بندار بن غانم الكاتب، وكان عامل حلوان، هذين البيتين:
يختار عمرو عداوتي سفهاً … وأبتغي سلمه ويمتنع
كله إلى بغيه سيصرعه … والدهر بيني وبينه جدع
كان يبلغ محمد بن الحنفية عن عبد الله بن الزبير ما يكره فقال له أصحابه: إن إمساكك عنه يجرئه عليك، قال: ليس بحكيم من لم يعاشر من لا يجد بداً من معاشرته بالمعروف حتى يجعل الله له منه فرجاً ومخرجاً، وقد يدفع الله باحتمال المكروه مكروهاً أعظم منه.
أنشدنا أبو علي النحوي الشاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما … يزرع الود في فؤاد الكريم
شاعر:
ومن الناس من يودك حقاً … صافي الود ليس بالتكدير
فإذا ما سألته دفع فلس … ألحق الود باللطيف الخبير
آخر:
فلا تغرزك خلة من تواخي … فما لك عند نائبة خليل
آخر:
ومن شيمتي أني إذا المرء ملني … وأظهر إعراضاً ومال إلى الغدر
أطلت له فيما يحب عتابه … وفارقته في حسن مس وفي ستر
فإن عاد في ودي رجعت لوده … وإن لم يعد أهملت ذاك إلى الحشر
لولا شماتة أقوام ذوي حسك … أو اغتمام صديق كان يرجوني
لما خطبت إلى الدنيا مطامعها … ولا بذلت لها نفسي ولا ديني
آخر:
أحب من الإخوات كل مؤات … وكل غضيض الطرف عن عثراتي
يساعدني في كل أمر أحبه … ويحفظني حياً وبعد وفاتي
فمن لي بهذا ليت أني وجدته … فقاسمته مالي من الحسنات
شاعر:
كريم له من نفسه بعض نفسه … وسائر للحمد والشكر أجمع
آخر:
لم يبق مما فاتني كسبه … إلا فتى يسلم لي قلبه
ينأى فلا يفسده نأيه … عني ولا يصلحه قربه
يكون حسبي من جميع الورى … وفي كل حال وأنا حسبه
شاعر:
عتبي عليك مقارن العذر … قد ذاد عنك حفيظتي صبري
فمتى هفوت فأنت في سعة … ومتى جفوت فأنت في عذر
ترك العتاب إذا استحق أخ … منك العتاب ذريعة الهجر
آخر:
اقبل معاذير من يلقاك معتذراً … إن بر عندك فيما قال أو فجرا
خير القرينين من أغضى لصاحبه … ولو أراد انتصاراً منه لانتصرا
آخر:
صديقك حين يذخر عنك خيراً … وآخر لست تعرفه سواء
آخر:
فإن تنأ عنا لا تضرنا وإن تعد … تجدنا على العهد الذي كنت تعلم
آخر:
بلوت الناس قرناً بعد قرن … فلم أر غير خلان المقال
ولم أر في الخطوب أشد هولاً … وأصعب من معاداة الرجال
وذقت مرارة الأشياء طراً … فما طعم أمر من السؤال
آخر:
فإنك لن ترى طرداً لحر … كإلصاق طرف الهوان
ولم تجلب مودة ذي وفاء … بمثل البذل أو لطف اللسان
وقال فيلسوف: من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض منه بحسن العطية.
وقال أعرابي: الحفاظ عمود الإخاء.
وقال فيلسوف: لكل جليلة دقيقة، ودقيقة الموت الهجر.
شاعر:
إذا أنت لم تترك أخاك لزلة … إذا زلها أوشكتما أن تفرقا
آخر:
إذا أنت لم تغفر ذنوباً كثيرة … تريبك لم يسلم لك الدهر صاحب
ومن لا يغمض عينه عن صديقه … وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
آخر:
أردت لكيما لا ترى لي زلة … ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
ومن يسأل الأيام نأى صديقه … وصرف الليالي يعط ما كان يسأل
آخر:
نضع الزيارة حيث لا يزري بنا … كرم المزور ولا يعاب الزور
آخر:
قل للذي لست أدري من تلونه … أناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجباً … يد تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني … في آخرين وكل عنك يأتيني
هذان أمران شتى بون بينهما … فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني
آخر:
كل يوازيك المودة بالسوا … يعطي ويأخذ منك بالميزان
فإذا رأى رجحان حبة خردل … مالت مودته مع الرجحان
آخر:
والصدق أفضل ما لفظت به … إن النفاق سجية تردي
إني وإن أظهرت شكركم … أخفي وأضمر غير ما أبدي
لا مرحباً بوصال ذي ملق … يكدي مودته ولا يجدي
وإذا الصديق ذممت خلته … صيرت قطع حباله وكدي
حتى أرى رجلاً يعاشرني … بمودة أطرى من الورد
وله أيضاً:
فلو أن كفي غير نافعتي … لقطعتها بالفأس من زندي
عيني إذا قذيت ضحرت بها … فأود لو سالت على خدي
أنا عبد من أرضى مودته … ثم الخليفة بعد ذا عبدي
وأفر ممن خانني فرقاً … إن الخيانة علة تعدي
قال ديوجانس للإسكندر لما ملك: أيها الملك، إني إلى اليوم كنت أخاً، وأنا اليوم تابع، وشتان بين الأخ والتابع، فقال الإسكندر: إن الأخوة قبل اليوم كانت أنعم بك، وهذه الحال اليوم أرفع لك، وإذا كنت تباطنني على ما تعهدناه قديماً لم يضرك أن يكون تظاهرك على ما نستديم به أنسنا حديثاً.
شاعر:
لعمري لئن ريح المودة أصبحت … شمالاً لقد بدلت وهي جنوب
آخر:
وإني لمكرام لمكرم نفسه … وأبتذل المرء الذي لا يصونها
متى ما تهن نفسي على من أوده … أهنه ولا يكرم علي مهينها
آخر:
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه … على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
فالويل للعهد منه كيف ينقضه … والويل للود منه كيف يفنيه
آخر:
وعين الفتى تبدي الذي في ضميره … ويعرف بالفحوى الحديث المغمس
وقال أعرابي: عاشر أخاك بالحسنى.
وقال أعرابي: أوحش قريبك إذا كان في إيحاشه أنسك.
شاعر:
فلا أدع ابن العم يمشي على شفاً … وإن بلغتني من أذاه الجنادع
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه … لترجعه يوماً إلي الرواجع
وحسبك من ذل وسوء صنيعة … مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
آخر:
فلا تغترر برواء الرجال … وإن زخرفوا لك أو موهوا
فكم من فتى يعجب الناظرين … له ألسن وله أوجه
ينام إذا حضر المكرمات … وعند الدناءة يستنبه
الخليل النحوي: رغبتك في الزاهد فيك ذل نفس، وزهدك في الراغب فيك قصر همة.
شاعر:
تنكرت حال الصديق فبعده … عني ومضحره لدي سواء
وبدت علي من الأعادي رقة … ومن الصديق فظاظة وجفاء
وألفت ضنك العيش عندك فاس … توت عندي به السراء والضراء
وعلى الليالي أن تلم صروفها … وعلى الكريم تحمل وعزاء
قال مالك بن دينار: نقل الحجارة مع الأبرار أنفع لك من أكل الخبيص مع الفجار.
وقال النبي صلى الله عليه وآله: ” تهادوا تحابوا ” .
وقال الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا وتبسم كل واحد منهما لصاحبه تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر فقلت: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك فإن الله يقول: ” لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ” ، فعلمت أنه أفقه مني.
قال ثابت البناني: جالست الناس خمسين سنة فما جالست أحداً إلا وهو يحب أن تنقاد الناس لهواه، وإن الرجل ليخطئ فيحب أن تخطئ الناس كلهم.
التقى يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم عليهما السلام فتبسم يحيى في وجه عيسى، وقطب عيسى في وجه يحيى فقال عيسى ليحيى: أتبتسم كأنك آمن، فقال له يحيى: أتعبس كأنك قانط، فأوحى الله: إن ما فعله يحيى أحب إلي.
شاعر:
عمرت مع الناس دهراً طويلاً … وعاشرت شبانهم والكهولا
وجربت أحوالهم في الخطوب … فشراً كثيراً وخيراً قليلا
آخر:
إلى الله أشكو من خليل أوده … ثلاث خلال كلها لي غائض
فمنهن ألا يجمع الدهر تلعة … بيوتاً لنا يا تلع سيلك غامض
ومنهن ألا أستطيع كلامه … ولا وده حتى يزول عوارض
ومنهن ألا يجمع الغزو بيننا … وفي الغزو ما يلقى العدو المباغض
كفى بالفتور صارماً لو رعيته … ولكن ما أعلنت باد وخافض
وقال مبذول العذري:
ومولى كضرس السوء يؤذيك مسه … ولا بد إن آذاك أنك فاقره
دوي الجوف إن ينزع يسؤك مكانه … وإن يبق تصبح كل يوم تحاذره
يسر لك البغضاء وهو مجامل … وما كل من يجني عليك تناكره
فلا يك أدنى الناس منك محلة … جوى الصدر يخفي غشه ويكاشره
وما كل من مددت ثوبك دونه … لتستره مما أتى أنت ساتره
آخر:
فأبلغ مصعباً عني رسولاً … وقد يلقى النصيح بكل واد
تعلم أن أكثر من تناجي … وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
آخر:
إنما شيب الذؤابة مني … وبراني مقاطع الإخوان
آخر:
عليك سلام الله أما قلوبنا … فمرضى وأما ودنا فصحيح
آخر:
عزمت على هجر فلما أبى الهوى … رجعت إلى قلب عليك شفيق
فلا يمكن الهجران من ذات بيننا … فيعيى صديق عن لقاء صديق
آخر:
لعمرك إنني وأبا رباح … على طول التجاور منذ حين
ليبغضني وأبغضه وأيضاً … يراني دونه وأراه دوني
آخر:
وأصبح عمي بعد ود كأنه … إلي من البغضاء شهباء ماحض
آخر:
متحت لنا سجل العداوة معرضاً … كأنك عما يحدث الدهر غافل
آخر:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه … ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
آخر:
إذا أقبلت منه المودة أقبلت … وإن غمزت منه القناة اكفهرت
شاعر من الأعراب:
إني وإن كان ابن عمي غائباً … لمقاذف من دونه وورائه
وأعده نصري وإن كان امرءاً … مترجرجاً في أرضه وسمائه
ومتى أجده في الشدائد مرملاً … ألق الذي في مزودي بوعائه
وإذا تتبعت الجلائف ماله … خلطت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا ى من وجهة بطريفة … لم أطلع مما وراء خبائه
وإذا اكتسى لوناً جميلاً لم أقل … يا ليت أن علي حسن ردائه
وإذا غدا يوماً ليركب مركباً … صعباً قعدت له على سيسائه
وإذا استراش وفرته وحمدته … وإذا تصعلك كنت من قرنائه
السيساء: فقار الظهر هكذا قال أبو سعيد السيرافي الإمام.
وقال آخر:
حباك خليلك القسري قيداً … لبئس على الصداقة ما حباكا
آخر:
ومولى أمتنا داءه تحت جنبه … فلسنا نجازيه ولسنا نعاقبه
رأى الله أعطاني فأغلق صدره … على حسد الإخوان فازور جانبه
فويل لهذا ثم ويل لأمه … علينا إذا ما حربتنا حواربه
مطيع بن إياس:
ليس من يظهر المودة إفكاً … وإذا قال خالف القول فعله
وصله للصديق يوم وإن طا … ل فيومان ثم ينبت حبله
وقال العرجي:
ولا بعدي يغير حال ودي … عن العهد الكريم ولا اقترابي
ولا عند الرخاء أخوان يوماً … ولا في فاقة دنست ثيابي
ولا يغدو علي الجار يشكو … أذاتي ما بقيت ولا اغتيابي
وما الدنيا لصاحبها بحظ … سوى حظ البنان من الخضاب
إذا ما الخصم جار فقل صواباً … فإن الجور يدمغ بالصواب
فإني لا يغول النأي ودي … ولو كنا بمنقطع التراب
وقال آخر:
فلولا أن فرعك حين ينمي … وأصلك منتمي فرعي وأصلي
وإني إن رميت رميت عظمي … ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوف … يضم حشاك عن شتمي وأكلي
المتلمس:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي … جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع كفه … بكف له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه … فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فلما استفاد الكف بالكف لم يجد … له دركاً في أن تبينا فأحجما
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغاً لنابيه الشجاع لصمما
آخر:
وإذا شنئت فتى شنئت حديثه … وإذا سمعت غناءه لم أطرب
آخر:
له خلائق بيض لا يغيرها … صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
آخر:
سبكناه ونحسبه لجينا … فأبدى الكير عن خبث الحديد
النابغة:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه … على شعث: أي الرجال المهذب؟
ولما جفت سعد سيدها الأضبط بن قريع تحول عنهم إلى قبيلة أخرى فظلموه وآذوه فقال: بكل واد بنو سعد.
شاعر:
إني ليردعني عن ظلم ذي رحم … لب أصيل، وحلم غير ذي وصم
إن لأن لنت وإن دبت عقاربه … ملأت كفيه من صفح ومن كرم
آخر:
ولو أخاصم أفعى نابها لبق … أو الأساود من صم الأهاضيب
لكنتم معها إلباً وكان لها … ناب بأسفل ساق أو بعرقوب
آخر:
أذيتم بقربي منكم ومودتي … فأغتيت عنكم ما أذيتم به مني
وأصبحت عنكم غانياً في عدوكم … وأغناكم تقصير رأيكم عني
آخر:
لعمرك لو أني أخاصم حية … إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
آخر:
أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى … علي سبيلاً غير أنك حاسد
وإنا لموسومان كل بوسمة … أقر مقر أم أبى جاحد
آخر:
بني عمنا لا تقربوا البطل إنه … يضيق وأن الحق مأتاه واسع
فلا الضيم أعطيكم لطول وعيدكم … ولا الحق من بغضائكم أنا مانع
آخر:
لقد زادني حباً لنفسي أنني … بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وإني شقي باللئام ولا ترى … شقياً بهم إلا كريم الشمائل
إذا ما رآني قطع الطرف بينه … وبيني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كأنها … من الضيق في عينيه كفة حابل
أكل امرئ ألفى أباه مقصراً … معاد لأهل المكرمات الأوائل
آخر:
ومولى كولى الزبرقان دملته … كما دملت ساق يهاض بها كسر
ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه … كضب الكدى أفنى براثنه الحفر
تراه كأن الله يجدع أنفه … وأذنيه إن مولاه ناب له وفر
آخر:
إخوة ما شهدت سرون برون ف … إن غبت فالذئاب الجياع
لا لسوء البلاء مني ولكن … ظهرت نعمة علي فلاعوا
آخر:
ستعلم أينا أبذى وأفرى … وأقول للعظيم ولا يبالي
ومن بتواتر السبات أحرى … إذا نحن ارتمينا في النضال
ومن أخلاقه قذع ولؤم … ومن يرمي بأمثال الجبال
الخريمي:
فلم أجزه إلا المودة جاهداً … وحسبك مني أن أود فأجهدا
مسكين الدارمي:
ولا تحمد المرء قبل البلاء … ولا يسبق السيل منك المطر
وإني لأعرف سيما الرجال … كما يعرف القائفون الأثر
وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد: إن الله إذا أحب عبداً حببه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن مالك عند الله مثل ما لله عندك. وقالوا: إذا أحب الله عبداً ألقى مودته على الماء فلم يشرب منه أحد إلا أحبه، وإذا أبغض الله عبداً ألقى بغضه على الماء فلم يشرب منه أحد إلا أبغضه.
وسمعت ابن سمعون الصوفي يقول: ما يقف البشر على بعد غور قول الله تعالى لكليمه: ” وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني ” ، فإن في هاتين الكلمتين ما لا يبلغ كنهه، ولا ينال آخره، ولو أن أرق الناس لساناً، وألطفهم بياناً أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول لم يستطع وعاد حسيراً، ونكص بهيراً، وبقي عاجزاً. ثم قال: اللهم حبب بعضنا إلى بعض، واجمع شملنا إلى رضاك عنا مع إحسانك إلينا، إنك أهل ذلك، والجواد به.
وقال بعض السلف الصالح: خير الناس خير الناس للناس.
وقال آخر: من أحب الناس صنع ما يحبه الناس.
وقال رجل من قريش: خالطوا الناس مخالطة إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم.
وقال بكر بن عبد الله المزني: لو كان هذا المسجد، يعني مسجد البصرة، مفعماً بالرجال ثم قيل: من خيرهم؟ لقلت: أخيرهم لهمز وقال معاذ بن جبل: خير الرجال الألوف وشرهم العزوف.
شاعر:
وما الود إلا عند من هو أهله … وما الشر إلا عند من هو حامله
وقال ابن دارة:
إذا أنت لم تستبق يوماً صحابة … على عتبة أكثرت بث المعاتب
آخر:
أخي وصفيي فرق الدهر بيننا … بكره ولكن لا عتاب على الدهر
تصبر على جنب الخوان مبصراً … تصبر بحاجات المجاور والصهر
آخر:
إذا أنت أكثرت الأخلاء صادفت … بهم حاجة بعض الذي أنت مانع
إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة … وتحمل أخرى افدحتك الودائع
آخر:
ومحتمل ضغناً علي وشامت … شديد اللسان ود لو أتضعضع
ملأت عليه الأرض حتى كأنما … يضيق عليه عرضها حين أطلع
آخر:
عجبت لبعض الناس يبذل وده … ويمنع ما ضمت عليه الأصابع
إذا أنا أعطيت الخليل مودتي … فليس لما لي بعد ذلك مانع
آخر:
وكم من أخ فارقت لو كان أمره … إلي طوال الدهر لم نتفرق
آخر:
أنا ابن عمك إن نابتك نائبة … ولست ذاك إذا ما نعتك اعتدلا
آخر:
إذا شئت أن لا يبرح الود دائماً … كأفضل ما كانت تكون أوائله
فآخ فتى لا المقرفات ولدنه … كريماً كنصل السيف حلواً شمائله
فذاك الذي يرضيك صارم حده … ويكفيك من لهو الكواعب باطله
آخر:
ومولى كداء البطن ليس بزائل … تدب أفاعيه لنا والعقارب
دملت على أشياء منه لو أنها … تنم لم يسلم عليهن صاحب
أمولاي إني لا تكون عداوتي … عليك ولكني بوترك طالب
آخر:
فتب واتخذني جنة تتقي بها … عدوك إن نابت عليك النوائب
آخر:
إني ليحمدني الخليل إذا احتوى … مالي ويكرهني ذوو الأضغان
آخر:
إني تودكم نفسي وأمنحكم … حبي ورب حبيب غير محبوب
آخر:
أجامل ذا الضغن المبين ضغنه … وأضحك حتى يبدو الناب أجمع
وأهديه عمداً بالمقول ولو يرى … سريرة ما أخفي لظل يفزع
آخر:
وما المرء إلا بإخوانه … كما تقبض الكف بالمعصم
ولا خير في الكف مقطوعة … ولا خير في الساعد الأجذم
آخر وهو جاهلي:
إني لأبذل للخليل إذا دنا … ما لي وأترك ماله موفوراً
وإذا أردت ثواب ما أعطيته … فكفى بذلك نائلاً تكديرا
آخر:
تبغ ابن عم الصدق حيث لقيته … فإن ابن عم السوء أوغر جانبه
تبغيته حتى إذا ما وجدته … أراني نهار الصيف تجري كواكبه
ورب ابن عم تدعيه ولو ترى … خبيئته يوماً لساءك غائبه
فإن يك خيراً فالبعيد يناله … وإن كان شراً فابن عمك صاحبه
ألا رب من يغشى الأباعد نفعه … ويشقى به حتى الممات أقاربه
فخل ابن عم السوء والدهر إنه … ستدركه أيامه ونوائبه
آخر:
أواخي كرام القوم ثم أحوطهم … ولست بمذق القول مستطرف الوصل
ومالي من ذنب إليك فلا تكن … إلي شيء كأنشوطة الحبل
فلا مرحباً بالسخط منك وبالقلى … فكل الذي يرضيك بالرحب والسهل
آخر:
وإني أخوهم عند كل ملمة … إذا مت لم يلقوا أخاً لهم مثلي
ومولى دفعت الدر عنه تكرماً … ولو شئت أمسى وهو مغض على تبل
آخر:
تواصل أحياناً وتصرم تارة … وشر الأخلاء الحبيب الممزح
آخر:
كم من عدو أخي ضعن يجاملني … يخفي عداوته أن لا يرى طمعا
آخر:
وكم تورعت من مولى تعرض لي … رفهت عنه ولو أتعبته ضلعا
آخر:
كالتمر أنت إذا ما حاجة عرضت … وحنظل كلما استغنيت للجاني
تنأى بودك ما ساغنيت عن أحد … وما افتقرت فأنت الواغل الداني
آخر:
فيا قومنا لا خير في كل صاحب … إذا اصطنع المعروف من وعددا
آخر:
متى ما يشا ذو الوصل يصرم خليله … ويغضب عليه لا محالة ظالما
آخر:
أخوك الذي إن تدعه لملمة … يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
آخر:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر … من الود قد بالت عليه الثعالب
فأصبح باقي الود بيني وبينه … كأن لم يكن، والدهر فيه العجائب
فما أنا بالباكي عليه صبابة … ولا بالذي ملتك منه المثالب
إذا المرء لم يجبك إلا تكرهاً … بدا لك من أخلاقه ما يغالب
فدعه فصرم المرء أهون حادث … وفي الأرض للمرء الكريم مذاهب
آخر:
فإن تترك يوماً أخاً لك صالحاً … ففي الأرض منأى عن بلادك واسع
آخر:
ولي ابن عم لو أن الناس في كبد … لظل محتجراً بالنبل يرميني
إني لعمركما بابي بذي غلق … عن الصديق ولا خيري بممنون
آخر:
إذا افتقرت نأى واشتد جانبه … وإن رآك غنياً لان واقتربا
وإن أتاك لمال أو لتنصره … أثنى عليك الذي يهوى وإن كذبا
مدلي القرابة عند النيل يطلبه … وهو البعيد إذا نال الذي طلبا
حلو اللسان بعيد القلب مشتمل … على العداوة لابن العم ما اصطحبا
آخر:
ويزعم لي الواشون أني فاسد … عليك وإني لست مما عهدتني
وما فسدت لي يعلم الله نيةعليك بل استفسدتني فاتهمتني
غدرت بودي جاهداً فأخفتني … فخفت ولو آمنتني لأمنتني
إلى الله أشكو لا إليك وطالما … شكوت الذي ألقاه منك فزدتني
آخر:
ولست بذي لونين يهفو ولا الذي … إذا ما خليلي بان منه تقلبا
ولكن خليلي من يدوم وصاله … على كل حال إن نأى أو تقربا
آخر:
ألين لذي القربى مراراً وتلتوي … بأعناق أعدائي حبالي فتمرث
قال فعنت:
ما بال قوم صديقاً ثم ليس لهم … عهد وليس لهم دين إذا أئتمنوا
إن يسمعوا رية طاروا بها فرحاً … مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به … وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وإن بطنت أرجي ودهم ظهروا … وإن ظهرت للقيا فيهم بطنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهم … مروءة أو تقى لله ما فطنوا
وقد علمت على أني أعايشهم … لا تبرح الدهر فيما بيننا إحن
كل يداجي على البغضاء صاحبه … ولن أعالنهم إلا كما علنوا
شبه العصافير أحلاماً ومقدرة … لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
جهلاً علينا وجبناً عن عدوهم … لبئست الخلتان: الجهل والجبن
كغارز رأسه لم يدنه أحد … بين القرينين حتى لزه القرن
آخر:
البس قرينك إن أخلاقك فحشت … فلا جديد لمن لا يلبس الخلقا
وقال زياد الأعجم:
أخ لك لا تراه الدهر إلا … على العلات بساماً جوادا
أخ لك ليس خلته بمذق … إذا ما عاد فقر أخيه عادا
آخر:
أحذر وصال اللئيم إن له … عضهاً إذا حبل وصله انقطعا
آخر:
وإن الذي بيني وبين بني أبي … وبين بني عني لمختلف جداً
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم … وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم … وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيراً بنحس تمر بي … زجرت لهم طيراً تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم … وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
وإن أجمعوا صرمي معاً وقطعيتي … جمعت لهم مني مع الصلة الودا
أجود بمالي خشية أن يعمروا … إذا ما هم شدوا على الصور العقدا
لهم جل ما لي إن تتابع لي غنى … وإن قل مالي لم أكفهم رفدا
وتقدم خصمان إلى المغيرة بن شعبة فقال أحدهما: إن هذا يدل علي بمعرفة بك، قال: صدق وإنها لتنفعه. قال: كيف أتضلع علي في الحكم؟ قال: لا، ولكن أنظر فإن توجه الحق له أخذته منك عنف، وإن توجه الحق لك عليه قضيت عنه إليك، إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور فكيف عند الرجل الحر.
شاعر:
لي صاحب قد كنت آمل نفعه … سبقت صواعقه إلي صبيبه
يا من بذلت له المودة مخلصاً … في كل أحوالي وكنت حبيبه
أيام نسرح في مراد واحد … للعلم تنتجع القلوب عريبه
ونظل نشرع في غدير واحد … نصف الصفاء لوارديه وطيبه
ما هكذا يرعى الصديق صديقه … وحبيبه وقرينه ونسيبه
قال الفضل صلى الله عليه وآله: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس.
وقال شاعر:
زادني قرب صديقي فاقة … أورثت من بعد فقري مسكنه
آخر:
وإن أخاك الكاره الود وارد … وأنت بمرأى من أخيك ومسمع
وآخر:
الله يعلم أن فرقة بيننا … فيما أرى خطب علي يهون
آخر:
إلفان داما على ودادهما … قد أمكنا الحب من قيادهما
تحالفا إن صفا الهوى لهما … أن يحفظاه إلى معادهما
ما من محبين جاهراً بهوى … إلا سعى الناس في فسادهما
آخر:
وإني لأستحيي من الله أن أرى … رديفاً لوصلي أو على رديف
وإن أرد الماء الموطأ ورده … وأتبع ود المرء وهو ضعيف
بشار:
وكاشح معرض عني هممت به … ثم ارعويت وقلت: الناس بالناس
آخر:
ولا خير في قربى لغيرك نفعها … ولا في صديق لا تزال تعاتبه
آخر:
تبدل فما لي من هواك بديل … ولا لكعندي في الأنام عديل
وكن قاطعاً إن شئت أو كن مواصلاً … فأنت هوى لي كيف شئت وسول
رجائي وإن قصرت فيك طويل … وصبري وإن أعرضت عنك قليل
آخر:
إني لأبغض كل مصطبر … عن إلفه في الوصل والهجر
آخر:
فإن يك من لقائك غاب وجهب … فلم تغب المودة والإخاء
ولم يغب الثناء عليك مني … بظهر الغيب يتبعه الدعاء
وما زالت تتوق إليك نفسي … على الحالات يحددها الوفاء
آخر:
من أين لي في سائر الناس صاحب … إذا صد عني رده النظم والنثر
آخر:
وإذا سمعت نميمة فتعدها … وتحفظن من الذي أنباكها
وذر النميمة لا تكن من أهلها … وتجنبن من صاغها أو حاكها
وكتب ابن ثوابة إلى ابن فراس الكاتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
عهدي بك يا سيدي يتطوع بنافلة لابتداء، فكيف تخل بفريضة الجواب، وهل يرضى الصديق منك أن تبره قريباً، وتجفوه بعيداً، وتذيقه حلاوة الوصل دانئاً، وتجرعه مرارة القطيعة نائياً، وما عليك لو رضيت بالبين فاجعاً، واكتفيت بالدهر قاطعاً:
والدهر ليس بمعتب من يجزع … والبين بالشمل لمجمع مولع
فما ظنك بمن يجري ذوي المروءة مجرى سائر من يرى باطنه يخالف ظاهره، وتأويله ينافي تنزيله، وهذا هزل يترجم عن جد، والضد يبرز حسنه الضد، أودعتني، إذا ودعتني:
شوقاً إليك تفيض منه الأدمع … وجوى عليك تضيق عنه الأضلع
فكم أتلهف على ما أنفدناه في حال الاجتماع من عيش رخي، ويوم فتي، وسرور امتدت ظلاله، وليل غاب عذاله، فارغب إلى الله في إعادة تلك العهود، إنه فعال لما يريد.
شاعر:
يا ذا الذي ألف القطيعة دهره … إن القطيعة موضع الريب
إن كان ودك كامناً في نية … فاطلب صديقاً عالماً بالغيب
سمعت أبا سعيد السيرافي الإمام يقول: العرب تقول: أوصل الناس أوضعهم للصرم في موضعه.
شاعر:
وما كل من يظنني أنا معتب … ولا كل ما يروى علي أقول
آخر:
رب ابن عم ليس بابن عم … داني الأذاة ضيق المجم
وإن أتى يوم شديد الغم … لم يك قرن المقطع المهم
وقال بشار:
أراك اليوم لي وغداً لغيري … وبعد غد لأقربنا إليكا
إذا آخيت ذا فارقت هذا … كأن فراقه حتم عليكا
فأقدمهم أخسهم جميعاً … وأحدثهم أحثهم لديكا
وكلهم وإن طرمذت فيه … ستتركه وشيكاً من يديكا
أبو الأسود الدؤلي:
وما ساس أمر الناس إلا مجرب … حليم ولا صافيت مثل كريم
فما لحليم واعظ مثل نفسه … ولا لسفيه واعظ كحليم
آخر:
وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي … قد أحدث هذا جفوة وتعظما
وما بي جفاء عن صديق ولا أخ … ولكنه فعلي إذا كنت معدما
آخر:
وإن أمانتي لا يحتويها … خليل في زيال واجتماع
سأرعاها وإن هو غاب عنها … لكل أمانة بالغيب راع
آخر:
وذي حسد يغتابني حين لا يرى … مكاني ويثني صالحاً حين أسمع
تورعت أن أغتابه من ورائه … وما هو إذ يغتابني متورع
آخر:
وسوء ظنك بالأذنين داعية … بأن يخونك من قد كان مؤتمنا
آخر:
احفظ نصيحة من بدا لك نصحه … ولرأي أهل الخير جهدك فاقبل
القطامي:
لعلك إن رددت علي نصحي … ستندمك الذي عملت يداكا
أبو الأسود:
ألا رب نصح يغلق الباب دونه … وغش إلى جنب السرور يقرب
عبد الرحمن بن حسان:
ومتخذ وداً لمن لا يوده … كمعتذ عذراً إلى غير عاذر
ومستوقد حرباً على غير ثروة … كمقتحم في اليم ليس بماهر
وعاش بعينيه لمن لا يباله … كساع برجليه لإدراك طائر
وقال أعرابي: بالمداراة تستخرج الحية من جحرها، وتستنزل الطائر من الهواء، وتقنص الوحش من البيداء.
شاعر:
أخو البشر محمود على حسن بشره … ولن يعدم البغضاء من كان عابساً
وقال أسماء بن خارجة:
أردت مساتي فاعتمدت مسرتي … وقد يحسن الإنسان يوماً ولا يدري
وقيل لقس بن ساعدة: صف لنا صديقك فقال:
رحيب الذراع بالذي لا يشينه … وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
وقال قيس بن الخطيم:
فإن ضيع الإخوان سراً فإنني … كتوم لأسرار العشير أمين
وعندي له يوماً إذا ما ائتمنته … مكان بسوادء الفؤاد مكين
وقيل للحراني: بينك وبين سهل بن هارون صداقة فانعته لنا كي نعرف فقال: هو كالخير، وازن العلم، واسع الحلم، إن فوخر لم يكذب، وإن موزح لم يغضب، كالغيث أين وقع نفع، وكالشمس حيث أوفت أحيت، وكالأرض ما حملتها حملت، وكالماء طهور لملتمسه، وناقع لغلة من احتر إليه، وكالهواء الذي نقطف منه الحياة بالتنسم، وكالنار التي يعيش بها المقرور، وكالسماء التي قد حسنت بأصناف النور.
شاعر:
غمست نفسك في خضراء مغدقة … وغيرتك على إخوانك النعم
آخر:
لقد أتاك العدى عنا بمنكرة … فرددوها بإسراف وتكثير
لا تسمعن بنا إفكاً ولا كذباً … يا ذا الفواضل والنعماء والخير
آخر:
كأني وشبلاً لم نبت ليلة معاً … ولم نصطحب خدنين قبل التفرق
ولم نتماحض صادق الود بيننا … ولم نبتعد يوماً لخير فنلتقي
حليم إذا ما الجهل أنصل نبله … وحص أثيث الريش عن كل أفوق
سجيه حلم صاغها الله شيمة … فتمت على ما قال غير التخلق
آخر:
ومن يتخذ جلى إخائك جنة … وممتنعاً لا تلقه الدهر معورا
آخر:
وقد كنت جاراً للشباب وصاحباً … فكيف ولم أغدر به ملء جانبي
وغني على ما فات منه لقائل … عليك السلام من خليل وصاحب
آخر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم … والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم … بعضاً ليدفع معوراً عن معور
آخر:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلاً … هشوا وقالوا: مرحباً بالمقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم … ولغ الكلاب تهارشت في منهل
آخر:
ألا ربما كان الشفيق مضرة … عليك من الإشفاق وهو ودود
قالت عائشة: كنت أرى امرأة تدخل على النبي صلى الله عليه وآله، وكان يقبل عليها بحفاوة فشق ذاك علي فعلم ذاك مني فقال: يا عائشة هذه كانت تغشانا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.
وأروي هنا ذراوة من كلام أرباب الحذق والخرق فإن فيه فائدة حسنة لا أرى الإضرار عنه، والإخلال به.
سمعت ابن السراج الصوفي يقول: قلت لأبي الحسن البوشنجي: من أصحب؟ قال: من يصفو كدرك بصفائه، ولا يكدر صافيك بكدره.
وقلت لغلام ابن بابويه القمي: من أعاشر؟ فقال: من إذا أحسنت قال: الحمد لله الذي وفق هذا لم أرى، وإذا أسأت قال: الحمد لله الذي لم نبله بأشد مما أرى.
وقال أبو المتيم الرقي: قلت لابن الموله: من أخلص إليه، وأشتمل بسري وعلانيتي عليه قال: من إذا لم يكن لنفسك كان لك، وإذا كنت لنفسك كان معك، يجلو صدأ جهلك بعلمه، ويحسم مادة غيك برشده، وينفي عنك غش صدرك بنصحه، اصحب من إن قلت صدقك، وإن سكت عذرك، وإن بذلت شكرك، وإن منعت سلم لك، قلت يا سيدي من لي بمن هذا نعته؟ قال: كن أنت ذاك تجدك على ذاك، ويجدك مثلك على ذاك، كأنك إنما تحب أن يكون غيرك لك، ولا تحب أن تكون أنت لغيرك.
وقيل لبرهان الصوفي: من الصديق؟ قال: يا هذا من بضع نصفه معدوم عليك فاطلب من يسعك بخلقه، ويؤنسك بنفسه، ويواسيك من قليله، إن رضي عنك لم يغلظك، وإن سخط عليك لم يمقتك، يبدي لك خيره لتقتدي به، ويواري عنك شره لئلا تستوحش منه، فأما من تكون مثال نفسه في كل حال تلون به الدهر، وهم صدره في كل أمر، يقلب به الليل والنهار، يقدم حظك على حظه، ولا يسارق النظر بلحظه، ولا يغلظ القول بلفظه، ولا يتغير لك في غيبه، ولا يحول عما عهدته في شهادته، يعانق مصلحتك بالاهتمام، ويثبت قدمك عند الإقدام والإحجام فذاك شيء قد سد الناس دونه كل باب، وقصر الطمع فيه عن كل قاب، فليس له شبح إلا في الوهم، ولا خيال إلا في التمني والسلام.
وقلت لجعفر بن حنظلة: من أصحب؟ قال: أخطأت، قل لي من لا أصحب، فإني إن حصرت لك من لا تصحب فقد أرشدتك إلى من تصحب، فإني إن حصرت لك من لا تصحب فقد أرشدتك إلى من تصحب، قال: فمن لا أصحب؟ قال: لا تصحبني ولا تصحب من كان مثلي، وما زادني على هذا، ولحقني من هذا الكلام كرب وصرف الزما، فرأيته بمدينة السلام سنة ثمان وخمسين وهو متوجه إلى الحج فقلت له: أيها الشيخ لقد جرحت سري بكلامك في وقت كذا وكذا، ولعلك ذاكر مما كان هناك، قال: أردت بتنفيرك مني إغراءك بي، وهذا من خدع المشايخ للمريدين.
وحدثني ابن السراج الصوفي قال: كنت بالشام عند الروبذباري أبي عبد الله، فكتب إلى المهلبي، وكان من مشايخ الشام، كتاباً فيه شوق وعتب يقول في فصل منه: أراحك الله يا سيدي من شوق من لا تشتاق غليه، وعتب من لا تغتابه، فإنه إذا أجاب هذا الدعاء حرس وقتك لك، وأفرغ بالك عليك، وكنت في زينة حالك ساعياً، ولحقائق سرك وعلانيتك راعياً، ولكن لو رحمت أصدقاءك في شوقهم إليك، صنتهم وغياك عن عتبهم عليك، وليس بضائر أن تجعل اهتمامك بهم، وطلوعك عليهم، وتجديدك العهد بناسمتهم في عرض ما تتقرب إلى الله به إن كان حسناً، أو في جملة ما تسغفر الله منه إن كان قبيحاً. وبعد فليس كل من أوتي الصبر، وأعين بالجلد، وكان له من نفسه داع إلى الجفاء، ومجيب إلى الهجر، أكمل ذلك كله في البعد هن خلانه، والبراءة من خلصانه، والله الذي هو مالك همنا، والسابح في سرائرنا، لولا أنك أحلى من زلال الحياة إذا طابت، وأطيب من العيشة إذا لذت، وأعذب من الزلال على الحرة، وأدب في الضمائر من الخواطر، وأعلق بالعيون من النواظر، ما اهتززنا مشتاقين إليك، ولا الهبنا متهالكين عليك، ولكنك الروح، والصبر عن الروح معوز، والحياة والبقاء مع فقد الحياة معجز، فإن فاء بك رأيي في الانكفاء إلى أحداق طامحة نحوك، وهمم طائحة في الوجد بك، ومجالس خضرة نضرة بأحاديثك، ومسامع صاغية إلى لذيذ لفظك، وشهي جدك وهزلك، فتصدق علينا بنفسك إن الله يجزي المتصدقين.
سالم بن وابصة:
ونيرب من موالي السوء ذي حسد … يقتات لحمي ولا يشفيه من قرم
داويت صدراً طويلاً غمره حقداً … منه وقلمت أظفاراً بلا جلم
كقنفذ الرمل ما تخفى مدارجه … خب إذا نام عنه البوم لم ينم
ملازم لخداع ما يفارقه … يبدي لنا الغش والعوراء في الكلم
كأن سمعي إذا ما قال مخفظة … أصم عنه وما بالسمع من صمم
حتى اطبى وده رفقي به ولقد … نسيته الحقد حتى عاد كالحلم
إن من الحلم ذلا أنت عارفه … والحلم عن قدرة صنف من الكرم
آخر:
فمن شاء رام الصرم أو قال ظالماً … لذي وده ذنب وليس له ذنب
آخر:
وهون وجدي أنه ليس واجداً … من الناس إلا قد أصيب بصاحب
آخر:
وما زال يدعوني إلى الهجر ما أرى … فإني وتثنيني عليك الحفائظ
وأنتظر العتبي وأغضي على القذى … وأصبر حتى أوجعتني المغائظ
آخر:
ولي صديق عدمت عقلي … إن قلت: إني له صديق
ما نلتقي في الزمان حتى … يجمع ما بيننا الطريق
آخر:
نشدتك بالبيت الذي طاف حوله … رجال بنوه من لؤي بن غالب
فإنك قد جربتني هل وجدتني … أعينك في الجلى وأحميك جانبي
وإن معشر دبت إليك عداوة … عقاربهم دبت إليهم عقاربي
آخر:
من لم يردك فلا ترده … لتكن كمن لم تستفده
آخر:
إذا كنت تحصي ذنوب الص … ديق وتنسى ذنوبك بالواحده
فإنك أنبل أهل الز … مان طراً على هذه القاعده
وكتب بعض آل ثوابه إلى صديق له:
بسم الله الرحمن الرحيم
فأما ما أشرت به من معاتبة أبي فلان، واستقبحته من سيرته في بعض نقض العهد، وتضييع الود فالناس يا أخي أصدقاء الحال يتصرفون بتصرفها، ويحولون بحولها، والحزم أن يؤخذ صفوهم، ويقبل عفوهم، ولا يعاتبوا على هفوتهم، والله يعلم أني لكل من واددت على حب واف، وميل صاف، وإخلاص شاف.
وكتب أيضاً هذا الكاتب إلى آخر:
بسم الله الرحمن الرحيم
قد يحقر المرء ما يهوى فيركبه … حتى يكون إلى توريطه سببا
شر الأخلاء من كانت مودته … مع الزمان إذا ما خاف أو رغبا
إذا وترت امرءاً فاحذر عداوته … من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
آخر:
ليس الصديق الذي يعطيك شاهده … شهد الوداد وخان الغيب غائبه
وقال عبيد بن الأبرص:
قد يوصل النازح النائي وقد … يقطع ذو السهمة القريب
آخر:
تلوم على القطيعة من أتاها … وأنت شببتها في الناس قبلي
آخر:
قد فرق الله بين شيمتنا … في كل أمر فكيف نأتلف
قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: من أفطر من أجل أخ له، ثم لم يمنن عليه عدل له ذلك بصيام شهر.
وقال الحسن البصري: لا ينظر الله إلى من بذل الود لأخيه حتى ائتمنه ثم انطوى له على غل.
شاعر:
وأخ إن جاءني في حاجة … كان بالإلحاح مني واثقاً
وإذا ما جئته في حاجة … كان بالرد بصيراً حاذقا
يعمل الفكرة لي في الرد من … قبل أن أبدأ فيها ناطقا
آخر:
أراك مع الأعداء في كل موطن … وقلبك من ضغن علي مريض
وما بي من فقر إلى أن تحبني … وما ضرني أني إليك بغيض
وقال ابن عباس: العاقل الكريم صديق كل أحد، إلا من ضره، والجاهل اللئيم عدو لكل أحد إلا من نفعه.
وقال آخر:
لنا صديق مبغض للأدب … إخوانه من جهله في تعب
يغضب حيناً عند حد الرضا … نوكاً ويرضى عند حال الغضب
كأنه من سوء تأديبه … أسلم في كتاب سوء الأدب
آخر:
الحمد لله عامل الصدقه … كان صديقاً فقد لوى عنقه
آخر:
يا صديقي ما كنت لي بصديق … إنما كنت للزمان صديقا
قال بعض السلف: أحق الناس بأن يتقى: العدو القوي، والصديق المخادع، والسلطان الغشوم.
شاعر:
إذا عدوك لم يظهر عداوته … فما يضرك إن عاداك أشرار
وقال رجل لعمر بن الخطاب: والله إني لأحبك في الله، قال: لو كنت كما تقول لأهديت إلي عيوبي.
وقال أعرابي: السؤال عن الصديق أحد اللقائين.
شاعر:
من لم يكن ذا صديق … يفضي إليه بسره
ويستريح إليه … في خير أمر وشره
فليس يعرف طعماً … لحلو عيش ومره
آخر:
وأبيض قد صادفته فدعوته … إلى بدوات الأمر حلو شمائله
أخي ثقة إن أبتغ الجد عنده … أجده ويلهيني إذا شئت باطله
وإني لمعراض عن المرء بعدما … يبين وتبدو لو أشاء مقاتله
آخر:
أغيب عنكم بود لا يغيره … طول البعاد ولا ضرب من الملل
آخر:
ولا يلبث الحبل الضعيف إذا التوى … وجاد به الأعداء أن يتخذما
قال الحسن البصري: ليس من المروءة أن يربح الرجل على أخيه.
وقال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره اثنين، ولا يستأثر دون أخيه بورق ولا عين.
وقال الحسن: لأن اقضي لأخ من إخواني حاجة أحب إلي من أن أصلي ألف ركعة.
وقال الحسن: ما تحاب اثنان ففرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما.
وقال الحسن: لا تشتر مودة ألف بعداوة واحد.
وقال الشاعر:
إذا ما امرؤ ولى علي بوده … وأدبر لم يهدر بإدباره ودي
قيل لأعرابي: كيف ينبغي أ، يكون الصديق؟ قال: مثل الروح لصاحبه، يحييه بالتنفس، ويمتعه بالحياة ويريه من الدنيا نضارتها، ويوصل إليه نعيمها ولذتها.
وأخبرنا ابن مقسم العطار النحوي قال: أنشدنا ثعلب لأعرابي:
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه … بحلمي عنه وهو ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامني … قطيعتها، تلك السفاهة والظلم
ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي … وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
يحاول رغمي لا يحاول غيره … وكالموت عندي أن يسوغ له الرغم
فإن أنتصر منه أكن مثل رائش … سهام عدو يستهاض بها العظم
وإن أعف عنه أغض عيناً على قذى … وليس له بالصفح عن ذنبه علم
فما زلت في لين له وتعطف … عليه كما تحنو على الولد الأم
لأستل ذاك الضغن حتى استللته … وقد كان ذا ضغن يضيق له الحزم
فداويت منه الحقد والمرء قادر … على سهمه ما دام في كفه السهم
وقلت لابن برد الأبهري، وكان من غلمان ابن طاهر: من الصديق؟ قال: من سلم سره لك، وزين ظاهره بك، وبذل ذات يده عند حاحتك، وعف عن ذات يدك عند حاجته، يراك منصفاً وإن كنت جائراً، ومفضلاً وإن كنت ممانعاً، رضاه منوط برضاك، وهواه محوط بهواك، إن ضللت هداك، وإن ظمئت أرواك، وإن عجزت آداك، يبين عنك بالجسم والرسم، ويشاركك في القسم والوسم. قلت: أما الوصف فحسن، وأما الموصوف فعزيز، قال: إنما عز هذا في زمانك حين خبثت الأعراق، وفسدت الأخلاق، واستعمل النفاق في الوفاق، وخيف الهلاك في الفراق، والله لقد شاهدت لشيخنا ابن طاهر أصدقاء ينطوون له على مودة أذكى من الورد والعنبر، إذا لحظهم بطرفه تهللوا، وإذا ناقلهم بلفظه تدللوا، وإذا تحكم عليهم تعجلوا، وإذا أمسك عنهم نولوا وخولوا، وكان يجدون به ما لا يجدون بأهليهم وأولادهم، رحمة الله عليهم، فلقد كانوا زينة الأرض، في كل حال من الشدة والخفض، وإني لآذكرهم فأجد في روحي عبقاً من حديثهم، قلت: كيف كان انبساطهم في الاجتماع؟ قال: ما كانوا يتجاوزون الليلة الحلوة، والمزح الخفيف، واللفظ اللطيف، والرمز الرشيق، والتبسم المقبول، وإذا افترقوا فإنما هم في اهتمام يعود بنظام عيشهم، وتدوم لهم مسرة حياتهم، الكلمة واحدة، والطريقة واحدة، والإرادة واحدة، والعادة واحدة، والوحدة إذا ملكت الكثرة نفت الخلاف، وأروثت الائتلاف، ثم تكلم في الوحدة والواحد والأحد بكلام في غاية الرقة، مع الإيضاح، ولولا أن هذا الموضع يجفو عنه لرسمته فيه، ولكن قد قيل لكل مقام مقال، ولكل فعل أوان، وفي حفظ الحدود استمرار الموجود، على ما هو به موجود.
وأنشد لعبد الله بن طاهر:
وما المرء إلا اثنان هذا موكل … بما يعجب الإخوان إن قال أو فعل
فينزل محموداً إذا حل منزلاً … ويرحل مفقوداً إذا قيل قد رحل
فأما الذي لا خير فيه فإنه … وإن أطعم السلوى وألعق من عسل
يذيب عن لحم العدو مخافة … ويأكل من لحم الصديق إذا آكل
وما قلبه إلا وعاء معطل … من الود محشو من الغل والدغل
ومن قل منه الود للناس لم ينل … من الناس إلا مثل ذلك أو أقل
قيل لأبي السائب: ما آفة الملال؟ قال: كثرة الإدلال.
وقيل لابن أبي عتيق: ما يدعو المحب إلى الهجر؟ قال: إدمان المحبوب للغدر.
لما انتقل ابن المنجم عن جيرة عبيد الله بن طاهر إلى دار إسحاق بن إبراهيم الموصلي كتب عبيد الله إليه أبياتاً:
ما من تحول عنا وهو يألفنا … أبعدت عنا ولأياً صرت تلقانا
فاعلم بأنك مذ فارقت جيرتنا … بدلت جاراً وما بدلت جيرانا
فكتب إليه ابن المنجم:
بعدت عنكم بداري ودون خالصتي … ومحض ودي وعهدي كالذي كانا
وما تبدلت مذ فارقت قربكم … إلا هموماً أعانيها وأحزانا
وهل يسر بسكنى داره أحد … وليس أحبابه للدار جيرانا
آخر:
كن بالتحفظ من ك … ل من عرفت حقيقا
فقد يصير عدواً … من كان يوماً صديقا
آخر:
يخرج أسرار الفتى جليسة … رب امرئ جاسوسه أنيسه
وقال الحارني: الجليس الصالح، كالسراج اللائح، والجليس الطالح، للمرء فاضح، مجالسة الأشكال تدعو إلى الوصال، ومجالسة الضداد تذيب الأكباد.
وقال النبي صلى الله عليه وآله: مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لا يجدك من عطره، يعلقك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القين إن لا يحرقك بشرره، يؤذك بدخانه.
شاعر:
خليلي للبغضاء حال مبينة … وللحب آيات ترى ومعارف
آخر:
إذا كنت تغضب من غير جرم … وتعتب من غير عتب عليا
عددتك ممن حوته القبور … وإن كنت ألقاك في الناس حيا
آخر:
إن المرء أعراه الصديق بدا له … بأرض الأعادي بعض ألوانها الربد
آخر:
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه … كأن به عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا ناشطاً أذى … ولا مانعاً خيراً ولا قائلاً هجرا
إذا ما أتت من صاحب لك زلة … فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة … فإن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا
آخر:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً … فخنت، وإما قلت قولاً بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا … بمنزلة بين الخيانة والإثم
آخر:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل … على أينا تغدو المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أخن … إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة … وأحبس ما لي إن غرمت فأعقل
وإن سؤتني يوماً صفحت إلى غد … ليعقب يوماً منك آخر مقبل
كأنك تشفي منك داء مساءتي … وسخطي وما في ريبتي ما تعجل
وإني على أشياء منك تريبني … قديماً لذو صفح على ذاك مجمل
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني … يمينك فانظر أي كف تبدل
وفي الناس إن رثت حبالك واصل … وفي الأرض عن دار القلى متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته … على طرف الهجران إن كان يعقل
ويركب حد السيف من أن تضيمه … إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتي … وبدل سوءاً بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدم … على ذاك إلا ريث ما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد … إليه بوجه آخر الدهر تقبل
آخر:
فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معاً … كفى بالممات فرقة وتنائياً
آخر:
أفاطم أعرضي قبل المنايا … كفى بالموت هجراً واجتنابا
آخر:
لا تطلبن الود من متباعد … ولا تنأ من ذي بغضة إن تقربا
فإن القريب من يقرب نفسه … لعمر أبيك الخير لا من تنسبا
آخر:
لعمرك ما أبقى لي الدهر من أخ … حفي ولا ذي خلة أواصله
ولا من خليل ليس فيه غوائل … وشر الأخلاء الثير غوائله
النمر بن تولب:
أحبب حبيبك حباً رويداً … فقد لا يعولك أن تصرما
وأبغض بغيضك هوناً رويداً … إذا أنت حاولت أن تحكما
آخر:
لقد عجبت وما بالدهر من عجب … يد تشح وأخرى منك تأسوني
آخر:
أتيت أنادي الدهر جد لي بصاحب … وخل طلاب الدهر ما أنا طالب
فما جاء لي منه بغير مجانب … وآخر خير منه ذاك المجانب
أخلائي أمثال الكواكب كثرة … وما كان ما يرمى به الأفق ثاقب
بلى كلهم مثل الزمان تلوناً … إذا سر منه جانب ساء جانب
آخر:
ومن البلاء أخ خيانته … علق بنا ولغيرنا نشبه
آخر:
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر … من الود قد بالت عليه الثعالب
فأصبح نابي الود بيني وبينه … كأن لم يكن والدهر جم العجائب
آخر:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصح … وعينك تبدي أن صدرك لي دوي
لسانك ماذي وغيبك علقم … وشرك مبسوط وخيرك منطوي
آخر:
كم من صديق لنا أيام دولتنا … قد كان يمدحنا فصار يهجونا
آخر:
دعني أواصل من قطعت تراه بي إذ لا يراكا
إني متى أحقد لحقدك لا أضر به سواكا
وإذا أطعتك في أخيك أطعت فيه غداً أخاكا
حتى ارى متقسماً … يوماً لذا وغداً لذاكا
آخر:
يا صديقي بالأمس صرت عدواً … سؤتني ظالماً ولم ترسوا
كلما ازددت لك في الحب ت … زيدت نبوة وعتوا
آخر:
ما لي بحائجة أرادني الزمان بها يدان
لما بلغت مكاني فيك بلغت في مدى الزمان
ونصبتني غرضاً يبيح دمي ولحمي من رماني
هذا جزاء مقدماًتي إذ أكون وليس ثاني
وعدا علي بك الزمان مذرباً نحوي لساني
آخر:
هبني أسأت كما زعمت فأين عاقبة الأخوه
فإذا أسأت كما أسأت فأين فضلك والمروه
أخبرنا المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي، حدثنا هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال: كتب أبي إلى بعض من عتب إليه في شيء: لو عرفت الحسن لتجنبت القبيح، ولو استحليت الحلم لاستمررت الخرق، وأنا وأنت كما قال زهير:
وذي خطل بالقول يحسب أنه … مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمي وأكرمت غيره … وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وإن من إحسان الهل إلينا، وإساءتك إلى نفسك أنا أمسكنا عما تعلم، وقلت ما لا تعلم، وتركت الممكن، وتناولت المعجز، فالحمد لله الذي أوضح غدرك، وأبان أمرك، وقبح عند الناس ذكرك.
وقال أعرابي: نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب.
شاعر:
وتطرف الكف عين صاحبها … فلا يرى قطعها من الرشد
قال أبو سعيد السيرافي فيما سمعته منه: الصديق يكون واحداً وجمعاً ومذكراً ومؤنثاً. قال المرواني وكان حاضراً: هذا والله من شرف الصديق، قلت: ما نزيغ بهذا، قال: أما ترىهذا المثال كيف عم هذه الأشياء المختلفة حتى تكون صورة الصديق محفوظة فيها، وملحوظة منها ولذلك قال الله تعالى: ” أو صديقكم ” ، فأخرجه مخرج الواحد، وهو يريد الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
أخبرنا أبو السائب القاضي عتبة بن عبد الله، حدثنا الحسن بن عروة، حدثنا محمد بن عبد الله القرشي، حدثنا محمد بن عبد الله الأشكري عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر رضي الله عنهما قال: أوصاني أبي قال: يا بني لا تصحب فاسقاً فإنه بائعك بأكلة فما دونها، قلت: وما هو دونها؟ قال: يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا تصحب بخيلاً فإنه يقطع بك في مالك أحوج ما تكون إليه، ولا تصحب كذاباً فإنه يمنزلة السراب يقرب منك البعيد، ويبعد منك القريب، ولا تصحب أحمق فإنه يريد أ، ينفعك فيضرك، ولا تصحب قاطع رحم فإني وجدته ملعوناً في ثلاثة مواضع من كتاب الله: في سورة البقرة، وسورة الرعد، وسورة الذين كفروا.
وقال ابن أبي خازم الشاعر الجاهلي:
وكن من الإخوان مستوحشاً … وحشة إنسي بجنان
أخبرنا الصواف أبو علي، حدثنا ابن المؤمل، قال: سمعت موسى بن جعفر يقول: خير إخوانك المعين لك على دهرك، وشهم من سعى لك بسوق يومه.
وقال بعض السلف الصالح: خير إخوانك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه. قلت لبرهان الصوفي: ما تفسير هذا؟ قال: لأنك إذا رأيته رأيت هيأته، وشارته، وحركته، ونظرته، وقومته، وقعدته، وهذا كلها نواطق، ولكن بلا حروف، وشواهد ولكن بلا لفظ، وإشارات ولكن بلا أدوات، وأما إذا جاء الكلام فقد استوعب أقصى البيان، وأتى على آخر الإرادة، فأراد هذا القائل أنه إذا أراك نفسه فقد حضك على اتباع أمه، ودعاك إلى الاقتداء به، وأن تحرج من مسكه، وتبرز من تبيانه، فهذا كلام في غاية الإيضاح.
قال محمد بن علي رضي الله عنهما: كفى بالله ناصراً أن ترى عدوك يعصي الله فيك وتطيعه.
قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” ما تحاب رجلان إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه، هذا أخبرنا به المرزباني عن ابن السراج عن المبرد عن الرياشي عن أبي عاصم عن مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس.
قال رجل من العباد لعابد آخر: إني لأحبك في الله، قال: أعوذ بالله أن أكون ممن يحب في الله والله علي ساخط.
وقالت امرأة لرابعة العدوية: إني لأحبك في الله، قالت: فأطيعي من أحببتني فيه، قالت: من طاعتي له محبتي لمن أطاعه.
أخبرنا ابن مقسم النحوي قال: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا الأصمعي، قال: وقف أعرابي يسأل فقال: أخ في تلاد الله وجار في بلاد الله، وطالب خير من فضل الله، فهل من أخ يواسي في ذات الله؟ قال ابن السراج: التلاد: المال الذي لم يكتسب، سمعته من علي بن عيسى عنه.
قال أبو الدرداء: ما أنصفنا إخواننا، يحبوننا في الله، ويفارقوننا في الدنيا، إذا لقيني قال: أحبك يا أيا الدرداء، وإذا احتجت إليه في شيء امتنع مني.
قيل للأوزاعي: أيبلغ من حب الرجل لأخيه أن يكون أحب إليه من أخيه لأمه وأبيه؟ قال: نعم ومن أمه وأبيه! شاعر:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدواً ما من صداقته بد
سمعت العسجدي يقول وقد أنشد هذا البيت: فما الحيلة إذا كان المخلص لا يوجد، والمرائي لا يفقد، والحاجة قائمة إلى التعاون، والتعاون مورث للتهاون، والتهاون باعث على الكلام، والكلام بين العتب والاستزادة، والتظلم والاستراحة، ثم قال: لا حيلة إلا الصبر فإن فساد دخائل الإخوان مضموم إلى جميع جوادث الزمان، والله المستعان.
وقال المهلبي لبني أمية:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا … امشوا رويداً كما كنتم تكونونا
الله يعلم أنا لا نحبكم … ولا نلومكم أن لا تحبونا
وأنشدنا أبو السائب القاضي قال: أنشدني محمد بن يزيد لنفسه:
بنفسي أخي برشددت به أزري … فألقيته حراً على العسر واليسر
أغيب فلي منه ثناء ومدحة … وأحضر منه أحسن القول والبشر
وكتب أبو النفيس إلى العباداني: سبحان من لم يغنك عنا حتى سلانا عنك، ولا شغلك بغيرنا حتى عوضنا منك، ولا خار لنا في بعدك، حتى صنع لنا في فقدك، ولا هون عليك الوجد بنا حتى خفف عنا الموجدة عليك، ولا حظر عليك وصلنا حتى أباح لنا هجرك، ولا سهل عندك الرزء بنا حتى رفع عنا المصيبة فيك.
وكتب أيضاً: أخت هذه الحمد لله الذي لم يزين لك الكفر بحرمتنا حتى حسن عندنا الشرك في صحبتك، ولا طوى عنا بساط قربك حتى أسبل علينا سجاف بعدك، ولا علق حبلك بغيرنا حتى كفانا مؤونة عتبك، ولا خوفك بالرغبة عنا حتى أمننا بالزهد فيك، ولا دمس جيبك بالأسف علينا حتى طهر قلوبنا من الشوق إليك، ولا سقاك صفو الهجر حتى أروانا بزلال الصبر، ولا أوسع لك في الانحراف عنا حتى أوضح لنا العذر في الانصراف عنك، ولا أذكرك قبح الجفاء حتى أنسانا خالص الصفاء، ولا عراك من يمن الإجماع حتى ألبسنا حبرة الإفراق، فدم على هجرنا فقد استبدلنا بك، واسل عنا فقد تعزينا عنك والسلام.
شاعر من بني أسد:
وأستنقذ لمولى من الأمر بعدما … يزل كما زل البعير عن الدحض
آخر:
وإني لأنسى عند كل حفيظة … إذا قيل مولاك: احتمال الضغائن
وإن كان مولى ليس فيما ينوبني … من الأمر بالكافي ولا بالمعاون
آخر:
ومولى خفت عنه الموالي كأنه … من البؤس مطلي به القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها … ولم يك يها للمبسين محلب
آخر:
تثاقلت إلا عن يد أستفيدها … وخلة ذي ود أشد به أزري
وقال ساعدة الهذلي: ولا أوذي الصديق بما أقول.
قال أبو زيد في الأمثال: رب أخ لك لم تلده أمك.
وقال أيضاً: أخي خذلة وأنا عذلة وكلانا ليس بابن أمه.
وقال أيضاً: الصبي أعلم بمبضعي جده.
وقال أيضاً: النفس تعلم من أخوها النافع.
وقال:
القوم إخوان وشتى في الشيم … وكلهم يجمعهم بيت الأدم
وقال بعض السلف: من علامات العاقل بره بإخوانه، وحنينه إلى أوطانه، ومداراته لأهل زمانه.
وقال شاعر:
لعمرك إني الخليل الذي له … علي دلال واجب لمفجع
وإني بالمولى الذي ليس نافعي … ولا ضائري فقدانه لممتع
أولئك إخوان الصفاء رزئتهم … وما الكف إلا إصبع ثم إصبع
والعرب تقول:
خل طريق من وهي سقاؤه … ومن هريق بالفلاة ماؤه
وقال أعرابي: الصديق للظهر سناد، وللدهر عتاد، ولليوم جمال، وللغد مال.
وقال شاعر:
إن كنت تطلب في الزمان مهذباً … فني الزمان وأنت في الطلبات
خذ صفو أخلاق الصديق وأعطه … صفواً ودع أخلاقه الكدرات
قال ابن المعتز: إذا صحت النية، وتوكدت الثقة سقطت مؤونة التحفظ.
أخبرنا ابن مقسم قال: قرأت على أحمد بن يحيى أنشدنا ابن الأعرابي:
إذا أحسن ابن العم بعد إساءة … فلست لشري فعله بحمول
أي إذا أحسن وأساء لا أحمل عنه الشر أي لم أواخذه، وأراد بالشر فعليه فقلب.
وقال آخر: صحبة الأشرار، تورث سوء الظن بالأخيار.
سدوس بن ذهل اليربوعي:
إذا ما امرؤ ولى غنياً بوده … وأدبر لم يصدر بإدباره وقر
ولبنى هذيل مثل وهو: هذا التصافي، ولا تصافي المحلب، أصله أن هذيلاً أصابت دماً في بعض العرب، فأسر أصحاب الدم رجلين من هذيل متصادقين، فقالوا لهما: أيكما أشرف فنقتله بصاحبنا؟ فقال كل واحد مهما: أنا ابن فلان الحسيب النسيب، ذو الثأر المنيم، فاقتلوني دون صاحبي، فكل بذل نفسه للقتل دون صاحبه، فعيوا بأمرهما لما رأوا من تأبيهما فقالوا: هذا التصافي، لا تصافي المحلب، وصفحوا عنهما، أي لا تصافي للنادمة على الشراب.
وروى يعقوب قول نابغة بني جعدة:
أدوم على العهد ما دام لي … إذا كذبت خلة المحلب
آخر:
أخ لي إما كل شيء سألته … فيعطي وإما كل ذنب فيغفر
آخر:
كان لنا صاحب فبانا … وحاد عن وصلنا وخانا
تاه علينا وتاه منا … فما نراه ولا يرانا
وقال أعرابي: المودة قرابة مستفادة.
شاعر:
أخ لك لا تغيره الليالي … ولا الأيام عن خلق جديد
وقال أعرابي: وصول معدم خير من جاف مكثر.
وقال محمد بن سليمان لابن السماك: بلغني عنك شيء فقال: لست أبالي، قال: ولم؟ قال: فإن كان حقاً غفرته، وإن كان باطلاً رددته.
وقال أعرابي: اللهم إني أعوذ بك من سلطان جائر، ونديم فاجر، وصديق غادر، وغريم ماكر، وقريب ناكر، وشريك خائن، وحريف مائن، وولد جاف، وخادم هاف، وحاسد محافظ، وجار ملاحظ، ورفيق كسلان، وجليس وسنان، ووكيل ضعيف، ومركوب قطوف، وزوجة مبذرة، ودار ضيقة.
شاعر:
فلا تعتقد خلا يسرك بعضه … وإن غاب يوماً عنك ساءك كله
إذا شئت أن تبلو امرءاً كيف طبعه … فدعه وسل من قبلها كيف أصله
شاعر، ويقال أنه لعمارة بن عقيل:
ألم ترني والمرء ابن أمه … إذا ما أتت عوجاء لا تتقوم
ضممت جناحي عن أبي النضر بعدما … تلومته ما كان لي متلوم
وقلت له لما التقينا وقال لي … مقالة مزرعائث يتجرم
أتعذلني في أن أبيعك مثل ما … به بعتني والبادئ البيع أظلم
وليس على ود امرئ ليس عنده … وفاء ولا عهد إذا غاب مندم
وقال ابن المقفع: لا صديق لثلاثة: للميت، والفقير، والمحبوس.
وسئل الجنيد الصوفي: من تصحب؟ قال: من قدر أن ينسى ماله ويقضي ما عليه.
شاعر:
ليت شعري ما كانت الحال بعدي … أعلى العهد أم تكرهت ودي
أنا ذاك المسيئ والذنب ذنبي … فاعف عني يا أكرم الناس عندي
لا يكون الغفران إلا لمولى … وتكون الذنوب إلا لعبد
محمود الوراق:
لا تحدسن أخاك وارع ل … ه على الأيام عهده
حسد الصديق صديقه … وأخاه من سقم الموده
شاعر:
وأول خير من صديق أفدته … رجوعي بتسهيل الصديق حجابي
وأعرف ما لي عنده بغلامه … وبالبشر منه عند رجع جوابي
آخر:
زرعت في القلب مني من مودتكم … زرعاً تمكن في الأحشاء والكبد
آخر:
جزى الله عني صالحاً بوفائه … وأضعف أضعافاً له في جزائه
أخاً لي إذا ما جئت أبغيه حاجة … رجعت بما أبغي ووجهي بمائه
بلوت رجالاً بعده بإخائهم … فما ازددت إلا ربغة في إخائه
آخر:
تاه على إخوانه قاسم … فصار ما يطرف من كبره
أعاده الله إلى حاله … فإنه يحسن في فقره
آخر:
لم يبق في الناس حر … ولا صديق يسر
وكل من ترتضيه … عند المذاقة مر
آخر:
أكل هذا الجفاء يا حكم … كذا يكون الإخاء والكرم
الحمد لله لا صديق لمن … زلت به في زمانه القدم
آخر:
إذا كنت تأتي المرء توجب حقه … ويجهل منك الود فالهجر أوسع
آخرك
تكثر الإخوان ما لم يخبروا … وعلى الخبر قليل في العدد
لا تودن امرءاً لم تبله … وانظرن بعد ابتلاء من تود
خالق الناس على أحسابهم … لا يغرنك ثياب وجسد
رب محمود على الصورة قد … نال ذماً، وذميم قد حمد
فإنذا الصورة والحمد معاً … جمعاً يوماً لإنسان سعد
قل بحلم أودع القول فللص … مت خير من مقال في فند
ودع المزح فيا رب امرئ … قاده المزح إلى ما لم يرد
شاعر:
إذا كان إعراض الفتى مثل أكله … فذاك ضعيف الرأي مستجهل العقل
وليس بموثوق به في مودة … ولا حسن رأي عند عقد ولا حل
فآخ صديق الصدق إنك إنه … وإن هو نافى بالتخطط والشكل
يقال: أمور ليست لها ثبات منها: ظل الغمام، دخلة الأشرار، وثناء الكذابين، والمال الكثير يرثه الأحمق، ومودة النساء.
قال أكثم بن صيفي: العيش في سبعة أشياء: الولد البار، والزوجة الصالحة، والأخ المساعد، والخادم العاقل، والعافية السابغة، والقوت الكافي، والأمن الشامل.
شاعر:
إذا رأيت امرءاً في حال عسرته … مصافياً لك ما في وده دخل
فلا تمن له أن يستفيد غنى … فإنه بانتقال الحال ينتقل
آخر:
لا تحمدن على الإخاء مؤاخياً … حتى تبين قدر غور إخائه
فتذم أو تختصه من بعدما … تبلو سريرته وصدق وفائه
شاعر:
إذا أنت شاجرت الرفيق فلن له … ومن خير من رافقت من لا تشاجره
كاتب: اشتريتك بالتنصل إذ بعتني بالتجني.
فيلسوف: لا تعدن من آخاك في أيام مقدرتك للمقدرة، واعلم أنه ينتقل عليك في أحوال ثلاثة: يكون صديقاً يوم حاجته إليك، ومعرفة يوم استغنائه عنك، ومتجنياً ذنباً يوم حاجتك إليه.
شاعر:
وشرك عن صديقك غير ناب … وشرك عند منقطع الترات
شاعر:
فانظر لنفسك من تصاحب منهم … ليس الصحيح داؤه كالأجرب
شاعر:
إذا غبت لم تنفع صديقاً وإن تقم … فأنت على ما في يديك ضنين
آخر:
أبا هاشم لا فرق الله بيننا … ففي قربكم أنسي، وفي بعدكم حتفي
شاعر:
الأخلاء في الرخاء كثير … فإذا ما بلوت كانوا قليلاً
وإذا ما أصبت خلا حفيظاً … راعياً للإخاء براً وصولا
فتمسك بحبله أبد الدهر … وأكرم به أخا وخليلا
قال الراجز:
إني وإن عيرتني نحولي … أوازدريت عظمي وطولي
لا أعجف النفس على خليلي … أعرض بالود وبالتنويل
قال أبو زيد الأنصاري: يقال عجفت نفسي على المريض إذا صبرت عليه.
شاعر:
مذ بدا يخطر ما لم يرني … وإذا يخلو له لحمي رتع
آخر:
ورب امرئ تغتشه لك ناصح … ومؤتمن بالغيب غير أمين
قال أبو زيد العذري:
وابل الرجال إذا أردت إخاءهم … وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا ظفرت بذي الليانة والتقى … فبه اليدين قرير عين فاشدد
ومتى يزل، ولا محالة، زلة … فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
آخر:
أحين تناهت بك المكرمات … رميت بحبلي على غاربي
فما بال عينك مطروقة … إذا ما رميت بها جانبي
شاعر:
أراك مع الأعداء في كل موطن … وقلبك من ضغن علي مريض
وما لي من فقر إلى أن تحبني … وما ضرني أني إليك بغيض
شاعر:
أما المزاحة والمراء فدعهما … خلقان لا أرضاهما لصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما … لمجاور جاراً ولا لرفيق
قال ابن عباس: ما من غرة إلا وغلى جانبها عرة، وما الذئب في فريسته بأسرع من ابن عم دني، في عرض ابن عم سري.
قال الأصمعي: وقف أعرابي على قوم يعيبون رجلاً من إخوانه. فقال: أبطئوا عن عيب من لو كان حاضراً لسارعتم إلى مدحه.
شاعر:
إن شر الناس من يكشر لي … حين يلقاني وإن غبت شتم
وكلام سيئ قد وقرت … عنه أذناي وما بي من صمم
لا تراني راتعاً في مجلس … في لحوم الناس كالسبع الضرم
قال المدائني: يقال: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه ابتلاه الله به.
وقال عمر بن الخطاب كفى بك عيباً أن يبدو لك من أخيك ما يغني عليك من نفسك، أو تؤذي جليسك.
الأخطل:
إني تدوم لذي الصفاء مودتي … وإذا تغير كنت ذا ألوان
وأصد عن عيب الصديق تكرماً … عمداً وما دهري له بهوان
وأفارق الخلان عن غير القلى … وأميت بعض السر بالكتمان
كاتب: ولعمري إن في الحق أن يقبل الاعتذار، ما لم يكن معه الإصرار، وأن لا تحمل المتستر بالصداقة على المكاشفة بالعداوة ما صلح ظاهره، وتصنعت سرائره.
وقال آخر: إخوان الشر كشجرة النار يحرق بعضها بعضاً.
وقال آخر: إنما سمي الصديق صديقاً بصدقه لك، وسمي العدو عدواً لعدوه عليك لو ظفر بك: وقال أيضاً: من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودته ندماً، ليكن الأنس أغلى أعلاق مودتك، وأبطأها عرضاً على صديقك.
وقال: علامة الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب، ولا يبتدئ بكتاب.
وقال: إخوان السوء يتفرقون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة، ومن شأنهم التوصل بالإخلاص والمحبة إلى أن يظفروا بالأنس والثقة، ثم يوكلون الأعين بالأفعال، والأسماع بالأقوال، فإن رأوا خيراً ستروه، وإن رأوا شراً وظنوه أذاعوه ونشروه.
وقال آخر: إنما تطيب الدنيا بمساعفة الإخوان ونفع بعضهم بعضاً في كل باب، وإلا فعلى الصداقة الدماء، وما أرجو إذا كانت تنقطع في الدنيا، ولا تتصل بما أحب في الدنيا.
شاعر:
أنت امرؤ قصرت عنه خليقته … إلا من الغش للأدنين والحسد
حدثنا ابن مسرف قال: كان بين محمد بن السماك وبين رجل مؤاخاة فانقطع عنه الرجل فكتب إليه ابن السماك: أما بعد: فإن لكل شيء ثمرة، وثمرة المودة الزيارة والسلام. وكتب إليه في آخره:
لقد ثبتت في القلب منك مودة … كا ثبتت في الراحتين الأصابع
فأجابه الرجل: أما بعد يا أخي فقد زرعت في قلوبنا مودتك، فتعهد زرعك بسقي الماء وإلا فلا تأمن والسلام.
شاعر:
صديقك حين تستغني كثير … وما لك عند فقرك من صديق
فلا تغضب على أحد إذا ما … طوى عنك الزيارة عند ضيق
آخر:
إذا المرء لم يبذل لك الود مقبلاً … مدى الدهر لم يبذل لك الود مدبرا
آخر:
أقام معي من لا أحب جواره … وجاراي، جارا الصدق مرتحلان
ولا يستوي الجاران جار مكارم … وجار طويل العمر دون مجاني
آخر:
أعاتب ليلى إنما الصرم أن ترى … خليلك يأتي ما أتى لا تعاتبه
وما أهل ليلى من خليل فينفعوا … وما أهل ليلى من عدو نجانبه
قيل للإسكندر: بما نلت هذا الملك على حداثة السن؟ قال: باستمالة الأعداء، وتعهد الأصدقاء.
وقال آخر: العتاب حدائق المتحابين، وثمار الأوداء، ودليل على الضن بالصفا، وحركات الشوق، ومستراح الواجد، ولسان الإشفاق.
وقال آخر: التجني رسول القطيعة، وداعي القلى، وسبب السلو، وأول التجافي، ومنزل التهاجر.
وقال آخر: من عاشر الناس بالمسامحة دام استمتاعه بهم.
شاعر:
وكنت إذا صحبت رجال قوم … صحبتهم وثبتني الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم … وأجتنب الإساءة إن أساؤوا
وأبصر ما يعيبهم بعين … عليها من عيونهم غطاء
آخر:
إني رأيتك لي محباً … وإلي حين أغيب صبا
فهجرت لا لملالة … حدثت ولا استحدثت ذنبا
لكن لقول قد مضى … من زار غباً زاد حباً
الله يعلم أنني … لك أخلص الثقلين قلبا
وقال جحظة فيما حدثنا ابن سيف، كتب رجل إلى صديق له:
لله أنت على جفائك … ماذا أؤمل من وفائك
فكرت فيم هجرتني … فوجدت ذاك لسوء رأيك
فرأيت أن أسعى إليك وأن أبادر في لقائك
كيما أجدد ما تغير لي … وأخلق من إخائك
لإسحاق بن إبراهيم الموصلي في أبي دلف العجلي:
اجعل أبا دلف كمن لم تعرف … واهجره معترفاً وإن لم يخلف
آخ الكرام المنصفين بوصلهم … واترك مودة كل من لم ينصف
لا خير في صدق الإخاء موكل … بأذى الصديق ملولة مستطرف
شاعر:
سأحبس نفسي إذ كرهت مودتي … وأكسر قلبي منك باليأس والصبر
وأذكر وداً كان مني تكرماً … وإن حلت عن وصلي وملت إلى الهجر
فشكري لما أوليتني لك دائم … وحبي جديد ليس ينقص في الدهر
فما زلت أبكيكم بعين سخينة … كما كانت الخنساء تبكي على صخر
آخر:
إذا نائبات الدهر يسرن للفتى … أربع خصال قلما تتيسر
كفاف يصون الحر عن بذل وجهه … فيضحي ويمسي وهو حر موقر
وكأس يسليه إذا الهم ضافه … ومحسنة إحسانها ليس ينكر
ورابعة عزت وقل حصولها … صديق على الأيام لا يتغير
فذاك الذي قد نال مالكاً بلا أذى … وأسعد بالخيارت إن كان يفكر
أخبرنا المرزباني، أخبرنا القراطيسي قال: أخبرنا أبو العيناء قال: كتب رجل إلى صديق له: أما بعد فإني ما اتهمت حسن ظني بك حين توجه إخائي نحوك، ولا تجدد أملي باعتمادي عليك، ولا استدعتني رغبة فيك إلى من سواك، ولا أراني اختياري غيرك عوضاً منك.
وحدثني أبو طائع الطلحي قال: كتب الجارحي إلي مرة: الله يعلم أنك ما خطرت ببالي في وقت من الأوقات إلا مثل الذكر منك لي محاسن تزيدن صبابة إليك، وضناً بك، واغتباطاً بإخائك.
شاعر:
لئن جد أسباب العداوة بيننا … لترتحلن مني على ظهر شيهم
والشيهم ذكر القنافذ، وإنما يريد لتصيبك مني داهية، هكذا حفظت عن ابن الأعرابي، وكان كبيراً.
قال جميل بن الصريري لابنه: يا بني اصحب السلطان بشدة التوقي كما تصحب السبع الضاري، والفيل المغتلم، والأفعى القاتلة، واصحب الصديق بلين الجانب والتواضع، واصحب العدو بالإعذار إليه، والحجة فيما بينك وبينه، واصحب العامة بالبر، والبشر، واللطف باللسان.
شاعر:
إن الكريم الذي تبقى مودته … ويحفظ السر إن ضافى وإن صرما
ليس الكريم الذي إن ذل صاحبه … بث الذي كان من أسراره علما
قال فيلسوف: اعتزل عدوك واحذر صديقك.
وقال عمرو بن العاص: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا لوطف.
وقال خلف الأحمر: وصف لي رجل أخاً له فقال: كنت لا تراه الدهر إلا وكأنه لا غنى به عنك، وإن كنت إليه أحوج، وإن أذنبت غفر ذنبك، وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء.
شاعر:
إذا أنا لم أجز الصديق بنصحه … وأقص الذي تسري إلي عقاربه
فمن يتقي يومي ومن يرتجي غدي … لنائبة، والدهر جم نوائبه
لحى الله مولى السوء لا أنت راغب … إليه ولا رام به من تحاربه
وما قرب مولى السوء إلا كبعده … بل البعد خير من عدو تقاربه
من الناس من يدعى صديقاً ولو ترى … خبيئة جنبيه لساءك جانبه
يمن ولا يعطي ويزعم أنه … كريم ويأبى لؤمه وضرائبه
وإني وتأميلي جذيمة كالذييؤمل ما لا يدرك الدهر طالبه
فأما إذا استغنيتم فعدوكم … وأدعى إذا ما غص بالماء شاربه
وما تركت أحلامكم من صديقكم … لكم صاحباً إلا قد ازور جانبه
آخر:
إذا أنت لم تعرض عن الحقد لم تفز … بذكر ولم تسعد بتقريظ مادح
آخر:
من نم في الناس لم تؤمن عقاربه … عن الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحد … من أين جاء ولا من أين يأتيه
آخر:
عامل الناس بخلق رفيق … والق من تلقى بوجه طليق
فإذا أنت قليل الأعادي … وإذا أنت كثير الصديق
وقيل لفيلسوف: من تحب أن تصادق؟ فقال: أما في الدهر الصالح فالحسيب، اللبيب، الأديب، فإنك تستفيد من حسبه كرماً، ومن أدبه علماً، ومن لبه رأياً، وأما في الزمان السوء فارض بالمكاشر الذي يعطيك بعضه بالحياء، وبعضه بالنفاق، ويمتعك ظاهره، وإن ساءك باطنه، ولكل زمان حكم، ولكل ظهر عكم.
وقالت أعرابية:
يا دهر لا عريت من آبده … ما أنا في فعلك بي حامده
صاحبت إخوانك طراً فما … حمدت منهم خلة واحده
وكنت من كلهم حاضنه … في كل يوم بيضة فاسده
وقيل للواسطي المتكلم: كيف ترى أبا عبد الله البصري؟ فأنشد:
حرج الخليفة بغضه لعدوه … وصفاؤه لصديقه سيان
وكتب ابن أكمل غلى ابن سورين، وكان بينهما ود متوارث: إن رأيت أن تروي ظمأ أخيك بغرتك، وتبرد غليله بطلعتك وتؤنس وحشته بأنس قربك، وتجلو غشاء ناظره بوجهك، وتزين مجلسه بجمال حضورك، وتجعل غداءك عنده في منزلك الذي هو فيه ساكنك، وتهب له السرور بك باقي يومه، مؤثراً له على شغلك فعلت إن شاء الله.
فأجابه: كيف أروي ظمأك إلي مني، وأنا أشد ظمأ إليك منك إلي، وعلى حيلولة ذاك فالتلاقي أبرد لغليل النفس، وأجلب لما شرد من الأنس، وها أنا قد هيأت كلي لطاعتك، وبشرت روحي بالاستمتاع بحديثك، وأخذت عياذ الاستفادة منك، وصلت على الدهر وأبنائه بما ملكته من تشريفك والسلام.
قال أعرابي لآخر: ودك لا ينضى ملبوسه، ولا يتوى محروسه، ولا يذوي مغروسه.
وأنشدنا أبو سعيد السيرافي قال: أنشدنا قدامة بن جعفر الكاتب لشاعر:
وفتيان صدق ثابتين صحبتهم … يزيدهم هول الجناب تآسيا
فإن يك خيراً يحسنوا أملاً به … وإن يك شراً يشربوه تحاسيا
واعتذر رجل إلى أبي أيوب سليمان بن وهب الكاتب وأطال فقال له: أقلل فإن الولي لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له.
قال ابن السكيت: العرب تقول: أنت من حبة نفسي أي ممن تحبه نفسي.
وقال: يقال: هو صفيي، وسجيري، وهم أصفيائي وسجرائي.
وحكى أبو عمرو واللفيف في معنى السجير، وهو خلصاني، وهم خلصاني.
ويقال: آخيت الرجل وواخيت، يقلبون الهمزة واواً، كما يقال: آسيته وواسيته، وهو خلي وهم أخلائي.
فأما الشجير بالشين فهو الغريب.
قال أعرابي لصاحب له: إني لأصقل بلقائك عقلي، وأشحذ بمحادثتك ذهني، وأطوي بذكر محاسنك أيام، وأرجع من طويتك إلى أكرم موثوق به لرعايه عهد، وأفضل متكل عليه لمحافظة على ود.
وقال آخر لصاحب له: ما زلت أعلم أنك للسر ملء الصدر، وأنك في المساعدة أذكى من الجمر، وأرق من عتيق الخم، ظريف المخاطبة، عذب المواصلة، لذيذ المجالسة، هنيء العشرة، مقبول الظاهر، سليم الباطن، منشور المطاوي، عار من المساوي.
قال أعرابي لرجل: إن فلاناً وإن ضحك لك فإنه يضحك منك، فإن لم تتخذه عدواً في علانيتك فلا تجعله صديقاً في سريرتك.
وكتب آخر إلى صديق له: إنما قلبي نجي ذكرك، ولساني خادم شكرك.
وكتب آخر في بعض العتاب: قد طالت علتك أو تعاللك، واشتد شوقنا إليك، فعافاك الله مما يك من مرض في بدنك، أو إخائك، ولا أعدمناك.
قال إسحاق: قلت للعباس بن الحسن: إني لأحبك، فقال: رائد ذاك معي.
قال: وذكرت له رجلاً فقال: دعني أتذوق طعم فراقه فهو والله الذي لا تشجى به النفس، ولا يكثر في إثره الالتفاف.
سئل أعرابي عن صديق له فقال: صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها، واكفهرت وجوه كانت بمائها.
إبراهيم بن العباس الصولي:
يا أخا لم أر في الناس خلاً … مثله أسرع هجراً ووصلا
كان لي في صدر يوم صيدقاً … فعلى عهدك أمسيت أم لا؟
روى المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: غاب مولى الزبير بن العوام عن المدينة حيناً، فلما آب قال له رجل من قريش: أما والله لقد أتيت قوماً يبغضون طلعتك، وفارقت قوماً لا يحبون رجعتك، قال: أنعم الله بمن قدمت عليه عيناًن ولا خلف الله على من فارقته خيراً.
وقرأت لعلي بن جعفر الكاتب، كاتب الطابع، رقعة له إلى صالح بن مسعود الكاتب النصراني لم تكن بذاك قلة ما لم أروها، لكني وجدت شعيراً نقلته إلى هذا الموضع وهو:
بل عشت لي وبقيت منك ممتعاً … في صالح الإخوان والأهل
حتى إذا نزل الحمام بواحد … منا ليأخذه على مهل
متنا جميعاً لا يفرق واحد … فيذوق فيه مرارة الثكل
وقال بعض السلف: الانبساط إلى العامة مكسبة لقرين السوء، والانقباض مجلبة للمقت، فإنا اقتديت من قرناء السوء باعتقاد المقت، وإما ابتغيت أسر الإخوان بالصبر على المكروه.
قال عبد الملك بن مروان لرجل: ما بقي من لديك؟ قال: جليس يقصر مع طول الليل مع العلة، ودابة أشتهي معها طول السفر. وأنشد لأعرابي:
من أين ألقى صاحباً مثل عمر … يزداد طيباً كلما طال السفر
قال بعض السلف: توق من الرجال من إن أنعمت عليه كفرك، وإن أنعم عليك من عليك، وإن حدثته كذبك، وإن حدثك كذبك، وإن ائتمنته خانك، وإن ائئتمنك اتهمك.
لأبي الأسود:
أريت امرءاً كنت لم أبله … أتاني فقال: اتخذني خليلا
فخاللته ثم صافيته … فلم أستفد من لدنه فتيلا
فألقيته غير متستعتب … ولا ذاكر الله إلا قليلا
ألست حقيقاً يتوديعه … وأتبع ذلك هجراً جميلاً
قال عمر بن الخطاب: مما يصفي لك ود أخيك أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه باحب الكنى إليه.
محمد بن عبد الملك الزيات:
أقول إذا ما بدا طالعاً … وقد كاد أو هم أو قد ولج
من الناس من ليس حتى المما … ت منه و من أذاه فرج
ولو كنت تأمنه ليلة … إلى الصبح لم يرض أو يدلج
ولو كان ذا من أحب العباد إلي … ك لكان بغيضاً سمج
فكيف إذا كان ممن يكاد ص … درك من بغضه ينفرج
آخر:
تريك أعينهما في صدورهم … إن الصدور يؤدي غشها البصر
آخر:
متى تك في صديق أو عدو … تخبرك العيون عن القلوب
أنشدنا المبرد فيما حدثنا به أبو سعيد السيرافي عن ابن السراج عنه:
كيف العزاء لمن يعن له … شرب المدام ولذة الخمر
وحديث فتيان غطارفه … وفوارس كالأنجم الزهر
إن جئتهم سروا وإن نزحت … داري فإن حديثهم ذكري
يا ليتني أحيا بقربهم … فإذا فقدتم انقضى عمري
فتكون داري بين دورهم … ويكون بين قبورهم قبري
قال حاتم الأصم: أربعة تذهب الحقد بين الإخوان: المعاونة بالبدن، واللطف باللسان، والمواساة بالمال، والدعاء في الغيب.
كتب سهل بن هارون الكاتب إلى جعفر بن يحيى:
إذا ما أتى يوم يفرق بيننا … نموت فكن أنت الذي يتأخر
وقال الجماز فيما حدثنا ابن المرزباني عن الصولي عن أبي العيناء عنه يصف صديقاً: لم أر في الناس وفياً بعد واحد كان أصفى لي مودته، وبذل لي مهجته، كان أطوع لي من كفي، وكنت أذل له من نعله، أتكلم بكلامه فينطق بلساني، إن قلت خيراً أعانني، وإن ملت إلى سيئ ردعني، كان والله إذا قال فعل، وإذا حدث صدق، وإذا أؤتمن لم يخن، ضاحك السن، مسفر الوجه، كان إذا غاب فكأنه شاهدي، وإذا غبت عنه فكأنه يراني، لا ينطق لسانه بخلاف ما يضمر جنانه، لا يدري أينا أسر بصاحبه، ولا أينا أصدق مودة بخليطه، آنس ما كنا إذا اجتمعنا، وأوحش ما كنا إذا افترقنا، ما تفرقنا طول صحبتنا إلا يوماً حسبناه حولاً، أغبط ما كنا إذ رمى الهر فلم يشق إذ رمى من كل روحه روحي، ونفسه أعز علي من نفسي، فليته أصابني وأخطأه، وإذا لم يخطئه أصابني معه، فيكون موتنا معاً كما كان عيشنا معاً، مات فمات الوفاء بعده، خاب الرجاء فما ألذ بعده طعاماً، ولا أسيغ شراباً ، غماً له، واكتئاباً عليه، وشوقاً إليه، فلو كنت أقول الشعر لرثيته آخر الدهر، ولأتعبت بالقوافي الكاتبين، فبليت بعده بمن إذا أحببته أبغضني، وإن وددته عاداني، وإن أقبلت نحوه ولى عني، فهو كالذئب والغراب، ما للذئب يناله الغراب، وما للغراب فالذئب لا يطمع فيه، حسبك به غادراً، تراه عن الوفاء مبطئاً، وإلى الخيانة مهملجاً.
قال أرسطو طاليس في رسالة أفدناها أبو سليمان: تعهد الإخوان بإحياء الملاطفة، فإن التارك متروك، ثم تعهد إخوان الإخوان، فإن إخوان الإخون من الإخوان، وهم بمنزلة العلم المستدل به على الوفاء، ثم تعهد أهل المكاشرة المتشبهين بالإخوان بالصبر عليهم، إما طمعاً في تحويل ذلك منهم صدقاً، وإما اتقاء كلمة فاجر وقعت في سمع مائق ذي دولة.
وذكر أعرابي مودة رجل فقال: مودة رثة العقال، وسماء قليلة البلال، وأرض دائمة الإمحال، هو اليد الحذاء، والأزمة الحصداء، أبعد مقاله قريب، وأقرب فعاله بعيد، يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
شاعر:
أتناسيت أم نسيت إخائي … والتناسي شر من النسيان
عبد الصمد بن المعذل:
هي النفس تجزي الود بالود مثله … وإن سمتها الهجران فالهجر دينها
إذا ما قرين بت منها حباله … فأهون مفقود عليها قرينها
لبئس معار الود من لا يوده … ومستودع الأسرار من لا يصونها
لما تباعد بين يحيى بن خالد وعلي بن عيسى بن ماهان وجه علي أبا نوح ليتعرف ما في نفسي يحيى، فكتب يحيى على يد أبي نوح:
بسم الله الرحمن الرحيم
عافانا الله وإياك، كن على يقين أني بك ضنين، وعلى التمسك بما بيني وبينك حريص، أريدك ما أردتني، وأريدك أن تنوب عني ما كان ذلك بي وبك جميلاً، فإن جاءت المقادير بخلاف ما أحب من ذلك لم أعد ما يحمد، ولم أتجاوز إلى شيء مما يكره، هاجني على الكتاب إليك مسألة أبي نوح غياي، وإعلامك رأيي وهواي، فما تبدلت، ولا حلت، فجمعنا الله وإياك على طاعته وأنشد:
لكل أديب ترى هيئة … وهذي تدل على همته
ولم أر مثل فتى ماجد … يداري الأمور على فطنته
يجازي الصديق بإحسانه … ويزجي العدو إلى غفلته
ويلبس للدهر تبانه … ويخضع للقرد في دولته
بلوت الرجال وجربتهم … فكل يدور على لذته
قال سفيان بن عيينة: صحبت الناس خمسين سنة ما ستر لي أحد عورة، ولا رد عني عيبة، ولا عفا لي عن مظلمة، ولا قطعته فوصلني، وأخص إخواني لو خالفته في رمانة فقلت: هي حامضة، وقال: هي حلوة لسعى بي حتى يشيط دمي.
وقال أعربي في صاحب له: افصح خلق الله كلاماً إذا حدث، وأحسنهم استماعاً إذا حدث، وأكفهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة، ولا يسأله الفريضة، له نفس عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان، والشمس التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للجيران، والبارد العذب للعطشان.
كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي يدعوه إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان: إن بعدت الدار من الدار فإن الروح مع الروح قريب، وطائر السماء على إلفه من الأرض يقع.
قال معبد بن مسلم:
جزى الله الموالي عن أخيهم … وكل صحابة لهم جزاء
بما فعلوه إن خيراً فخيراً … وغن شراً كما امتثل الحذاء
فما أنصفتم والنصف يرضى … به الإسلام والرحم البواء
لزدتهم النصحية من لدني … فمجوا النصح ثم ثنوا فقاؤا
وقلت: فدى لكم عمي وخالي … فما قبل التودد والفداء
فكيف بهم وإن أحسنت قالوا … أسأت، وإن غفرت لهم أساؤا
قال بنا المرزباني: حدثنا القراطيسي قال: أنشدنا أبو العيناء قال: أنشدنا السدري:
وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوى … وأكرم خلاني وفي صدود
وفي الناس عن بعض التضرع غلظة … وفي العين عن بعض البكاء جمود
قال أبو العيناء: قلت لأعرابي: كيف أنت؟ قال: كما يسرك إن كنت صديقاً، وكما يسوءك إن كنت عدواً.
وكتب ابن ثوابة إلى صديق له: ما انفككت عن ودك، ولا انفركت عن عهدك.
شاعر:
إذا كثر التجني من خليل … بلا ذنب فقد مل الخليل
كتب الحسن بن وهب إلى صديق له يعلمه صبابته إليه، ووحشته لفراقه فقال: وقد قسمك الله بين طرفي وقلبي، ففي مشهدك أنس قلبي، وفي عينيك لهو طرفي، فأجابه الصديق: وقفت على الفضل الذي أخبرت به بما أخبرت، فسيان عليك رأيتني أم لم ترني إذا كان بعضك يؤنس بعضاً فتسلوعني، ولكن يأراك فيخشع قلبي، وأغيب عنك فتدمع عيني، فسيان بين من سلا أبده، ومن حزن أمده.
فكتب إليه الحسن: يا حانقاً على الجرة، ثم تمثل:
أعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتد ساعده رماني
هكذا أنشدنا علي بن عيسى الرماني بالشين ورد السين.
قال يونس النحوي: لا تعادين أحداً وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى تخاف عدوك، وترجو صديقك، ولا يعتذر أحد إليك إلا قبلت عذره وإن علمت أنه كاذب، وليقل عتب الناس على لسانك.
وقال جعفر بن يحيى لصديق له: أنت من جوارحي يميني، ومن سوانحي يقيني.
وذكر أعرابي قوماً فسد ما بينهم بعد صلاح ومودة: والله ما زالت عيون العداوة تنجم من صدورهم فتمجها أفواههم، وأسباب المودة تخلق في قلوبهم وتخرس عنها ألسنتهم حتى ما تجد للشر مزيداً، ولا للخير مريداً.
وقال أعرابي: خير الجلساء من إذا عجبته عجب، وإذا فكهته طرب وإذا أمسكت تحدث، وإذا فكرت لم يلمك.
شاعر:
وخل كنت عين النصح منه … إذا نظروا ومستمعاً سميعاً
أطاف بغية فنهيت عنها … وقلت له أرى أمراً شنيعاً
أردت رشاده جهدي فلما … أبى وعصى أبيناه جميعاً
كتب بعض الهاشميين إلى يحيى بن خالد: علمي بمودتك يمنعني من استحثاثك، ووصلة إخائي تشكو إليك تقصيرك، وأملي فيك يصبرني على تأنيك.
شاعر:
إني لألبسكم على علاتكم … لبس الشفيق على العتيق المخلق
ولقد أرى ما لو أشاء عتبته … وأصد عنه ببغيتي وترفقي
ليرى العدو قناتنا لم تنصدع … ويكون ذاك كأنه لم يخلق
وإذا تتبعت الذنوب فلم تدع … ذنباً قطعت قوى القرين المشفق
وسمعت أو نقلت إليك مقالة … عوراء نطقتها صموت المنطق
وقال ابن عائشة: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأ الذنوب، ومجالسة أهل المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تزكي النفوس.
شاعر:
إن الكريم أخو الكريم وإنما … يصل اللئيم حباله بلئيم
كتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى صديق له: أنصف الله شوقي إليك من جفائك، وأخذ لبري من تقصيرك، ولا سلط الدهر على حسن ظني
بك كما سلطه على لطيف محلي منك.
وقيل لديجانس: لم لا يشتد فرحك بأخيك في حياتك كشدة حزنك عليه بعد وفاته؟ قال: لأني كنت أعلم في حياته أنه يموت، والآن أعلم أنه لا يعيش! شاعر:
أصافي المرء يألفني فيجري … جميعاً بختلاف واتفاق
وعهد الود محفوظ إذا ما … أمنا في الوداد من النافق
وأقطع كل ذي بر وصول … إذا مزج الخليقة باختلاق
وكم من معقب حسن اجتماع … لتنويه بسر الإفتراق
وكم من معقب حسن اجتماع … لتنويه بسر الافتراق
شاعر جاهلي:
لي ابن عم لو أن المزن طاع له … ما نالني منه ما يروى به الثغر
يود لو أنني أرمي بمندبة … من الشواجب لا يعفو لها أثر
إذا رآني أبدى لي مكاشرة … وتحتها لهب الأحقاد يستعر
فلو ذبحنا على صراء صردحة … تزايل الدم منا حين ينهمر
إذا رآني خال الشمس طالعة … من نحو وجهي إليه حين يبتدر
لا يحملني على حدباء جائحة … مهلاً أبا الجهل لا يطمح بك الأشر
إني ومن وخدت تدمى مناسمها … إليه ينكبها الحزان والطرر
لولا وشائح أرحام مؤكدة … لقد تبينت ما آتي وما أذر
شاعر:
ومكاشر ما زال يمذق لي … مذقاً وأمحضه الهوى محضا
يرضى ويسخطني وأحسبه … أني متى أرضيته يرضى
جعل النميمة شيمة خلقاً … فرفضته عن احتي رفضا
وتزايدت عندي مثالبه … حتى لأشبه بعضه بعضا
فهجرته وتكرت صحبته … إن النمائم تورث البغضا
شاعر:
هون عليك فما أرتضي … قط الصديق على المباحث
وقال كعب الحبار لرجل أراد سفراً: إن لكل رفقة كلباً فلا تكن كلب أصحابك.
وقال محمد بن يوسف: قلت للجوري: إني أريد الشام فأوصني، قال: إن قدرت أن تنكر كل من تعرف فافعل، وإن استطعت أن تستفيد مائة أخ إذا خلصوا لك، فتسقط تسعة وتسعين وتكون في الواحد شاكاً فافعل! وقال علي بن عبيدة: لا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ولا إخاء لمن يريد أن يجمع هوى أخلائه حتى يحبوا ما أحب، ويكرهوا ما كره، وحتى لا يرى منهم خللاً ولا زللاً؟ وقال يحيى بن معاذ: من لم يزرك، ولم يواسك، ولم يتحفك فهو من إخوان الطريق.
حدثنا العسجدي قال: جاء رجل إلى أبي إسحاق الكسائي ليلاً فقال: ما جاء بك؟ قال: ركبني دين، قال: كم هو؟ قال: أربعمائة درهم، فأخرج كيساً فأعطاه، فلما رجع عنه بكى فقال له أهله: ما يبكيك؟ قال: بكاي أني لم أبحث عن حاله وألجأته إلى الذل! قال ابن السماك الواعظ: الحسد أأم الطبائع، فمن ثم وكل بالأقرب فالأقرب، واعلم أن العدو يعود بالملاطفة صديقاً، والظالم بالإنصاف محسناً، والعاتب بالعتبى حبيباً، والحاسد بمنزلة البغل الشموس يطيعك في تناول مراده، ويكلفك أرضاً بعيدة الطلب، وكذلك الحاسد يدنيه منك سوء الطمع، ويبعده منك سوء الطبع.
وقال أبو زافر يعاتب أخاه نوحاً:
جربت من نوح أموراً كثيرة … وطيبت من نفسي وما كدت أفعل
فلما أبى إلا اعوجاجاً تركته … وبعض انتهاء النفس ابقى وأوصل
فأي أخ يا نوح يوماً علمتني … إذا كان أمر يونس الريق معضل
وقال أيضاً:
إذا ما قلت نوح مستقيم … أبت أخلاقه إلا اعوجاجا
فأي أخ علمت أخاك يوماً … إذا ما اللد أكثرت الضجاجا
فأنت مخيلة لا شك فيها … فلما أمطرت كانت عجاجا
شاعر:
رب صديق كنت أدعو له … أن يجعل الدنيا كمالاً لديه
حتى إذا صار إلى حاجتي … حقاً وصارت حاجتي في يديه
حال عن الود وعن عهدنا … وأظهر الشح على درهميه
فما مضى بعد دعائي له … يومان حتى صرت أدعو عليه
شاعر:
خذ لقلبي من التجني أماناً … واكفني أن أذم فيك الزمانا
أنت صيرت في فؤادي مكاناً … لك فاحفظ بالود ذاك المكانا
كن لودي على إخائك عوناً … من زمان يغير الإخوانا
قيل ليحيى بن خالد: أي شيء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش الدون، وصديق قليل الآفات كثير الامتناع يضب مواضع المدح.
وقال أخو ثقيف: مودة الأخ التالد وإن أخلق، خير من مودة الطارف، وإن ظهرت بشاشته وراعتك جدته.
شاعر:
لعمرك ما مال الرجال ذخيرة … ولكن إخوان الثقات ذخائر
آخر:
وكنت جليس قعقاع بن شور … ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن أمار بعرف … وعند النكر مطراق عبوس
بشار:
فدع التبحث عن أخيك فإنه … كسبيكة الذهب الذي لا يكلف
آخر:
إن القوم غطوني تغطيت عنهم … وإن بحثوا عني ففيهم مباحث
وإن نبثوا بئري بئارهم … وأخرجت ما تخفيه تلك النبائث
أبو العتاهية:
يدل على الإنسان ظاهر فعله … ولا علم لي بالباطن المتغيب
آخر:
بلغت من السنين مدى طويلاً … ولم تعرف عدوك من صديقك
فسرت على الغرور ولست تري … شراب أم سراب في طريقك
وأنشد ابن حبيب:
أيها الفارغ المريد لغيب الناس مهلاً عن المغيبة مهلا
إن في نفسك التي في جنبيك عن الناس لو تفكرت شغلاً
عجباً منك في ثناك لحمي … فإذا ما رأيتني قلت أهلاً
إن ذا الفضل والمروءة لا يقبل قولاً يخالف القول فعلاً
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: من وجد دون أخيه ستراً فلا يكشفه.
وقال: رب أخ لك لم تلده أمك.
وقال: اصحب الناس بما ئت، يصحبوك بمثله.
وقال: الإخوان إخوان الثقة، وإخوان المكاشرة، فإخوان الثقة أهل بسط الكف، ولين الجناح وهم أقل في الناس من الكبريت الأحمر، وإخوان المكاشرة فابذل لهم حلاوة المنطق، وطلاقة الوجه، وإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له نفسك ومالك، وصاف من صافاه، وعاد من عاداه.
وقال علي بن حماد: قالالحسن: مثل الصاحب مثل الرقعة في لقميص، فينظر امرؤ باي شيء يرقعه.
وقال الحسن: إن المؤمن شعبة من المؤمن، يحزن لحزنه، ويفرح لفرحه، وهو مرآة أخيه، وإن رأى منه ما لا يعجبه قومه وسدده، ووجهه، وحاطه في السر والعلانية، إن لك من خليطك نصيباً، وإن لك نصيباً من ذكر من آخيت، فاختاروا الإخوان والأصحاب والمجالس.
وقيل لعدي بن حاتم: ما أثقل الأشياء عليك؟ قال: اختيار الصديق، ورد السائل، ومسألة الئيم. فقيل له: فما أضر الأشياء للرجل؟ قال: كثرة الكلام، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد.
وقال يونس بن عبيد: ليس لملول صديق.
وقال الشاعر:
البس جديدك إني لابس خلقي … ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا
قال النمري: الجديد ها هنا الصديق الحديث العهد كأنه استجده بالصداقة. والخلق الصديق القديم الصداقة. يقول على وجه التوبيخ: عليك بالإخوان الجدد فإني متمسك بإخواني القدماء، ثم قال: لا جديد لمنلا يلبس الخلق، أي من لم يقم على مودة الصديق القديم لم يقم على مودة الصديق الجديد.
قال: ومثله قول العرجي:
سميتني خلقاً لحلة قدمت … ولا جديد إذا لم يلبس الخلق
قال: والناس يظنون أن الجديد والخلق ها هنا ثوبان.
وقال العرجي:
لا يحول الفؤاد عنك بود … أبداً أو يحول لون الغراب
وقال ربيعة الأسدي:
إن المودة والهوادة بيننا … خلق كسحق اليمنة المنجاب
آخر:
ما سمعنا باسم الصديق فطالبنا بمعناه فاستفدنا الصديقا
أتراه في الأرض يوجد لكن … نحن لا نهتدي إليه طريقا
أم ترى قولهم صديق مجاز … لا ترى تحت لفظهم تحقيقا
شاعر:
ذهب الذين أحب قربهم … وبقيت كالمقمور في خلف
من كل مطوي على حنق … متصنع يكفي ولا يكفي
المتلمس:
على كلهم آسى وللأصل زلفة … فزحزح عن الأذنين أن يتصدعوا
وقد كان إخواني كريماً جوارهم … ولكن أصل العود من حيث ينزع
وقال المقنع الكندي:
وصاحب السوء كالداء العياء إذا … ما ارفض في الجلد يجري ها هنا وهنا
يجري ويخبر عن عورات صاحبه … وما يرى عنده من صالح دفنا
كمهر سوء إذا رفعت سيرتهرام الجماحوغن خفضته حرنا
إن يحي ذاك فكن منه بمعزلة … وإن يمت ذاك لا تشهد له جننا
آخر:
رأيت موالي الألى يخذلونني … على حدثان الدهر إذ يتقلب
فهلا أعدوني لمثلى تفاقدوا … وفي الأرض مبثوثاً شجاع وعقرب
الحارث دعي الوليد:
فإن أنت أقررت العداة بنسبتي … عرفت وإلا كنت فقعاً بفدفد
ويشمت أعداء ويخذل كاشح … عمرت لهم سماً على ناب أسود
شاعر:
ومعشر منقع لي في صدورهم … سم الأساود تغلي في المواعيد
وسمتهم بالقوافي فوق أعينهم … وسم المعيدي أعناق المقاحيد
آخر:
وغني لتراك الضغينة قد بدا … تراها من المولى فما أستثيرها
قال بعض السلف: خالطوا الناس ورابدوهم.
وقال أبو العيال الهذلي:
وأخاك إن آخاكم وعتابه … إذا جاءكم بتعطف وسكون
ثعلبة بن صعير:
وإذا خليلك لم يدم لك وصله … فاصرم لبانته بحرف عاقر
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلق … مخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا … فخالني دونه بل خلته دوني
وقال أسامة بن الحارث الهذلي:
تذكرت إخواني فبت مسهداً … كما ذكرت بواً من الليل فاقد
وقال عبدة بن الطبيب:
واعصوا الذي يبدي النميمة بينكم … متنصحاً وهو السمام المنقع
يزجي عقاربه لتبعث بينكم … حرباً كما بعث العروق الأخدع
حران لا يشفي غليل فؤاده … عسل بماء في الإناء مشعشع
لا تأمنوا قوماً يشب صبيهم … بين القوابل بالعداوة ينشع
وقيل لعبد الله بن عورة، وكان خطيباً: تركت المدينة ولو رجعت إليها لقيت الناس، فقال: وأين الناس؟ إنما الناس رجلان: شامت بنكبة، أو حاسد لنعمة.
شاعر:
أخاك أخاك إن من لا أخاً له … كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وأنشد يونس بن فروة:
فلقد رضيت بعصبة آخيتهم … وإخاؤهم لك بالمعرة لازم
فعلمت حين جعلتهم لك دخلة … أني لعرضك في إخائك ظالم
وقال بعض الحماء: إن الأخ إذا لم يكن صديقاً فهو نسيب الجسم، والصديق وإن لم يكن أخاً فهو نسيب الروح.
أخبرنا ابن مقسم، حدثنا ثعلب، حدثنا عبد الله بن شبيب قال: سمعت العتابي يقول: سمعت أعرابياً يقول لصاحب به: لا تنكرني لك فأعرف نفسي بك، ودع سرح القلب محمياً، وثمر الفؤاد مجنياً فيوشك أن تبعد الطية عل غير أهبة ولا أوبة.
شاعر:
وكنا كغصني بانة ليس واحد … يزول على الحالات عن رأي واحد
تبدل بي خلا فخاللت غيره … وخليته لما أراد تباعدي
ألا قبح الرحمن كل مما ذق … يكون أخاً في الخفض لا في الشدائد
وكتب أحمد بن إسماعيل الكاتب إلى ميمون بن عارون: أعلمني رسولي أنك سألته عمن آنس به في ناحيتي، ومن في الناس اليوم يؤانس أو يجالس؟ نحن إلى الأنس منهم أحوج منا إلى الأنس بهم، وصورة الأمر في فسادهم أنه لما كان الدين عمود المحاسن، ونظام الفضائل، وعصم الأخلاق، وكان الناس قد خلوا أو أكثرهم منذ صاروا يتعاطونه مع المراء من الدين في معاملاتهم وموداتهم، مدخولاً من جوانبه، مختلاً من أوساطه وأطرافه فلن ترى إلا ذاماً مذموماً، زارياً مزرياً عليه، حالفاً بالقبيح، محلوفاً به.
وحديث أن رجلاً قال لسفيان الثوري: أوصني! فقال: أقل معرفة الناس، وأنكر من تعرفه منهم، وابدأ بي، وأغضب من شئت، ودس من يسأله، فوالله لو لاحيت رجلاً في زمانه فغضب لما أمنت ا، يترامى به غضبه إلى سفك دمي، وأفرط أعزك الله مفرط في هذا الزمان فقال: لا أقول كما قال سفيان لنقصان دهرنا عن دهره، ولكني أقول: أرض من شئت، ودس من يسأله عنك، وما أنكره لكثرة الشر في الناس أن يكون جواب كثير ممن يرضى مثل جواب من يغضب، إلا أني أرجو أن لا تكون هذه القضية عامة.
وأنشدني عبيد الله بن عبد الله لنفسه:
وحده الإنسان خير … من جليس السوء عنده
وجليس الصدق خير … من جلوس المرء وحده
وهذا لعمري كما قال، ولكن كيف لنا بجليس الصدق؟ ولربما نفع قرب العدو، وضر قرب الصديق، وهذا كلام ينكر ظاهره إلى أن يظهر تفسيره، أما العدو الذي ينفع قربه فهو الذي مقدار ضره أن يثلب ويعيب، ويجد مطنعاً ليذيع ويشيع، فإذا قرب هذا صورته ممن يعاديه وكله بحراسة نفسه، ومراعاة أموره، وتحصين تدبيره، وتحسين أفعاله، وكان برصيده له رقيباً عليه، وإذا رام تحفظ الإنسان بهذا الرصد وترقيه هذه الرتبة صلحت أموره، وكان سبب صلاحها قرب هذا العدو منه، وإنما صار للعرب مآثر تنشر، ومفاخر تذكر، بتوقيهم المعاير والمعايب، في المقاوم والمجامع، ولم يخل أحد قط من ولي مؤدب، أو عدو مؤنب، أو تقريع بخطأ أو تهجين بنقص إلا من أهمل نفسه، ومن عادة الإهمال الهلاك، وقل من تحفظ فسلم من غضاعة، فكيف به إذا أضاع التحفظ من نفسه، وأمنه من غيره.
وقال بعض المتقدمين: لا صلاح للملك إلا بنفسه ووزرائه وعداء يخرجون عليه فيصلح نفسه من أجلهم.
ومما دونوه من الكلام: انه يجب على العاقل أن يتخذ أبويه أصدقاء، وإخوانه رفقاء، وأزواجه ألافاً، وبنيه ذكراء، وبناته خصماء، وأقاربه غرماء، والعلماء أولياء، والجيان رقباء، ويعد نفسه فرداً وحيداً، فذكروا رقبة الجيران، وحضوا على توقيها، فكيف بالجار العدو، وأما الصديق الذي يضر قربه فهو الذي إذا قرب توصل بصداقته إلى معرفة الأسرار، وعلم الأخبار، ثم تحفظ الزلل، والتقط الخلل، وأحصي الفلتات، وعد الهفوات، وراعى عثرات الألسن، وبوادر القول والعمل، عند الغضب والرضا، وفي أوقات الاسترسال التي يخلو الإنسان فيها من إغفتال، ثم جعل ذلك سلاحاً معداً يحمله على صديقه وقت العداوة وقد قيل في ذلك: يحصي العيوب عليك أيام الصداقة للعداوه ونحن لم نخالف في ما عممنا به من الذم في باب الإخاء والأنس قول النابغة:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه … على شعث: أي الرجال المهذب
وقول الآخر:
هم الناس والدنيا ولم يزل القذى … يلم بعين أو يكدر مشربا
ومن قلة الإنصاف أن تطلب الأ … خ المهذب في الدنيا ولست مهذبا
وقال آخر:
وكنت إذا الصديق نبا بأمري … وأشرقني على حنق بريقي
غفرت ذنوبه وكظمت غيظي … مخافة أن أعيش بلا صديق
هؤلاء إنما أوجبوا الإغضاء والاحتمال والصبر والكظم مع سلامة الإخاء، وإنما وقفوا بالصفح والعفو على ما يخلو الإنسان يأنس به من مثله، ألا ترى النابغة يقول: أي الرجال المهذب؟ والآخر يقول: مخافة أن أعيش بلا صديق، والآخر يقول: ومن قلة الإنصاف أن تطلب الأخ المهذب في الدنيا ولست مهذباً، نقول كما قالوا، ونغفر كما غفروا لو وجدنا من يسلم لنا جملة إخائه، وإنما نشكو فقد عمود الإخاء الذي حصوله يغفر ما دونه، وحيث بلغنا من هذه الشكوى، وهذا الذم، فلسنا نجحد النعمة في بقية جميلة في هذا الزمان من أحرار الإخوان قد قدمك الله فيهم فضلاً وبراً، وهمة عليه، وأخلاقاً رضية، ومع ذلك فإن على العاقل في شريطة الإخاء إذا وجد موضع الدين والوفاء أن يقتصد في المؤاخاة، ويتقصر من العدة على من تفي طاقته بما يجب لهم، فإن حقوقهم إذا زادت على وسعه لحقته الإضاعة لبعضها، وجنت الإضاعة عليه العداوة ممن أضاع حقه، ولذلك قيل: كثرة الأعداء من كثرة الأصدقاء، وانتظم في هذا المعنى:
إذا اتسع الإخاء عرت حقوق … مراعيها مقيم في مضيق
فإن خصت رعايته فريقاً … أخل بما عليه في فريق
وإن رام القيام لهم جميعاً … بشرط الود لم يك بالمطيق
وأوحش بعضهم فأفاد منه … عدواً كان في عدد الصديق
فخذ ممن تؤاخيه بقصد … وقدر فتح أبواب الحقوق
وقال:
إذا كثر الإخوان للمرء وابتغوا … معونته في صرف دهر وغدره
فوحدته لا تستقل بحقهم … وكثرتهم لا تستقل بضره
وكنت أعلمتني أنك استحسنت مني البيتين في ذكر العدو والصديق وهما:
إن كنت تطلب فضلاً … إذا ذكرت ومجدا
فكن لعبدك خلا … وكن لخلك عبدا
وكان سببهما ا، صديقاً لي ضرب عبداً له فحضره صديق له فمنعه الصديق فلم يمتنع، فكتبت إليه بهذين البيتين أذكره بحق الصديق في عبودية الطاعة، وأخوة العبد في حق الإيمان، قال الله تعالى: ” إنما المؤمنون إخوة ” ، هذا ما في التسلط على المماليك من الدناءة!
ولأحمد بن إسماعيل أيضاً إلى إسحاق بن سعد: وكأن الزمان يخص الإخاء وأهله من كدره ونكده بما لا يعم به غيهم، فما تشاء أن ترى ذوي صفاء قد فرقت بينهما نوى فحصلا من التزاور على التكاتب، ومن أنس الاجتماع على وحشة الافتراق، ومن بهجة اللقاء على لدغة الشوق وكثرة التوق، ومن راحة المباوحة والمفاوضة على ضيق الصدور بالأسرار، وكرب النفوس بالكتمان إلا وجدتهما، ولا تشاء أن تجد أمثالهما قد جمعتهما الديار، واعترضت بينهما الأحداث، فاجتماعهما في معنى التفرق، وقربهما في صورة البعد، إلا أن شوقهما أبرح، ونزاعهما إلى اللقاء أشد، وحسرتهما على ما يفوت منع أكثر إلا رأيتهما، فأما إهوان اللقاء، وعبيد العيون الذين تجمعهم الرغبة والرهبة، ويتزاورون في لمواصلة من العهدة إذا ولت مطمعة، وأخلفت مخيلة، أو نابت نائبة، فاكتراثهم لأعراض الدهر بينهم تستر، لأن الحاضر منهم لا تزعجه من أخيه الغيبة، والغائب لا تقر عينه بالأوبة، فالفرقة لا تورثهم وحشة، والاجتماع لا يجدد لهم أنسة، وربما وجدت تراضيهم بمخالفة ظاهرهم باطنهم، قد أتيح لهم متعة بعشرتهم لأن كلا منهم قد قدم التحرز من صاحبه، واستشعر الاحتراس منه، فليس بستودعه ما يخاف ضياعه، ولا يأمنه على ما يحتاج إلى الاهتمام به، وأعطاه مقداراً من ظاهره، وقفت عليه عادته، وأسقطت مؤونة التحصيل عنه، ولبسته على علم به، فإن أظهر له جميلاً لم يغتر بظاهرة، وإن وقف على غل أو غش لم يجدد له علماً بباطنه، فليس يبدو له من أفعاله ما ينفره فيقطعه ولا يغيب عنه منها ما يأمنه فيسكن إليه، ويخاف جناية الاسترسال عليه، ولا يبقيه في مشهده ومغيبه منه ما لا يعرفه، فيجريان في هذا الميدان مدة طويلة متمتين بالمؤالكة، والمشاربة، واللقاء والمحادثة، وأخو الثقة يرمق الحركة، ويراعي اللحظة، ويتأول اللفظة، وإن ظهرت منكرة وقف عندها، وتعرف سببها، وتبين موقعها من العمد والخطأ، ومقدارها في الصغر والكبر، وهل يقل صغيرها عن المعاتبة، أو يبلغ كبيرها ترك المراجعة، وينزل الأمور بين هذين الطرفين منازلها، ويعمل في ما يستقر عليه بما هو أصون لعقدته وإن كانت نفيسة، لأن أخا الثقة من الإخوان يمنح الأنس، ويبث ذات النفس، ويظهر العجر والبجر، ويكشف الأسرار، ويخص بخواص الأخبار، ويدخر للنوازل، ويفزع إليه في النوائب، فيعد للمشهد والمغيب، واليوم والغد، والمحيا والممات، والنفس والعقب، ويستظهر بإخائه على الزمان، ويعتضد به في الحدثان، وإنما يستحق ذلك ما نقي جيبه، وسلم غيبه، وخلص قلبه، وصح لبه، ولوقوفه على هذه الغاية من الاستحقاق يراعيه من أودعه أجل ودائعه، وجعله أفضل عدده، والحمد لله الذي جعلك مقدماً في إخوان الصفاء، يثق بك الصديق، وتخف المحنة عليه في مراعاة طويتك بصحة عقدك، وكرم عهدك، وتسمكك في وردك وصدرك بعصم الدين التي تشتمل على المناقب، وتنفي المقابح والمعايب، وتؤدي صاحبها إلى فوز البد، وتحوز له النعيم المقيم، فتمم الله نعمه، وأوزعك شكره، وأمدك بمزيده:
تنازعنا الوداد وكنت أجري … إذا بلغ المدى جري السبوق
فحاز السبق إسحاق بن سعد … وخلفني بقارعة الطريق
الاستزادة على حسب الحرية، ومن لم يجد ألم الجفوة لم يعرف موقع المبرة، وأيام السلطان والقدرة غنيمة ذي النبل والهمة، تعتقد بها المنن، وترعى فيها الحرم، وتبنى المكارم لليوم والغد، والنفس والعقب، ولي ما شهدته من مودة صحيحة موروثة، وأسباب شابكة متقدمة، وربغة متجددة، وأمل متأكد، ولكل من ذلك حق وحرمة، وأنا شريك في النعمة بالهوى والنية، مطلق اللسان بوصف فضائلك في محافل ذي الشرف والحرية، كبتاً لعدوك الذي ليس بينه وبين الله عصمة، ونصراً لوليك ولي الدين والمروءة، ومعي معاضدة الأخ، وخدمة العبد، وطاعة اليد والسلام.
وقال أيضاً في فصل آخر: وإذا سلمت لي الحال القديمة بيننا التي كان العهد فيها باللقاء يتراخى، فإذا التقينا وجدنا على جدته، وأعطى المفضول منا – أعني نفسي – من آتى فاضرً – أعنيك – من الإعظام والإجلال حقه، وسلك الفاضل بالإنصاف والتواضع سبيل فضله، لم أحفل بما يحدث بعد ذلك من إدراك أمل وفوته، ونيل طلبة وتعذوها.
وكتب عبد الله بن المعتز إلى احمد بن يحيى لشيباني أبياتاً منها:
إنا على البعاد وللتفرق … لنلقي بالذكر إن لم نلتق
فأجابه: لم تعد ما في النفس، بلغك الله أملك، ونحن وإن لم نلتق كما قال رؤبة:
إني وإن لم ترني فإنني … أراك بالغيب وإن لم ترني
أخوك والراعي لما استرعيتني
ولكني أحذر عليك، فإنه لا تفى محبتي إليك، ومن لم يحذر فقد ضيع الحزم، وأنا أسأل الله أن يجعل عليك واقية برحمته.
وكتب آخر: من عاقته العوائق عن المحاورة، عول على المكاتبة، وأنا آنس بذكرك فضلاً عن مكاتبتك، وبمكاتبتك فضلاً عن رؤيتك، ولو تقاربت المنازل كتقارب القلوب لأحبت داعي الشوق إليك في الحذاء والرداء، والضياء كتقارب القلوب لأحبت داعي الشوق إليك في الحذاء والرداء، والضياء والدجى وأنشدني منشد:
كنا نزوركم والدار جامعة … في كل حال فلما شطت الدار
صرنا نقدر وقتاً في زيارتكم … وليس للشوق في الأحشاء مقدار
ولرب منازل متقاربة لقلوب متباعدة، يجمعهم النفاق، وتفرق بينهم الأخلاق! وكنت كتبت إلى صديق يمرح في بعض ما يستهدي:
لا تجعلن بعد داري … مخسساً لنصيبي
فرب شخص بعيد … إلى الفؤاد قريب
ورب شخص قريب … إليك غير حبيب
ما البعد والقرب إلا … ما كان بين القلوب
لابن ثوابة: فلبثت بعدك بقلب يود لو كان عيناً فيراك، وعين تود لو كانت قلباً فلا تخلو من ذكراك.
وقع أحمد بن صالح بن شيرزاد إلى رجل: أنت ضعيف الإخاء، قليل الوفاء، معاملك معك في عناء، ومعاشرك منك في بلاء.
وكتب إلى صديق له: وصل كتابك مخبراً بعافيتك، مبشراً بسلامتك، مذكراً بلذيذ عشرتك، وطيب ألفتك، ناطقاً بصحيح ودك، وكريم عهدك، وإني لآنس بذكرك، فضلاً عن مكاتبتك، وبمكاتبتك فضلاً عن رؤيتك، إلا إني في ذلك كما قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
إن ما قل منك يكثر عندي … وكثير من الحبيب القليل
عيسى بن فرخشانه: اعتقدت ودك، وأوجبت حقك، واعتددت بشكك، ولحفظ حالك عندي رقيب من عنايتي لا يفتر فيك لفظه، ولا يصرف عنك لحظه، وذكر السيد استيحاشه لقصدي، وحنينه إلى لقائي، والأنس آخر ما يبذل من ذات النفس، وأجل ما تخص به السادة أولياءهم، والإخوان إخوانهم، وبه تنال راحة المفاوضة والمباثة، وعليه تبنى الثقة والمشاورة، وإليه ينتهي إخاء المودة، فإذا بلغه أهلها قضوا حقوقها، واستوفوا شروطها، والسيد ممن لا يخص بأنسه إلا من ترتضتي أخلاقه، وتحمد مذاهبه، وكفى بذلك فضلاً لمن ناله، فأين يبلغ شكري ما قضي به من ذلك لي.
وكتب أيضاً: وأنا – والله – أيها السيد ما زلت كاتباً، وممسكاً، وفائزاً، ومثابراً، الوالي المخلص، والواد المصحح، ومن إذا شد عروة اوثقها، وإذا عقد مودة صدقها، ولا خير في المذق والشوب، والمماذق أخو المنافق، والشائب هدف العائب، والرجل بمواقع اختياره إذا مال ووالى، وإذا انحرف وعادى، وإذا اجتنب واجتبى، يدل على خطره وقدره، ويقوم نفسه قيمة يرجع إليها من عامله وعدل عليه.
محمد بن بحر: وثل كتابك فناب عن زهر الرياض حسناً، وأخبر عن فتيق المسك عرفاً، لما جمع من غريب المعنى، وبديع اللفظ، وتصرف كاتبه – لاعدمته – في بر جدده، وتفضل وكده.
القاسم بن محمد الكرخي: قد واصلت أياماً تباعاً، غدواً إليك ورواحاً، حتى ملني البكور، وسئمني التجهيز، وشكاني الطريق، ولحاني الصديق، وفي كل ذلك أعاق عنك بالحجاب:
ولا خير في ود امرئ متكاره … عليك، ولا في صاحب لا توفقه
هذا من عتاب جاش به الصدر، وقل عن كتمانه الصبر، فإن عطفك حفاظ فأهل البر والفضل أنت، وإلافإني على على العهد ولا أقول:
فما ملني الإنسان إلا مللته … ولا فاتني شيء ظللت له أبكي
كاتب: أطال الله بقاءك، والمخاطبة بكل دعاء تخاطب به إخوان الصفاء وإن ضعفت اليد عن اسقصائه، وضاق ما يكتب فيه عن استيفائه.
للحسن بن مسلم: زاد الله من عمري في عمرك، ورفعك إلى الدرجة الموازية لقدرك، وضاعف الكرامة والنعمة والسعادة لك، وقدمك في المحبوب قبلي، وقدمني للمحذور قبلك، إني – وجعلني الله فداءك – وإن كنت آنس بك في الحول وقتاً، وأغبر في بقيته خلواً مستوحشاً، فإن موقع وقتك عندي منه، كموقع ربيعة من سائر شهوره، لما يبهجني من السرور بك، ويونق بصري من بهي منظرك، ويرتغ فيه لبي من رياض علمك وأدبك، ويجدد لي من يوافع فؤادك، وملذوذ ثمار ودك، ما يروق به الربيع العيون من بهيج زينته، ويجود به على الأرض من غيوثه، ويلبسها من زخارفه، وينشر عليها من موشى حلله، ويملأها من خصبه وبركته، وأشبه مغيبك – جعلت فداك – بأضداد هذه الصفات، غير أني أحيا بالتذكر والرجاء مدى النأي إلى اللقاء، وأجد عقلي بما أفدت في ساعة منك متقوتاً زمناً طويلاً طقول أنوشروان الملك: قوت العقول الحكم، وقوت الأجساد المطعم، فلا زلت من نورك مقتبساً، ولإخوانك في القرب والبعد مؤنساً، ولا زالت الأقدار تسعفنا فيك ببلوغ أمل، ودنو محل، حتى تطول العشرة، وتدوم الغبطة والمسرة.
كاتب: لئن بعد – أسعدك الله – مزارنا بعد قرب، لما باعد ذلك، بحمد الله، قلباً من قلب، ولا حل مما بيننا عقداً من ود، ولا منع من محافظة على غيب وعهد، وإن انقطعت منا المكاتبة أحياناً لاعتناق علة أو شغل، فتواصل التشاكل لا ينقطع لانقطاع الكتب، وقد جعل الله – وله المن والطول – نعمتنا عند بعض بنجوة من التقصير، وفي حال غنية عن المعاذير، فجعل الله ما عراك تمحيصاً، وعقباه تخليصاً، وأعادك إلى أحسن ما عودك، وما لم تجري به آلاؤه عندك.
وكتب آخر: إن لم يكن جمعنا – أسعدك الله – تلاق يأنس فيه بعضنا ببعض، وتتصل به أسباب بيننا في القرب ولبعد، فكفى بالمشاكلة مؤانسة، وبالمشاكهة مواصلة، تثبت علائق الثقة، وتدقع عواض الحشمة، وتزين استعمال الدالة.
لليزيدي: فأما ما عندي مما أبذله لك رغبة، وأرضى بقبولك إياه مثوبة فمودة أقيم عليها بقية عمري، وأستوفي لك حقوقها على نفسي، وطاعة أصحح فيها سري وعلني، وأتبع شروطها فيما وافقني وخالفني، وشكر أشغل به خاطري وعقلي وأعمل فيه لساني، وثناء حسن أسعى فيه وأجتهد، وذكر جميل أقوم به وأقعد، وأن أوالي بك وأعادي، وأصافي وأصادي، ولو ملكت غير ذلك لبذلته، ولو علمت وراء ما أنا عليه مكاناً لبلغته.
وكتب آخر: ما أعلمني أن في سعة صدرك، وفضل رأيك، وعلو قدرك، ويمن تبيرك، وشدة تحصيلك، وما مكن الله لك من سلطانك ما أغنى عن مسألتي عما أراه في أمري، فوالله ما حلت لك عن عهد، ولا من موالاة إلى عداوة، ولا عن وفاة إلى غدر، ولا عن شكر إلى كفر، ولا قصرت فيما ظننت إنه يقضي عني الحق بما بلغته الطاقة والوسع، فإن تكن الدنيا بلغتني ما لا يجدي معه سعي، فذلك على الزمان لا علي:
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها … ولا تجود يد إلا بما تجد
فوالله ما كنت بذميم العهد لك في شدة ولا رخاء، ولا في حال سراء ولا ضراء، على قدر ما تبلغه طاقتي وتناله يدي، وليس من قصر به القدر بملوم على تصير، ولا من نصح بالنية إذا أعجزه الفعل بمعدود في أهل الغش.
كاتب: وإن الذي ” يعلم السر وأخفى ” ليعلم أني لم أحل لك عن عهد، ولا رجعت لك عن ود، ولا انطويت لك على غل، في وقت رخاء، ولا شدة، ولا نعمة، ولا محنة، ولا خلفتك بقبيح في نفس، ولا مال، ولا عرض من الأعراض، اللهم إلا أن تكون تعتد علي بعتاب أجريته بيني وبينك في بعض ما يعاتب الصديق صديقه، وما ظننت أن ذلك يخرج عن طريق المودة، ولا يوجب العداوة والجفوة، لأنه أمر سلكت فيه سبيل نصيحة لم أمل فيه إلى غش لك ولا خيانة، وربما احتملت للناصح الكلمة المرة، ولم تخرجه عن حد الأمانة والثقة، وإن كان مخطئاً في المشورة، لأنه قد اجتهد عند نفسه ولم يرد سوءاً ولا غائلة.
كاتب: وقد هيأ الله لك دولة لست تغبي فيها عن الإحسان إلى المحسن جزاء له، والتغمد للمسيء احتجاجاً عند الله، وطلباً للفضل الذي لا يذم اخذ به، فإن مدد الأعمار، فضلاً عن الدول، قصيرة، وأيام العز، وإن طالت يسيرة، وإن اعتقدت فيها المنن اتبعتها أيام الشكر، وهي أحسن منها عاقبة وأحمد مغبة، وشراء الصديق صعب عسير، وبيعه سهل ممكن، وحيث وجهت المعروف فهو عائد بثناء جميل، أو ثواب جزيل، وقليل البر يستبعد لك الحر، ويستر الهوان بصرف وجوه الأمال:
ومن يسأل الأيام نأي صديقه … وصرف الليالي يعط ما كان يسأل
أحمد بن إسماعيل بن عباد: فما كان أولاك أن تحميني من سوء الظن بك، وألا تجعل من مصائبي المصيبة بمودتك، وأن أعجب عندي من إمساكك عن مكاتبتي إمساكك عن ذكري في كتبك إلى قوم قد علمت أنهم لا يخفون عني مكاتبتك إياهم ولكني مع هذا أقول:
أترسل بالسلام وصدر عيسى … يشد على عدوي الحزام
فولا أن يكون العهد منكم … لما أرسلت نحوكم سلامي
ولكن الفتى ليست عليه … تمائم قد علمت من الحمام
ولا أقول فيك كما قال إبراهيم بن المهدي لعمرو بن بانة ودعاه يوماً فامتنع من المصير إليه لسخط السلطان عليه فكتب إليه: ليس يخلو أمير المؤمنين أن يكون ساخطاً فما يأبى أن يغرني، وإنك لموقوف بينهما بحمد الله، فأما فلان فلو كان الصديق إذا نزلت به نائبة، أو نالته نكبة، أو نبا به الدهر نبوة استوى عدوه وصديقه في الجفاء به، والاحتراس من خلطته وعشرته، وتك معونته على دهه، لكان اسم الصديق اسماً معلقاً على غير معنى، ولكانت حرمة مودته، واعتقاد إخائه في أيام الرخاء وزمانه ضياعاً لا حظ فيه، كلا والله غن الرجل ليبذل لأخيه في النكبة ماله، وقد أعفى الله مالك وإنه لحظر نفسه في معونته، وقد صان الله نفسك لك، وإنه ليفارق الأوطان والأهلين في إيثار موافقته، ولقد أعفاك الله من أن ترد عليك مسألة في ذلك، وما أردت إلا أن أعلم أن لي صديقاً قد أبقى لي الدهر منه مثل الذي أخذ، وأنفس منه، وأن الأيام لم تبلغ من مساءتي كل ما أحذره، ولله روح منتظر، وفرج مأمول، وصنع متوقع، ولنا ذنوب ما نتهم غيرها، ورحمة الله أكثر منها.
كتب ابن أبي البغل إلى النعمان بن عبد الله أبي المنذر: كتابي – أدام الله عزك – من أصفهان، وعادة الله عندي جميلة، والحمد لله رب العالمين، ولم تتأخر كتبي عنك – جعلني الله فداءك – مع ما ألزمه نفسي من الحقوق المعترضة للمتقدمين في المنزلة المرعية بين المتخالصين في المودة، لا إغفالاً للحق، ولا إضاعة للحظ، لكن عرضت لي أحوال وأشغال وأسفار ورجوت أن تزيل عني الاستزادة تمحل لي عذراً كعذرك في تأخر كتبك فتقع متاركة أو مسامحة، ثم جرت خطوب تكشفت عما ساءني منك، وخفت أن يغني العتاب من إعتابك في سورتك، فأمهلت توقعاً إلى الغاية، ومؤملاً منك عند بلوغها حسن المراجعة، وأن تتأمل فتعلم أني ما حلت عن عهدك، ولا زلت عن ودك، ولا جنيت بيد ولا لسان عليك فتتوكل لي على نفسك، وتتعطف بجميل أخلاقك، وترعى مني ما يرعاه الحر من صديقه، وتبقي علي مما أجريت إليه، فاستمر بك اللجاج ووصلت ما أتيته في أمر فلان بإدامة النبو عني، والوضع مني، وجعلت ذكري باللقب دون الاسم، وبالاسم دون الكنية، وبالكنية دون الدعاء، وما هكذا أفعل عند ذكرك، ولا أخللت بما يجب علي من عظيمك ووصف فضلك ومحاسنك، ولولا الرغبة فيك، والضن بك لوجدت عن هذا القول مذهباً ومنتدحاً، ولكني ملكتك مني رق المودة فقل صبري على سوء القاسم بن محمد الكرخي: لو كنت أعلم أنك تعتب إذا عاتبت لشدوت من ذلك في مذهب لا أبلغ بك فيه القصوى، ولا أقتصر منه على الأدنى، ولا أخليك من الاستزاده في غير شكوى، والتعريف في غير تعنيف، والاحتجاج في غير تبكيت ولا توقيف، ولكن شر القول ما لم يسمع، ولم يكن لقائله فيه منتفع، وأشبه البر بالعقوق ما استكرهت عليه النفوس، ولم يكن له باعث من النية والضمير:
وليس بمغن في المودة شافع … إذا لم يكن بين الضلوع شفيع
وما آمن أن أكون قد عزرت بمن كتبت له إليك فإن كنت قد حلت عن كل جهة فهنيئاً لك سوء العهد.
وله: الكتب تحيي ما أمات الفراق، وتجدد من عهد المودة ما أخلقه الزمان، وقد انقطعت بيننا انقطاعاً كاد يعرض الشك معه في اليقين المعتمد عليه، والصحيح الموثوق به من إخائك، على أني لا أصرف شيئاً من العتاب إليك غلآ عدت على نفسي بأمثاله لك، واستوفيت عليها استيفاء غير مسامح لها في المعذرة، ولا معذر ي المعاتبة، فإن الحقوق بيننا توجب من التواصل ما نحن على ضده في ظاهر التعامل، فأما ما تنطوي عليه النيات وداً وإخلاصاً فأرجو أن أكون فيه على منزلة تعجز المجتهد، ون تكون على مثلها، وذلك هو الغرض المقصود، والمغزى المأمول، فغن الواصل بنية وإن انقطعت كتبه واصل، والواصل بنفسه إذا مذق وده اقطع.
كاتب: أنت – أعزك الله – واجد عندي مودة غير مدخولة، وعشرة غير مملولة، ودوام عهد على طول المودة، وحسن احتمال للصنيعة، واستقلالاً يشكر العارفة، مع سعة العذر، ولين المطالبة، والتغمد بالصفح عند الزلة، والصبر على الجفوة في غير ذلة، والتغابي الذي يجلب الغفلة، واستفراغ المجهود في تحري الموافقة، ولست مسؤولاً إلا ما تتعاطاه ممكناً، وتبذله، وتوجب ما سألنا فالفضل معك، والرغبة إليك، وإلا فحظ ما اضعت، ويسر ما منعت، على ظننا يتجاوز حد الظنون، تشبيهاً بالعيان، وقريباً من اليقين، ألا نفند رأيك، ولا نسوء اختيارك إن شاء الله.
سعيد بن عبد الملك في الحث على المواصلة: أكره أن أصف لك ولنفسي موضع العذر والقبول، فيكون أحدنا معتذراً مقصراً، والآخرمقبلاً متفضلاً، ولكني أذكرك ما في التلاقي من تجديد البر، وفي التخلف من قلة الصبر، والله أسأل أن يوفقك وإيانا لما تكون معه عقبى شكر، لا عقبى صبر.
كاتب: أخبرني – جعلني الله فداءك – أحصلنا منك على اعتلالات تتمحلها، ومعاذير نتخيلها، في هجر تظهره، وتدعي أنك لا تستشعره، وجفاء تبديه، وتزعم أنك لا تنويه، لا كان من قبل هذا ولا أفلح، لأني إنما أحب اعتقاد الصديق لي الخير لتولينيه، وأكره انطواء العذر لي على القبيح خوفاً من أن تبلينيه، وإذا كان فعلاهما بي سيين لم أعرف بهما فاصلاً، لأن السرائر مغيبة عن العيان، ولو اطلع عليها لما كان في صافيها نفع، ولا في دخل دخيلها ضرر، ما لم يبد من أهل السوء والشر، بل لكان العدو الذي أحذره ويسرني، أحب إلي من صديق آمنه ويغرني، وأسكن إليه ويضرني، ولهذه العلة تراني أخالف أكثر الناس في هذا الباب وأقول: إن الواجب أن ترد باطن الناس إلى ظاهرم، وتستشهد أفعالهم على سرائرهم، غذ كانت الأفعال نتائج النيات وثمراتها، وأسلك مع إخواني في هذا السبيل وأسألهم أن يجروني على مثل هذه الوتيرة، ويعفوني من سريرة لا تعلم مصدوقتها، ولا تعرف حقيقتها، وأجريهم على ذلك فليس من العدل أن يطالب المر لنفسه بما لا يبذله منها، وإذا عاملت الصديق الذي تصافيه بالجفاء، فقد حملته على السيرة في الأعداء، وهذا فاحش الخطأ، وأفحش منه أن تمنح العدو من الصلة تصنعاً، ما تمنعه الصديق تطوعاً، والله المستعان والمستودع لما لديك، والمستزاد في الإحسان إليك.
كاتب: وليس يضيق بيننا أمر من جهة الحجة إلا اتسع من قبل المودة، والحرمة، والأسباب المتصلة.
آخر: وأنت أيها الأخ في حال الجفوة إذا اعتمدتها أبر من غيرك في حال الصلة إذا توخاها وقصدها.
آخر: ولولا أنك قلت فقلت، وكتبت فأجبت، لكان ما عندك من المعرفة بموقعي منك في هذا وغيره مغنياً عن الإفصاح، ونائباً عن الإيضاح، وليس ينبغي لنا أن نتنازع فضلاً متى تفرد به أحدنا فهو شائع بيننا، إذ كان ما خصك فقد خصني، وما شملك فقد شملني وأنا أسال الله إذا من بالنعمة أن يجعلك المقدم فيها، وإذا امتحن بمحنة أن يجعلني وقاية لك منها.
كاتب: أنت تعرض عني إعراض المتجرم، وترجع إذا رجعت رجوع المتذمم، فأما ما سبق إلى قلبك من التهمة فكيف أطنب في مساءتك، وعلى قلبي من هواك رقيب يحجره ا، يتصرف إلا في إرادتك.
سعيد بن عبد الملك: أول أسباب المودة ما أنت به عارف، وله آلف، وإن كنت لا أعتد به براً، بل أرى لك فيه منة وحقاً إذ صدقت المخيلة، وخلصت على المحبة، ولست أستريب بما توجبه على حال من الأحوال، بل أشكرك على النية دون الفعل، وتلك إرادة مثلي ومثلك، وعندي مزيد لكل ما تحب، وإسراع إلى كل ما تهوى وتريد.
كاتب: والله لا قابل إحسانك مني كفر، ولا تبع إحساني إليك من، ولك عندي يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، فتجنب ما يسخطني فإني أصون وجهك عن ذل الاعتذار.
حمد بن مهران: لي – أعزك الله – سابق حرمة يحفظها مثلك ولو أجترمت، ومتقدم حق يرعاه كرمك ولو اقترفت، وسالف لا ينقضه وفاؤك ولم اجترحت، وخالص مودة لا يضيعه حياؤك ولو زللت.
جعفر بن يحيى: عندنا الاغتفار لما اقترفت، وسالف لا ينقضه وفاؤك ولو اجترحت، وخالص مودة لا يضيعه حياؤك ولو زللت.
جعفر بن يحيى: عندنا الاغتفار لما اقترفت، وتصديق كل ما قلت واحتججت بذكره، واعتذرت بوصفه، والإسقاط لما جحدته، والإكذاب للجور الذي اقترفته، والرجوع عما أنكرته، والزيادة فيما اخترته، واستدعاء لك وإن انصرفت، وحياطة لما قدمت وإن ذممت، وإيثاراً للإغضاء والاحتمال فإنها أبلغ في الإصلاح، وأنجع في الاستنجاح، وأبلغ في التعليم، وأكبر في التوقيم، وإن احتيج إليه في مثلك ممن تؤمن عليه قريحته، وترده إلى الاستقامة تجربته.
سليمان بن وهب: من انصرف عن الحجة إلى الإقرار بما يلزمه وإن لم يكن لازماً فقد لطف للاستعطاف، واستوجب المسامحة والإنصاف.
لابن ثوابة: وصل إلي كتاب مخالف لما كنت أعرفك به من الصفح، والفضل، والأخذ بمحاسن الأمور، فإن كنت شفيت به غيظاً، وبردت به غليلاً فما أسهله، وإن كنت لم تندم عليه ندم المتنزه عن سوء المجازاة، ولم تراجع الجميل بعده فما أشده، وأي ذنب كان فأرجو أن لا يجتمع على عبدك الخطأ والإصرار على الذنب، ولا أفارق استصلاح رأيك، وارتجاع ودك ما حييت وإن لم أصل إلى يحازة ما كان لي منه، فإني قانع ببعضه، ما استقل شيئاً من أقسامه، ولا أيأس فيك من عقبى الأيام، وحين مراجعة الدهر حتى يكون هذا الذي حدث بيننا من ظلم وعتب منك نافياً لكل وحشة، ومؤكداً لكل ثقة، فلست فيما أنكرته بواجد، ولا الفضل في أخلاقك وشيمك بمستغرب.
وله: فإن رأيت أن أصفح مستأنفاً، كما صفحت متقدماً، وتتفضل عائداً كما كان الفضل منك بادئاً، فإني قاطع كل سبب إلا ما وصلني بك، وتارك مكاتبة الناس جميعاً إلا من أجرى لي ذكراً عندك، واستدعى إحساناً ورفداً منك.
لمحمد بن مكرم: وخاتمة الأعذار بيني وبينك صدقي إياك عما عندي أنك لا تحدث نبوة، إلا أحدثت لي عنك سلوة، ولا يزداد أملي في إثابتك ضعفاً، إلا ازدادت منتي في قطيعتك قوة، حتى لا أقبل العتبى، ولا أختار المراجعة، وحتى يسلمني لليأس منك إلى العزاء عنك، فإن ترع فصفح لا تثريب فيه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده والسلام.
وله: ما زالت نيتي وسريرتي الحفاظ الحر، والوفاء المر لإخواني عند النكبات كما قال حماد عجرد:
أنا عبد الوفاء لا أطلب الدهر من الرق ما حييت فكاكا
وصل الله لك بالصنع صنعاً، وبالمزيد مزيداً
البصير: من ذممت عهده، واستقرت فعله، أو لبسته على التجاوز له عما أنكر فأنت الأخ المرضي إخاؤه، والمحمود عندي بلاؤه، المخالط أمري بأمره، في عسره ويسره، الباذل ما لا أسأله، والحامل لي على نفسه فوق ما أحمله، ومن لا يخلفني عدة المثابرة عليه، ويخل بموضعي عند إيابي إياه.
وله: فأما من احتج في إساءته وأغضبه على أخيه أن يستعتبه فقد جعل العقل خصمه، وظلم الإخاء حقه، وما ساهلناك فيه، أو حادثناك إياه فلفرط الضن بك، والمحاماة عن ودك، والله يقيني فيك، ويدفع لي عنك.
شاعر:
وإذا ينوبك والحوادث جمة … حدث حداك إلى أخيك الأوثق
كتب عمارة بن حمزة إلى محمد بن زياد الحارثي يطلب إخاءه:
أما بعد فإن أهل الفضل في اللب، والوفاء في الود، والكرم في الحق لهم من الثناء الحسن في الناس لسان صدق يشيد بفضلهم، ويخبر عن صحة ودهم، وثقة مؤاخاتهم، فتجوز لهم بذلك رعية الإخوان، وتصطفى لهم سلامة الصدور، وتجتنى لهم ثمرة القلوب، ولقد لزمت من الوفاء والكرم فيما بينك، وبين الناس طريقة محمودة نسبت إلي مرتبها ف الفضل، وجمل بها ثناؤك في الذكر، وشهد لك بها لسان الصدق، فعرفت بمناقبها، ووسمت بمحاسنها، وأسرع إليك الإخوان بمحبتهم مستبقين، وبرغبتهم فيك متقاطرين، يبتدرون ودك، ويصلون حبلك، فمن أثبت الله عندك وداً فقد وضع خلته عندك موضع الحرز والثقة، وملأ به يديه من أخي وفاء وصلة، واستنام بك إلى شعب مأمون، وعهد محفوظ، وصار مغموراً بفضلك عليه في الود، يتعاطى من مكافأتك ما لا يستطيع، ويتطلب منه ما لا يلحق، ولو كنت لا تؤاخي إلا من كان في وزنك، وبلغ من الخلال مبلغ حدك، ولا آخيت أحداً، ولكنت من الإخوان صفراً، وقد رأيت أ آخذ بنصيبي من ودك، وأصل وثيقة حبلي بحبلك، وعملت أن تركي ذلك غبن، وإضاعتي إياه جهل.
وله: غير أني إن كنت مقصر القوة، فلست بمقصر النية، وإن كنت مقصر الرأي، فلست بمقصر الرغبة.
وله أيضاً: أما بعد فإن خير الإخوان من عظم حلمه، وحسن لظفه، وشرهم من عجلت بادرته، وساءت مقالته، وقد عرفنا فضلك، وعدنا إلى موافقتك، فصل الأول من طولك، بالآخر من مراجعتك.
وله: لا تكن كمن يرى الحسن من نفسه، ويتغابى عن الجميل من غيره، وإني المأمون اليوم في إخائه، المداوم لمن عاهد بوفائه، والغالب على الأكثر ملق النطق، والتلافي بالظنون.
ابن المقفع: أما بعد: أصلحنا الله وإياك صلاحاً دائماً يجمع لنا ولك به الفضيلة في العاجلة، والكرامة في الآجلة، فإني لا أعرف أمراً أعظم عند أهل منفعة من أمر ترك ذكره لفضله، ولا أعلم أمراً أحق بأن يستغنى أهله بفضله عندهم عن ذكره فيما بينهم من أمر أوشج الله بيننا وبينك في الدنيا أسبابه، وثبت حقوقه، وعظم حرمته فأبقى الله لنا ولك ما أحرزه بيننا وبينك في الدنيا حتى نكون إخواناً في الآخرة حين تصير الخلة عداوة بين أهلها إلا خلة المتقين.
كاتب: لا تجمعن دعوى السراة، وتكبر الولاة، وتحكم القضاة.
كاتب: لا تدعوك قوة ملكك لفضلك في صلة إخوانك إلى استصغار ما يتخلصون إليه من صلتك، فإنك إن قايستهم بتفضلك عليهم قل كثيرهم في جنب ما يأتيه إليهم.
كاتب: إنا – حفظك الله – لو كنا قطعناك ثم كافأتنا بقطيعتك إيانا ما كان لك أن تفردنا بالذنب دون نفسك إذ صرت فيه نظيراً، لأنك أنكرت علينا ما ركبته، وطلبت منا ما تركته، وقد علمت أن المكافئ لم يدع وراء ما فعل، ولا يستوجب تقاصي ما جهل، فاحكم لنا عليك بمثل ماتحكم به علينا لك.
جرير بن يزيد: أما بعد: فإنه لولا خلق الله له الناس من تقل قلوبهم، وتصرف حالاتهم ونياتهم واختلافهم، لما تشعبوا من أصلهم، ولا ائتلف منهم اثنان بعد تشعبهم، ولا بد فيما يحدث بين الناس من علل الوحشة، وأسباب العداوة والفرقة، ويجري بينهم من المودة ودواعي الصلة من سابق ومسبوق، وداع ومجيب، فسابق إلى قطيعة يجتني بها من صاحبه الوحشة، ومبتدئ بصلة يجتلب بها من صاحبه الثقة، ويزرع بها في قلبه المقة، وقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما حركني لودك، ورغبتي في خلتك، ودعاني إلى طلب فضلك، فأجبت دعاءك إلى الصلة والملاطفة بما أحسست لك من الثقة، وحدث لي فيك من الرغبى، فاقبل ما بدا لك من ودنا، وأحسن الإجابة إلى ما دعوناك إليه من إخائنا، واتبعنا بإحاسن إذ كان الابتداء منا، فإن المجيب إلى الجميل شريك الراغب فيه وإن المكافئ به شكل لمسديه، ولا تركهن أن تكون لنا إذ دعوناك مجيباً، وإذ سبقناك بالفضيلة تابعاً، فأنا قد أحسنا إجابة فضلك، واعلم أنك لو كنت سبقتنا إلى الصلة، وتقدمتنا إلى الرغبة، وطلبت فضلنا عليك بالمودة كنت بذلك للطول أهلاً، وبه جديراً، لأن مثلك في فذلك عطف نفسه على نفسه، ومثلنا رغب في صلته.
الحسن بن وهب إلى أبي صالح: لولا اتكالي عليك، لكثرت كتبي إليك، وإذا استحكمت الثقة نقص البر، لما يدخل النفوس من الكسل عن العمل، والاسترسال إلى الاتكال.
فكتب إليه أبو صالح وكتب في آخره:
يا مشفقاً حذراً على ودي له … كن كيف شئت فإنني بك واثق
كاتب: صمتت مخاصمة نفسي لك بلسان عذرك، فأنا وكيلك على ما أصلح من قلبي لك، وأمينك على القيام على نفسي بحجتك.
سعيد بن حميد: أنا – جعلت فداءك – أعتذر إليك بالشغل، وأعذرك به، وأرى أن من سلمت نيته، وصحت علانيته ومودته، لم يقدح في الثقة به، ولم يكن في تأخير كتبه ورسله ما يزيل إخاءه عن عهد، والله يديم نعمه لك، ويقدمني قبلك.
حمد بن مهران: وأما فلان فهو والله النفيس وداً، والوفي عهداً، والبعيد من الأذى، الصافي من القذى، المتوطئ سراً وإعلاناً في إعظامك، وشكر إنعامك، والابتهاج بأيامك، وأكره حثك على زيادته فيكون قدحاً في رعايتك الذمام لأهله، وسوء ظن بما توجبه لمثله، وكتابك إذا ورد آنس وسر، إلى أن نستغني بالنظر عن الخبر، وعن التكاتب بالتزاور.
كاتب: تفضلك يا أخي – أدام الله عزك – في وقت يتظاهر علي، وبرك يتوالى ويتضاعف لدي، وإن كان شكري دون ما ستتحقه، فقد جل ما أوليتنيه عن الشكر، وأنت الذي بلغتني ما أردته، وأوطأتني خد الزمان على قسر، وما زلت – يعلم الله – قبل المشاهدة، أعد نفسي منك بجميل المساعدة، وعظيم المعاضدة، ثم وقع الالتقاء فصدق مخايل الفراسة، وبين آثار النفاسة، وقد – والله – استخلصتني أخاً صادق الإخاء، خالصاً من الأقذاء، يتصل شكره واعتداده، وتدوم محبته ووداده، فإن كان سيدنا عظيم الرعاية، كثير الإيجاب والعناية، فالمنة فيما ألفيته عليه من ذلك لك، لأنك جددت ما درس ذكره، وأحييت ما تقادم عهده، ووكدت اليد عند من تنمى عنده، وأنا أسأل الله أن يعلي يدك بالمكارم والفضائل، ويبسطها بالعرف والنائل، ولا يخليك من جميل أقسامه، وجزيل مواهبه وإنعامه، ومهما شككت في شيء أو ارتبت به فما يتخالجني شك ولا ارتياب في أنه لا مزيد في نيتك، ولا عناية فوق عنايتك، وإلى هذا اليقين قد سكنت نفسي، وبقوة الأمل فيك قويت منتي، وبحمايتك إياي استدركني، وبإزالتك ما أحذر زالت الفكرة عني، فلا أعدمنيك الله، وبلغك أمانيك، وبلغني غابة المحاب فيك.
شاعر:
أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم … إذا غبتم عنها ونحن حضور
كاتب: أنا أخوك المشارك لك في نعمتك الذي – يعلم الله – إنك تضعه بحيث يريد لنفسه من قلبك ونظرك، وأنت الذي لا أستزيد ولا أحتاج إلى كده لاكتفائي بعفوه وحسن ظني به لمن ليس مثلي من أهله.
كاتب: قد فتحت علي باب المعتبة، وأحوجتني إلى أن أغلقه عني بالمعذرة والحجة، وكلفتني من ذلك ما لم يكن لي خلقاً ولا عادة، ورأيتك عجلت فقبلت صيغة لسان كاذب، واستعملت مقالة بائر فاجر، فاستمع وأنصف، ولا يذهبن بك هوى مسرف، ولا يغلبن عليك شيء سبق إلى أذن أو قلب، فليس لك أن تغفل ولا تتغافل، ولا تجعل توهماً كحق، ولا يقيناً كشك.
كاتب: أنا من الشوق إليك على ما يستوي في العجز عن وصفه الخطيب المصقع، والعي المفحم، وحق لمن فقدك ألا يقنع، بغيرك، ولا يسكن قلبه دونك، لأن الله جعلك صفواً لا كدر فيه، ووفاء لا غدر معه، فأما ما ذكرت مما توجبه لي وتتحراه في، فتفضلك الذي سبق استيجابي، وبرك الذي تقدم استحقاقي، وحقيق من جمع الله له خصال الفضل ما جمع لك برب معروف أسداه، وإتمام جميل ابتداه.
كاتب: لو اعتصم شوقي بمثل سلوك عن صلتي، لم أبتذل لك وجه الرغبة فيك، ولا تحسيت مرارة تماديك، ولكن استخفتني صبابة إليكن فاحتملت صعب قسوتك، لعظيم قدر مودتك، وأنت أحق من انتصر لصلتي من جفائه، ولشوقي من إبطائه.
إبراهيم بن المدبر: ذكرت – جعلني الله فداءك – خوفك إملالي، والزيادة في إشغالي بكثرة كتبك، فأقول أخي قدمت قلبك، لم أرزق فيما قلته عدلك، هل يمل الروح جسده، والجسد جوارحه، والجوارح سلامتها، والسلامة دوامها؟ ظلمتني عفا الله عنك، فأما الشغل فيك ولك، فإنه غير منقطع بذكرك والفكر فيك، والشوق والنزاع إليك، والخوض والإفاضة في محاسنك، والله ولي جمعنا سريعاً بما هو أهله، وقد كان والله قلبي شديد التطلع إلى ورود خبرك، وعلم وصول كتابي إليك لما كان يتصور لي من ابتهاجك به وأنسك بقراءته، قياساً غير فاسد على موقع كتابك مني، وجلالته في نفسي، واغتباطي به، وسكوني إليه، وسروري به، فالحمد لله الذي تفضل من ذلك بما هو أهله ووليه.
وله: إني – لا أفقدني الله فائدة ودك – لما فقدت ما كنت تطالعني به من كتبك التي كانت منتزهات بصري، ومراتع لبي، ومسار قلبي، وكنت لا تخليني منها، مبتدئاً و مجيباً، ولا تحوجني إلى التحريك فيها مستطباً أو مستزيداً، أعملت الفكر في ذلك فقلت: أجفوة؟ فكيف يجفو من ليس الجفاء من طبعه، أم نبوة؟ فكيف ينبو الشكل عن شكله، أم شغل؟ فهلاً جعلني من شغله، أم علة؟ فكانت أحرى للنادرة بخبره، أم فرط ثقة منبه بي؟ فذلك لعمري أشبه به، فلما كانت هذه الخلة أثبت في الوهم، وأغلب في الظن سكنت نفسي إليها، وأتت مع سكونها إلا ما عودتها من النعمة بالمكاتبة، والإيناس بخبر السلامة.
سعيد بن حميد: ولكنك – والله يتولى عونك – لا تضعف عن حق وإن عرضت دونه العلل، ولا يتسهل لك سبيل إلى التقصير وإن سهلها العذر.
وله إلى محمد بن عيسى: فأما الوحشة لفراقك فعلى حسب الأنس بقربك، والسرور بمكانك، وما وهب الله منك لإخوانك فإنك بحمد الله ممن لا يدخر بودهم مودة، ولا ينفرد عنهم بنعمة، ولا يؤثر نفسه عليهم في فائدة، ولا يسلمهم عند ثلمة، ولا يخليهم من محافظة ورعاية، ولا أدري أأدعو لك بدوام الحال التي أنت فيها فأعق نفسي، وأوثر برك، إلا أنني أسأل الله أن يحسن لك الاختيار حيث استقرت بك الدار، وتصرفت بك الحال، وأن يقينا فيك نوائب الأقدار، وحوادث الأيام، بمنه وطوله.
سعيد بن حنيف: يا سيد أخيه، ومولى عبده، ونسيج وجده وقريع زمانه، ومالك قلوب إخوانه، أطال الله بقاءك، وقفت من رقعتك – أعزك الله – على ما أذكرني الفراق قبل وقته، وعجل لي الاستيحاش ولم يحن حينه، وهيج – والله – علي أحزاناً قد كان متقادمها دفيناً يرجى زواله، فعاد مكيناً يحذر استفحاله، وأخطر ببالي ذكر أبيات ودعت بها أخاً فارقنا مرتحلاً من طرسوس إلى الرملة، وكان كثير الإخوان، فودعه كل من شيعه من المنادمين بكلام منثور، وشعر مأثور، ونحن إذ ذاك أحداث وأتراب فكتبت إليه:
أبا بكر لئن صرفتك عنا … تصاريف الحوادث والدهور
لقبلك نحن للشام ارتحلنا … وإن كنا أقمنا بالثغور
فلم نرحل بأنفسنا ولكن … بمحض الشوق عن مهج الصدور
فقدت بفقدك الود المصفى … وأخلاقاً تكشفت عن بدور
أشيعه إلى سفر كأني … أشيع والدي إلى القبور
وما ودعته إلا ونفسي … تودعني بتوديع السرور
ولا أتبعته باللحظ إلا … رددت اللحظ عن طرف حسير
أدافع عن مفارقتيه جهدي … وكيف دفاع مقدور الأمور
وكان الشهر قبل اليوم يوماً … فصار اليوم بعدك كالشهور
إذا ما الليل أخلصني محباً … وأسلمني إلى طرف سهور
أناجي فكرة أدنو وتنأى … وتنطق حين أسكت عن ضميري
تسافر وهي لو صدقت مناها … تمنت صدق ها ذاك المسير
إذا لم أستطع بالدمع حزناً … على يوم الفراق فمن مجيري؟
أما حكم قضى حكم افتراق … على جمع الأحبة بالقدير
أحمد بن سعد: ومهما أنكرت على نفسي ثباتاً على عهدك، ومقاماً على طاعتك، تحسن لي القبيح من فعلك، وتتخطى بي في مقابلة العتب إلى العتبي، والسخط إلى الرضا، وتقرب عندي من أسباب عذرك ما بعد، وتوضح من غامضه ما أشكل، حتى إذا أغناني الإنصاف منك لم تنب عنك منزلة الاعتراف التي تقتضيك الصفح عن الذنب، فكيف البراءة والعذر فإن كنت محقاً فالحجة معي، وإن كنت جانباً فهذا عذري.
وله: فكيف صرت تعذر نفسك وتعذلني، وتعفيها وتطلبني، وكان الحق عليك في تعهدي أوجب منه علي لفراغك وشغلي، وتمهلك وعجلتي، واستقرارك ووقاري، وأنت تعلم أني لم أقرأ لك كتاباً إلا هذا الكتاب المشحون بالعتاب، فإن شئت أن تستقصي المحاسبة فما أراك تتعداها بالحجة إلى غيرك، وجملة الأمر عندي بذل العتبي، ووقف نفسي على طاعتك.
كاتب: ووجدت استصغارك لعظيم ذنبي، أعظم لقدر تجاوزك عني، ولعمري ما جل ذنب يقاس إلى فضلك، ولا عظم جرم يضاف إلى صفحك، ويعول فيه على كرم عفوك، وإن كان قد وسعه حلمك، فأصبح جليله عندك محتقراً، وعظيمه لديك مستصغراً، إنه عندي لفي أقبح صور الذنوب، وأعلى رتب العيوب، غير أنه لولا بوادر السفهاء، لم تعرف فضائل الحلماء، ولولا ظهور نقص بعض الأتباع لم يبن جمال الرؤساء، ولولا إلمام الملمين بالذنب لبطل تطول المتطولين بالصفح، وإني لأرجو أن يمنحك الله السلامة بطلبك لها، ويقيلك العثرات العثرات بإقالتك أهلها، وما علمت أني وقفت منك على نعمة أتدبرها إلا وجدتها تستمل على فائدة فضل، تتبعها عائدة عقل.
كاتب: وفضل ملك الإنعام ألزم من ملك الرق، ورق الحر أفخر من رق العبد، والعبد يعطيك طاعته طوعاً، وقد حزت مني طاعة العبد بنعمتك، وشكر المعتق بمنتك، ولا تزال دواعي الحفاظ تقتضيني الكتاب إليك بما انطوى عليه لك، فأكتب إليك إذا كتبت متعهداً بالخدمة، وأترك إذا تركت إجلالاً ومهابة، فإن أنزلت ذلك مني منزلته عندي جريت على سبيلي فيه، فإن مثلت لي غيره صرت إليه إن شاء الله.
سعيد بن حميد: ولو قلت إن الحق مسقط عني عيادتك لأني عليل بعلتك لصدقني الشاهد العدل من ضميرك، والأبر البادي من حالي لعينك، وأصح الخبر ما حققه الأثر، وأفضل القول ما كان عليه دليل من الفعل.
كاتب: وحضرته في مواطن العفو والعقوبة، فرأيته لا يتموخى لعفوه إلا من يرجو نزوعه عن الذنب، ولا يتجاوز بعقوبته إذا عاقب قدر مبلغ الجرم، ولا يؤاخذ بالإساءة من لم يتعمدها، ولا يحرم العائدة من استحقها، قد شاورته في أمور، فجمع لي العلم والنصحية، واستعنته على دهري فجمع لي لطف المكيدة، وبسالة النجدة، واستودعته سري فوليه بالحفاظ والأمانة، ووقفته على ما أهوى فحط إليه بالاجتهاد والمسارعة، وعرفته ما أكره فأدبر عنه بالتوقي والهيبة، ورأيته مضطلعاً بالنوائب، صبرواً على الحق الواجب، محافظاً على الحقائق، لازماً لعرى الوثائق، لازماً لعرى الوثائق، يقف عند الشبهة، ولا يخشى إقدامه قبل التثبت، وأحزم عند المعرفة فلا يخاف بصنعه للتقدم بالحزم، يتغابى عن كثير مما يكره من رأي الإخوان والخلطاء، إما إغضاء من كرم يكره التوقيف على التقصير، وإما محاجزة من أريب يكره المكاشفة فلا يعجل إلى العتاب حتى ينظر في مواقع العذر، ولا يلوم اللائمة حتى يبلغ غاية الفحص، ورأيت أحب الأمور إليه أوساطها، وأخف الحالات عليه أقصدها، من غير أن يدع الاستكشار من الإحسان بجهده، والتحفظ من الإساءة بملغ رأيه، لا غاية لحرصه على اعتقاد الفصل، ولا نهاية لرغبته في مجانية القصير، لا يستخفه السرور، ولا يضعضعه المكروه، ولا تزدهيه الحاجة، ولا تمهله الضرورة، قد قدر أموره على الصدق، ونزه نفسه عن الكذب، معظماً لكل ما يسدي إليه من الجميل، مجتهداً لنفسه في أداء ما يجب عليه من الشكر، لا يقتصر من المكافأة على السواء دون أن يتجاوزه إلى الإفضال، لا يتبع صنيعته مناً، ولا يلتمس منها عوضاً، ولا يلزم أهلا بها مكافأة ولا شكراً، إنما غايته في الإحسان احتراز الفضل، واكتساب الحمد، واحتساب الأجر، قد حطه التدبير عن البذير، وردعه الجور عن التقدير، فهو الذي لا تجاوزه همتك في فضل، ولا يقصر عنك رأيك في اختيار، بل أعظم الحاجة إليه من إخوانك، وعندهم به أعظم الغنى عنك في نوائب دهرك، وتنقل الحالات بك، قد كفيناك خبرته، واعتقدنا لك إخاءه وثقته، فالقه بألطف بشرك، وأحسن قبولك، واخفض له كنفك، وأخلص بينه وبينك مودتك، واسترسل إليه بذات نفسك، واسكن إليه بمكنون سرك، وأدخله معك في مهم أمرك، فإنك تبلغ بيسير خلطته من معرفة فضله، وكرم إخائه، وصحة وفائه، ونبل رأيه ما يكتفي به دليلاً على كل ما تحب علمه من أمره.
كلثوم بن عمرو العتابي كتب إلى ريطة عن حفصة ابنته:
إن أول حاجتي إليك أن تتدبري كتابي إليك تدبر إنصاف، ثم تجيبنني عنه جواب متثبت، فإن أخفى الجور جور الاستماع، وأنفع العدل عدل الجواب، وليس فيما بين هاتين موضع قدم لواحد من الأمرين، وأصل اختلاف العباد في جميع الأمور من علتين: إما جهل بما يدعون، وإما جحد لما يعرفون، والجاهل بما يدعي أرجى رجعة من الجاحد لما يعرف، وإن كان لا عذر له في ترك علم ما يجهل، كملا لا عذر لأحد في جحد معروف، ولست أدري إذا ناضحت حجته أي حاليه أولى بالتعانيف، أجهله من جميل كنت أفعله؟ أم جحده بعد تعريف وتوقيف؟ وما اقتصرت بك على أدنى حال الإنصاف ألا أكون راجية أن أجدك في أفضلها، ولكني نهضت إلى الانتصاح من لا يميل بواضح يغنيني عن شبه المعاذير، ولم آمن مع ذلك أن تظني أني إلى مشكلات الأمور مضطرة، ولم أكن لأقدم الوهن، وأخلف القوة، ومع ذلك فإن من الحق ما يخبئ نار اللجاجة، ومنه ما يذكيها، فأتيتك من أقرب مأتاك، فلا يكونن ما أفدت به رضاك علة لمنعه فإن هذه التي انتصلت علتها قبل اللجاجة والأراجيف ابتدأت في مقارعة القطيعة والصلة ووقفت بينهما موقف المراهنة، ولك، أصلحك الله، طول على العتب وعى ذل الاعتذار، فلا يمطمس ذلك نور ما يرد عليك فإني أعتد عليك خصالاً في كلها ضربت الأمثال منها قول أكثم بن صيفي: الجود بالمجهود منتهى الجود، وأنت تعلمين أن مجهودي كله كان لك، ومنه قول النابغة:
إذا كان مجبولاً على النصح صاحبي … عفا النصح عما زل من حيث لا يدري
وما استزدتني نصيحة قط، ولا اتهمتني على غش، ومنه قول طرفة:
ما لي إليك شفيع أستعين به … إلا رجائي وإفراديك بالأمل
وما استبطأتك في أمر قطن ولا أشرت بأملي إلى سواك، فأي مدخل المتهمة مع ذه الحال، وإن أجمع لصفة ما بيننا كقول الأعشى:
وما تفيأت من سرور … فتم إلا بكم سروري
هذه أعيان وسائلي التي نافرت إليها عتبك، واستعفيت من جحدها علمك، فأما ما يأخذه التخلق ويكون مثله على بعض الإخوان من بعض الشبهة من إيثار الهوى، وتحري الموافقة، والصبر على الجفوة، فذاك الذي إن ضرب لي سهم في إنصافك فقد ينال ذلك بأقل مما كنت تدعينه، وأما الغيبة فيما بيني وبينك، فقد أمكنك من ذلك الاعتداد به، ومحاكمتك إلى ما هو أرجى منه.
كاتب: واعلم أن الشجر يتفاضل في الثمر، فرب شجرة طيبة الحمل قليلته، وأخرى خبيثة الحمل كثيرته، وكذلك العلماء، فلا يمنعك من عالم وعليك بحسن الاقتباس، والصبر على الناس، فإنك إن كنت لا تصحب إلا المهذبين من أهل العقول، ولم تصبر من الناس على الفضول، عدمت الحلم، ونسيت العلم، واعلم أن في الناس حكمة، ومجالستهم تجلو بعض الظلمة، فاحتملهم على المخالفة وتمويه المصادقة، واقتبس منهم المحاسن، وتجاف عن المساوئ، واعلم أن الأخلاء ثلاثة أصناف: فرع بائن من أصله، وأصل متصل بفرعه، وفرع ليس له أصل، فأما الفرع البائن من أصله فإخاء بني على مودة ثم انقضت فحافظ على ذمام الصحبة، وأما الأصل المتصل بفرعه فإخاء أصله الكرم، وأغصانه الهوى، وأما الفرع الذي ليس له أصل فالمموه الظاهر الذي ليس له باطن، ولهذه الصنوف علامات تدل عليها هذه الحالات.
ومن الإخوان كالجوهر، منه مموه مصنوع، وبعضه خالص مطبوع، فاعرف الرجال بالخبر، كما تسبر الجوهر بالبصر، واعلم أن ثقات الإخوان، بقدر ما يستوجبون من الائتمان، فإن ميزان الكرام عادل، وصاعهم كامل، يوفيان الحالات فروضها، ولا يبخسانها حقوقها، فلو بلغت لرجل فوق قسطه في الإخاء خفتا على ذي الفضل، أو قصرت بآخر عن الوفاء، وأزرت بأهل العدل، واعلم أن لأهل الفضل حظوظاً مقسومة، ومنازل معلومة، بعضها أشرف من بعض، ولكل منزلة حماها، لهم الفعال فليست تصلح إلا لهم، واعلم أن أبناء الكرام بمنزلة سيل الغمام، ينسبون إلى الكرم ما لم يبلهم الخبر، كما ينسب الغيث إلى المنفعة ما لم يبدر له ضرر، فإذا بلوا حمد المحمود، وذم المنكود.
أبو الربيع: ما إن بلوت أحداً إلا ردني إليك ابتلاؤه، ولا قفوت أثراً إلا عطفني عليك اقتفاؤه، ولئن امتحنت سريرة قلبي بالشكر على إحسانك، كما امتحنت عزيمة رأيي بالصبر على حرمانك، لتهجمن بك شهود من ظاهر فعال على عيون تبصر بها باطن وفاء، وأن تحملني حفاظك، وتلبسني ذمامك، ويشتمل علي وفاؤك، وينفعني اليوم ما سلفت فيك بالأمس أكن وكيلاً لسمعك في قلبي، وأميناً لعينك علي، فإني خفيف المؤونة، لطيف المعونة، لا قابل غنماً، ولا سائل أكلاً، ولا ساخط منك منزلة فويق العامة، ودوين الخاصة، ما لم ترفعني فوقها، وتجب لي ضعفها.
كاتب: ما إن يكلفني على معروفه من الثمن، إلا الإقرار له بالمنن، وله علي المنة والنعمة، والطول والحجة، فيما ترك وصنع، وأعطى ومنع، والله لقد بذل فكان بذله طويلاً يربي على حقي، ومنع فكان منعه أدباً يعطفني على حظي، وعاتب فكان عتابه تجديداً لنعمه عندي، وتحضيضاً على تقوية نيته في نفعي.
يوسف بن القاسم بن صبيح إلى محمد بن زياد: حفظك الله وحاطك، رأيتك – أكرمك الله – في خرجتك هذه رغبت عن مواصلتنا بكتبك، وإبلاغنا طيب خبرك، وقطعتنا قطع ذي السلوة، أو أخي الملة، حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقاً، وغلى البعد منا تواقاً، فوقع بعدك بحيث توخيت من جهتين: إحداهما حلاوة الولاية، والأخرى لذة الراحة، فإن يكن ذلك كما رجمناه قاطعناك مجملين، أو لبسناك على يقين، وإن يكن إدلالاً بهدية أعددتها لنا من ناحية عملك، فليس قدر الهدايا وإن كثرت، ولا الفوائد وإن جلت احتمال لؤم الإخوان إذا كانت الهدايا إنما تراد لهم، والفوائد إنما تنال بهم، والمباهاة بأعراض الدنيا تؤثر بخلطائهم، وما أدري ما أقول في اختيارك ترك المكاتبة المحدثة عن الغيب بالأسرار المكتومة، والرسائل المعلومة، والأمور المفهومة، حتى كأنها محادثة والحضور، على تنائي الدور، والقلوب بها مشاهدة، وإن كانت الأبدان متباعدة، ولئن كذب فيك الرجاء، لقد نمى عن الوفاء، وقد أصبتك من مرارة العتاب بما لا يقيم بعده على قطيعة ولا جفاء، فلا تتوهمن أني أردت إعتابك لعتابي، ولا إزراءك بكتابي، فإن وصلت فمشكور، وإن قطعت فمعذور.
الأخوص:
فإني للمودة ذو حفاظ … أواصل من يهش إلى وصالي
وقال الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي:
لست أصفي الود مني فاعلمي … من إذا راجعه حتى اعتراض
كم سقيم الود قد أبرأته … وعرفت الداء من عرق نبض
آخر:
عجبت لصون الود في مضمر الحشا … لمن هو فيما قد بدا لي واتر
ومن طلبي بالود تبلى ولم يكن … ليدرك تبلاً بالمودة ثائر
ابن الدمينة:
ولقد منحتك لو جزيت مودة … وخلائقك ليست بذات غوائل
عبد الله بن معاوية:
أكافي خليلي ما استقام بوده … وأمنحه ودي إذا يتجنب
فما الحب إلا من لك وده … ومن هو ذو نصح وأنت مغيب
كثير:
وقد أصفيت سعدى طريف مودتي … ودام على العهد الكريم تليدها
آخر:
لعمرك ما ود اللسان بنافع … إذا لم يكن أصل المودة في الصدر
الأحوص:
وقد ثبتت في الصدر منها مودة … كما ثبتت في الراحتين الأصابع
آخر:
لا خير في ود من تواصله … وأنت من وده على وجل
آخر:
أيجزون بالود المضاعف مثله … فإن الكريم من جزى الود بالود
جميل:
إن المودة مني غير زائلة … عن حالها فقفي إن شئت أوسيري
الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي:
فإلا تجازيني بمثل مودتي … فما أنا من حب بأول هالك
آخر:
أني تودكم نفسي وأمنحكم … ودي ورب محب غير محبوب
وللفضل:
لقد أعطيتكم ممنوع ود … وصفواً لم أكدره بمن
أنشد ثعلب:
ولقد بلوت الناس ثم خبرتهم … وعلمت ما فيهم من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً … وإذا المودة أشبك الأنساب
آخر:
كم صديق عرفته بصديق … كان أحظى من الصديق العتيق
ورفيق صحبته في طريق … صار بعد الطريق خير رفيق
وقال ابن دريد فيما روى لنا المرزباني عنه قال حكيم: المودة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين النفوس إلى مباثة السرائر، والاسترواح للمستكنات في الغرائز من وحشة الأشخاص عند تباين الالتقاء، وظاهر السرو بكثرة التزاور.
بكر بن النطاح:
بعثت إليك نصائحي ومودتي … قبل اللقاء مشاهد الأرواح
الحارث بن خالد:
ووجدي بالأحبة يوم بانوا … كوجد الصاد بالماء التفاخ
ووجدي دائم وعهدي … متين ما يعود إلى انفساخ
آخر:
ترى حرمت كتب الأخلاء بينهم … ابن لي، أم القرطاس أصبح غاليا
فما كان لو راعيتنا كيف حالنا … وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا
فهبك عدوي لا صديقي فربما … رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا
آخر:
وتركي مواساة الأخلاء بالذي … تنال يدي ظلم لهم وعقوق
وإني لأستحيي من الله أن أرى … بحال اتساع والصديق مضيق
وقال أعرابي في وصف آخر: لسانه سلم موادع، وقلبه حرب منازع.
كتب سويد بن منجوف إلى مصعب بن الزبير:
فأبلغ مصعباً عني رسولاً … وهل يلقى النصيح بكل واد
تعلم أن أكثر من تناجي … وإن ضحكوا إليك هم الأعادي
العنبري:
ما أبالي إذا حملت عن الإخوان ثقلي ودنت بالتخفيف
ورفضت الكثير من كل شيء … وتقنعت بالقليل الطفيف
ورآني الأنام طراً بعيني … زاهد في وضيعهم والشريف
كيف كانت حالي إذا كان لا يعرف ميلي الرجال من تثقيفي
أنا عبد الصديق ما صدق الود وبعض الأقوام عبد الرغيف
قال أبو العيناء: مودة الكريم غراس، وشكر الشريف أحسن لباس.
شاعر:
تدلي بودي إذا لاقيتني كذباً … وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه
آخر:
أعاذلتي كم من أخ لي أوده … كريم علي لم يلدني والده
إذا ما التقينا لم يريني وكده … ولكنني مثن عليه وزائده
وآخر أصلي في التناسب أصله … يباعدني في رايه وأباعده
يود لو أني فقدت أول فاقد … وأيضاً أود الود أني فاقده
آخر:
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة … فلا تستثرها سوف يبدو دفينها
طرفة:
وصاحب قد كنت صاحبته … لا ترك الله له واضحه
فكلهم أروغ من ثعلب … ما أشبه الليلة بالبارحه
شاعر:
خير الصديق من الصدوق مقاله … وكذا شرهم المنون الأكذب
فإذا غدوت له تريد نجازه … بالوعد راغ كما يروغ الثعلب
آخر:
احذر مغايظ أقوام ذوي أنف … إن المغيظ جهول السيف مجنون
آخر:
اصحب الأخيار وارغب فيهم … رب من صاحبته مثل الجرب
وقال الحسن بن وهب:
ما أحسن العفو من القادر … لا سيما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي … فما له غيرك من غافر
أعوذ بالود الذي بيننا … أن يفسد الأول بالآخر
قال ابن عباس: إن الذباب ليقع على صديقي فيشق علي.
وقال ابن سيرين: لا تلق أخاك بما يكره.
وقال حبيب بن أبي ثابت: ليس من الأخوة أن يسر الرجل عن أخيه الحديث.
وقال أعرابي: آخ منيعاً يكن عدوك صريعاً.
وقال أعرابي: الصاحب كالرقعة في الثوب فلينظر الرجل بما يرقعه.
وقال بعض السلف: شر الإخوان من تتكلف له.
شاعر:
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه … وهل ينهض البازي بغير جناح؟
وقال بعض السلف: روح العاقل في لقاء الإخوان.
وقال أعرابي: اعتبر الناس بإخوانهم.
وقال معن بن أوس:
ألا من لمولى لا يزال كأنه … صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب
يدب دباب الغش تحت ضلوعه … لأهل الندى من قومه والعقارب
أنشد ابن الأعرابي:
يا رب مولى حاسد مباغض … علي ذي ضغن وضب قارض
له قرؤ كقرؤ الحائض
أبو دهبل الجمحي:
وأعلم بأني لمن عاديت مضطغن … ضباً وأني عليك اليوم محسود
كاتب: عرفني وقتك أوافقك فيه خالياً، لا تزاحمني الألسن فيه على محادثتك، ولا الأعين عن النظر إليك لأقضي حق المودة، وآخذ بثأر الشوق.
الأخطل:
بني أمية إني ناصح لكم … فلا يبتن فيكم آمناً زفر
واتخذوه عدواً إن ظاهره … وما يغيب من أخلاقه دعر
مسكين الدارمي:
إذا ما خليلي خانني وائتمنته … فذاك وداعيه وذاك وداعها
رددت عليه وده وتركته … مطلقة لا يستطاع رجاعها
وإني امرؤ مني الحياء الذي ترى … أعيش بأخلاق قليل خداعها
قيس بن الخطيم:
إذا ضيع الإخوان سراً فإنني كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته … مكان بسوداء الفؤاد مكين
شاعر:
ارى قوماً وجوههم حسان … إذا كانت حوائجهم إلينا
فإن كانت حوائجنا إليهم … تغير حسن أوجههم علينا
ومنهم من سمنع ما لديه … ويغضب حين نمنع ما لدينا
فإن يك فعلهم سمجاً وفعلي … قبيحاً مثله فقد استوينا
قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بين حاذف وقاذف، وبين ستوق وزائف.
شاعر قديم:
أناجي أخي في كل حق وباطل … وأرغمه حتى يمل ملائلي
فإن رامه بالظلم غيري وجدتني … له باذلاً من ذاك نفس مقاتلي
فأظلمه جهدي وأمنع ظلمه … بجهدولا أخليه شحمة آكل
فإن سيم خسفاً أو هواناً تربدت … قسائم وجهي واعترتني أفاكلي
وخضت غمار الموت دون مناله … حفاظاً ولم أسلم أخي للمناضل
وهذه أبيات تصلح للحفظ لما فيها من شرف اللفظ، وحسن الرونق، وصحة المعنى، وطراز العرب غير طراز المتشبهين بهم، ولعمري إن حسبية الطبع أكثر ماء، وأبهى نضارة من مثقف التكلف، والجواهر تشرف بمعادنها، والفروع تزدهي بأصولها، والنجوم بأفلاكها، ومن الغي أن يقال: الأفلاك بنجومها.
قال عبد الله بن طاهر:
طلبت أخاً محضاً صحيحاً مسلماً … نقياً من الآفات في كل موسم
لأمنحه ودي فلم أجد الذي … طلبت، ومن لي بالصحيح المسلم
فلما بدا لي أنني غير مبتلى … من الناس إلا بالمريض المسقم
صبرت ومن يصبر يجد غب ضره … ألذ وأشهى من جنى النحل في الفم
ومن لم يطب نفساً ويستبق صاحباً … ويغفر لأهل الود يصرم ويصرم
تفقد هذا النحت لهذا المحدث من ذلك النحت لذلك الأعرابي، فإنك تجد بين الديباجتين، بالحسن الصحيح، فرقاً يشهد لك بتقدم الدعي على الصريح.
قد تكرر اعتذاري من طول هذه الرسالة، هذا وكان ظني في أولها أنها تكون لطيفة خفيفة، يسهل انتساخها وقراءتها، فماجت بشجون الحديث، وروادف من الطيب والخبيث، فاقبل حاطك الله هذا العذر الذي قد بدأته وأعدته، ونشرته وطويته، على أنك لو علمت في أي وقت ارتفعت هذه الرسالة، وعلى أي حال تمت، لتعجبت، وما كان يقل في عينك منها، يكثر في نفسك، وما يصغر منها ينقدك، يكبر بعقلك، والله أسأل خاتمة مقرونة بغنيمة، وعاقبة مفضية إلى كرامة، فقد بلغت شمسي رأس الحائط، والله أستعين على كل ما هم النفس، ووزع الفكر، وأدنى من الوسواس، إنه نعم المعين، على أمور الدنيا والدين، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على نبيه المصطفى محمد وآله الطيبين، والطاهرين أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

About these ads

1 Comment

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s