أرشيف التصنيف: قصادئد شعرية

لو كنت أملك أن أهديك عيني لوضعتها بين يديك

قياسي

 

 

لو كنت أملك أن أهديك عيني لوضعتها بين يديك
لو كنت أملك أن أهديك قلبي
لنزعته من صدري وقدمته إليك
لو كنت أملك أن أهديك عمري لسجلت أيامي باسمك
لكن لا أملك سوى الكلمات الكثيرة من صادق التعبيرات
فلتكن هي هديتي إليك .

 

 

** إهداء لأميرتي أميرة الجنوب ** 

Dr-Sane

…………………………………………………………………………………………….

قصائد=رسائل الجوال=نفسي عزيزة من جفاني جفيته=مدونة سليم بن عاقل

قياسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

<< حبيبي >>

 

نفسي عزيزة من جفاني جفيته

 

حتى ولو يصعب على القلب فرقاه

 

الصاحب المغرور يبقى  في وسط بيته

 

والله مهين النفس و أدور رضاه

 

وان طالت المدة و أنا ما نسيته

 

بأعز النفس وأجبر القلب ينساه…!

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 dR-SANE

جرى ذكر الأحبـة في خيـالي

قياسي

 

جرى ذكر الأحبـة في خيـالي             

وفكري لايجول لغير غـالي..

فوجهت الأكف إلى السمـاء              

دعوت الله يا رب الجـلال ..

أظل أحبتي بظل عرش             

إذا اشتد الحرور بلا ظـلال ..

وأرسلت الرسالة عهـد حب            

تجدد حب أصحاب المعالي ..

 

……..

قلبك أمانه عندي ؟

قياسي

ــــــــــــــــــــ

 ــــــــــ ـــــــ

 

قلبك أمانه عندي ؟

ولو الكل وقف ضدي”

 احبك _ احبك

هذا ردي بكل تحدي “

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ــــــــــ

وَمِنَ الشَقاوَةِ أَن تُحِبَّ وَمَن تُحِبُّ يُحِبُّ غَيرَكَ

قياسي

وَمِنَ الشَقاوَةِ أَن تُحِبَّ       وَمَن تُحِبُّ يُحِبُّ غَيرَكَ

أَو أَن تُريدُ الخَيرَ لِلإِنـ       سانِ وَهُوَ يُريدُ ضَيرَكَ

 

……….. الشافعي …………….

أنساك.. ده كلام

قياسي

 

أنساك.. ده كلام
أنساك.. يا سلام

 أهو دي اللي مش ممكن أبدا ولا فكر فيه أبدا
ده مستحيل قلبي يميل ويحب يوم.. غيرك أبدا
أهو ده اللي مش ممكن أبدا
ولا ليلة ولا يوم.. أنا دقت النوم.. أيام بعدك
كان قلبك فين وحنانك فين كان فين قلبك
أنا أنسى جفاك وعذابي معاك ما نساش حبك
أنساك.. ده كلام أنساك يا سلام
وأحب تاني ليه وأعمل في حبك إيه
ده مستحيل قلبي يميل ويحب يوم غيرك أبدا
أهو ده اللي مش ممكن أبدا
ذكريات حبي وحبك مانساهاش
هي أيامي اللي قلبي فيها عاش
فيها أحلامي قلتها وحققتها
لي فيها أحلامي لسه أنا ما قلتهاش
اللي فات من عمري كان لك من زمان
واللي باقي منه جاي لك له أوان
وأحب تاني ليه وأعمل في حبك إيه
ده مستحيل قلبي يميل ويحب يوم غيرك أبدا
أهو ده اللي مش ممكن أبدا
كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله
سنين بحالها ما فات جمالها على حب قبله
سنين ومرت زي الثواني في حبك أنت
وان كنت اقدر احب تانى احبك انت
كل العواطف الحلوة بينا كانت معانا حتى في خصامنا
وإزاي تقول أنساك وأتحول وأنا حبي لك أكثر من الأول
وأحب تاني ليه.. وأعمل في حبك إيه
ده مستحيل قلبي يميل ويحب يوم غيرك أبدا
أهو ده اللي مش ممكن أبدا

 

 ……………….

كتاب كامل مقامات القرني (2)

قياسي

كتاب كامل مقامات القرني (2)
المقـامَــة الأدبـيّــة

……………………..

 أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ
أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ 

أنظم الشعر ولازم مذهبي
فهو عنوان على الفضل وما
في اطراح الرفد فالدنيا أقل
أحسن الشعر إذا لم يبتذل

قال الراوي : سمرنا ليلة مع جماعة أبية ، لهم شوق إلى المقامات الأدبية ، والأشعار العربيّة ، فقالوا حدثنا عن الأدب ، فإنه ديوان العرب ، ومنتهى الأرب ، ونهاية الطلب .
قلنا : حباً وكرامة ، وتحية وسلامة ، فقد رضعت الآداب ، وجالست الأعراب ، وحفظت الشعر من عصر الشباب ، فالشعر عندي سمير ، وهو لنفسي روضة وغدير .
وحديثه السحر الحلال لو أنه

لم يجن قتل المسلم المتحـرّزِ

إن طال لم يملّ وإن أوجزته

ودّ المحـدث أنه لـم يوجـزِ

فقال أحد السُّمار ، من محبي الأشعار ، أفض علينا من القصائد الغراء ، التي قالها على البديهة الشعراء ، قلت : هذا فن طويل الذيل ، يأخذ في كل سبيل ، ولكن سوف أورد بعض الشواهد ، والشوارد ، والأوابد .
فهذا أبو جعفر المنصور تحدى الشعراء بقافية ، قال : من أجازها فله الجائزة وافية ، إذ يقول ، وفكره يجول :
وهاجرة وقفت بها قلوصي

يقطع حرها ظهر الغطايَه

فقام الشعراء على ركبهم جاثين ، كلهم يريد الجائزة من أمير المؤمنين ، فقال بشار بن برد ، وكان سريع الردّ :
وقفت بها القلوص فسال دمعي

على خدي واقصر واعظايَه

فأخذ بردة أبي جعفر ، وكانت من خز أصفر .
وهذا أبو تمام ، وهو شاعر مقدام ، مدح المعتصم ، فما تعثر وما وهم ، يقول :
إقدام عمرو في سماحة حاتمٍ

في حلم أحنف في ذكاء إيـاسِ

فقال الحارث الكندي ، ما لك قدر عندي ، أما تخاف ، تصف أمير المؤمنين بالأجلاف ، فانهد أبو تمام كالسيل معتذراً عما قيل :
لا تنكروا ضربي له من دونه

مثلاً شروداً في الندى والباسِ

فالله قد ضرب الأقل لنـوره

مثلاً من المشكـاة والنبراسِ

حكم النعمان ، على نابغة ذبيان ، بالإعدام ، بعد ما اتهمه ببعض الاتهام ، فأنشده البائيَّة الرائعة الذائعة :
فإنك شمس والملوك كواكب
إذا طلعتْ لم يبْدُ منهن كوكبُ

فعفا عنه وحباه ، وقربه واجتباه .
وأهدر البشير النذير ،دم كعب بن زهير، فعاد إليه ، ووضع يده بين يديه ،وأنشده :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يُفد مقبولُ

فحلم عليه وصفح ، وعفا عنه وسمح ، واستقام حاله وصلح .
وأصدر حاكم اليمن ، قراراً بإعدام سبعين من أهل العلم والسنن ، والفقه والفطن ، فأنشده البيحاني ، قصيدة بديعة المعاني ، هزّ بها أعطافه ، واستدر بها ألطافه ، أولها :
يا أبا المجد يا ابن ماء السماء
يا سليل النجوم في الظلماء

فأكرم مثواه ، وعفا عن السبعين من العلماء والقضاة .
وكاد معاوية أن يفر من صفين ، يوم وقف بين الصفين ، فذكر قول ابن الأطنابة، فأوقف ركابَه :

أقول لها وقد جشأت وجاشت

مكانك تحمدي أو تستريحي

وأوشك المتنبي الشاعر الهدّار ، أن يولي الأدبار ، ويجد في الفرار ، فكرر عليه غلامه ، أبياتاً ثبتت أقدامه ، حيث يقول :
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي

والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

فرجع مقبلا ، فقتل مجندلا . وقتل عضد الدولة الوزير ابن بقية ، ولم تردعه تقيّة ، فأنشد ابن الأنباري قصيدة كأنها برقية ، أو رواية شرقية ، اسمع مطلعها ، وما أبدعها :
علو في الحياة وفي الممات
بحق أنت إحدى المعجزات

فسمعها عضد الدولة فتأسف ، وقال حبذا ذاك الموقف . ولما قتل محمّد بن حميد ، بكاه أبو تمام بذاك القصيد ، ورثاه بذاك النشيد :
كذا فليجل الخطب وليفـدح الأمرُ

فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ

وسب أحد الأمراء ، المعري أبا العلاء ، وهجاه أشد هجاء ، وسب أستاذه سيد الشعراء ، فقال أبو العلاء : لا تسبه أيها الأمير ، فإنه شاعر قدير ، ولم يكن له إلا قصيدة،
لك يا منازل في القلوب منازل
أقفرت أنت و هن منك أواهل

ففهم الأمير ماذا يريد ، لأنه قصد آخر القصيد ، وهي قوله :
وإذا أتتـك مذمتي من ناقصٍ

فهي الشهـادة لي بأني كامـلُ

ولما زار أبو جعفر المنصور المدينة طلب شيخاً كبيرا ، وجعله عنده أجيرا ، يخبره ببيوت المهاجرين والأنصار ، فدار به إلى آخر النهار ، ولم يعطه مالا ، ونسيه إهمالا ، فقال الشيخ يا أمير المؤمنين : هذا بيت الأحوص الشاعر المبين القائل :
يا بيت عاتكة الذي اتعزل

حذر العدا وبك الفؤاد موكّل

فتذكر أبو جعفر القصيدة ، وهي فريدة مجيدة ، يقول في آخرها :
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم

مذق الكلام يقول ما لا يفعلُ

ففهم المراد ، وأعطى الشيخ الزاد .
أقبل عالم كبير القدر ، ظاهر الأمر ، على شاعر قاعد ، فقام لهذا العالِم الوافد ، وكان العالم يرى أن القيام للقادم باطل ، ولو أن القادم رجل كامل ، فقال للشاعر دع القيام ، فأنت لا تلام ، فقال الشاعر :
قيامي والإله إليـك حق
وهل رجل له لب وعقل
وترك الحق ما لا يستقيمُ
يراك تسير إليه ولا يقومُ

وفد شاعر على وزير خطير ، بالمكرمات شهير ، فلما أبصر جلبابه ، وشاهد حُجّابه ورأى أصحابه هابه ، فأراد أن يقول مساك الله بالخير ، قال من شدة الخجل ، ومن دهشة الوجل : صبحك الله بالخير ، فقال الأمير : أصباح هذا أم مساء ، أم تريد الاستهزاء ، فقال الشاعر بلا إبطاء :
صبحته عند المساء فقال لي

ماذا الصباح وظنَّ ذاك مزاحا

فأجبتُه إشراق وجهك غرني

حتى تبينت المسـاء صبـاحا

وأنا مُحدّث لا حداثي ، من مكة مركبي وأثاثي ، ومن المدينة ميراثي ، أصل الحداثيين من البلاشفة الحمر الكفرة ، كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة .
لا تتبلد ، أرسلناك إلى المربد ، بالحق تنشد ، وبالإسلام تغرد ، فذهبت تعربد .
اسمك محمد فلا تزد في الحروف ، لتصبح محمدوف ، لأن محمد شرعي ، ومحمدوف شيوعي ، ديوان المتنبي مجلد لطيف خفيف ، فيه لفظ منيف ، ومعنى شريف ، أنصت لشعره الدهر ، وعبر البر والبحر ، وسار غدوه شهر ورواحه شهر . وبعض الشعراء المولّدين ، لكل منهم عشرة دواوين ، كل ديوان ككيس الأسمنت ، إذا قرأت منها قصيدة سكتّ وصمتّ ، وبُهتّ وخُفتَ ثم مُتّ ، تعبنا من ركاكة الكلام ، ومن هذا الركام ، إذا سألناهم عن المعنى أكثروا من الهمز والغمز ، وقال هذا شعر الرمز ، فيه إيجاز ، وألغاز وإعجاز ، والصحيح أنه هراء وطلسمة ، وشعاب مظلمة ، وتمتمة ، وهمهمة ، وغمغمة .
وقد حكم رسولنا  في الشعر وقد رضينا حكمه فقال : (إن من الشعر لحكمة) وهو الشعر المحمود ، الذي يوافق المقصود ، وليس فيه بذاء ، ولا هجاء ، ولا ازدراء ، وكان فيه لطف بلا سخف ، مع صدق في الوصف ، وليس فيه تبذل ولا إغراب ، ولا كذب ولا إعجاب ، مع إشراق في العبارة ، ولطف في الإشارة ومتانة في السبك ، وجمال في الحبك ، فإذا كان كما وصفنا ، وصار كما عرّفنا ، فهو السحر الحلال ، وهو فيض من الجمال ، وهالة من الجلال ، يبهج العاقل ، وينبّه الغافل
واعلم أن في الشعر مختارات ، وفي القصائد أمهات ، مثل المعلقات ، وما اختاره أصحاب الحماسات ، ولا تنس الفريدة الحسناء ،
هذا الذي تعرف البطحاء

وإن تعجب فيحق لك العجب ، من قصيدة :
السيف أصدق إنباء من الكتب

وأجمل المراثي الرائعات :
علو في الحياة وفي المماتْ

أو ابن زيدون وهو يشجينا :
أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا

أو الشريف الرضي في روعة البيان ، يوم أنشد :
يا ظبية البان

وواعجباه ،
من واحر قلباه

وما أبهى تاج الكلام ،
تفت فؤادك الأيام

وأبو البقاء الراوندي يوم اهتم ، فقال :
لكل شيء إذا ما تم

واعلم رحمك الله أن في الشعر تِبْر وتراب ، وذهب وأخشاب ، ولا يخدعنك قولهم فلانٌ شاعر موّار ، فقد لا يساوي شعره ربع دينار ، فإن من الشعر مسك وعنبر ، ولؤلؤ وجوهر ، يسافر إلى سويداء قلبك ويبحر ، وينادي إنما نحن فتنة فلا تكفر .
وفي الشعر شعير ، وروث بعير ، فيه نذالة وجهالة ورذاله ، فويل لمن أشغل الناس، وسوّد القرطاس ، وجلب الوسواس ، وحاس وداس ، وفي ديار القلوب جاس ، يصيبك من شعره تثاؤب وعطاس ، ونوم ونعاس ، فإذا رأيته فقل له : لا مساس ، ولا باس عليك منه لا باس . وهذا الصنف لا يردّه عقل ، ولا يردعه نقل ، جائزته بصل وفجل ، لأنه أُشرب في قلبه العجل . إذا قام أحدهم في النوادي ، صاح المنادي : هذا شاعر الحواضر والبوادي ، وبلبل النادي ، فيصدق المسكين ، قطع بلعومه بالسكين ، فيتمايل طربا ، ويتيه عجبا ، ويقول للحضور : لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ، فإذا ألقى القصيدة ، فكأنه يأكل عصيدة ، يلوِّي راسه ، ويكظم أنفاسه ، كأنما يتخبطه الشيطان من المس ، حتى ينادي الجمهور : بس بس ، فليت قارئاً يبرك على صدره ، ويضع يده على نحره ، ويرش وجهه بماء من تبسي ، ويقرأ عليه آية الكرسي . فإذا خرج شيطان الشعر الرخيص ، وعلم أنه ليس له محيص ، قام هذا الغبي ، كأنه صبي ، ليترك الأشعار ، لأهل الاقتدار ، ويقصد البيع والإيجارة ، أو البناء والنجارة ، أو يصلح عقاره ، ويهجر القوافي ، لكل فصيح وافي .
وليت الناس سلكوا مذهبَهم ، فقد علم كل أناس مشربهم ، ويا من اشتغل بالأشعار، عليك بالأذكار ، وإدمان الاستغفار ، والخوف من القهار ، فإن اللسان ثعبان ، وأمامك قبر وميزان ، ونجاة وخسران ، ولا يكن لسانك كالمقراض للأعراض ، ولا يكن كالمقباض للأغراض ، فإن الأنفاس تكتب عليك ، وعملك منك وإليك .
وويل لمن أطلق لسانه ، وأرضى شيطانه ، وأجرى في اللهو حصانه ، من يوم تشيب فيه النواصي ، ويندم فيه كل عاصي ، ويهابه كل دانٍ وقاصي .
ويا شعراء المجون ، مالكم في الغي تلجون ، وفي النوادي تصجّون ، ولكل رأس تشجّون . ألا عقل يردع ، ألا أذن تسمع ، ألا قلب يخشع ، ألا عين تدمع ، أشغلتم القلوب ، وأنسيتم الناس علام الغيوب ، ودللتم الأمة على المعاصي والذنوب ، أشعلتم النفوس الهائجة ، أحرقتم القلوب المائجة ، لأن بضاعتكم على الأراذل رائجة ، أتظنون أنه لا حساب ولا عقاب ، ولا عذاب ولا ثواب ، الموقف أصعب مما تظنون ، والمشهد أعظم مما تتصوّرون ، إذا بعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وفار التنور ، وقصمت الظهور ، وطار الكبر والغرور .
إذا جـار الوزيـر وكاتبـاه

وقاضي الأرض أجحف في القضاءِ

فويـل ثم ويـل ثـم ويـل

لقاضي الأرض من قاضي السماءِ

يا شعراء المجون ، ويا أتباع كل غاو مفتون ، وهائم مجنون ، ويل لكم مما كتبت أيديكم ، وويل لكم مما تكسبون .


المقـامَــة الخطابـيّـــة
وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا 
ولسان صيرفي صارم
سحر هاروت وماروت ولو
كذباب السيف ما مس قطع
كلم الصخر بحق لانصدع

نحن في زمن عجيب ، وفي عصر غريب ، كم بلينا بخطيب غير أديب ، ولا مصيب، إذا تكلم تلعثم ، وهمهم ، وغمغم ، وتمتم .
إذا بدأ في الكلام اعتذر ، لا يدري ما يأتي وما يذر ، لأن كلامه هذر مذر ، ابتلي الرجل بالسعال ، وكثرة الانفعال ، وسوء التعبير في المقال .
لا يزوّر الكلام في صدره تزويرا ، ولا يحبّر الخطب تحبيرا ، فلا يساوي كلامه في ميزان الشعر نقيرا ، يا ليت بعض الخطباء اشتغل بالتجارة ، أو مارس البناء والنجارة ، وترك المنبر لأهل الإبداع والجدارة .
الخطيب القدير ، والمتكلم النحرير ، له صولة وزئير ، ومنطق كالحرير ، ولسان كالسيف الطرير ، إذا وثب على المنبر ، فاح منه المسك والعنبر ، فكأن منطقه الماء الزلال، والنبع السلسال ، يأتي بالحكمة في ارتجال ، ويغلب بحجته الرجال ، فإنه الأسد إذا صال وجال ، إياّك والكلام الساقط المرذول ، والعامي المبذول ، وعليك بفصيح المنقول ، الذي يحبّذه أصحاب العقول ، ما أحوجنا إلى خطيب قوّال ، وبما يقول فعّال ، ليس صاحب إملال ، ولا إخلال ، ولا إقلال ، وإنما يدبج السحر الحلال .
وكلامه السحر الحلال لو أنه
إن طال لم يملل وإن أوجزته
لم يجن قتل المسلم المتحرز
ود المحـدث أنـه لم يـوجـزِ

لا يشرح الصدر مثل الكلام الصادق ، والبيان الناطق ، واللفظ الدافق ، والأسلوب السامق ، أما كلام الحاكة ، وألفاظ أهل الركاكة ، فهو حُمّى الأرواح ، في الصدور رماح ، وفي القلوب جراح .
ترى بعضهم إذا تكلم لا يكاد يبين ، كأنه من الأعجميين ، ينطق بالحرف مقلوبا ، ويجعل المرفوع منصوبا ، ملأ خطبته عيوبا ، وندوبا ، وثقوبا .
غضب منه في النحو سيبويه ، وفي اللغة نفطويه ، وفي الحديث راهويه ، وفي الشعر متنبيويه .
الخطيب البارع يأسر القلوب أسرا ، ويسري بالأرواح فسبحان من أسرى ، ويسترق الضمائر فإما منّاً بعد وإما فداء ، وله على مستعمرات النفوس احتلال واستيلاء .
الخطيب الملهم يكتب على صفحات القلوب رسائل من التأثير ، ويرسم في العقول صوراً من براعة التعبير ، ويبني في الأفئدة خياماً من جلال التصوير .
هل تمل من الروضة الغنّاء إذا غنى فيها العندليب ، وحل بها الحبيب ، وأطفأ نسيمها اللهيب ، وكذلك الخطيب النجيب ، في خطبه روضات من الجمال ، وبساتين من الجلال ، ودواوين من الكمال .
تقرأ القصة لا تساوي بعرة ، ولا تهز شعرة ، فيلقيها الخطيب الأشدق ، والفصيح المتدفق ، فكأنها السحر دب في كيانك ، وكأنها الخمر هزت أركانك ، تسمع بيت الشعر لا يساوي ريالا ، ولا ترى فيه روعة ولا جمالا ، فيلقيه الخطيب المصقع ، والمتكلم المبدع ، فتبقى من حسنه مبهوتا ، كأنك لقطت ياقوتا .
الخطيب الهدّار ، كالسيل الموّار ، يقتلع الأشجار ، ويحمل الأحجار ، ويقتحم الأسوار ، لا يرده جدار ، ولا تقف في طريقه دار ، لأن الخطيب يقبل ومعه الآية الآمرة ، والموعظة الزاجرة ، والقصة النادرة ، والحجة الباهرة ، والقافية الساخرة .
تعيش معه في دنيا من الصور والألوان ، وفي عالم من المشاهد والألحان ، كأنك في إيوان ، أو بستان ، أو ديوان .
دعني من الخطباء الثقلاء ، كأن كلامهم لهيب الرمضاء ، أو وهج الصحراء ، أو وجه الشتاء ، لا طلاوة ، ولا حلاوة ، لا إبداع ، ولا إمتاع ، ولا إشباع . قوم لم تركض ألسنتهم في ميدان البيان ، ولم تذق قلوبهم حلاوة القرآن ، ولا تمتعوا بسحر الكلمات ، ولا رشاقة الجمل البالغات ، ولا عرفوا حسن السبك ، ولا براعة الحبك ، هَمُّ أحدهم صحف يتلوها على الناس بكرة وأصيلا ، لا تترك في الناس من التأثير فتيلا ، يلوك أحدهم الكلام لوكا ، كأنه يغرز في الأجسام شوكا .
أفصح الناس رسول الهدى ، وإمام الندى ، أبلغ من حضر وبدا ، وأوعظ من راح وغدا .
ما بنى جملة من اللفظ إلا

وابتنى اللفظ أمة من عفاءِ

منطق يملأ القلوب جلالاً

في حبور وبهجـة وصفـاءِ

إن من أعظم المتع التي عاشها الصحابة ، تلك الفصاحة ، والبراعة ، والنجابة ، التي كانوا يسمعونها من سيد الفصحاء ، وإمام البرعاء ، وأبين العرب العرباء ، كان إذا تكلم ملك المشاعر ، واستولى على الضمائر ، واستمال السرائر ، فلا يريدون بعده كلام خطيب ولا شاعر ، إذا نطق عليه الصلاة والسلام وتدفق ، فكأنه الفجر أشرق ، والماء ترقرق ، والنور في الأرواح ترفق . إن من النعيم ، عند ذاك الجيل العظيم ، سماع ذلك النبي الكريم، في منطق سليم ، وصوت رخيم ، وقول قويم ، ونهج مستقيم . ثم درج خطباء الأمة على منواله ، وسبكوا أقوالهم على أقواله ، فمن مقلٍّ ومكثر ، ومن مُؤثّرٍ ومتأثر . فأحسن الخطباء من جعل القرآن معينه ، وملأ بنور الحديث عينه ، وجعل البيان خدينه ، ثم أكثر من التدريب ، وأدمن التجريب ، وأخذ من كل فن بنصيب ، فترى له من البراعة ، ومن الجرأة والشجاعة ، ما يخلب ألباب الجماعة ، جمالاً في بيان ، وحسناً في إتقان ، مع عذوبة لسان ، وثبات جنان . غير أن البلاء ، يأتي من الأغبياء ، المعدودين في الخطباء ، فهم كالغيم في الصحو ، وكاللحن في النحو ، عبارات من حجاب البيان سافرة ، وجمل متنافرة . وتركيب غريب ، ليس عليه من سلطان الإبداع رقيب ، هَمُّ أحدهم أن يقول ، ولو أخطأ في النقول ، وعاث في العقول ، فَمَنْع هؤلاء من الخطابة إصابه ، حتى يراجع كل منهم حسابه . فليست المنابر أسواق باعة ، ولا أحواش زراعة ، ولا ورش صناعة ، إنما المنابر مواضع طاعة ، تهذب بها الأجيال ،وتصقل بها عقول الرجال
ومنطق كضيـاء الشمـس تحسبـه
يدب في الجسم مثل البرء لو نظمت
من حسنه سحر هاروت وماروتِ
ألفاظـه قلت هـذا عقد ياقـوتِ

فهذبْ لسانك ، وجوّد بيانك ، ودرب جنانك ، وأطلق في الفصاحة عنانك ، لتكون الخطيب المسدّد ، والمتكلم المؤيد . وحذار من ترداد الكلام ، فإنه يتحول إلى ركام ، ويصبح الخطيب أقبح في العين من الظلام ، وإيّاك والتقعر والغرابة ، فإنها من عيوب الخطابة ، ولا تكرر العبارة ، ولا تكثر الإشارة ، ولا تقحم نفسك في فنون أهل الاختصاص ، ولا تجرح الأشخاص . واخلط الترغيب بالترهيب ، والوعظ بالتأديب ، وتحبب إلى السامعين بالطَّيِّب من الكلام ، ولا تتعرض للشتم والملام ، وتألف القلوب ، وذكرهم برحمة علاّم الغيوب .
وتخولهم بالموعظة ، لتكون لقلوبهم موقظة ، وتحدث فيما يحتاجون إليه من مسائل، وما يهمهم من فضائل ، وكن لطيفاً مع الناس ، كالطبيب الآس .
واجعل إمامك في الخطابة رسول البيان ، صاحب القرآن ، سيد ولد عدنان .
فقد كان الجذع يحنّ لكلامه ، ويئن من كثرة شوقه وهيامه ، وكانت الدموع من وعظه تتحدر ، والقلوب تتفطّر ، والنفوس تتحسر ، هذا إذا أنذر وحذر ، أما إذا ذكرهم بمغفرة الغفور ، فهناك تسبح النفوس في صرح ممرّد من السرور ، وفي جدول من الحبور، فيمد كلامه نور الفطرة فالكل نور على نور .
هـذا الكـلام مـا قالـه أحــد

ولا تلا مثله في الجمع سحبان

عليـه من حلل الأنـوار أرديـة

فكل قلب من الأشواق نشـوان

يصدع الصخر في زجر وموعظة

وفي البشارة روض فيه ريحان

أيها الخطباء كونوا أبطالا ، ورصّعوا من الحكمة أقوالا ، ودبّجوا من الفصاحة أمثالا ، وانفروا خفافاً وثقالا ، وفقكم الله تعالى .

مقـامَــــة الـتـوبـــــة
 وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ 
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي
تعاظمني ذنبي فلما قرنته
جعلت الرجا ربي لعفوك سلما
بعفوك ربي صار عفوك أعظما

يا باغي الخير أقبل ، فالباب غير مقفل ، يا من أذنب وعصى ، وأخطأ وعتى ، تعال فلعل وعسى ، يا من بقلبه من الذنوب جروح ، تعال فالباب مفتوح ، والكرم يغدو ويروح ، يا من ركب مطايا الخطايا ، تعال إلى ميدان العطايا ، يا من اقترفوا فاعترفوا ، لن تنسوا  قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا  ، يا من بذنب باء ، وقد أساء ، تذكر : (( يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء )) .
أسقت بغي كلبا ، فأرضت ربّا ، ومحت ذنبا ، قتل رجل مائة رجل ، ثم تاب إلى الله عز وجلّ ، فدخل الجنة على عجل .
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه
من جود فضلك ما علمتني الطلبا

من الذي ما أساء قط ، ومن له الحسنى فقط ، ومن هو الذي ما سقط ، وأين هو الذي ما غلط ، يا كثير الأخطاء : أنسيت : كلكم خطّاء ، كم يقتلك القنوط كم ، وأنت تسمع : (( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم )) .
اطرق الباب تجدنا عنده
لا تقل قد أغلق الباب فلا
بسخاء وببذل وكرم
تحمل اليأس فتلقى في الندم

إذا أذنبت فتب وتندّم ، فقد سبقك بالذنب أبوك آدم ، ومن يشابه أباه فما ظلم ، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم ، فلا تقلد أباك في الذنب وتترك المتاب ، فإن أباك لما أذنب أناب ، بنص الكتاب .
أصبحت وجوه التائبين مسفره ، لما سمعوا نداء : لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لأتيتك بقرابها مغفره ، اطرح نفسك على عتبة الباب ، ومد يدك وقل : يا وهّاب . أرغم أنفك بالطين وناد : رحمتك أرجو يا رب العالمين .
إن جرى بيننا وبينك عتب
فالقلوب التي عرفت تلظّى
وبعدنا وشط عنا المزار
والدموع التي عهدت غزار

يا من أساء وظلم ، اعلم أن دمعة ندم ، تزيل أثر زلة القدم . أنت تتعامل مع من عرض التوبة على الكفار ، وفتح طريق الرجعة أمام الفجّار ، وأمهل بكرمه الأشرار . أنزل بالعفو كتبه ، وسبقت رحمته غضبه .
والله ما لمحت عيني منازلكم
ولا تذكرت مغناكم وأرضكموا
إلا توقد جمر الشوق في خلدي
إلا كأن فؤادي طار من جسدي

اسمه التوّاب ، ولو لم تذنب لما عرف هذا الوصف في الكتاب ، لأن الوصف لابد له من فعل حتى يوصف بالصواب . ما تدري بالذنب ، محى العجب ، وبالاستغفار حصل الانكسار ، لكأس الاستكبار ، وصار الانحدار ، لجدار الإصرار .
لا تصر ، بل اعترف وقر ، فإن طعم الدواء مُر ، وسوف تجد ما يسر ولا يضر ، واحذر الشيطان فإنه يغر .
اطرق الباب فإنا فاتحون
لا تغيرك على الصحب الظنون

الاعتراف بالاقتراف ، طبيعة الأشراف ، قف بالباب ، وقل : أذنبنا ، وطف بتلك الديار وقل : تبنا ، وارفع يديك وقل : أنبنا ،  أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ، سبحان من يغفر الذنب لمن أخطأ ، ويقبل التوبة ممن أبطأ .
التوبة تَجُبُّ ما قبلها ، وتعم بركتها أهلها . يقول عليه الصلاة والسلام (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) ، وهذا قول يجب أن نقبله ، فهنيئاً لمن تاب وأناب ، قبل أن يغلق الباب . التائب سريع الرجعة ، غزير الدمعة ، منكسر الفؤاد ، لرب العباد ، دائم الإنصات ، كثير الإخبات .
للتائب فرحتان ودمعتان وبسمتان .
فرحة يوم ترك الذنب ، والأخرى إذا لقي الرب ، ودمعة إذا ذكر ما مضى ، والثانية إذا تأمل كيف ذهب عمره وانقضى ، وبسمة يوم ذكر فضل الله عليه بالتوبة ، وهي أجلّ نعمة ، والأخرى يوم صرف عنه الذنب وهو أفظع نقمة .
بشرى لمن عفّر جبينه ، وأشعل في قلبه أنينه ، وأضرم بالشوق حنينه ،التائب تبدل سيئاته حسنات ، لأن ما فات مات ، والصالحات تمحو الخطيئات .
للتوبة أسرار ، ولأصحابها أخبار ، فالتائب يزول عنه تصيد المعائب ، وطلب المثالب ، لأنه ذاق مرارة ما تقدّم ، فهو دائماً يتندّم ، وهو يفتح باب المعاذير ، لمن وقع في المحاذير ، ولا يفعل فعل المعجب المنّان ، الذي قال : والله لا يغفر الله لفلان ، بل يستغفر لمن أساء من العباد ، ويطلب الهداية لأهل الفساد ، والتائب يطالع حكمة الرب ، في تقدير الذنب ، وأنه لا حول للعبد ولا قوّة ، في منع نفسه من الوقوع في تلك الهوّة ، فالله غالب على أمره ، بعزته وقهره ، والتائب ذهبت عن نفسه صولة الطاعات ، والدعاوى الطويلات ، والتبجح على أهل المعاصي ، وأصبح ذليلاً لمن أخذ بالنواصي ، فإن بعض الناس إذا لم يقع في زلّة ، ولم يذق طعم الذلة ، جمحت به نفسه الأمّارة ، حتى جاوز أطواره ، فكلما ذكر له عاص تأفّف ، وكلما سمع بمذنب تأسّف ، وكأنه عبد معصوم ، في حياته غير ملوم ، يحاسب الناس على زلاتهم ، ويأخذ بعثراتهم ، فإذا أراد الله تقويمه ، ليسلك الطريق المستقيمة ، ابتلاه بذنب لينكسر لربه ، وأراه ضعف قوته فيعترف بذنبه، فيصبح يدعو للمذنبين ، ويحب التائبين ، ويبغض المتكبرين .
ومنها أن كأس الندم يتجرعه جرعة جرعه ، مع انحدار دموع الأسف دمعة دمعه، حينها ينال الولاية ، ويدرك الرعاية ، لأنه عرف سر العبودية ، ودخل باب الشريعة المحمديّة ، فإن ذل العبد مقصود ، وتواضعه محمود ، لصاحب الكبرياء المعبود .
ومنها أنه يشتغل بالاستغفار ، عن الاستكبار ، فهو دائم الفكر في تقصيره ، مشتغلاً به عن غروره ، لأن بعض الناس لا يرى إلا إحسانه ، ولا يشاهد إلا صلاحه وإيمانه ، حتى كأنه يَمنّ على مولاه ، بطاعته وتقواه ، بخلاف من طار من خوف العاقبة لبه ، وتشعب بالندم قلبه ، فهو كثير الحسرات ، على ما مضى وفات ، وهذا هو حال من عرف العبادة ، وسلك طريق السعادة .
واعلم أن لوم النفس على التقصير ، والنظر إليها بعين التحقير ، والإزراء عليها في جانب مولاها ، وعدم الرضا عنها لما فعله هواها ، يقطع من مسافات السير ، إلى اللطيف الخبير ، ما لا يقطعه الصيام ولا القيام ، ولا الطواف بالبيت الحرام ، فهنيئاً لمن على ذنبه يتحرق ، وقلبه يكاد من الأسف يتمزّق ، ودمعه على ما فرّط يترقرق .
وقفنا على الأبواب نزجي دموعنا
ونبعث شوقاً طالما ضج صاحبه

أجمل الكلمات ، وأحسن العبارات ، لدى رب الأرض والسموات ، قول العبد : يا رب أذنبتُ ، يا رب أسأتُ ، يا رب أخطأتُ ، فيكون الجواب منه سبحانه : عبدي قد غفرت وسامحت ، وسترت وصفحت .
إن الملوك إذا شابت عبيدهمو
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً
في رقهم عتقوهم عتق أبرار
قد شبت في الرق فاعتقني من النار

عفّر الجبين بالطين ، وناد : يا رب العالمين ، تبنا مع التائبين ، اغسل الكبائر بسبع غرفات من ماء الدموع وعفرها الثامنة بتراب المتاب ، فهذا فعل من أناب ، حتى يفتح لك الباب . تأوّه المذنبين التائبين ، أحب من تسبيح المعجبين ، من قضى ليله وهو نائم ، وأصبح وهو نادم ، أحب ممن قضاه وهو مسبّح مكبّر ، وأصبح وهو معجب متكبّر .
إذا أردت القدوم عليه ، توسل برحمته وفضله إليه ، ولا تمنن بطاعتك لديه، لا تيأس من فتح الباب ، ورفع الحجاب ، فأدم الوقوف عنده ، واخطب وده ، فإن من قصده لن يرده ، ما أحوج الجيل ، إلى آخر ساعة من الليل ، لأنها ساعة الهبات ، والأعطيات والنفحات ، إمام الموحدين ، يقول :  وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ  ، فجعل غاية مناه ، أن تغفر خطاياه ، وأنت تُصِرّ ، ولا تُقِرّ ، وتحسو كأس الذنب وهو مُرّ ، فأفق من سبات اللهو ولا تكن من الغافلين ، وأكثر من  رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ  .

المقـامَــــة التاريـخـيــــة
 تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا 
اقرأ التأريخ إذ فيه العبر
وتأمل كيف أفنى ملكهم
ضل قوم ليس يدرون الخبر
من على الملك تولَّى وقهر

قال أبو كثير ، جرير بن الأثير ، سلوني عن التاريخ ، فإني في علمه شيخ .
قلنا : يا أبا كثير ، فضلك كبير ، فما هو التعليق ، على أحداث نذكرها لك بالتحقيق .
قال : تقدموا وتكلموا .
قلنا : مولد النبي محمد  .
قال : مولد النور ، وإشراق السرور ، وهو فتح من الله على هذا الكون ، ونبأ عظيم ما سمع بمثله في حركة ولا سكون .
قلنا : فهجرته إلى المدينة .
قال : بداية الانطلاق ، وفجر الإشراق ، بها قامت الدولة ، وصار للإسلام جولة، وللحق صولة .
قلنا : فغزوة بدر .
قال : إثبات صدق الصحابة ، واجتثاث تلك العصابة ، وقطع الرؤوس الكذابة ، وجلال للدين ومهابة .
قلنا : فوفاة الرسول  .
قال : نزفت منها القلوب دما ، وامتلأت النفوس ألما ، وهي دليل على أن لا بقاء إلا للواحد ، وما مخلوق بهذه الدنيا خالد .
قلنا : فمعركة القادسية .
قال : مشهد من مشاهد الحق إذا هجم ، ونهاية ماحقة ساحقة لدولة العجم ، وأن من عادى الرحمن فليس له سلطان ، ولا أمان ولا صولجان .
قلنا : فمعركة اليرموك .
قال : فرار الروم كالبوم ، ولكل طاغية يوم معلوم ، وإن الدين أمضى سيف للمجاهدين .
قلنا : فعين جالوت .
قال : نهاية المغول ، ومأساة حظهم المغلول ، وجندهم المخذول ، على أيدي أتباع الرسول .
قلنا : في حطين .
قال : حطين ، تمريغ الباطل في الطين ، وهي يوم جلاء الصليب من فلسطين .
قلنا : فموت خالد بن الوليد على الفراش .
قال : دليل على أن الرجل درع حصين ، وموته مصيبة للموحدين ، وفرحة عابرة للكافرين ، وعيد للجبناء الفاشلين . وكأن القتل هاب من خالد ، فأتاه على غرة وهو قاعد .
قلنا : ففتنة القول بخلق القرآن .
قال : هي نتاج الفلسفة الشنعاء ، التي زاحم بها المأمون الشريعة الغراء ، ولكن الله نصر الحق وأتباعه ، وهزم الباطل وأشياعه .
قلنا : أحسنت في هذا الحوار ، فحدثنا عن بعض ما ورد في التاريخ من الأخبار .
• قال : لما ابتلى المأمون الناس بالمحنة ، قيض الله له بطل السنة ، فكان المأمون رأساً في علوم اليونان ، وأحمد رأساً في علوم السنة والقرآن .
• أما رأيت الحجاج قتل ابن الزبير ، وذبح سعيد بن جبير ، ووضع إبراهيم التيمي في بير ، ثلاث عورات لكم .
• قال فرعون ثلاث كلمات مهلكات ، يقول :  مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي  فدس أنفه في الطين ، و أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ  فأخرج منها وهو لعين ، و مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى  فأراهم سبيل الهالكين .
• علي بن أبي طالب ، مرفوع بين الرافضة والنواصب ، لأنها لا تدخل على المرفوع النواصب .
• يا لله العجب ، جولدا مائير امرأة ، هزمت رجال العرب ، كيف لو كانت رجلاً ذا شنب .
• قال جميّل : سوف أبيد إسرائيل ، فألقى على اليمن البراميل ، قلنا : ضللت السبيل .
• وقال صدام : سوف أحرق اليهود ، فأرسل إلى الكويت الجنود . قلنا : أسد عليّ وفي الحروب نعامة شرود .
• يوم كانت تركيا تحكم بالشريعة السمحاء ، أرسلت للعالم الزعماء والعلماء والأدباء . فلما حكمت بمنهج الكافرين ، أرسلت للعالمين الحلاقين والراقصين والمغنيين.
• أخذ العرب في فجر الإسلام قياد العالم ، فلما خفيت عليهم المعالم ، منوا بالهزائم .
فنقل الله السلطان للأكراد ، لأنهم نصروا رب العباد ، فملّكهم البلاد .
ثم أخذ الريادة السلاجقة ، وأمم لاحقة ، ثم انتقل مفتاح الأملاك ، إلى الأتراك ، فلما صاروا في ترف وانهماك ، سلب منهم المفتاح ، لأنه لا يحمله إلا من صدق في حي على الفلاح ، واعلم أن في هذا برهان ، على أن الإسلام لا يعترف بالألوان ، وليس لبلد خاص من البلدان . لكنه لكل من نصر الحق ، وأتى بالصدق .
• أهدت لنا خراسان سلمان ، وأهدت صهيباً لنا الرومان ، فأهدى لهم رسولنا القرآن والإيمان .
• الجيش إذا لم يصم رمضان ، يهزم في حزيران ، وجيش لا يؤمن بتعاليم جبريل ، لا ينتصر على إسرائيل .
• التأريخ إن شئت جعلته شريفاً أو سخيفا ، فالتاريخ الشريف : تاريخ الفتوحات والانتصارات ، والنكبات والدروس المستفادات . والتاريخ السخيف : تاريخ القيان، وكيف كانت تضرب العيدان ، وخبر الجواري في قصر السلطان .
• اشغلونا في التاريخ بأخبار سخيفة ، فقالوا : الجارية غضبت على الخليفة ، فأهداها قطيفة ، فعادت للوظيفة .
• لابد أن يقرن التأريخ بالأثر ، ويُرَصَّع بالسير ، وتستفاد منه العبر .
• تاريخ ابن خلدون مقدمة بلا كتاب ، لكنها عجب من العجاب . وتاريخ ابن الجوزي غرائب وعجائب ، كأنه لابد في كل قصة من مصائب . وتاريخ الطبري دقائق ، أشغلتنا عن الحقائق ، وتاريخ ابن كثير ، أحسن الجميع بلا نكير ، لكنّه طول في تراجم الشعراء ، وقصر في تراجم العلماء .
• الذهبي يكتب بقلم السلف ، فتجده كثير النقد للخلف ، تخرج من مدرسة المحدّثين، فتراه يشن الغارة على الـمُحدَثِين .
• العظمة في اتباع المعصوم ، لا في المناصب والرسوم ، والدليل على ما أقول ، أن دائرة المعارف البريطانية ، ترجمت بعشرين صفحة للدولة العباسية ، وترجمت لابن تيمية بأربعين صفحة ، لجهوده الإسلاميّة .
• ألسنة البشر ، أقلام تكتب بها السير ، إذا ذكر عمر بن عبد العزيز قال الناس : رحمه الله ، وإذا ذكر الحاكم الفاطمي قال الناس : قاتله الله .
• لما تولى بنو أمية الخلافة قالوا : سوف تبقى لنا دواما ، فما أكملوا ثمانين عاما . فلما تولى بنو العباس قالوا : سوف نحكم الأرض بالأثر والنظر ، حتى خروج المهدي المنتظر، فلم يبق الله لهم في الأرض مكانا ، كأنهم خبر كان .
• من قرأ التاريخ هيجه على البكاء ، والاتساء ، والاقتداء . كم في التاريخ من زفرة ؟ وحسرة وعثرة ؟ لقد كان في قصصهم عبرة .

المقـامَــــة السُّـلطانيَّـــة
 الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ 
جانب السلطان واحذر بطشه
لا تمازح أسداً في غابة
لا تعاند من إذا قال فعل
وترفق عند أرباب الدول

قال عليُّ بن عمران : اعلموا أن السلطان ، ظل الله في الأوطان ،بهيبته تحفظ البلاد وتسعد العباد ، وبعدله تأمن الآفاق ، وتقام الأسواق ، وبسيفه تنصر الملّة ، وترفع الذلّة .
أما الظلوم الغشوم ، فمجده مهدوم ، وسيفه مثلوم ، وجنده مهزوم . اسمعوا ابن خلدون ، لعلكم تعتبرون . إن السلطان إذا عدل ، شفيت بعدله العلل ، وزال الخلل ، وذهب الزلل ، ونصر الله دولته بين الدول . أما إذا السلطان جار ، ألزمه الله الصغار ، وألبسه العار ، وسلط عليه الدمار ، وجعل مصيره النار .
قلنا يا ابن عمران : وكيف يكون العلماء مع السلطان ؟
قال : لا تقابل السلطان بالقوة ، فيلقيك في هوّة ، وكما قالت العرب في الكتب : لا تمازح الأسد ، فإنه أبو لبد . فالعالم لا يخالط السلطان حتى كأنه حاجب ، أو كاتب ، أو حاسب ، لأن الصاحب ساحب ، بل ينصحه من بعيد ، ويزوره كل عيد ،ويدعو له بالتسديد . ولا ينصحه أمام العوام ، لأنهم هوام ، أصحاب طوام ، بل يداريه ولا يماريه، وينكر عليه ولا يجاريه . ويكلمه كلاما بيِّنا ، ويقول له : قولا ليِّنا .
قلنا : فإن أعطاه السلطان مالا ، وقال يأخذه حلالا ، ويصلح به حالا .
قال : إن كان هذا المال ليشتري به دينه ، من أجل أن يذله ويهينه ، فالمنيّة ولا الدنية ، وركوب الجنائز ، ولا قبول الجوائز . وإن كان هذا العطاء من بيت المال بلا سؤال ، ولا مكر واحتيال ، فرزق ساقه الله إليك ، سواء كان بنقد أو بشيك ، فهو لك لا عليك .

قلت : فما رأيك في الخروج على السلطان ؟
قال : لا تفعل إلا إذا رأيت كفراً عندك فيه من الله برهان .
قلت : فإن حرمني وشتمني وظلمني ؟
قال : حسيبك الملك الديان ، يوم يوضع الميزان ، ويظهر البهتان .
قلت : فماذا يجعل السلطان من الصلحاء ويحمله على نهج الخلفاء الأوفياء ؟
قال : إذا شاور العلماء ، وخالف السفهاء ، وجالس الحكماء ، وصاحب الحلماء .
قلت : يا ابن عمران فماذا يفسد السلطان ؟
قال : الاشتغال عن الرعية ، والجور في القضية ، وعدم الحكم بالسويّة .
قلت : فماذا يلزم السلطان حتى يعان ؟
قال : تنفيذ الحدود ، وتقوية الجنود ، والوفاء بالوعود ، والالتزام بالعهود ، وإكرام الوفود .
قلت : فماذا يجب للسلطان على الرعية ، من الواجبات الشرعية ، والحقوق المرعية ؟
قال : الدعاء له بظهر الغيب ، ولا ينشر ما فيه من عيب ، وطاعته إلا في الحرام ، والنصح له في توقير واحترام .
قلت : أخبرنا بما في سيرة الحكام من العبر ، وما ورد فيها من أثر ، فإن الله ينفع بالسير ؟
قال : انظروا ما ذكره الله في القرآن ، وما سطره في التأريخ والأعيان .
قلت : لماذا فسد الحجّـاج ، ووثب على الأمة وهاج ؟
قال : الرجل بالله مغرور ، غره المدح والظهور ، فأخذ يظلم ويجور .
قلت : فمن جُلاسـه ؟
قال : هم ما بين عامّي عري عن العلم ، محروم من الفهم ، أو فاجر مات قلبه ، وتبلد لبه .
قلت : ولماذا فسد الخليفة الأمين ؟
قال : أقبل على اللعب ، واشتغل بالطرب ، وأهان أهل الحسب ، وقرب الوشب .
قلت : فلماذا أيد الله عمر بن عبد العزيز ، وجعله في حرز حريز ؟
قال : الرجل اتقى ربه ، وخاف ذنبه ، وأصلح ما بينه وبين الديان ، فعمّر الله به البلدان . ركب سفينة السنة ، فأوصلته الجنة .
قلت : فأخبرنا بصفات تصلح السلطان ، وتوصله الرضوان ؟
قال : عليه بصدق الصدِّيق ، وعدل الفاروق ، وسخاء عثمان ، وشجاعة عليّ إذا التقى الجمعان .
قلت : فمن أحق الناس بإكرام السلطان ؟
قال : عالم عامل ، وعابد فاضل ، وشيخ كبير ذابل .
قلت : فمن أحق الناس بعقوبة السلطان ؟
قال : السفهاء ، الذين يحتقرون العلماء ، والمجاهرون بالمعاصي صباحاً مساء . ومن يأخذ حقوق العباد بالاعتداء .
قلت : فلماذا أحب الناس الخلفاء الراشدين ؟
قال : لأنهم كانوا صادقين ، وبربهم واثقين ، وبرعيتهم رفيقين .
قلت : فلماذا سقطت الدولة الأموية ، وقد كانت قوية ؟
قال : أخّر القوم الصلاة ، وأكرموا العصاة ، وجاروا في الأحكام ، فانقلبت بهم الأيام .
قلت : فلماذا سقط بنو العباس ، وقد كانوا أهل نجدة وبأس ؟
قال : هجر القوم المثاني ، واشتغلوا بالأغاني ، وملأوا القصور بالغواني ، وغرتهم الأماني .
قلت : فلماذا سقطت الدولة العثمانية ؟
قال : قربوا الصوفية ، وحاربوا الدعوة السلفية ، وأهانوا الرعية ، واشتغلوا بالملذات الدنيوية ، وأهملوا الشعائر الدينية .
قلت : فما معنى كلام ابن تيمية : إن الله ينصر الدولة الكافرة ، إذا كانت عادلة ويمحق الدولة المسلمة ، إذا كانت ظالمة ؟
قال : هذا كلام صحيح ، وفهم مليح . فالدول إذا عدلت قرّت ، واستقرت ، وأعطاها الله الأمان ، من روعات الزمان ، ومن مصائب الحدثان . وإذا ظلمت محقت وسحقت ، وتمزّقت وتفرّقت . وهذه سنة ماضية ، وحكمة قاضية .
قلت : ولماذا قال عمر على المنبر يوم صاح بطنه من الجوع وقرقر : قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع الفقير المقتر ، والشيخ المعسر ؟
قال : عمر إمام العدالة ، شرح الله بالعدل باله ، صدق الله فأصلح أحواله ، وجعل التقوى سرباله . فسيرة عمر تخوف الظالمين ، وترهب الآثمين ، وهي قصة بديعة في العالمين .
قلت : ما رأيت الظالم طال عمره ، ولا حماه قصره ، ولا ارتفع قدره .
قال : أما تدري أن الله أخرج كل ظالم من قصره وجره ، وقطع دابره بالمـرة ، واستنـزله من برجه العاجي كأنه هرة .
قلت : مثل ماذا يا هذا ؟
قال : عجباً لك أما تعي ، وأنت بالعلم تدعي . أما أهلك فرعون وخرب داره ، وترك قصوره منهارة ، ودس أنفه في الطين كأنه فارة .
أما رأيت شاوشيسكوا رئيس رومانيا المهين ، مزقه شعبه وهو لعين ، سحبوه في الشارع كأنه تنين ، فما كان له من فئة ينصرونه وما كان من المنتصرين .
أما رأيت شاه إيران ، السفيه الغلطان ، الذي كان بكأس الظلم سكران ،أكثر من السلب والنهب ، والضرب والصلب ، فطرده شعبه كالكلب . فمات في مصر مع فرعون ، وكتب في التاريخ الشاه الملعون .
أما رأيت ماركوس رئيس الفلبين ، أحد الظلمة الكاذبين ، أذاق قومه الويلات ، وأسقاهم كأس النكبات ، فمال عليه قومه ميلة واحده ، فإذا دولته بائدة ، فصار في العالم طريدا ، وأصبح في الأرض شريدا .
قلت : أرشدتني أنار الله فكرك ، وأعلا ذكرك ، وقد حملت شكرك .

المقـامَــــة الجـامعـيَّـــة
 وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا 
اطلب العلم وحصّله فمن
لا تقل قد ذهبت أربابه
يعرف المقصود يحقر ما بذل
كل من سار على الدرب وصل

بكى زميلي في الجامعة عمرو بن كُلثوم ، كأنه أكل الثوم ، فلما رأيت الدمع ملأ عيونه ، تذكرت قول الشاعر : بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه .
فقلت : ما لعينك دامعة . قال : من كثرة العناء في الجامعة .
قلت : من صبر ظفر ، ومن ثبت نبت . فقال زميلي عمرو ، وكأن في قلبه جمر : حدثنا عن دراستك في كلية أصول الدين ، فإني لك بالنصح مدين .
قلت : كنت أدرس في أبها ، والعلم عندي من الشهد أشهى ،لا أخرج من الحارة، من البيت إلى المنارة ، وقليلاً ما أركب السيارة . كانت الكتب أغلى عندي من الذهب، فإذا تفردت بكتاب ، نسيت الأصحاب والأحباب .
كنت أصلي الفجر ، ثم أجلس في مصلاي لطلب الأجر ، فإذا داعبني النعاس ، قلت : لا مساس ، فإذا غدا الطير من وكره وطار ، وقضيت وجبة الإفطار ، ذهبت إلى الكلية ، ونسيت الدنيا بالكلية .
وكأن زملائي أهل جد وجلد ، والكل منهم مثابر مجتهد . ذكرونا بالصحب الأول ، وكانوا من سبع دول ، اثنان من السعودية ، أخلاقهم ندية ، وصداقتهم ودية ، وآمالهم وردية . وأربعة من اليمن ، تشتري صحبتهم بأغلى ثمن ، وأعدّها عليّ من أحسن المنن ، وواحد من أوغندا ، يهد الدروس هدا ، كأنه ليث إذا تبدا ، وطالبان من السودان أعذب من الماء عند الظمآن ، وطالب من دولة بنين ، قوي أمين ، ومن نيجيريا أربعة طلاب ، يكرمون الأصحاب ، ويتحفون الأحباب ، وواحد من الصومال ، من خير الرجال ، مع صبر واحتمال . فإن اختلفنا في الديار ، فنحن إخوة في شريعة المختار .
فاجتمع في الفصل اللسان ، والألوان ، واللّغات ، واللهجات ، من كل الجهات . فصرت أنا بينهم كسحبان وائل ، ولو أنني أعيا من باقل . فكنا في أحسن زمالة ، لا سآمة ولا ملالة ، ودرّسنا أساتذة ، بعضهم جهابذة ، فكان منهم من يحضر وينظرّ ، ويأتي الفصل وهو مبكر .

تخاله من ذكاء القلب متقداً

ومن تلهبه في العلم نشوانا

ومنهم من كان يقرأ علينا من صحف اكتتبها ، فهي تُملى عليه بكرة وأصيلا ، فكان يرتل علينا المقرر ترتيلا . وربما تعب فقال لنا : ضعوا تحت هذه الكلمة خط ، ولا يزيد على ذلك قط .
ومنهم من كان يأخذ ثلث المحاضرة في تحضير الطلاب ، من حضر ومن غاب ، وربما دلسنا عليه الغياب ، وهو لا يدري بدهاة الأفارقة والأعراب . ويأخذ ثلثها الثاني في تعريفنا بشخصه العظيم ، وما حصل له من تكريم ، فهو يردد علينا هذا الحديث السقيم .
وأما ثلثها الأخير فيشرح لنا المقرّر ، وقد تبلد ذهن كل منا وتحجّر ،مما سمعناه من الحديث المعطر .
ومنهم من شكانا وشاكيناه ، وأبكانا وأبكيناه ، فمرة يشكونا للعميد ، فنسمع الوعيد والتهديد ، فنسخر ونقول : الحمد لله على السلامة ، أسد عليّ وفي الحروب نعامة ، وربما كتبنا فيه خطابا ، فيملؤنا سبابا ، ويقول : لن أخاف من كيدكم ولا أقلق ، كما قال الأول : زعم الفرزدق .
ومنهم من عجب من إجابتي ، وكثرة إصابتي ، وأقسم لو جاز أن يعطى فوق الدرجة لأعطاها ، ولا يخاف عقباها ، فأجد الامتعاض من الزملاء ، ثم نعود إلى جو الإخاء . وقد نظمت في الأساتذة بعض الأبيات ، فيقول الزملاء : بهذه الطريقة نلت الدرجات ، فيهمزون ويلمزون ، وإذا مرّوا بنا يتغامزون . وربما أطلقت في الفصل النكات ، فيهتز الفصل من الضحكات .
أذكر مرّة ، كانت لحظة مسرة ، أن أحد الدكاترة ، وكانت أذهاننا معه فاترة ، قال لنا : إن الغزالي صاحب الأحياء مات والبخاري على صدره ، يقصد كتاب الصحيح، فقلت بلا استحياء : هذا أمر عجيب ، وخبر غريب ، لأن البخاري مات في القرن الثالث ، والغزالي في القرن السادس ، فكيف يكون البخاري على صدر الغزالي .
فقال الأستاذ : أنت قد بلبلت بالي ، قلت : قصيدة البلبلة لصفي الدين الحلي وهي مهلهلة . ثم أنشدتها بدون استئذان ، حتى أدخلتها الآذان ، ومطلعها :

يا بلي البال قد بلبلتُ بالبلبال بالي

بالنوى زلزلتين والقلب بالزلزال زالا

فقال الأستاذ وقد تميز من الغيظ : زدنا يا عائض من هذا الفيض .
فأنشدت :
فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشى

قلاقل عيس كلهن قلاقل

والطلاب في ضحكهم هائمون . ثم قلت للأستاذ : سامحني يا علم الأفذاذ ، فقد تذكرت بيت الأعشى :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني

شاوٍ مِشلٌّ شلولٌ شلشلٌ شَوِل

وشجعني أن بضاعته من العلم مزجاة ، فقلت : أزجي الوقت كما أزجاه ، وإذا ذهب العلم فليذهب الجاه .
وكنت أستأذن بعضهم في أول كل محاضرة ، ووجوه الطلاب يومئذٍ ناظرة ، فأنظم أرجوزة ، أبياتها مهزوزة ، فيتركني الأستاذ ولسان حاله يقول : دعوه على حاله ، فالله هو الذي يهب العقول . ولا أفعل هذا إلا مع أستاذ هو كلّ على مولاه ، فأريد أن أجازيه على ما أولاه .
ومرة ذهبنا في رحلة برية ، فجعلوني رائد السريّة ، فانذهل مني المدرب وتعجب ، واستغرب وتعذب ، فلم أظهر له أنني عنيد ، بل جعلت نفسي كأنني أبله بليد ، فإن صاح فينا : استعد استرحت ، وإن قال : استرح استعديت ، وإذا قال : إلى الأمام سر ، رجعت إلى الورى ، وإذا قال : إلى الخلف در مشيت إلى الأمام ، وإذا طلب منا العد بالأرقام ، قفزت عشرين رقماً للأمام ، فإن كان رقمي عشرة قلت : ثلاثون ، والناس يضحكون ، والكل مرتاحون ، إلا المدرب فقد جف ريقه ، وظهر حريقه .
وربما تساجلنا في بعض الأمسيات ، فأنظم في الحال الأبيات ، وليس هذا والله من المبالغات .
وربما أنشد بعضهم نصف بيت سابق ، فأكمله من عندي :
نحن الذين صبحوا الصباحا

فقلت :
وقد أكلنا الموز والتفاحا

وقال آخر :
حتى إذا جن الظلام واختلط

فقلت :
سمعت صوت القط من بين القطط

وكان أستاذٌ يلحن في العربية ، فكنت أقول :
واللحن عند شيخنا يجوز

كقولهم مررت بالعجوزُ

وأنشدنا أستاذ الأدب بيت صفي الدين الحلّي
سل الرماح العوالي عن معالينا

واستشهد البِيض هل خاب الرجا فينا

فذكرت حالنا المعاصر ، فقلت :
سل الصحون التباسي عن معالينا

واستشهد الرُّزّ هل خاب الرجا فينا

وأرادوا في الكلية التشجيع ، فجعلوني الطالب المثالي في الحفل الختامي الوسيع ، فجئت لآخذ الجائزة ، والنفس بالفرح فائزة ، فكان العميد يناول الجائزة المسئول ، والمسئول بدوره يناولها الطالب المقبول ، فأخذت الجائزة من العميد في استعجال ، وسلمتها المسئول في ارتجال ، فضجت بالضحك القاعة ، لأنها حركة ملفتة خَدَّاعة .
وفي المرحلة الجامعية ، كانت زمن الهمة الألمعية ، والعزيمة اللوذعية ، فقد أعانني الرحمن ، على حفظ القرآن ، وجودته على الشيخ الرباني ، عبيد الله الأفغاني ، وحفظت بعض المتون ، في بعض الفنون ، أما القراءة والمطالعة ، فكانت شمسها ساطعة ، فلم يكن لي غير المطالعة عمل ، وهي أحسن قوة لدي وأقصى أمل ، فإذا خلوت بالكتاب ، فقد اجتمع عندي أفضل الأصحاب ، وأحب الأحباب ، حينها لا يعادله عندي روضة خضراء ولا حديقة فيحاء ، فالكتاب أشرف صاحب على الدوام ، وخير جليس في الأنام ، وكنت أتعجب ممن لا يطالع ، أو يقضي وقته في الشارع . وقد أقبلت على علم الحديث بانكباب ، وقبل ذلك كنت منهمكاً في الآداب .
أما المقرر فلم أذاكره إلا وقت الامتحان ، لأنني أراه أقل من أن يصرف له كل الزمان . وفترة الجامعة ، كانت أخصب فترة عندي لحضور المخيّمات ، والرحلات والأمسيات ، ونظم المقطوعات والأرجوزات ، وما تأثرت في تلك الأيام ، بأستاذ ولا شيخ ولا إمام ، كتأثري بزميلين ، ماجدين ، عابدين ، صادقين .
أحدهما : النيجيري عبد الرشيد ، وكان عندي من أصدق من رأيت في عبادة الحميد المجيد ، كثير قيام الليل ، بعيد عن القال والقيل ، لا تراه إلا ذاكراً ، أو مذاكرا ، أو شاكرا ، له أذكار وأوراد ، وهو عليها معتاد ، وقد رزقه الله بسطة في الجسم ، وحباً للعلم . وأخبرني بأن جدته دعته إلى العبادة ، حتى صار قيام الليل له عادة .
والثاني : سراج الرحمن ، من باكستان ، وقد ملأ الله قلبه بالإيمان ، أكثر نهاره صامت ، وبالليل قانت ، متواضع ، خاشع ، طائع ، مضرب المثل في النبل والفضل .
وكان لي زميل إفريقي درس في باريس ، فكان يلقي الشبه على هيئة التدريس ، وكان مبغضا للعرب ، فلقينا منه العجب ، فكان إذا أورد شبهة انتفض ، وأقوم وأعترض، فربما غضب وأزبد ، وأرعد وتهدد ، فيغضب لي كل الفصل لأنه متطاول متوعد ، وهو مفتون بحب فرنسا ، حب لا ينسى ، وقد أغضبنا بالسفه والطيش ، ولكننا نغصنا عليه العيش . ولما تخرجنا من الكلية ، كانت النتيجة حصلتُ على الأولية ، ومع الامتياز هدية، وألقيت قصيدة عربية منها :

أيها الخريج يا نجم العلا

يا شعاع الأمل المرتقب

قل هو الرحمن آمنا به

واتبعنا هادياً من يثرب

من بلادي يطلب العلم ولا

يطلب العلم من الغرب الغبي

وبها مهبط وحي الله بل

أرسل الله بها خير نبي

فلما انتهيت من القصة ، قلت لزميلي عمرو ، هذا كل ما في الأمر .
ولك مني الدعاء والشكر .

المقـامَــــة الـشيطـانيـــة
 إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ 
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها
ما بال أشيب يستهويه شيطان

قال عبد الله بن آدم : حاورت الشيطان الرجيم ، في الليل البهيم ، فلما سمعت أذان الفجر أردت الذهاب إلى المسجد ، فقال لي : عليك ليل طويل فارقد .
قلت : أخاف أن تفوتني الفريضة .
قال : الأوقات طويلة عريضة .
قلت أخشى ذهاب صلاة الجماعة .
قال : لا تشدد على نفسَك في الطاعة .
فما قمت حتى طلعت الشمس . فقال لي في همس : لا تأسف على ما فات ، فاليوم كله أوقات . وجلست لآتي بالأذكار ، ففتح لي دفتر الأفكار .
فقلت : أشغلتني عن الدعاء . قال : دعه إلى المساء .
وعزمت على المتاب . فقال : تمتع بالشباب .
قلت : أخشى الموت . قال : عمرك لا يفوت .
وجئت لأحفظ المثاني ، قال : رَوّح نفسك بالأغاني .
قلت : هي حرام . قال : لبعض العلماء كلام .
قلت : أحاديث التحريم عندي في صحيفة . قال : كلها ضعيفة .
ومرت حسناء فغضضت البصر ، قال : ماذا في النظر ؟
قلت : فيه خطر . قال : تفكر في الجمال ، فالتفكر حلال .
وذهبت إلى البيت العتيق ، فوقف لي في الطريق ، فقال : ما سبب هذه السفرة ؟
قلت : لآخذ عمرة .
فقال : ركبت الأخطار ، بسبب هذا الاعتمار ، وأبواب الخير كثيرة ، والحسنات غزيرة .
قلت : لابد من إصلاح الأحوال .
قال : الجنة لا تدخل بالأعمال . فلما ذهبت لألقي نصيحة ، قال : لا تجر إلى نفسك فضيحة .
قلت : هذا نفع للعباد . فقال : أخشى عليك من الشهرة وهي رأس الفساد .
قلت : فما رأيك في بعض الأشخاص ؟ قال : أجيبك عن العام والخاص .
قلت : أحمد بن حنبل ؟ قال : قتلني بقوله : عليكم بالسنة ، والقرآن المنـزل .
قلت : فابن تيميـة ؟ قال : ضرباته على رأسي باليومية .
قلت : فالبخـاري ؟ قال : أحرَق بكتابه داري .
قلت : فالحجـاج ؟
قال : ليت في الناس ألف حجاج ، فلنا بسيرته ابتهاج ، ونهجه لنا علاج .
قلت : ففرعـون ؟ قال : له منا كل نصر وعون .
قلت : فصلاح الدين ، بطل حطين ؟ قال : دعه فقد مرّغنا بالطين .
قلت : محمد بن عبد الوهاب ؟
قال : أشعل في صدري بدعوته الالتهاب ، وأحرقني بكل شهاب .
قلت : فأبو جهـل ؟ قال : نحن له إخوة وأهل .
قلت : فأبو لهـب ؟ قال : نحن معه أينما ذهب .
قلت : فلينين ؟ قال : ربطناه في النار مع استالين .
قلت : فالمجلات الخليعـة ؟ قال : هي لنا شريعة .
قلت : فالـدشـوش ؟ قال : نجعل الناس بها كالوحوش .
قلت : فالمقاهــي ؟ قال : نرحب فيها بكل لاهي .
قلت : ما هو ذكركم ؟ قال : الأغانـي .
قلت : وعملكـم ؟ قال : الأمانـي .
قلت : وما رأيكم في الأسـواق ؟ قال : علمنا بها خفّاق ، وفيها يجتمع الرفاق .
قلت : فحزب البعث الاشتراكي ؟
قال : قاسمته أملاكي ، وعلمته أورادي وأنساكي .
قلت : كيف تضل الناس ؟
قال : بالشهوات والشبهات والملهيات والأمنيات والأغنيات .
قلت : وكيف تضل الحكام ؟
قال : بالتعطش للدماء ، وإهانة العلماء ، ورد نصح الحكماء ، وتصديق السفهاء .
قلت : فكيف تضل النساء ؟
قال : بالتبرج والسفور ، وترك المأمور ، وارتكاب المحظور .
قلت : فكيف تضل العلماء ؟
قال : بحب الظهور ، والعجب والغرور ، وحسد يملأ الصدور .
قلت : فيكف تضل العامّـة ؟
قال : بالغيبة والنميمة ، والأحاديث السقيمة ، وما ليس له قيمة .
قلت : فكيف تضل التجّـار ؟
قال : بالربا في المعاملات ، ومنع الصدقات ، والإسراف في النفقات .
قلت : فيكف تضل الشباب ؟
قال : بالغزل والهيام ، والعشق والغرام ، والاستخفاف بالأحكام ، وفعل الحرام .
قلت : فما رأيك في إسرائيل ؟
قال : إياك والغيبة ، فإنها مصيبة ، وإسرائيل دولة حبيبة ، ومن القلب قريبة .
قلت : فالجاحظ ؟ قال : الرجل بين بين ، أمره لا يستبين ، كما في البيان والتبيين.
قلت : فأبو نواس ؟ قال : على العين وعلى الرأس ، لنا من شعره اقتباس .
قلت : فأهل الحداثـة ؟ قال : أخذوا علمهم منا بالوراثة .
قلت : فالعلمانيــة ؟
قال : إيماننا علماني ، وهم أهل الدجل والأماني ، ومن سمّاهم فقد سماني .
قلت : فما تقول في واشنطن ؟
قال : خطيـبي فيها يرطن ، وجيشي بها يقطن ، وهي لي موطن .
قلت : فما تقول في صَـدَّام ؟
فهتف يقول : بالروح والدم نفديك يا صدام ، يسلم أبو عدي على الدوام .
قلت : فما رأيك في الدعاة ؟
قال : عذبوني وأتعبوني وبهدلوني وشيبوني يهدمون ما بنيتُ ، ويقرؤون إذا غنيتُ ، ويستعيذون إذا أتيتُ .
قلت : فما تقول في الصحف ؟
قال : نضيع بها أوقات الخلف ، ونذهب بها أعمار أهل الترف ، ونأخذ بها الأموال مع الأسف .
قلت فما تقول في هيئـة الإذاعـة البريطانيـة ؟
قال : ندخل بها السم في الدسم ، ونقاتل بها بين العرب والعجم ، ونثني بها على المظلوم ومن ظلم .
قلت : فماذا فعلتَ بالغـراب ؟
قال : سلطته على أخيه فقتله ودفنه في التراب ، حتى غاب .
قلت : فما فعلتَ بقـارون ؟
قال : قلت له : احفظ الكنوز ، يا ابن العجوز ، لتفوز ، فأنت أحد الرموز .
قلت : فماذا قلتَ لفرعـون ؟
قال : قلت له : يا عظيم القصر ، قل : أليس لي ملك مصر ، فسوف يأتيك النصر.
قلت : فماذا قلتَ لشارب الخمر ؟
قال : قلت له : اشرب بنت الكروم ، فإنها تذهب الهموم ، وتزيل الغموم ، وباب التوبة معلوم .
قلت : فماذا يقتلك ؟
قال : آية الكرسي ، منها تضيق نفسي ، ويطول حبسي ، وفي كل بلاء أمسي .
قلت : فمن أحب الناس إليك ؟
قال : المغنّون ، والشعراء الغاوون ، وأهل المعاصي والمجون ، وكل خبيث مفتون .
قلت : فمن أبغض الناس إليك ؟
قال : أهل المساجد ، وكل راكع وساجد ، وزاهد عابد ، وكل مجاهد .
قلت : أعوذ بالله منك ، فاختفى وغاب ، كأنما ساخ في التراب ، وهذا جزاء الكذاب .

المقـامَــــة الأبــويَّـــــة
 يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى
مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ 
يا كوكباً ما كان أقصر عمره
جاورت أعدائي وجاور ربه
وكذا تكون كواكب الأسحار
شتان بين جواره وجوار

هذه المقامة ، لأبنائي وصية ، وهي أعظم هديَّة ، وإنما العمل بالنية .
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، فمن فعل ذلك فإن الله ظهيره ونصيره . وكل ما سمعتم حديثاً لصاحب الشفاعة ، فقولوا : سمعاً وطاعة .
وأوصيكم ببر الآباء والأمهات ، وأنهاكم عن منعٍ وهات ، وتضييع الصلوات ، واتباع الشهوات . والله الله في تدبر المثاني ، وهجر الأغاني ، وترك الأماني .
واعلموا أنها قامت عليكم الحجة ، وبانت المحجة . وأوصيكم بتوقير شعائر الدين ، فإنها تقوى رب العالمين . واستعدوا للرحيل ، إلى الملك الجليل ، فإنكم قادمون إليه عما قليل . وإذا سمعتم الأذان ، فأجيبوا داعي الرحمن ، فليس بعد الأذان أعمال ولا أشغال ، بل ذهاب إلى بيت ذي الجلال .
وقد دعيتم فأجيبوا الداعي ، بقلب واعي ، فإني أخشى على من تهاون بتكبيرة الإحرام ، مع الإمام ، أن يحرم التوفيق على الدوام ، وأن لا يبلغه الله المرام .

ولقد نصحت ولي تجارب جمة

ولقِيت كل معلم مأمـون

فإذا النعيم وكل ماجد زائل

يفنى ويبقى سعيكم للدين

واعلم أن من صحب الفسّاق ، ونقض الميثاق ، ابتلاه الله بالنفاق .ولا تقولوا نحن في عصر الصبا ، وكم من سيف نبا ، وجَواد كبا ، فهذا كلام من غره بالله الغرور ، حتى فاجأته قاصمة الظهور ، وطرح في القبور ، وتذكروا ليلة صبحها يوم القيامة ، فما أكثر الأسف فيها والندامة . وتذكروا أول ليلة في القبر ، فلا إله إلا الله ما أعظمه من أمر ، ليلة ليس فيها جليس ولا أنيس ، يرتجف لها القلب ، ويذهب من هولها اللب ، ليس معكم فيها صديق ولا رفيق . تخلى عنكم الأحباب وترككم الأصحاب ، وجردوكم من الثياب ، ووسدوكم التراب . الأموال بعدكم قسمت ، والبيوت سكنت ، والزوجات نكحت ، فأين قلوبكم والعقول ، ما لكم في ذهول ، وأنتم في نقول .
فارقعوا بالاستغفار ما مزقته أيادي الذنوب الكبار . واغسلوا بدمع العيون غبار الذنوب ، وتولوا إلى علام القلوب ، وعليكم بالسكوت ، ولزوم البيوت ، والرضا بالقوت ، فإنه كاف لمن سيموت . والحرص على تكبيرة الإحرام ، وسلامة الصدور من الآثام ، وإطابة الطعام ، وحسن الخلق مع الأنام ، عربون صادق لدار السلام . وطهروا القلوب من الإحن ، وألزموا السنن ، وفروا من الفتن ، تجدون عونه عز وجل وقت المحن، مع إسباله عليكم ثوب المنن .
وأشرف تاج تاج الديانة ، وثوب الصيانة ، والصدق والأمانة ، والوقار والرزانة . وثوب الرياء ثوب مخرق ، ورداء الكبر رداء ممزق . والعمل بالسُّـنَّة ، أقرب طرق إلى الجنة ، ومرافقة الأشرار ومصاحبة الفجار ، هي الخسار والبوار ، وهم الدعاة إلى النار ، ومن ألان كلامه ، ووصل أرحامه ، وبذل طعامه ، ونشر سلامه ، أكرم الله في الجنة مقامه . وويل لمن كان خصمه لسانه ، وأشهد على نفسه إخوانه ، واستشار في أمره شيطانه وأرخص للشهوات إيمانه . وخلوة بكتاب ، ودمعة في محراب ، وتواضع للأصحاب ، خير من القصور والقباب . وما أقبح ممن ناداه ربه إلى المسجد ، فتبلد وتردد ، ومن عود لسانه الذكر ، وقلبه الشكر ، وعقله الفكر ، وبدنه الصبر ، نال أعظم الأجر ، وحط عنه الوزر .
وكل لباس يبلى إلا لباس التقوى ، ومن كان في دنياه شقياً ، بمخالفة مولاه فهو في الآخرة أشقى ، والمأسور من أسره هواه ، والمخذول من عصى مولاه ، والمفلس من خاب مسعاه . وعليكم يا أبنائي بالصبر على المصائب ، والتجلد للنوائب ، ومجانبة الغضب ، والإجمال في الطلب ، والإخلاص في الطاعة ، والزهد والقناعة .
واعلموا أنه ليس معكم في شدائد الزمان ، غير الواحد الديَّان ، فلا يغرركم كلام الإخوان ، فإن الناس في وقت العافية أعوان ، واستنطقوا الذكر الحكيم ، واتبعوا الرسول الكريم ، وألزموا الصراط المستقيم .
واعلموا أن للذنوب كَفّارات ، وإن الحسنات يذهبن السيئات ، وأنه لا أنفع من الصالحات ، ولا أضر من الموبقات . وللذنب من الله طالب ، وعلى الضمائر مراقب ، وللأعمال محاسب . واعلموا أن شرفكم صدق اللسان ، ونسبكم الإحسان ، وكنـزكم الإيمان . ولن ينقذكم من النار ، إلا طاعة العزيز الغفار ، واتباع المختار . واطلبوا الكفاف، واستتروا بالعفاف ، وخذوا وأعطوا الإنصاف ، فإن الحق كاف واف .
واسلكوا من الطرق الوسط ، ودعوا الغلو والشطط ، والتهور والغلط . واسمعوا مني نصيحة . اعلموا أن الدنيا لا تساوي تسبيحة ، ولو كانت مليحة ، لجعلها الله لأوليائه مريحة . وصونوا أنفسكم من سؤال الناس ، واستغنوا عما في أيديهم باليأس . واطلبوا العلم فإنه أجل المطالب ، وأعظم المواهب ، وهو أرفع من المناصب ، وأكرم من كل المراتب . وزينته العمل ، وخوف الأجل ، والاعتصام بما نزل . والداء العضال معاداة الرجال ، ومن سالم الناس سلم ، ومن صمت غنم . والناس لا يطلبون منكم الأرزاق ، وإنما يطلبون جميل الأخلاق . وأوصيكم بالأذكار ، في طرفي النهار ، فإنها عبادة الأبرار. ولا تهجروا تلاوة القرآن كل يوم . فإنه دواء الهموم والغموم . وركعتان في السحر خير مما طلعت عليه الشمس والقمر ، ووقروا الكبير ، وارحموا الصغير .
واحذروا أن يكون لسان أحدكم كالمقراض في الأعراض ، فإن هذا من ضعف البصيرة ، وخبث السيرة ، ورافقوا أهل الصلاح، وأحبوا أصحاب الفلاح، ولا تستصغروا شيئاً من المعاصي ، وراقبوا من يأخذ بالنواصي . وقسوة القلب يذيبها الندم ، والدمع المنسجم ، والأسف من الذنب المنصرم . ولا تتنعموا تنعم المترفين ، ولا تزروا بأنفسكم فعل الشحّاذين ، فإن المبالغة في الزينة للنساء ، والوقاحة للإماء ، والشره للسفهاء ، فكونوا أنتم العلماء الحكماء . وأدمنوا الاستغفار كل حين ، فإنه مفتاح رضى رب العالمين ، وهو قوة وتمكين ، وعلى كل كربة معين . ومن لم يراقب الحسيب ، ويردعه الشيب ، ويخاف العيب ، فليس له في الفضيلة نصيب . وويل لمن غرته دنياه ، وخدعه مناه ، وصرعه هواه . وطوبى لعبد إذا أنعم عليه شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا أذنب استغفر . وعليكم بتوقير الصحابة ، وحب القرابة ، مع لزوم مذهب السلف ، فهم أعلم وأحكم من الخلف . حفظكم الله بالدين ، وعصمكم من نزغات الشياطين .


المقـامَــــة الـصَّحفـيـــة
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا 
طوى الجزيرة حتى جائني خبر
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

قال سعيد بن شهاب ، كنت في الشباب ، أسكن في حارة العزاب ، فتعلمت الثقافة ، ودرست اللقافة ، وقلت : أعمل في الصحافة . فذهبت إلى السكرتير ، فقال : عليك بالمدير ، فذهبت إلى المدير ، قال : عليك بالوزير ، فذهبت إلى الوزير ، فقالوا : عفواً هو في اجتماع مع السفير ، فكاد قلبي أن يطير . فقالوا : ما عنك يا شاب ، وفقت للصواب .
قلت : أريد أن أعمل لديكم مراسلاً للأخبار ، في بعض الديار .
قال : لابد أن تنقل لنا المصائب ، والعجائب والغرائب . فلا نريد منك أن تقول: فلان حفظ القرآن ، وانتصر الأفغان ، وأعلن فوزهم الشيشان ،فهذا كلام مستهلك من زمان . نريدك تقول مثلاً : تحطمت طائرة اليابان ، وسقطت عمارة في لبنان ، وانفجرت قنبلة في اليونان ، وماتت نعجة في السودان ، وانكسرت رِجْل قطة في باكستان .
وعليك بتهويل الخبر ، حتى يذاع وينشر ، فمثلاً إذا سقطت طائرة فقل : تناثر حطام الطائرة تناثراً عجيباً ، وخلف وراءه لهيباً ، وارتطمت بإحدى العمارات ، مما سبب كثيراً من الانفجارات .
قلت : فإذا لم نجد الأخبار ، ماذا نكتب للقراء الأخيار ؟
قال : من جد وجد ، وعليك بأخبار البلد ، فقل مثلاً : طلّق اليوم أبو سرور زوجته أم مستور ، لخلاف نشب بينهم قبل شهور ، بسبب غلاء المهور .
وترقى أبو شريف ، إلى رتبة عريف ، بعد جهد عنيف ، وصبر منيف . وافتتحت اليوم بقالة ، في بلدة أبو عقالة ، صاحبها مبروك بن مرزوق ، خلف ظهرك إذا دخل السوق . وشاهد الناس اليوم شيئاً في السماء ، كأنه زخات ماء ، فشعروا بالخطر ، وإذا هو زخات مطر . وطارد أحد المواطنين فارة ، حتى أخرجها من الحارة ، فماتت عند الإشارة .
وتخرج الطالب سليم بن هذلول ، من أول ابتدائي بتقدير مقبول .
ورسب الطالب خلف بن عسعوس ، في سبعة دروس ، وخيرها في غيرها .وانتطح ثوران ، في بيت الجيران ، ومر على هذا الحادث شهران .
قلت : فإن لم نجد أخبارا ، فهل تجد لنا أفكارا ؟
قال : عليك بأخبار الطقس ، فإنها خفيفة على النفس ، فقل مثلاً : هبت رياح شرقية غربية ، متجهة إلى المنطقة الجنوبية ، أحياناً تثير غباراً ، وأحيانا لا تثير غباراً . ترتفع في المرتفعات ، وتنخفض في المنخفضات . والبحر يميل إلى الحمرة ، تعلوه عند الغروب صفرة . إذا هبت عليه الرياح هاج ، وإذا سكنت ماج .
قلت : فإن لم أجد عن الطقس ما أقوله ، ولا أجد أخباراً منقولة ؟
قال : عليك بالتاريخ ، ولو عن البطيخ .
قلت : مثل ماذا ؟ قال : انقل لنا الأخبار الخفيفة ، الطريفة ، مثل : دخلت رمانة جارية هارون الرشيد ، وفي يدها عقد فريد ، فقال : ما هذا يا رمّانة ؟ قالت: هذا عقد أخذته من قهرمانه . قال : ومن قهرمانه ؟
قالت : جارية مولاتي عبدانه . قال : ومن عبدانه ؟ قالت : هي التي تسكن في الزوراء ، ويعرفها الفقراء ، فتعجب الخليفة ، من ذكاء رمانة ، وخاطب إخوانه، وقال : يا غلام أعط رمانة ألف دينار ، واجعلها من أهل الدار .
قلت : فإن لم أجد عن التأريخ ؟
قال : عليك بعلم الآثار ، فإنه قرة الأبصار ، وفيه العظة والاعتبار .
فحدثنا عن لجام بغلة ابن مقبول ، الذي وجد في استنبول ، أو الحذاء المرقع المدفون، في عهد المأمون ، أو عمامة أبي دلامة ، المدفونة في كنيسة القيامة ، أو عصا حماد الراوية ، التي كسرت في قرية الزاوية .
قلت : فإن لم أجد ؟ قال : فحدثنا بما هبَّ ودبّْ عن الطبّْ . مثل أن تخبرنا بفوائد شحم الثعالب ، إذا أذيب في قوالب ، ثم مزجت به طحال أرنب ، مع مرقة فأر مركب ، ثم طليت بها الحذاء ، فإنها تشافي من داء الإعياء . أو خبر اكتشاف دواء ضد الموت ، في بئر هوت ، الذي اكتشفه دكتور برازيلي في الأرجنتين ، عثر عليه في بريطانيا بعدما وجده في إيطاليا ، وبحث عنه في ألبانيا ، وأجرى عليه تجارب في بلغاريا ، وهو الآن جاهز للاستعمال في هنقاريا .
قلت : فإن لم أجد ؟ قال : عليكم بالسياسة ، فإنها الطريق إلى الرياسة ، فحدثنا عن غزو أوغندا لبولندا ، وهجوم هولندا على راوندا ، وحاول أن تأتي بأسماء مجهولة ، لأن عقول الناس معقولة ، وإذا لم تجد أخباراً عربيّـة ، فاسرد علينا أخباراً غربيّـة .
فقل مثلاً : ماتت اليوم الآنسة سوزا ، مع كلبها كوزا ، في قرية شمال غرب نوقوسا، وسقط مدير شركة هوندا ، المستر برندا ، فمات قبل أن يتغدا . والظاهر أن الشيشان ، لهم نية في غزو داغستان .
قلت : الآن عرفت سر المهنة الشريفة ، فأنا من اليوم مراسل الصحيفة . ولكن لماذا تجرّون المرفوع ، وتجزمون المنصوب والنحو أمامكم موضوع .
قال : نحن في زمن كم من مرفوع جَرّه ، وكم من مخفوض رفعه بالمرة ، وكم من مجزوم نصبه لكل مسرّة ، فنحن نعرب الكلام ، على حسب حركات الأيام .
والسلام ختام .

مقـامَــــة الـقلــــم
 ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ 
أنصت لميمية جاءتك من أممِ
واكتب به أحرف العلياء إن له
مدادها من معاني نون والقلمِ
نوراً من الحق يمحو حالك الظلمِ

يا أيها الذي جمع الحكم ، أما سمعت نون والقلم ، إن القلم شأنه عجيب ، ونبؤه غريب ، نحيف الجسم ، عظيم الاسم ، جميل الرسم ، إن خط في القرطاس ، أنصت له الناس ، بالقلم تجهّز الجنود ، وترفع البنود ، وتوثق العقود ، وتحل العهود، بحروفه تقضي المحاكم ، وترد المظالم ، وتقطع الجماجم ، وتعقد المواسم ، إن غضب فجر الدماء، وأباد الأحياء ، وأشعل حرباً شعواء ، وإن رضي منح المواهب ، وأعطى الرغائب ، وأهدى المناصب ، من حروفه يجنى العسل ، وتسل الأسل ، إن شاء فمداده سم الحيات ، وأم النكبات ، وسبب البلايا الموجعات ، وإن أراد جعل سطوره نورا ، وصيرها سرورا ، وملأها حبورا ، ونمقها حسناً منشورا ، هو رسول القرون الأول ، وخادم الدول ، وحافظ الملل والنحل ، إذا سال لعابه ، كثر صوابه ، وحضر جوابه ، وتزاحم عبابُه ، لا تسمع له كلاما ، ولكنه صار للحكمة إماما ، وللمعارف قائدا هماما ، لفظه أغلى من الياقوت ، به خط الوحي في الملكوت ، وهو الذي أخبرنا بطالوت وجالوت ، وهو أسحر من هاروت وماروت ، مصيبة القلم أنه يذيع الأسرار ، ولا يكتم الأخبار ، ولا يقر له قرار ، إذا تشجع ملأ الصفحات ، وعبأ المجلدات ، وبسط المختصرات ، وإذا جبن ألغز وأوجز ، وطلسم وأعجز ، وإن تحامل همز ، وغمز ونبز ، كتب به اللوح المحفوظ ، وسطر به العلم المحفوظ ، وقسم به رزق المنحوس والمحظوظ ، تخاطب به الملوك ، أهل الآفاق ، وتقطع به الجبابرة الأعناق ، ويخوف به الفسّاق ، ويحذر به أهل النفاق والشقاق، وسوء الأخلاق ، بالقلم يقضى الأمر ، ويقع القتل والأسر ، وينصت له الدهر ، وتسطر وقائع العصر .
أمضى من الألسنة ، لفظهُ ما أحسنه ، يخبر عن من مات من ألف سنة ، به تسطرّ كل سيئة وحسنة .
تصبح الأوراق به في حسن الرياض ، ويسّود به البياض ، ويذب به عن الأعراض، وبه تشفى الصدور ، من العلل والأمراض .
فتاك سفاك بتاك هتاك . كتوم غشوم ظلوم عزوم
هو الذي كتب رسائل الصفاء ، وهو دبّج أسطر الوفاء ، وهو سجل أخبار الخلفاء، دون السؤال والجواب ، والشكوى والعتاب ، والخطأ والصواب، وما كنت تتلو من قبله من كتاب ، بريشته تحل المعضلات ، وتشرح المشكلات ، وتصان المأثورات ، وتبقى المحفوظات . يخطب بلا صوت ، ويأكل بلا قوت ، ويجمع بين الحياة والموت ، به يرسم الهجر والوصل ، والولاية والعزل ، والجد والهزل .
به يقع العدل والحيف ، والحق والزيف ، وهو القاضي على السيف ، به تنسخ المعرفة ، وتنقل الفلسفة ، وتخط الزخرفة . يسفسط ويقرمط ، وينسج ويدبّج ، يهدم بكلمة بناء عام ، ويلغي بجملة كيد أقوام ، له غمغمة ، وهمهمة ، وتمتمة .
كم من عقل قلقله ، ومن قصر زلزله ، ومن بال بلبله ، ومن كيد أبطله . برسائله عرفت الأرض والسماء ، وعلى رسمه خلدت آثار الحكماء ، وبِتَصرفه سفكت الدماء ، وعلى حركته نسجت مآثر العلماء .
أفصح من اللسان ، وأحفظ من الإنسان . إذا حملته الأصابع ، فانتظر القوارع ، وارتقب الفواجع . له أزيز كأزيز المرجل ، ودبيب كدبيب الأرجل ، وحصاد كحصاد المنجل . عار من اللباس ، دقيق الرأس ، قوي البأس ، عظيم الأثر في الناس .
يشرب ولا يأكل ، ويجيب ولا يسأل . إن عبأته مدادا ، أحال بياضك سوادا . إذا غلط غطش ، وإذا احتد بطش . عقله مرهون ، وخصمه مغبون ، وعذابه غير مأمون .
إن خط بالأحمر قلت : هذا شفق ، أو دم على ورق ، وإن نسخ بالسواد ، صار المداد كنون عيون العباد . وإن كتب بالأخضر قلت : هذه طلعة بستان ، أو بهجة أفنان .
إذا سها رجع القهقرى ، وإذا شك مشى إلى الورى ، له رأس بلا عينين ، ولسان بلا شفتين ، وصدر بلا يدين ، لا يتكلم حتى يشبع ، ولا يخطب حتى يرضع، ولا يسكت حتى يوضع ، ولا يكتب حتى يقرع .
إن سلطته على مختصر شرحه ، أو على غامض أوضحه ، أو على سر فضحه ، أو على عاص نصحه .
إن كنت عربياً فهو أفصح من سحبان ، وإن كنت أعجمياً صار أنطق من الهرمزان، يسمعك وليس له أذنان . إن نمت نام ، وإن قمت قام ، وإن جوّعته صام ،وإن أهملته هام
متحذلق يقظ فإن أرسلته
بتار أعناق الأنام بلفظه
أجرى لعاب رحيقه من صدره
سلاب أفئدة الملوك بسحره

والقلم بيانك ، وهو طوع بنانك ، وهو حاضر الفكر ، كثير الشكر ، صاحب ذكر ، إن حمله اللوذعي ، وكتب به العبقري ، سالت أودية بقدرها ، وانبجست عين من حجرها ، وإن صحبه البليد ، وخط به الرعديد ، كثر عثاره ، وتبلد حماره ، وحجب عيونه غباره ، يوافق المزاج ، في الاستقامة والاعوجاج ، والثبات والارتجاج ، مسدد إلا إذا غضب ، ومليح إلا إذا عتب ، وفصيح إلا إذا حجب ، إذا انتهى زاده ، ونفذ مداده ، وقف جواده ، هوّنوا عليه اللوم وأقلوا ، فانه لا يمل حتى تملوا ، إن لقنته حكمة وعاها ، وإن أرسلته إلى ذاكرةٍ أخرج منها ماءها ومرعاها ، وهو الذي سطر الحكمة تسطيراً ، فلم يغادر منها قليلاً ولا كثيراً ، ولا صغيراً ولا كبيراً ، وإن قصد أحداً بالأذى فلن تجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ، يرقص على نبضات قلبك ، فإن أوقفت الإملاء نادى اذكرني عند ربك ، فذكرك غذاؤه ، وكفك حذاؤه ، ومدادك ماؤه ، وجيبك وعاؤه ، يعرف طريق النجاة ، وهو عظيم الجاه ، يعذر ولو جئنا ببضاعة مزجاة ، إن غلطت غلط ، وإن جهلت ركب الشطط ، لا يغفل الشكل والنقط .
صمت الخطباء وما صمت ، وسكت الشعراء وما سكت ، ومات الملوك ولم يمت ، حذر به المصطفى الأكاسرة ، وأنذر به القياصرة ، وخوّف به الجبابرة ، صدر به قتل الحسين ، وخط به خلع الأمين . وسطر به الوحي في طور سينين ، وروى لنا الجمل وصفين ، يشعل الحرب ولا يحضرها ، ويستودع الأسرار فينشرها ، يتململ في كفك تململ السليم ، ويتقلب تقلب السقيم ، ويبكي بكاء اليتيم ، خط به أفلاطون كتاب الجمهورية ، وأقام به المعتصم وقعة عموريَّة ، ونمّق به ابن تيمية الواسطيَّة ، والحمويَّة ، والتدمريَّة ، نقل لنا سيرة ابن إسحاق ، وحديث عبد الرزاق ، وعجائب الآفاق ، وأخبار العشاق ، نقض الصعلوك ، ودفع الشكوك ، ونادم المملوك ، يفهم بالإشارة ، ويرسم العبارة ، إن كتب به الأحمق تدفق ولم يترفق ، وضل ولم يوفق ، وإن كتب به الرجل الرشيد جاءك بالقول السديد ، والعلم المجيد ، والنقل الحميد .
يطير العلم من الرأس ، فيقيده القلم في القرطاس ، وإذا حمله الأمي قال لا مساس ، مَؤدّب لا ينتقد ، و مقلّد لا يجتهد ، يسهر بلا قيام ، ويجوع بلا صيام ، له كل يوم شجون ، وعنده من الحكمة فنون ، يخون الحفظ وهو لا يخون ، صغير الجرِم ، كبير الجرُم
واسمع أبا تمام يصف الأقلام في أبدع كلام :
لك القلمُ الأعلى الذي بشباته
لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُهُ
لهُ ريقةٌ طلٌّ ولكنَّ وقعَها
فصيحٌ إذا استنطقتَهُ وهو راكبٌ
إذا ما امتطى الخمسَ اللطافَ وأُفرغت
أطاعتهُ أطرافُ القنا وتقوَّضت
إذا استغزر الذهنَ الذكيَّ وأقبلت
وقد رفدتهَ الخنصرانِ وسدَّدت
رأَيتَ جليلاً شأنُهُ وهو مرهفٌ
تُصابُ من الأمر الكُلى والمفاصلُ
وأَرْيُ الجنا اشتارته أيدٍ عواسلُ
بآثارهِ في الشرقِ والغربِ وابلُ
وأعجمُ إن خاطبتهُ وهو راجلُ
عليهِ شعابُ الفكرِ وهي حوافلُ
لنجواهُ تقويضَ الخيام الجحافلُ
أعاليه في القرطاسِ وهي أسافلُ
ثلاثَ نواحيهِ الثلاثُ الأناملُ
ضنىً وسميناً خطُبهُ وهو ناحلُ


مقـامَــــة الكتــاب
 ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 
أعز مكان في الدنى سرج سابح
أنيس إذا جالسته طاب قوله
وخير جليس في الزمان كتابُ
وليس له عند الفراق عتابُ

عليك بالكتاب ، فإنه خير الأصحاب ، وهو روح المؤانسة ، وقوت المجالسة ، أقسم الله بالكتاب المسطور ، في رق منشور ، لأن الكتاب كنـز الإفادة ، وعنوان السعادة ، وهو أمين لا يخون ، وعزيز لا يهون ، إن حملته في النادي شرفك ، وإن جهلت أحداً عرفك ، يقوي جنانك ، ويبسط لسانك ، بالكتاب يجلس الصعلوك ، على كراسي الملوك، يقوم الزلل ، ويسد الخلل ، ويطرد الملل ، ويشافي العلل ، يحفظ الأخبار، ويروي الأشعار ، ويكتم الأسرار ، ويبهج الأبرار ، وهو أشرف لك من المال ، وأطوع لك من الرجال ، وأنسى عندك من العيال ، وبه تبلغ الكمال .
مللت كل جليس كنت آلفه

إلا الكتاب فلا يعدله إنسانُ

عاشرته فأَراني كل مكرمة

له عليَّ رعاه الله إحسانُ

والكتاب إذا خان الصديق وفى ، وإذا تكدر الزمان صفا ، ينسيك جحود الجاحد ، وحسد الحاسد ، وضغينة الحاقد ، خليل ما أملحه ، وصاحب ما أصلحه ، وصامت ما أفصحه ، يقرؤ في كل زمان ، ويطالع في كل مكان ، على اختلاف الأعصار ، وتباعد الأمصار ، بشير ونذير ، ونديم وسمير ، إذا وعظ أبكاك ، وإن حدث أشجاك، وإذا فرح أضحكك ، وإذا بشر أفرحك ، سليم من العيب ، يحمل في الجيب ، لا يشرب ولا يأكل ، ولا يغضب ولا يجهل ، إن هجرته حفظ ودك ، وإن طلبته صار عندك .
يغنيك عن الأرحام ، والأحباب والأصحاب ، فخير جليس في الأنام كتاب .
يقودك إلى الكرامة ، ويبعدك من الندامة ، ويطرد عنك السآمة ، هو نسب ما أشرفه ، وهو بوابة المعرفة ، وخلاصة الفلسفة ، يصلك بأساطين التفسير ، من كل عالم نحرير ، وإمام شهير ، ومحقق بصير ، ويحضر لك المحدثين ، أهل الرواية الصادقين ، والدراية العارفين ، وجهابذة النقل الواعين .
ويجمع لك الفقهاء ، رواد الشريعة الغراء ، وأرباب الفهم الأذكياء ، ويتحفك بقصيد الشعراء ، ونتاج الأدباء ، وبيان البلغاء ، وإنشاء الفصحاء .
يا حروفاً قد أضاءت في الصحفْ
قدرها عنديَ لو تعلمه
أخبرتني بأحاديث السلفْ
كل فضل وجلال وشرف

جزى الله الكتاب ، أفضل ثواب ، فقد أغناك عن البخلاء ، وكفاك الثقلاء ، وأجلسك مع النبلاء ، وعرّفك بالفضلاء ، يوفي لك الكيل ، ويقصّر عليك الليل ، هو تاجك في كل ناد ، وأنيسك في كل واد ، وهو سلوة الحاضر والباد ، وخير ما أنتجه العباد .
أما تراه خفيف الجسم موضعه
هو الذي فّخم السادات واحتفلت
على الصدور وبين الأنف والمقلِ
به الملوك وأهل الشأن والدولِ

اصرف له أثمن الأوقات ، وأنفق عليه أعظم الهبات ، ولا تطع فيه أهل الشهوات .
هو الذي حبّب إليك الزمان ، وأجلسك في صدر المكان ، قال القط : يا أيها البط، أخرج من الشط ، فالتفت إليه ورد عليه وقال : يا سيد الجهاد ، لو كنت من القراء، لما أعظمت الافتراء ، أما طالعت في كتاب الهجرتين ، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
ليس المجد حلي وآنية ، ولا دف وغانية ، ولا قطوف جانية.
وليست السعادة كنـز ، وبنـز ، وبز ، وجنـز ، ورز ، وقز ، فهذا ليس بعز .
وليس السؤدد ، بنود ، وجنود ، وحشود ، ووفود .
لكن المجد والسعادة ، والشرف والسيادة ، علم أصيل ، وبرهان ودليل ، وكتاب جليل ، يغنيك عن كل خليل .


المقـامَــــة الـطبـيّـــة
 إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ 
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي
زاد في جرعة العلاج فصارت
والذي قد أصابني من طبيبي
مهجتي في منازل التعذيبِ

وجدنا كتاباً لابن سينا ، بعدما أغفلنا ذكره ونسينا ، فإذا هو يقول ، ورأيه مقبول: ما أهلك البَرِيّة ، وقتل البهائم في البَرِّيّة ، إلا إدخال الطعام على الطعام ، وترك المشي على الأقدام . ثم قال : عليكم بالنوم بعد الغداء ، والمشي بعد العشاء ، وترك الامتلاء ، والغذاء خير من الدواء .
وكنا جلوساً ، فجاءنا أحدهم برسالة من جالينوس ، فإذا هو يقول : يا أهل العقول ، لا يغتسل أحدكم وهو شبعان ، ولا يأكل إلا وهو جوعان ، ولا ينم وهو من الطعام ملآن ، ولا يقطع الليل وهو سهران .
وقال من اقتصد في الطعام ، وقلل من الكلام ، وهجر الاهتمام والاغتمام ، عاش في صحة وسلام ، أما سمعتم شاعركم ابن الرومي ، ليت عندنا شاعراً مثله من قومي :
فإن الداء أكثر ما تراه

يركب من طعامك والشراب

قلنا : يحق للمتنبئ المجيد ، أن يقول عنك لما مدح ابن العميد :
من مخبر الأعراب أني بعدهم

جالست جالينوس والإسكندرا

قال : بلغوا كلامي لابن الحسين ، وقالوا : شكراً مرتين .
قلنا : وقد ذكرك فقال في بعض الأمثال :
يموت راعي الضأن في سربه

ميتة جالينـوس في طبهِ

فهمهم وتمتم وما تكلم .
ثم جاء صديقنا أبو عثمان الغازي ، فقلنا : حدثنا عن أبي بكر الرازي .
قال : حسبتكم تتحدثون عن الحب ، وإذا بكم تتكلمون عن الطب .
قلنا : دعنا من الشجون والعيون ، وحدثنا عن الصحون والبطون ، فضحك حتى بدت نواجذه ، وقال : مات الطب وجهابذه . ولكن أبا بكر ، طيب الذكر ، كان يدنينا ولا يقصينا ، وينصحنا ويوصينا . فيقول : الحسد يذيب الأجسام ، والحقد لا ينفع معه طعام ، والبغضاء لا يهنأ معها منام ، والذكر يشرح الصدور ، ويجلب السرور ، ويسهل الأمور ، ويدخل على النفس النور ، وإياكم والمسكر ، فإنه داء أكبر ، وحرام منكر .
قلنا : أنت حدثتنا عن طب الأبدان ، ونعرف أنك فيه من الأعيان ، فحدثنا عن طب القلوب ، فقد نسيناه من كثرة الذنوب .
قال : أما سمعتم ابن المبارك ، وهو في الأدب شارك ، حيث يقول :
رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخير لنفسك عصيانها

قلنا فماذا قال طبيب العيون ، فإنه ثقة مأمون ، قال سمعته ينشد :
وأنت مـتى أرسـلت طرفك رائداً

لقلبك يوماً أتعبتك المناظـرُ

رأيت الذي لا كله أنت قادر

عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ

قلنا فماذا قال طبيب الأذن ، قال دخلت عليه بلا إِذن ، فسمعته ينشد :
لا تسمعنّ الخنا إن كنت ذا رشد

فالأذْن نقالة والقلب حَفّاظُ

وصن سمعاك عن لغو وعن رفث

قد تدخل الناس في النيران ألفاظُ

قلنا فماذا قال طبيب الولادة ، فإنه ظاهر الإجادة ؟ قال :
ولدتك أمك باكياً مستصرخـاً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكَوا
والناس حولك يضحكون سرورا
في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

قلنا : فماذا قال طبيب الباطنيّة ، فإنه طيّب النيّة ، قال سمعته ينشد :
أكل الحرام يثير داءً دائماً
فكل الحلال فرزق ربك واسع
في البطن لا يدري به الجراحُ
إن الذي ترك الربا مرتاحُ

قلنا : فماذا قال طبيب العظام ، فإنه من الرجال العظام ، قال سمعته ينشد :
عظامك أنقذها ولحمك من لظى
وإياك إياك الحرام فإنّه
جهنم فالأجسام تُشوى وتحرقُ
تقطع أوصال به وتمزّق

قلنا : فماذا قال الطبيب النفسي ، قال سمعته ينشد ، حين يصبح وحين يمسي :
يا نفـس هل من توبـة مقبولة
أو ما ترين الموت أشهر سيفه
ضاع الزمان وأنت في العصيان
كم راع يوم الروع من إنسان

قلنا : فمن أعظم طبيب ؟ قال : محمد الحبيب ، صاحب النهج العجيب ، والرأي المصيب ، قلنا : أوصنا بوصية ، لينة غير عصية ، فأنشد :
خذ ما أردت من العلاج فإنه
مات المداوِي والمداوَى والذي

لابد من موت يقطع ذا العرى
صنع الدواء وباعه ومن اشترى


المقـامَــــة الـتجـاريّــــة
 وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا 
فصاحة سحبانٍ وخط ابن مقلة
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس
وحكمة لقمانٍ وزهد ابن أدهمِ
ونوديْ عليه لا يباع بدرهمِ

قال أبو ريال ، دينار بن مثقال : لا تصدق من قال : أكثر التجار فجار ، فقد رأيت منهم قوماً يتصدقون ، وفي سبيل الله ينفقون ، وعلى الفقراء يغدقون .
قلنا : يا أبا ريال ، يا خير الرجال ، فما للتجار يبنون ما لا يسكنون ، ويدخرون ما لا يأكلون ، ما لهم على ربهم لا يتوكلون ؟ قال : هذا من البطر ، والترف والأشر ، ومن فعل ذلك فهو على خطر :
ومن ينفق الساعات في جمع ماله

مخافة فقر فالذي فعل الفقر

قلنا : حدثنا عن التجار الصالحين ، والأغنياء المفلحين ، قال : يكفيك عثمان بن عفان ، أرضى بماله الرحمن ، وأرغم به الشيطان ، واشترى به الجنان ، جهز في غزوة تبوك الجنود ، وشرى بئر رومة من اليهود ، وله في سبيل الله مواقف وجهود .
ولا تنسوا عبد الرحمن بن عوف ، الذي جمع بين الرجاء والخوف ، جاءته قافلة من الشام ، تحمل الطعام ، فقسمها على الأيتام ، واشترى بذلك دار السلام .
قلنا : فقص علينا قصة التاجر الفاجر ، أميّة بن خلف ، الذي جعل الله ماله للتلف .
قال يكفيكم : ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالاً وعدده ، يحسب أن ماله أخلده
قلنا : فهل للتاجر الخاسر علامات ، وهل له سمات .
قال : إذا رأيته يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويمسك نقده ، ويغضب ممن يجلس عنده
قلنا : فلماذا بعض التجار ، يصاب بالضغط والسكر ، قال : لأنه في كل لحظة يفكر ، ولا يشكر ، ولا يذكر ، ومزاجه معكّر ، وخاطره مكدّر .
ذكر الفتى عمْره الثاني وحاجته

ما قاته وفضول العيش أشغال

أمراض التجار : فقر الدم ، وكثرة الهم ، ودوام الغم .
فأما فقر الدم : فمن قلة الغذاء ، لأنه مشغول عن الفطور والغداء ، غائب عن العشاء .
وأما كثرة الهم : فلانشغال باله بالسندات ، وتعلقه بالشيكات ، وانصرافه إلى العقارات ، وتفكره في الواردات والصادرات .
وأما دوام الغم : فلحرصه على الزيادة ، وتذكره أولاده وأحفاده ، فتذهب عنه السعادة ، ويشغل عن العبادة . وأحب أبواب العلم إلى التاجر البخيل ، باب الحث على الاقتصاد . وأثقل باب عليه باب الجود والأجواد .
ثم قال : ولا تنس حديث : “ذهب أهل الدثور بالأجور” ، فهؤلاء أهل العمل المبرور ، والسعي المشكور ، والتجارة التي لا تبور ، وهم الذين بنوا المساجد ، لكل راكع وساجد ، وأطعموا الفقراء والمساكين ، وأسعفوا البؤساء والمحتاجين ، وبذلوا المال والطعام ، وكفلوا الأيتام ، فهم يجمعون الحسنات كل حين ، وتذكر حديث : (( لا حسد إلا في اثنتين )) .
قلنا : فما أحسن المكاسب لمن أراد التجارة ، أهو البيع أم الإجارة ؟ أم المنصب والوزارة ؟ أم الزراعة والعمارة ؟
قال : أما البيع فإذا سلم من الغش والكذب ، والخداع واللعب ، فهو أعظم سبب ، لنيل الفضة والذهب :
لا تبع في السوق ديناً غالياً

واحفظَنْ دينك من نار الكذبْ

وأما المنصب : فنصب ، ووصب ، وتعب
نصب المنصب أوهى جلدي

يا عنائي من مداراة السفل

وأما الإمارة فنعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة ، ويعترضها أمور قاصمة :
يسرك أني نلت ما نال جعفر
وأن أمير المؤمنين أغصّني
من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
مغصّهما بالمرهفات البوارد

وأما الزراعة ، فهي لأهل المسكنة والضراعة ، ويجتنبها أهل البراعة ، لأنها تعب وإجهاد ، وصدود عن الجهاد :
إذا زرع القــوم النخيـل بأرضهم

فزرعك أغلى من نخيل الفضائل

وأما العمارة ، فتارة وتارة ، بين الربح والخسارة ، صادقة غدارة .
يا عامـراً لخراب الدار مجتهدا

بالله هل لخراب الدار عمران

ولكن أحسن المكاسب ، معاملة الفتّاح الواهب ، فهو الرزاق ذو القوة المتين ، الذي لا يضيع عمل العاملين ، وإحسان المحسنين .
فإذا رأيت الناس كنـزوا أموالهم في البنوك ، وأحرزوا عقارهم بالصكوك ، وأحاطوا حدائقهم بالشبوك . فاكنـز حسناتك في بنك الرحمن ، وأحرز عملك من الشيطان ، وأحط نيتك من البغي والعدوان . فمن صفّى من الحرام ديناره ، وعمر بالتقـوى داره ، وأكرم جاره . فقد أحسن معاملة مولاه ، وشكر ربه على ما أولاه .
واعلم أن للتجارة آدابا ، وقد ذكر لها العلماء أسبابا ، وسوف أذكرها باباً بابا .
فمنها الصدق في النطق ، واللطف بالناس والرفق .
ومنها البكور ، والطيور في الوكور ، في سعي مشكور ، لطلب ما قسمه الغفور الشكور .
ومنها السلامة من الربا ، فإنه وبا ، ومصاحبة الأمانة ، ومجانبة الخيانة ، وملازمة الصيانة ، وأداء زكاة العرض ، ومساعدة المحتاج بالصدقة والقرض ، يجد ثوابه يوم العرض
وتحبيس الأوقاف ، على الفقراء الضعاف ، وإكرام الأضياف ، والمحافظة على أوقات الصلوات ، وإخلاص النية في الصدقات ، فمن فعل ذلك فهو مأجور مشكور ، وهو من أهل الدثور ، الذين ذهبوا بالأجور .
واعلم أن الشحيح ، عمله قبيح ، والكريم له أجر عظيم ، ولا ساد إلا من جاد ، وبذل معروفه للعباد .
واعلم أن من جعل ماله في صُرَّة ، ومنع بِرّه ، أخذه الموت على غِرّة .
وقد عاصرنا تاجراً كريما ، كان فضله في الناس عميما ، كان في كل باب خيرٍ من المتبرّعين ، وعن الحرام من المتورّعين . فلما مات كان موته على الناس من أعظم الخطوب ، ترك جرحاً في القلوب .
وعرفنا تاجراً بخيلا ، عاش طويلا ، كان من ماله في حياته محروما ، وذهب وترك ماله مذموما ، فلا انتفع بماله في دنياه ، ولا قدم منه لأخراه ، وقد مات غريبا ، ومن ماله سليبا ، حتى تصدق عليه بعض الناس بكفن ، وصارت هذه آية لأهل الفطن .
وقد قال المختار : (( تعس عبد الدينار )) ، لأنه يهدي صاحبه إلى النار .كما أن الدرهم قد يدور بالهم ، والذهب قد يوصل إلى لهب ، والفلوس قد تذهب بالنفوس .
وختم أبو ريال المقال ، بعد أن تحدث عن المال ، فقال :
الله أعطاك فابذل من عطيته

فالمال عاريّة والعمْر رحالُ

المال كالماء إِنْ تحبس سواقِيَه

يأسـن وإن يجـرِ يعـذب منه سلسالُ


مقـامَــــة الـمتنـبي
(( شـاعـر الدنيــا وشـاغـل الناس ))
لقيت أبا الطيب أحمد بن الحسين ، بعد بضع سنين ، وهو من الشعراء المحسنين .
فكلما سألنا عن الأخبار ، أجاب بالأشعار :
قلنا : من أنت ؟
قال : أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبـي

وأسـمعت كلماتي من به صممُ

الخيل والليل والبيـداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

قلنا : أما ترى السفهاء ، ينالون العظماء .
قال : وإذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشهادة لي بأني كامل

قلنا : نراك تعبت في طلبك للمجد .
قال : جزى الله المسير إليك خيرا

وإن ترك المطايا كالمـزاد

قلنا : أما ترى أن المجد يتعب ؟
قال : لولا المشقة سادَ الناس كلهمو

الجود يفقر والإقدام قتال

قلنا : نرى السلف يتأثرون عند سماع القرآن ونحن لا نتأثر ؟
قال : لا تعذل المشتاق في أشواقه

حتى يكون حشاك في أحشائه

قلنا : نرى المنافق أحياناً يبكي ؟
قال : إذا اشتبكت دموع في خدود

تبين من بكى ممن تباكى

قلنا : نرى واحداً من الناس يعادل أمة في الفضل ؟
قال : وإن تَفُقِ الأنام وأنت منهم

فإن المسك بعض دم الغزال

قلنا : نرى لك حسّاداً كثيرين ؟
قال : أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني

فلا أعاتبه صفحاً وإهوانا

قلنا : بعض الناس غلب عليه سوء الظن ؟
قال : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

وصدق ما يعتاده من توهم

قلنا : القوميّون العرب يهددون إسرائيل من خمسين سنة ؟
قال : وإذا مـا خـلا الجـبــان بأرض

طلـب الطعـن وحـده والنـزالا

قلنا : نعرف أغنياء ألسنتهم سخيّة وأيديهم بخيلة .
قال : جود الرجال من الأيدي وجودهمو

من اللسـان فلا كانـوا ولا الجودُ

قلنا : من يتأمل الشريعة يملكه حبها .
قال : وما كنت ممن يملك الحبُّ قلبَه

ولكن من ينظر عيونك يعشقِ

قلنا : نسمع لأعداء الإسلام شبهات يثيرونها عنه ؟
قال : ولله سِرٌّ في علاك وإنما

كلام الورى ضرب من الهذيان

قلنا : ما رأيكم في الدنيا ؟
قال : لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب
فكل بعيد الهم فيها معذب

قلنا : والمال ؟
قال : إذا المال لم يرزق خلاصاً من الأذى

فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا

قلنا : بعضهم يستطيع أن يكون أفضل فلا يفعل ؟
قال : ولم أر في عيوب الناس عيباً

كنقص القادرين على التمامِ

قلنا : عرفنا من تمنى الموت لسوء حاله .
قال : كفا بك داءً أن ترى الموت شافيا

وحسب المنايا أن يكن أمانيا

قلنا : بعضهم لا يتأثر بالنقد .
قال : من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميّت إيلام

قلنا : نحن نردد اسم الرسول  ولو قصرنا في العمل بسنته .
فقال : نحن أدرى وقد سألنا بنجد

أطويل طريقنا أم يطولُ

وكثير من السؤال اشتياق

وكثير من ردِّه تعليلُ

قلنا : بُلينا بمثقفين عندهم ألقاب بلا حقيقة .
قال : أُعيذها نظراتٍ منك صادقةً

أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

قلنا : أظنه لابد من مجاملة بعض الناس في هذه الحياة .
قال : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عـدوّاً له ما من صـداقتـه بُدُّ
قلنا : كان للعلماء قدر عند الناس واليوم جُهِل قدرهم .
قال : أتى الزمانَ بنوه في شبيبته

فسره وأتيناهُ على هرم

قلنا : نرى العظماء لا يبالون بالمصاعب .
قال : إذا اعتاد الفتى خوض المنايا

فأهـون ما يمر به الوحولُ

قلنا : بعض الناس يستفيد من نكبات الآخرين .
قال : كذا قضت الأيـام ما بين أهلهـا

مصائب قوم عند قوم فوائد

قلنا : ما رأيك في الزمان .
قال : ربما تحسن الصنيع لياليـ

ـه ولكن تكدر الإحسانا

قلنا : والمـوت .
قال : الموت آتٍ والنفوس نفائس

والمستغر بما لديه الأحمق

قلنا : الذين ينكرون الحقائق .
قال : وكيف يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

قلنا : ومن خير جليس ؟

قال : أعز مكان في الدنا سرج سابح

وخير جليس في الأنام كتابُ

قلنا : هل الرأي أفضل أو الشجاعة ؟
قال : الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أولٌ وهي المحل الثاني

قلنا : ما أحسن وسيلة لقضاء الحاجات ؟
قال : من اقتضى بسوى الهندي حاجتَه

أجاب كل سؤالٍ عن هلٍ بلمِ

قلنا : أراك تجامل الناس
قال : ولما صار ود الناس خبا

جزيت على ابتسام بابتسامِ

قلنا : وكيف حالك الآن ؟
قال : وحيد من الخلان في كل بلدة

إذا عظم المطلوب قل المسـاعـد

قلنا : نراك تسرف في المديح أحيانا .
قال : وقد أطال ثنائي طول لابسه

إن الثناء على التِّنبال تنبالُ

قلنا : نراك أحياناً لا تصل لمقصودك .
قال : ما كل ما يتمنى المرء يدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ

قلنا : متى تزور أحبابك ؟
قال : أزورهم وظلام الليل يشفع لي

وأنثني وبياض الصبح يغري بي

قلنا : ما رأيك في شعرك ؟
قال : وما الدهـر إلا من رواةِ قصائـدي

إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

قلنا : ما رأيك في اللئام ؟
قال : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

قلنا : ما رأيك في الناس ؟
قال : إنا لفي زمن ترك القبيح به

من أكثر الناس إحسانٌ وإجمالُ

قلنا : نراك تحسن القول ولا تعطي شيئاً .
قال : لا خيل عندك تهديها ولا مال

فليسعد النطق إن لم تسعد الحالُ

قلنا : بعضهم يسهر على اللهو وبعضهم على العبادة .
قال : ما الذي عنده تدار المنايا

كالـذي عنده تدار الشمولُ

قلنا : ما رأيك في أهل العشق ؟
قال : تفنى نفوسهمو شوقاً وأدمعهم

في إِثر كل قبيح وجهه حسنُ

قلنا : ماذا تقول في مقام الرسول  ؟
قال : إذا تغلغل فكر المرء في طرف

من مجده غرقت فيه خواطره

قلنا : لماذا عاداك حسادك ؟
قال : أعادى على ما يوجب الحب للفتى

وأهدأ والأفكار فيّ تجولُ

قلنا : يسيء لنا بعض الناس فنستفيد من إساءتهم ؟
قال : رب أمر أتاك لا تحمد الفُعَّا

ل فيه وتحمد الأفعالا

قلنا : بعض العداوة نافعة .
قال : ومن العداوة ما ينالك نفعه

ومن الصداقة ما يضر ويؤلمُ

قلنا : بماذا عاقبت حسادك ؟
قال : إني وإن لُمت حسّادي فما

أنكر أني عقوبة لهمُ

قلنا : ما أحسن الحلل الملبوسة ؟
قال : ورفلت في حلل الثناء وإنما

عدم الثناء نهاية الإعدامِ

قلنا : ما أحسن ما خلّف الإنسان بعد موته ؟
قال : كفل الثناء له برد حياته

لما انطوى فكأنه منشورُ

قلنا : بعضهم يكثر من الحلف ؟
قال : وفي اليمين على ما أنت واعده
ما دل أنك في الميعاد متهمُ

قلنا : من أحق الناس بالمجد ؟
قال : أحقهمو بالمجد من ضرب الطلى

وبالأمـر من هانت عليه الشدائد

قلنا : ما الأمن والخوف ؟
قال : وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى

وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا

قلنا : نحن بين خوف ورجاء .
قال : وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه

وفي الهجر فهو الدهـر يرجو ويتقي

قلنا : بلينا والدهر ما بَلي .
قال : إذا ما لبست الدهـر مسـتمتعاً به

تخرقت والملبوس لم يتخرقِ

قلنا : نحن نحاول كتم مشاعرنا فما نستطيع .
قال : بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا

وبكاك إذ لم يجر دمعك أو جرى

قلنا : بعضهم يضع من علماء الإسلام .
قال : من كان فوق محل الشمس موضعه

فليس يرفعه شيء ولا يضعُ

قلنا : ما وصف من أراد العلياء ؟
قال : كثير سهاد العين من غير علة

يؤرقه فيما يشرفه الفكر

قلنا : تزداد همتنا عند قراءة سير السلف ؟
قال : فلا تسمعاه ذا المديح فإنه

شجاع متى يذكر له الطعن يشتقِ

قلنا : أظنه لا يُهرب من المـوت ؟
قال : نعد المشرفية والعوالي

وتقتلنا المنون بلا قتالِ

قلنا : بعضهم لا يرضى إلا بالمحل العالي .
قال : على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

قلنا : ما رأيك في الحمَّى ؟
قال : وزائرتي كأن بها حياءً

فليس تزور إلا في الظلام

قلنا : والفراق ؟
قال : لولا مفارقة الأحباب ما وجدت

لها المنايا إلى أرواحنا سبلا

قلنا : صف لنا نفسك ؟
قال : خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا

لفارقت شيبي مُوجَع القلب باكيا

قلنا : أما ترى فصاحة بعض الناس ؟
قال : إذا سمع الناس ألفاظه

خلقن له في القلوب الحسد

قلنا : ما أحسن صفات المتقي لربه ؟
قال : عليك منك إذا أُخليتَ مرتقبٌ

لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا

قلنا : بعضهم يخشع ظاهره فحسب ؟
قال : وإطراق طرف العين ليس بنافـع

إذا كان طرف القلب ليس بمطرقِ

قلنا : ما أجمل كلام ؟
قال : فهو المُشيَّع بالمسامع إن مضى

وهو المضاعف حسنه إن كُرّرا

قلنا : هل للموت من طبيب ؟
قال : وقد فارق الناس الأحبة قبلنا

وأعيا دواء الموت كل طبيب

قلنا : الناس اختلفوا في معاني أبياتك ؟
قال : أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الناس جرّاها ويختصمُ

قلنا : أُدميت قدما رسول الله  لما عاد من الطائف فما تعليقكم ؟
قال : إن كان سركمو ما قال حاسدنا

فما لجرح إذا أرضاكمو ألم

قلنا : أما ترى سب المنافقين لأهل الدين ؟
قال : ما أبعد العيب والنقصان من شرفي

أنا الثريا وذان الشيب والهرمُ

قلنا : نحن نطمع في لقاء رسولنا  في الآخرة .
قال : وما صبابة مشتاق على أمل

من اللقاء كمشتاق بلا أمل

قلنا : عندنا شريعة فهل نضيف إليها تجارب الآخرين .
قال : خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به

في طلعة البدر ما يغنيك عن زحلِ

قلنا : ماذا تقول لو طلب منك وصف الرسول  ؟
قال : الشمس من حساده والنصر من
أين الثلاثة من ثلاث خلاله
مضت الدهور وما أتين بمثله
قرنائه والسيف من أسمائه
من حسنه وإبائه ومضائه
ولقد أتى وعجزن عن نظرائه

قلنا : هل لحسد الحاسد من دواء ؟
قال : سوى وجع الحساد داو فإنه
ولا تطمعَنْ من حاسد في مودة
إذا حل في قلب فليس يحول
وإن كنت تبديها له وتنيل

قلنا : لمن يكتب النصر ؟
قال : لمن هوَّن الدنيا على النفس ساعة
وللبيض في هـام الكماة صليل

قلنا : لو عدت شيخ الإسلام وهو مريض فماذا تقول ؟ قال : كنت قلت :
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم
صَحَّت بصحتك الغارات وابتهجت
وراجع الشمس نور كان فارقها
وما أخصك في برء بتهنئة
وزال عنك إلى أعدائك الألم
بها المكارم وانهلت بها الديم
كأنما فقده في جسمها سقم
إذا سلمت فكل الناس قد سلموا

قلنا : بعض الناس يتقدم إلى المعالي بشجاعة ؟
قال : هو الجد حتى تفضل العين أختها
وحتى يكون اليوم لليوم سيّدا

قلنا : كيف نعاقب الأحرار إذا أخطؤوا ؟
قال : وما قتل الأحرار كالعفو عنهمو
ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا

قلنا : هل تصلح الشدة مكان اللين والعكس ؟ قال :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى
مضر كوضع السيف في موضع الندى

قلنا : ماذا تقول لحبيبك لو مرض .
قال : وإذا صح فالزمان صحيح
وإذا اعتل فالزمان عليل

قلنا : أما تخشى أن يشوه الإسلام من قبل بنيه .
قال : وكيف تعلّك الدنيا بشيء
وأنت بعلّة الدنيا طبيب

قلنا : ألا ترى كيف تقلب بنا الزمان .
قال : وصرنا نرى أن المتارك محسن
وأنّ خليلاً لا يضر وصولُ

قلنا : نشكو قلة الإنصاف من أهل زماننا .
قال : ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة

بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

قلنا : أحياناً نشكو ما بنا إلى الأصحاب .
قال : ولا تَشَكَّ إلى خلقٍ فتشمته

شكوى الجريح إلى الغربان والرخم

قلنا : كيف نعامل الناس ؟
قال : وكن على حذر للناس تستره
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة
ولا يغرك منهم ثغر مبتسمِ
وأعوز الصدق في الأخبار والقسمِ

قلنا : هل يشعر الناقصون بنقصهم ؟
قال : كدعواك كلٌّ يدّعي صحة العقل

ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهلِ

قلنا : معنا علماء بين أظهرنا ونرى الناس لا يستفيدون منهم .
قال : وليس الذي يتبّع الوبل رائداً
كمن جاءه في داره رائد الوبل

قلنا : خلاصة تجربتك مع الناس ما هي ؟
قال : ومن عرف الأيام معرفتي بها
فليس بمرحوم إذا ظفروا به
وبالناس روى رمحه غير ظالم
ولا في الردى الجاري عليهم بآثم

قلنا : هل تحب الهدية ممن تحب ؟
قال : وما أنا بالباغي على الحب رشوة
ضعيف هوىً يبغي عليه ثوابا

قلنا : هل من رسالة ؟
قال : يا من يعز علينا أن نفارقهم

وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ

قلنا : وداعاً .
قال : رحلت فكم باك بأجفان شادنٍ

عليّ وكم باك بأجفان ضيغم

قلنا : لا تبك على فراقنا .
قال : قد كنت أشفق من دمعي على بصري

فاليـوم كل عزيز بعدكم هانا


المقـامَــــة الـشـِّفـائـيـــة
 وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ 
(( طهــور إن شــاء الله ))
مرض الحبيب فزرته
وأتى الحبيب يزورني
فمرضت من خوفي عليه
فشفيت من نظري إليه

أيها المريض ، على السرير العريض ، طهور ما أصابك ، وكفارة ما نابك ، والله قد أجابك . مع كل ونّة ، نسيم من الجنة ، ومع كل رنة ، بشرى من السنة .
بشر المريض بعافية ، أو رحمة وافية ، أو كفّارة كافية ، أو نفحة من الله شافية :
تموت النفوس بأوصابها

ولم يدر عوادها ما بها

وما أنصفت مهجة تشتكي

أذاها إلى غير أحبابها

أيها المرضى لا تكونوا يائسين ، أو أَسِفين ، وردّدوا : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.
بقي أيوب ، في البلايا والخطوب ، ماله مسلوب ، وجسمه منكوب ، فنادى علام الغيوب ، أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  ، فعاد من السالمين الغانمين .
بشر من أصابه الوصب والنصب ، بقصور في الجنة من قصب ، إذا صبر واحتسب.
لا تقل : آه ، ولكن قل : يا الله .
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي

والذي قد أصابني من طبيبي

إذا أصابك جرح ، فلا تقل أح ، لأن الصبر يقول هذا ما يصح ، ولا يستحق من شكا المدح . سبحان من أحبك فابتلاك ، ليسمع نجواك ، وليصعد إليه بكاك ، وترتفع إليه شكواك .
نحن ما زلنا على العهد ولو
كلما ذقنا من الهجر لظىً
قطعت منا على العهد رؤوس
أشرقت في حب مولانـا النفوس

هنيئاً لك أنت على سرير التطهير ، وعلى كرسي التكفير ، ترعاك عناية اللطيف الخبير .
الرحمة عليك تهبط ، والخطايا تسقط ، أدخلك الكير ، لتخرج ذهبا ، إذا سلب ما أعطى فطالما وهبا ، واعلم أنه يدخر لك أجراً عجيبا ، وثواباً طيبا .
ما دام أنك منكسر القلب ، ملقىً على جنب ، فأنت قريب من الرب ، لا يغرنك المنافق فهو عير على شعير ، وبعير على شفا بير ، تأتي ضربته قاصدة ، ونفسه جامدة ، وروحه جاحدة ، فهو كشجرة الأَرْزة ، منتصبة ، متصلبة ، وفي لحظة وإذا هي متقلبة .
أما أنت يا مؤمن فأنت كالخامة مع ريح الشمال ، مرة من يمين ومرة من شمال ، لأنك شجرة جمال وجلال .
والله لو أحرقوني في الهوى حمما
منكم دوائي ودائي صرت عبدكمو
ما اخترت غيركمو في الكون إنسانا
أرى بلاءكمو في الجسم إحسانا

يا أيها المسلم المبتلى ، حظك اعتلى ، وثمنك غلا ، وغبار المعصية عنك انجلى .
والله إنك أحب إلى ربك من المنافق السمين ، والفاجر البطين ، والعاصي الثخين ، كما أخبر الصادق الأمين .
المنافق كالخروف ، يسمن للضيوف ، ثم يذبح بسكين الحتوف .
والمؤمن جواد يضمّر ، ليقطع السير المقدّر ، ويصل إلى المحل الموقّـر .
ألا بلغ الله الحمى من يريده
وجازاك ربي أيها الداء نعمة
وبلّغ أطراف الحمى من يريدها
فقد حرّك الأشواق منك بريدها

دع الشحم يذوب ، وتذهب الذنوب ، وتخشع النفس وتتوب ، ويعود القلب عودة حميدة ، وترجع الروح رجعة مجيدة .
يا أهل الأسِرّة البيضاء ، هنيئاً لكم هذا البلاء ، وأبشروا بالشفاء . أو بمغفرة تغسل الأخطاء ، ورحمة أعظم من الدواء .
المرض يذهب الكبر والبطر ، والعجب والأشر ، لأن الرزايا إلى الجنة مطايا ، والبلايا من الرحمن عطايا ، وإلى رضوانه مطايا ، ابتلاك بالأسقام ، ليغسل عنك الآثام .
فافرح لأنه رشحك للعبوديّة ، لأن البلاء طريقة محمديّة ، يبتلى الناس الأمثل فالأمثل ، والأفضل فالأفضل ، والأكمل فالأكمل .
إذا أحب الله قوماً ابتلاهم ، وطهّرهم وجلاّهم
إنْ كان سركمو ما قال حاسدنا

فما لجرح إذا أرضاكمـو ألـمُ

كان رسولنا  يوعك كما يوعك رجلان ، لأنه حبيب للرحمن ، كامل الإيمان ، تام الإحسان .
مرض عمران بن الحصين ، الصحابي الأمين ، ثلاثين عاما ، حمل فيها أسقاما ، وذاق آلاما ، فقال له أصحابه ، وطلب منه أحبابه ، أن يدعو ربَّه ليكشف كربه ، قال : كلا أحبه إليّ أحبه إلى ربي ، ولعله يغفر ذنبي .
وكانوا يفرحون بالبلية ، ويعدونها عطية ، ونفوسهم بمواقع القدر رضيـة ، ويرون المحنة منحة ، والترحة فرحة ، لأنهم تعرفوا على الخالق ، فعرفهم الحقائق .
لعلَّ عتبك محمود عواقبه

فربمــا صحـت الأجسـام بالعـلل

اصبر على مرارة دواء المصيبة ، لترى أحوالاً عجيبة ، فعافيتك قريبة ، والرِّضا بمُرِّ القضا ، ولو على جمر الغضى ، وحرّ اللّظى .
اسجد على الجمر في مرضاة مولاكا

إياك أن تشتكي في الحبِّ إيَّاكا

بوّابةُ البلاء ، لا يدخلها إلاّ الأولياء ، ويرد عنها الأدعياء ، واسأل عن ذلك تاريخ الأنبياء . البلاء أعظم لأجرك ، إذا قوي أيوب صبرك ، تريد الجنة بلا ثمن ، وأنت ما مرضت من زمن ، وفي غفلة العافية مرتهن .
المرض صيحة تفتح الأسماع والأبصار ، وتذكر الأبرار ، وتنفض عن الصالحين الغبار ليكونوا من الأطهار الأخيار .
إذا ابتلى الله العبد بالسقم ، وسلّط عليه الألم ، ثم شافاه مَنَّ عليه بلحم ودم ، وما شاء من نعم ، وإن توفاه غفر له ما تأخر وما تقدم ، من الذنب واللمم .
إذا مرضت ذهب الظمأ بالغفران ، وابتلت العروق بالرضوان ، وثبت الأجر عند الديّان ، وهذّب القلب من الكبر والطغيان .
كلا إن الإنسان ليطغى ، أن رآه استغنى ، وإلى زينة الدنيا يصغى ، فعلم الله أن تهذيبه في تعذيبه ، وتقريبه في تأديبه . كلما ضرب العبد سوطا ، عاد إلى الله شوطا :
يا نائماً فوق السـريـر ممرضاً

مرت على آلامه أعوامُ

أبشـر فإن الله زادك رفعة

في كل مكروه أتى إكرامُ

هذا المرض حماك من فعلة شنعاء ، ووقاك من داهية دهياء ، وكَفّر عنك آثار الفحشاء ، ورفرفت به روحك من الأرض إلى السماء .
بالمرض يجول القلب في سماء التوحيد ، وتطير الروح في فضاء التجريد ، ويغسل البدن بماء الإنابة ، ويفتح الله للمريض بابه ، ويسارع إليه بالإجابة .
عند المريض رسالة من ربه ، كتبت حروفها في قلبه ، فحواها : أحببناك فأدبناك ، وبالمرض قربناك ، وبالبلاء هذبناك .
ويقبح من سواك الفعل عندي

وتفعله فيحسن منك ذاكا

إبل الهدي تتقدم شوقاً للرسول  وبيده الحربة ، تنتظر منه الضربة ، لتذوق حلاوة الألم ، من كف سيد الأمم ، وأنت تتبرم بالبلاء ، وهو عتاب من رب الأرض والسماء :
وقلتم معاذ الله أن يصرف الهوى

لغيركمو مهما حملتم لنا عتبا

فها نحن عاتبناكمو فإذا الهوى

يخون وصرتم بعد هذا الهوى غضبى

أيها المريض : أسأل الله العظيم ، رب العرش العظيم ، أن يشفيك .

المقـامَــــة الـرمـضـانـيّـــة
 شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ 
(( ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجـر إن شاء اللـه ))

مرحباً برمضان ، شهر التوبة والرضوان ، شهر الصلاح والإيمان ، شهر الصدقة والإحسان ، ومغفرة الرحمن ، وتزين الجنان ، وتصفيد الشيطان .
مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام
فاغفر اللهم ربي ذنبنا
يا حبيباً زارنا في كل عام
ثم زدنا من عطاياك الجسام

هذا شهر العتق والصدق والرفق ، رقاب تعتق ، ونفوس ترفق ، وأياد تتصدق ، باب الجود في رمضان مفتوح ، والرحمة تغدو وتروح ، والفوز ممنوح ، فيه ترتاح الروح ، لأنه شهر الفتوح ، هنيئاً لمن صامه ، وترك فيه شرابه وطعامَه ، وبشرى لمن قامَه ، واتبع إمامَه . القلب يصوم في رمضان ، عن اعتقاد العصيان ، وإضمار العدوان ، وإسرار الطغيان .
والعين تصوم عن النظر الحرام ، فتغض خوفاً من الملك العلام ، فلا يقع بصرها على الآثام . والأذن تصوم عن الخنا ، واستماع الغنا ، فتنصت للذكر الحكيم ، والكلام الكريم . واللسان يصوم عن الفحشاء ، والكلمة الشنعاء ، والجمل الفظيعة ، والمفردات الخليعة ، امتثالاً للشريعة . واليد تصوم عن أذية العباد ، ومزاولة الفساد ، والظلم والعناد ، والإفساد في البلاد. والرِجل تصوم عن المشي إلى المحرّم ، فلا تسير إلى إثم ولا تتقدّم .
والله ما جئتكمو زائراً
ولا انثنت رجلي عن بابكم
إلا وجدت الأَرض تُطوى لي
إلا تعثرت بأذيالي

أما آن للعصاة أن ينغمسوا في نهر الصيام ، ليطهروا تلك الأجسام ، من الآثام . ويغسلوا ما علق بالقلوب من الحرام .
أما آن للمعرضين أن يدخلوا من باب الصائمين ، على رب العالمين ، ليجدوا الرضوان في مقام أمين .
إن رمضان فرصة العمر السانحة ، وموسم البضاعة الرابحة ، والكفة الراجحة ، يوم تعظم الحسنات ، وتكفّر السيئات ، وتُمحى الخطيئات .
إن ثياب العصيان آن لها أن تخلع في رمضان ، ليلبس الله العبد ثياب الرضوان . وليجود عليه بتوبة تمحو ما كان من الذنب والبهتان .
إن مضى بيننا وبينك عتب
فالقلوب التي تركت كما هي
حين شطت عنا وعنك الديارُ
والدموع التي عهدت غزارُ

في رمضان كانت فتوحاتنا ، وإشراقاتنا ، وغزواتنا ، وانتصاراتنا .
في رمضان نزل ذكرنا الحكيم ، على رسولنا الكريم ، وهو سر مجدنا العظيم .
في رمضان التقى الجمعان ، جمع الرحمن وجمع الشيطان ، في بدر الكبرى يوم رجح ميزان الإيمان ، ونسف الطغيان ، وانهزم الخسران . في رمضان فتحت مكة بالإسلام ، وتهاوت الأصنام ، وارتفعت الأعلام ، وعلم الحلال والحرام .
في رمضان كانت حطين العظيمة ، يوم انتصرت رايات صلاح الدين الكريمة ، وارتفعت الملة القويمة ، وصارت راية الصليب يتيمة .
صيام النفس في رمضان عزوف عن الانحراف ، والانصراف والإسراف والاقتراف ، فالنفس تعلن الرجوع ، والقلب يحمل الخشوع ، والبدن يعلوه الخضوع ، والعين تجود بالدموع .
لشهر رمضان وقار فلا سباب ، ولا اغتياب ، ولا نميمة ، ولا شتيمة ، ولا بذاء ، ولا فحشاء ، وإنما أذكار واستغفار ، واستسلام للقهار ، فالمسلمون في رمضان كما قيل :
هينون لينون أيسـار بنو يُسْرٍ
لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا
أهل العبادة حفاظون للجارِ
ولا يمارون إن ماروا بإكثارِ

مردة الشياطين في رمضان تصفد بالقيود ، فلا تقتحم الحدود ، ولا تخالط النفوس في ذلك الزمن المعدود .
إذا سابّك أحد في رمضان فقل إني صائم ، فليس عندي وقت للخصام ، وما عندي زمن لسيء الكلام ، لأن النفس خطمت عن الخطيئة بخطام ، وزمّت عن المعصية بزمام .
إذا قاتلك أحد في رمضان فقل إني صائم فلن أحمل السلاح ، لأنني في موسم الصلاح ، وفي ميدان الفلاح ، وفي محراب حي على الفلاح .
اغسل بنهر الدمع آثار الهوى
تنسى الذي قد مر من أحزانِ

كان السلف إذا دخل رمضان ، أكثروا قراءة القرآن ، ولزموا الذكر كل آن ، ورقعوا ثوب التوبة بالغفران ، لأنه طالما تمزق بيد العصيان .
هذا الشهر هو غيث القلوب ، بعد جدب الذنوب ، وسلوة الأرواح بعد فزع الخطوب .
رمضان يذكرك بالجائعين ، ويخبرك بأن هناك بائسين ، وأن في العالمين مساكين ، لتكون عوناً لإخوانك المسلمين .
فرحة لك عند الإفطار ، لأن الهم ذهب وطار ، وأصبحت على مائدة الغفار ، بعد أن أحسنت في النهار .
وفرحة لك عند لقاء ربك ، إذا غفر ذنبك ، وأرضى قلبك .
بعض السلف في رمضان لزم المسجد ، يتلو ويتعبد ، ويسبح ويتهجد .
وبعضهم تصدق في رمضان بمثل ديته ثلاث مرات ، لأنه يعلم أن الحسنات ، يذهبن السيئات . وبعضهم حبس لسانه عن كل منكر ، وأعملها في الذكر ، وأشغلها بالشكر .
هذا شهر الآيات البينات ، وزمن العظات ، ووقت الصدقات ، وليس لقراءة المجلات ، والمساجلات ، وقتل الأوقات ، والتعرض للحرمات .
سلام على الصائمين إذا جلسوا في الأسحار ، يرددون الاستغفار ، ويزجون الدمع المدرار . وسلام عليهم إذا طلع الفجر ، وطمعوا في الأجر ، تراهم في صلاتهم خاشعين ، ولمولاهم خاضعين .
وسلام عليهم ساعة الإفطار ، بعد ذلك التسيار ، وقد جلسوا على مائدة الملك الغفار ، يطلبون الأجر على عمل النهار .
سبحان من جاعت في طاعته البطون ، وبكت من خشيته العيون ، وسهرت لمرضاته الجفون ، وشفيت بقربه الظنون .
ما أحسن الجوع في سبيله ، ما أجمل السهر مع قيلة ، ما أبرك العمل بتنـزيله ، ما أروع حفظ جميلة .
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
لها بوجهك نور تستضيء به
إذا تشكت كلال السير أسعفها

عن الطعام وتلهيها عن الزاد
ومن حديثك في أعقابها حادي
شوق القدوم فتحيا عند ميعاد

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، هداية للبشرية ، وصلاحاً للإنسانية ، ونهاية للوثنية . القرآن حيث أصلح الله به القلوب ، وهدى به الشعوب ، فعمت بركته الأقطار ودخل نوره كل دار .
سمعتك يا قرآن قد جئت بالبشرى

سريت تهز الكون سبحان الذي أسرى


المقـامَــــة الأَخباريّـــة
 تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ 
بينا ترى الإنسان فيها مخبراً
طبعت على كدر وأنت تريدها
ألفيته خبراً من الأخبارِ
صفواً من الأقذار والأكدارِ

هذه أخبار الموحدين ، من أنباء الأنبياء والمرسلين ، وعباد الله الصالحين، من إذاعة إياك نعبد وإياك نستعين .
إليكم موجـز الأنبـاء :
• إبراهيم الخليل ينجو من النار ، بقدرة العزيز الجبار .
• يوسف يلتقي بأبيه يعقوب بعد غياب طويل ، وصبر جميل .
• موسى الكليم يضرب البحر بالعصى فينفلق ، وينجو من الغرق .
• محمد  يعلن التوحيد ، الذي هو حق الله على العبيد .
• في بدر : هزيمة ساحقة ماحقة للكفار ، وانتصار المهاجرين والأنصار .
• انتصار المسلمين في القادسيّة ، على الجيوش الفارسيّة .
• عمر بن الخطاب ، يقع شهيداً في المحراب .
• عثمان بن عفان ، يقتل وهو يقرأ القرآن .
• علي بن أبي طالب يستشهد في المسجد ، وهو يتعبد .
• خالد بن الوليد ، وكتائب التوحيد ، تهزم جيش الروم العنيد .
كان هذا هو الموجـز وإليكم تفصيل الأنبـاء :
- وضع إبراهيم الخليل في المنجنيق ، ورمي به إلى الحريق ، فنادى الخليل ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، فقال للنار كوني برداً وسلاما ، فنجا إبراهيم وصار للناس إماما ،لأن ماء الإيمان ، يطفئ لهيب النيران ، ولما رأى إبراهيم النار المحماة ، نادى لسان الحال يا الله ، فتولاه مولاه ، وكفاه وحماه ، وأنقذه ونجاه ، وهذا يدلك على أن حسبنا الله ونعم الوكيل ، أقوى من كل خطب جليل ، وكرب ثقيل ، وخطر وبيل ، لأن من معه الله فمعه القوة التي لا ترام ، والعزة التي لا تضام ، والعروة التي ليس لها انفصام ، فأخلص له الطلب ، وقم بما يجب ، ترى العجب .
- يوسف يلقى أباه يعقوب ، بمصر بعد أن كاده إخوانه وألقوه في غيابة الجب ، وبيع في مصر وحبس بضع سنين فشرد عن الأهل وأبعد عن الوالد ، وأصبح في حكم المفقود الفاقد ، والمشرد الشارد ، في بلاد غربة ، وحالة كربة ، وتعرضت له امرأة ذات منصب وجمال ، فقال إني أخاف الله ذا الجلال ، فنصره الله النصر العزيز ، وسخر له العزيز ، وأصبح على خزائن مصر ، إمام العصر ، وسلطان القصر ، وجمع الله له أبويه لديه ، وسلموا عليه ، وجمع الشمل ، وظهر الفضل ، وتمت الأفراح ، وزالت الأتراح ، جزاء الصبر ، وطاعة الأمر ، وكانت العاقبة للتقوى ، لأن حزب الله هو الأقوى ، فعفا يوسف عما بدر من إخوانه ، فكان مضرب المثل في الحلم لأهل زمانه ، ونسي ما مضى ، لأنه ذهب وانقضى ، فطاب الاجتماع بعد الانقطاع ، وحصل الوئام بعد الانفصام ، وتمت النعمة وزالت النقمة .
- خرج موسى وفي قلبه إياك نعبد وإياك نستعين ، فلما صار وراءه فرعون اللعين ، نادى موسى : كلا إن معي ربي سيهدين ، فأنجى الله موسى ومن معه من المؤمنين ، وعفّر أنف فرعون في الطين ، لأن فرعون قال : ما علمت لكم من إله غيري وهو كذاب ، فأراه الله أن أنف الدعي يمرغ في التراب ، وكان المخذول يقول: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي وما أجراه ، يفتخر بنهر ما أجراه ، فأجرى الله الماء من على رأسه وأخزاه .
- بعث في مكة رسول الهداية ، ومبعوث العناية ، فكان التوحيد عنده البداية ، هتف به في النائمين ، وأعلنه في العالمين ، فلا إله إلا الله أي نبأٍ عبر الأقطار ، وأي خبر شق الأمصار ، سابقت الفجر كتائبه ، وأخجلت الغيث سحائبة ، أعاد الفطرة إلى سيرتها على التوحيد ، وأحيا النفوس من رقدتها الكبرى إلى نهار الدين الجديد ، ففتح الله به الأسماع والأبصار ، وبشر بالجنة وحذر من النار .
- وقعت غزوة بدر ، الفاصلة بين الإسلام والكفر ، حيث الباطل سُحق ، والزور مُحق في بدر نزل جبريل ، على الرسول الجليل ، فانهار جيش الكفر الذليل . الملائكة مع الصحابة تقاتل ، وفي صف المؤمنين تنازل ، لقد اشتركت السماء مع الأرض في القتال ، فكان النصر من نصيب الحق ولا يزال ، في بدر صنعت ملاحم الفداء ، ونسجت بردة الوفاء ،  ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ
- قتل عمر بن الخطاب ، في المحراب ، طعنه أبو لؤلؤة النجس المجوسي فكان قتل عمر من أعظم المصائب ، ومن أفظع النوائب ، لأنه كان حصناً للسنة ، وباباً دون الفتنة ، نشر العدل ، ومحا الجهل . وبث العلم ، ودوّن الدواوين ، وكفل المساكين ، وجنّد الأجناد ، وحمى به الله البلاد ، وأسعد به العباد ، وبعدما قتل ، وقع في الأمة خلل ، وماجت الفتن ، وهاجت المحن . فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولحكمه سامعون مطيعون
- قتل عثمان ، وهو يتلو القرآن ، فوقع دمه على المصحف الكريم ، وذهب هذا الإمام إلى جوار ربٍ رحيم ، بعدما جمع القرآن من الصدور إلى السطور ، وسابق إلى كل عمل مبرور . وكان أحد الأسخياء المعدودين ، والأجواد المحمودين ، قانتاً آناء الليل ، بدموع كالسيل ، محسناً إلى الأيتام ، فهو حسنة الأيام ، لا يمل من تلاوة الكتاب ، ولا يفتر من ذكر العذاب .
- وقع علي بن أبي طالب شهيدا ، وسار إلى الله شهيدا ، بعدما نصر الملة ، وأدخل على الكفر الذلة ، وقمع الخوارج المارقين ، والمبتدعة المفارقين ، وكان بطل المشاهد ، وصاحب المساجد ، مع زهد معروف ، وعلم موصوف ، وفصاحة بارعة ، وعين دامعة ، وهمة عالية ، وأخلاق غالية ، وهو صاحب المواقف المحمودة ، والمآثر المشهودة
- هزم سيف الله المسلول ، جيش الروم المخذول ، ورده على عقبيه مكسورا ، وطرده عن بلاد الإسلام محسورا ، بعد معركة دامية ، ووقعة حامية ، قتل فيها شهداء ، وحضرها علماء ، ثم أنزل الله نصره على أبي سليمان ، وجند الرحمن ، بعد مصاولة ومجاولة فالسيوف تتصبب دما ، والأرض تثور حمما ، والجماجم تتساقط على وقع الرماح ، والأبطال تصرع مع خروج الأرواح ، فالحمد لله على نصره ، ونفاذ أمره ، وعلو قدره .
- استمعتم إلى نشرة الأخبار ، أيها الأخيار ، وإليكم حالة الطقس اليوم وغداً وأمس . القلب ملبد بالغيوم ، من كثرة الهموم ، وتراكم سحب الغموم ، رياح الذنوب تثير الأتربة ، على من له في الخطايا تجربة ، موعد شروق شمس التوحيد ، عند عودة العبيد ، إلى الولي الحميد ، يتوقع نزول الأمطار ، وذهاب الأخطار ، عند الإكثار من الاستغفار ، يخشى من نزول صواعق ، على كل كافر وخائن ومارق .
نستودعكم الله ولنا لقاء ، مع تحيات وكالة الأنباء .


مقـامَــــة الــحــبّ
 وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ 
ومن عجب أني أحن إليهمو
وتطلبهم عيني وهم في سوادها
فأسأل عنهم من لقيت وهم معي
ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

الحب على المحبين فرض ، وبه قامت السموات والأرض ، من لم يدخل جنة الحب ، لن ينال القرب ، بالحب عُبد الرب ، وتُرك الذنب ، وهان الخطب ، واحتمل الكرب .
عقل بلا حب لا يفكر ، وعين بلا حب لا تبصر ، وسماء بلا حب لا تمطر ، وروض بلا حب لا يزهر ، وسفينة بلا حب لا تبحر .
بالحب تتآلف المجرة ، وبالحب تدوم المسرة ، بالحب ترتسم على الثغر البسمة ، وتنطلق من الفجر النسمة ، وتشدو الطيور بالنغمة ، أرض بلا حب صحراء ، وحديقة بلا حب جرداء ، ومقلة بلا حب عمياء ، وأذن بلا حب صماء .
شكا ألم الفراق الناسُ قبلي
وأمّا مثل ما ضمت ضلوعي
وروع بالجوى حي وميْتُ
فإني ما سـمعت ولا رأيتُ

بالحبِّ تُرضعُ الأم وليدَها ، وتروم الناقة وحيدَها . بالحب يقع الوفاق ، والضم والعناق ، وبالحب يعم السلام ، والمودّة والوئام .
الحب هو بسِاط القربى بين الأحباب ، وهو سياج المودة بين الأصحاب . بالحب يفهم الطلاب كلام المعلم ، وبالحب يسير الجيش وراء القائد ويتقدم ، وبالحب تذعن الرعيّة ، ويعمل بالأحكام الشرعية ، تصان الحرمات ، وتقدس القربات .
بيت لا يقوم على الحب مهدوم ، جيش لا يحمل الحب مهزوم . لكن أعظم الحب وأجلّه ، ما جاءت به الملّة ، أجمل كلمة في الحب قول الرب :  يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  . فلا تطلب حباً دونه .
ليس حباً قطعة معزوفة
ليس حباً غزلٌ يمطرنا
أو خطابٌ بارعٌ نمقه
ما قفا نبكي هو الحب ولا
ما درى مجنون ليلى سره
إنما الحب دم تنـزفـه
أو دموع ثرة تبعثها
أو سجودٌ خاشع ترسمه
من يراع الشاعر المنتحب
في سطور الكاتب الحر الأبي
والهٌ يروي صنوف العتب
ظبية البان وذكرى زينب
عبثٌ ذاك هيام الصخب
في سبيل الله خير القرب
سَحراً أصدق من قلب الصبي
فوق خد الطين فاسجد واقرب

أحب امرؤ القيس فتاة ، وأحب أبو جهل العزى ومناة ، وأحب قارون الذهب ، وأحب الرئاسة أبو لهب ، فأفلسوا جميعا ، لأنهم أخطؤوا خطأً شنيعا .
أما حب بلال بن رباح ، فهو البر والصلاح . سحب على الرمضاء ، فنادى رب الأرض والسماء ، انبعث من قلب المحب أَحدٌ أَحد ، لأن في القلب إيماناً كجبل أُحد .
إذا كان حب الهائمين من الورى
فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي
بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
سرى قلبُه شوقاً إلى العالم الأعلى

مهر الجنة عند بلال السنة ، ركعتان ودمعتان . الحب لا يعترف بالألوان ولا بالأوطان ، والدليل بلال وسلمان ، بلال أبيض القلب أسود البشرة ، فصار بالحب مع البررة ، وأبو لهب بالبغض ليس من أهل البيت ، وسلمان نال بالحب جائزة سلمان منا أهل البيت .
دعني من حب مجنون ليلى ، ومحبوب سلمى ، ومعشوق عفرا ، فلطالما لطخت بأشعارهم الطروس ، وضاقت بأخبارهم النفوس ، وخدعت بقصائدهم الأجيال ، واتبعهم الضلال .
حدثني عن أنباء الأنبياء ، وهم من أجل حب الرب يهجرون الآباء والأبناء .
فإبراهيم يتبرأ من أبيه ، ونوح من بنيه ، وامرأة فرعون تلغي بنفسها عقد النكاح ، لأن البقاء مع الكافر سفاح .
هذا هو عالم الحب بتضحياته ، بأفراحه وأتراحه ، وهو حب يصلك برضوان مَنْ رضاه مطلب ، وعفوه مكسب .
والله ما نظرت عيني لغيركمو
كل الذين رووا في الحب ملحمة
يا واهب الحب والأشواق والمهج
في آخر الصف أو في أسفل الدرج

امرؤ القيس يصيح في نجد ، وقد غلبه الوجد ، قفا نبكِ فإذا بكاؤه على الأطلال ، وإذا دموعه تسفح على الرمال ، إنه هيام العقل بلا وازع ، وحيرة الإنسان بلا رادع .
ورسولنا  يذوق الويلات ، ويعيش النكبات ، ثم ينادي مولاه في ومناجاة إخبات، ويقول : لك العتبى حتى ترضى .
لا تضع عمري بشعر طرفة بن العبد ، وهو يشكو الحب والصد ، حب ماذا ، يا هذا ، أما علمت أن أحد الأنصار ، كان يقرأ  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  بتكرار ، فسئل عن المقصود ، قال : لأن فيها مدح المعبود ، وأنا أحب تلك البنود ، فدخل الجنة بالمحبة ، لأن الله أحبه .
دعني أمسح فوق الروض أجفاني
نسيت في حبكم أهلي ومنتجعي
فالنور موقده من بعض أشجاني
فحبكم عن جميع الناس ألهاني

شغلونا بالروايات الشرقيّة ، والمسرحيّة الغربيّة ، ويل هذا الجيل ويله ، سهر مع غراميات ألف ليلة وليله ، وفي الذكر المنـزل ، والحديث المبجل ، قصص الحب الصادقة ، والمعاني الناطقة ، ما يخلب اللب ، ويستميل القلب .
الحب ليس رواية شرقية
الحب مبدأ دعوة قدسية
بأريجها يتزوّج الأبطالُ
فيها من النور العظيم جلالُ

أخرجونا يا قوم من ظلمات عشق الأعراب ، والهيام في الأهداب ، فكل ما فوق التراب تراب ، وأدخلونا في عالم الحب الراقي ، والدواء الواقي ، الذي تطير له الأرواح، وتهتز له الأشباح ، في ملكوت الخلود ، وعلى بساط رب الوجود .
دع حب هؤلاء فإنهم مرضى ، وتعال إلى الواحد وناد :  وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى   فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً  .
في حالة البعد نفسي كنت أرسلها
وهذه دولة الأشباح قد حضرت
تقبل الأرض عنكم وهي رائدتي
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي

حمزة سيد الشهداء يمزق الحب تمزيقا ، وأنتم تهيمون بروايات غراميّة لفقت تلفيقا ، نقول حدثونا عن الحب عند ابن عباس ، فتذكرون لنا عشق أبي نواس ، كفى جفاء ، فأمّا الزبد فيذهب جُفاء .
حب طلحة والزبير ، أعظم من حب شكسبير ، لأن حبهم سطر في بدر لمرضاة القوي العزيز ، وحب شكسبير كتب في شوارع لندن لمراهقي الإنجليز .
إن كنت يا شاعر الغرب كتبت رواية الحب بالحبر ، فالصحابة سجلوا قصص المحبة بدم الصبر .
لا تدري ربما عذبت بحبك ، وكتب عنك عند ربك ، هذا فراق ما بيني وبينك ، ونحن نسمع من أجل امرأة بكاءك وأنينك .
ولما جعلتُ الحبَّ خدناً وصاحبا
فلا تسمعني شكسبير ولهوه
فلي في رحاب الله ملك ودولة
تركت الهوى والعشق ينتحبانِ
ورنة عود أو غناء غواني
أظن السما والأرض قد حسداني

كلما خرج علينا شاعر مخمور ، فاقد الشعور ، حفظنا شعره في الصدور ، وكتبناه في السطور ، وقلنا : يا عالم هذه قصصنا الغرامية ، ونسينا رسائلنا الإسلامية ، وفتوحاتنا السماوية ، التي ذهلت الإنسانية .
علمني الحب من سورة الرحمن ، ولا تكدر خاطري بهيام يا ظبية البان . أنا ما أحب لغة العيون ، ولكن أحب لغة القلوب ، ولا اتباع فلتات أبي نواس والمجنون . ولكني أرتع في رياض الكتاب المكنون  وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ  .
ومعنفي في الحب قلت له : اتئد
فالدمع دمعي والعيون عيوني

الحب الصادق في جامعة  إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  ، والغرام الرخيص في مسرح الفنانين والفنّانات . استعرض نصوص الحب في وثيقة الوحي المقدس ، لترى فيها حياة الأنفس ، الحب الأرضي يقتل الإنسان بلا قيمة ، والحب السماوي يدعو العبد إلى حياة مستقيمة ، ليجد فضل الله ونعيمه .
أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرق
جهد الصبابة أن تكون كما أرى
وجوىً يزيد وعبرة تترقـرق
عيناً مسهّدة وقلباً يخفق

حب العز عند فرعون ، وحب الكنـز عند قارون ، وحب البنـز عند شارون ، أما حب الجنة ، فعند أبطال السُنّة ، الذين حصلوا على أعظم مِنّه .
الجعد بن درهم ذُبح على الابتداع ، وأنت تبخل بدمعة في محراب الاتباع .
سقيناهمو كأساً سقونا بمثلها
بلغنا السما جوداً وفضلاً وسؤدداً
ولكننا كنا على الموت أصبرا
وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

أتريد من الجيل أن يحب الملك العلام ، ويصلي خلف الإمام ، ويحافظ على تكبيرة الإحرام ، وأنت تُحفّظه رباعيات الخيام ، ليبلّغهم رسالة لا بعث ولا نشور ، أعـوذ بالله من تلك القشور .
يا حاج ، أين حملة المنهاج ، ما ترى كيف عشق الإمارة الحجاج ، وقتل في البدعة الحلاج ، وأنت من أحرص الناس على حياة ، فبماذا تدخل الجنة يا أخاه .
من تداجي يا إبراهيم ناجي ، ومن تكلم ومن تناجي : تقول يا فؤادي رحم الله الهوى ، بل قتل الله الهوى .
من يشارك في ثورة الخبز ، لا يحضر معركة العز ، لما نسيت الأمة حب القلوب ، واشتغلت بحب البطون ، رضيت بالدون ، وعاشت في هون .  وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  .
هل عند الأمة فراغ في الأزمان ، تسمع صوت الحرمان ، وهو ينادي :
إن العيون التي في طرفها حور
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وهن أضعف خلق الله إنسانا

نحن بحاجة إلى صوت خبيب بن عدي وهو يلقي قصيدة الفداء، على خشبة الفناء، في إصرار وإباء ، وصبر ومضاء :
ولست أبالي حين أُقتل مسلماً
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي
يبارك على أشلاء شلوٍ ممزّعِ

بارك الله فيك وفي أشلائك يا خبيب ، فأنت إلى قلوبنا حبيب .  وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ  ، اللهم اجعلنا ممن يحبك ويحب من يحبك ، ليؤنسنا قربك ، اللهم ازرع شجرة حبك في قلوبنا ، لنرى النور في دروبنا ، وننجو من ذنوبنا ، ونطهر من عيوبنا .
إليكَ وإلا لا تشد الركائب
وفيك وإلا فالغرام مضيع
ومنك وإلا فالمؤمل خائبُ
وعنك وإلا فالمحدث كاذبُ

وإن تعجب فعجب أن ترى شاعراً بائسا ، يشكو طللاً دارسا ، فهو يبكي من نار الغرام ، ويشكو ألم الهيام ، ولو سافرت روحه في عالم الملكوت ، لصار وحبه عنده كالقوت . لو أدرك عنترة الإسلام ما كبا ، وما قال : اذكري يا عبل أيام الصبا .
جرير يشكو العيون السود ، وبشار يشكو الصدود ، والشريف الرضي يشكو فتنة الخدود ، وكأن الحياة لديهم اختصرت في امرأة حسناء ، وكأن العمر يتسع لهذا الهراء ، ويحسبون أن الناس من أجلهم تركوا المنام ، وهجروا الطعام ، إذا افتخرنا على الغرب بأن لدينا نساء حسناوات ، وفتيات فاتنات ، قالوا لنا : عندنا في ذلك مسارح ومسرحيات ، ومغامرات وغراميّات . لكن فخرنا على الناس أن لدينا رسالة ملأت الكون نورا ، والعالم حبورا ، والدنيا طهورا .
نحن الذين ملأنا جونا كرماً
والعالم الآخر المشبوه في ظلمٍ
وقد بعثنا على قرآننا أمما
من يعبد الجنس أو من يعبد الصنما


المقـامَـــة الـنحــويّــــة
 فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا 
جَمِّل المنطق بالنحو فمن
فاللسان العضب سيف مصلت
يحرم الإعراب في النطق اختبل
كم بسحر من حديث قد قتل

اللحن في الأقوال ، أهون من اللحن في الأفعال ، لأن اللحن في الفعل يدل على الجهل وقلة العقل ، واللحن في الكلام يدل على أن صاحبه ليس له بالعربيّة إلمام .
ونحن في زمن خفض المرفوع ، ورفع الموضوع ، وأصبح المجرور منصوبا ، والعلم بالجر مسحوبا ، وأصبحت النكرة معرفة ، والموصوف بلا صفة ، والمبتدأ بلا خبر ، والأفعال تجر ، فانظر لحال أهل التمييز ، كيف تركوا كل وصف عزيز .
واعلم أن بعض اللحن لا يصلحه سيبويه ، ولا يقيمه نفطويه ، ومن لحن عند أولي الشان ، ذهب رأسه في خبر كانْ ، وكان جعفر البرمكي عند الرشيد كالمأمور ، فلما رفع المجرور ، ترك رأسه في البلاط يدور ، وهذا أبو جعفر المنصور ، لما رأى أبا مسلم يضم المكسور ، جعل سيفه في صدره كالضمير المستور .
والعرب لا تبدأ بساكن ، لأنها تحب التنقل في المساكن ، أما تراها فتحت بالسيوف الجوازم الأقطار ، وحررت من سوء الحال الأمصار ، ولا تقف على متحرك ، لأنها تحب الساكن المتنسك ، وتبغض المتغير المتهتك .
النحو لا يعترف بالأنساب ، ولا يقيم وزنا للأحساب ، لأن الوليد بن عبد الملك كان يلحن وهو من بني أمية ، وسيبويه عالم في النحو وهو من الديار العجمية ، والبخاري كان في صحة الكلام لا يجارى ، وهو من بخارى .
هنا لحن في الذات ، ولحن في الصفات ، ولحن في الكلمات ، فلحن الذات التنكر للمعبود ، وغبش الرؤية للوجود ، ولحن الصفات هجر الآداب ، والتنابز بالألقاب ، ولحن الكلمات ، الجهل بالحركات والسكنات ، والفتحات والضمّات .
يقول النحاة : ضرب عمروٌ زيدا ، وما ذكروا لهما وصفاً ولا قيدا ، فإن كان المقصود عمرو بن العاص ، فهو من الخواص ، وإن كان المقصود عمرو بن معدي كرب ، فهو المقدام ساعة الغضب ، وإن كان المقصود عمرو بن كلثوم ، فسيفه في الأعداء مثلوم،
أما زيد فإن كان ابن ثابت ، ففي الأنصار نابت ، وإن كان ابن الخطاب ، فقد قتل في سبيل الوهاب ، وإن كان ابن حارثة ، فهو أسد كل حادثة .
قالوا : كان معروف الكرخي العابد يلحن إذا نطق ، ولكنه يعرب في الأفعال فكلما تكلم قالوا : صدق .
بلال يتكلم الحبشيّة ، وأبو لهب يتكلم القرشيّة ، ففهم بلال كلام ذي العزة والجلال ، ولم يفهم أبو لهب ، ما جاءت به الكتب ، لأن قلب بلال أحب العربي الأمين وقلب أبي لهب في الكفر مهين . دخل جوهر الصقلي باني القاهرة ، بجيوش باهرة ، فتكلم بلغة مغلوطة ، كأن لسانه مربوطة ، قال له العرب : أنت رجل لحّان ، لا تجيب في الامتحان ، أنت مولى بلا نسب ، ودخيل بلا حسب .
فقال : كيف ؟ وسل السيف ، وقال : هذا نسبي ، ونثر الذهب ، وقال : يا عرب، هذا حسبي ، فصار أفصح من سحبان ، فالسيف والذهب خطيبان .
الانتماء ليس للسان ولا البلدان ، وإنما للإيمان والقرآن ، والدليل ،البخاري محمد بن إسماعيل ، والرد على مذهب القومية الكريه ، بكتاب سيبويه . أعجميان لهم كتابان ، عظيمان عربيان ، البخاري أجل كتاب في الصحيح ، والكتاب لسيبويه الذي بز كل فصيح . سيبويه عصرنا ، وكسائي مصرنا ، من يرفع الفاعل ، وينصب المفعول ، فهذا نحوي مقبول ، يكفى الناس اليوم الآجروميّة ، وإلا تحولت الأمة إلى فارسية ورومية .
يقول ابن مالك :
كلامنا لفظ مفيد كاستقم
اسم وفعل ثم حرف الكلم

وهذا يقصد به الأقوال ، وأنا أقول في الأفعال .
أفعالنا على الكتاب فاستقم
كما أمرت وابتعد عن التهم

قال : ترفع كان المبتدا اسما والخبر
تنصبه ككان سيداً عمر

أقول : يرفع ربي من يصدق الخبر
مثل أبي بكر الجليل وعمر


يقول هو : والأصل في الأخبار أن تؤخرا
وجوّزوا التقديم إذ لا ضررا

وأقول : والأصل في الأشرار أن تؤخرا
وقدم الأخيار من بين الورى

القرآن كاف شاف ، بلا كشاف ، لأن الزمخشري ، في سوق البدعة مشتري ، لحن في العقيدة ، وأعرب في القصيدة ، لو شرب من معين السلف الماء الزلال ، لما ورد نهر الاعتزال . بعض الظلمة من الرؤساء كان فصيحا ، وظلم ظلماً قبيحا ، قال : أنا إمام عادل ، وورع فاضل ، فقال شعبه : أنت عادل إمام ، ولكنك قدمت وأخّرت في الكلام
لما لحن الجيل في الجمع والمثنى ، ونسي سيرة المثنى ، تعنّى وما بلغ ما تمنى .
ضرب المعتصم أحمد ، وتوعّد وهدّد ، فما أجاب بحرف ، لأن أحمد ممنوع من الصرف ، أما أحمد بن أبي دُؤاد فصرف في سوق الذهب ، لأن الورع من قلبه ذهب .
يا أيها المسلمون : اصرفوا إسرائيل ولو كانت ممنوعة من الصرف ، لأن للضرورة أحكاما في اللغة والعرف . لا تخدعك الأسماء وتنسى الأفعال ، فنصير الدين الطوسي ، صار عدو الدين المجوسي ، لأنه كسر رؤوس المسلمين بالسيوف الجازمة ، وأفتى هولاكو تلك الفتاوى الآثمة .
اشتغلنا بالفعل الماضي عن الفعل المضارع والأمر ، فكلامنا :
انتصرنا فيما مضى ، وهذا ذهب وانقضى ، وفتح أجدادنا البلاد ، وأين فتحنا اليوم يا أحفاد ، أسلافنا مبتدأ لكن أين الخبر ، ليتم الكلام المعتبر :
والخبر الجزء المتم الفائدة
كـ الله بر والأيادي شاهدة

يقول النحاة : المصغّر ، لا يصغر . قلت : بل يصغره الله يا أعراب ، أما رأيتم ما فعل بمسيلمة الكذاب ، كيف صغّره وحقّره ، وبالتراب عفّره . أما مسلمة بن عبد الملك فلم يكن مصغّرا ، فعاش مجاهداً مظفّرا .
إذا رأيت الصفات تتقدم الأسماء ، فاعلم أن المعاني هباء ، فالمتأخرون يصفون البعض ، عند العرض ، فيقولون : علامة عصره ، وفريدة دهرة ، وقدوة الأنام ، وعلم الأعلام . بينما كان السلف يقولون : أبو بكر وعمر ، ولا يذكرون النعوت والسير ، لأن المعارف لا تعرّف ، وكامل الأوصاف لا يوصف .
احذر ثلاث كلمات ، إذا وقعت بلا إضافات صحيحات .
كلمة أنا فهي مدح الشياطين ، لما قال كبيرهم : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، ولكن قل : أنا العبد الضعيف ، أطلب عفو اللطيف .
وكلمة لي قال فرعون في القصر : أليس لي ملك مصر ، فصار في الهلاك آية لكل عصر ، ولكن قل : لي ذنوب ، أرجو رحمة علام الغيوب .
وكلمة عندي قالها قارون ، فجعلها بالخسف عبرة لكل القرون ، ولكن قل : عندي تقصير ، يصلحه اللطيف الخبير .
علي بن أبي طالب مرفوع عندنا بين الفتح والخفض ، فقد أخطأ فيه أهل النصب والرفض ، فالنواصب هضموا حقه ، ونسوا صدقة ، والروافض أنزلوه فوق المنـزلة ، فصار وصفهم مهزلة .
فيا أيها الناصبي : عليٌّ مرفوع وعلامة رفعه ، علو الهمة ، وتزكية رسول الأمة .
ويا أيها الرافضي : لا تغالِ ، فعليٌّ بغير هذا الغلو عالِ .
ذكر عن سيبويه ، ذلك العالم الوجيه ، أنه أتى ليُعرِّف اسم الجلالة ، فلما وقف أمام كلمة الله وتذكر كماله ، وتأمل جماله . قال: الله أعرف المعارف ، لا يحتاج إلى تعريف ، ومن جمع الصفات لا ينقصه التوصيف .
يا أنت يا أحسن الأسماء في خلدي
تقاصرت كلها الأعلام إن ذكرت
خذها من الوحي نعتاً للجليل ولا
فارفع شعائره وانصب لخدمته
وكن مضافاً إلى أصحاب طاعته
واجزم بحكمته في نصر شرعته
ماذا أعرف من عز ومن شرفِ
أوصافكم قد رواها عنك كل وفي
تأخذ من الجهم والكشاف والنسفي
وجر رجلك في ذل وفي أسفِ
ولا تعرف شقياً بات في ترفِ
وقف على ساكن التنزيل كالسلفِ

قال شاب لأحد الأولياء : يا ليتني أدركت الرسول  وكنت خادماً بين يديه ؟
قال : لعلك ترحم بهذا لأن المضاف يأخذ حكم المضاف إليه .
- زاد اليهود نقطه ، فوقعوا في ورطه ، وسقطوا سقطة ، قيل لهم قولوا : حطه ، فقالوا : حنطه .
- وزاد المبتدعة حرفا ، فصرفوا عن الصواب صرفا ، قالوا : استولى مكان استوى ، وهذا من الزيغ والهوى .
- للوصف صلة بالاسم ، فأبو بكر الصديق ، لما صدق في القول والاعتقاد ، عرف بهذا الوصف بين العباد ، وعمر عمر الدولة بالعدل ، وطرد الجهل ، وعثمان بن عفان ، عف عن كل فان ، وعلي بن أبي طالب ، علا في المناقب ، فسلم من المثالب .
- كن بالتوحيد مرفوع الهامة ، وبالأخلاق منصوب القامة ، وليكن عليك من الصلاح علامة ، لتنجو يوم القيامة .
- واعلم أن المزاح المباح ما عارض به بعضهم الألفية النحوية ، وجعلها للمطاعم الشهية .
قال ابن مالك : والأصل في الأخبار أن تؤخرا

وجوّزوا التقديم إذ لا ضررا

قال أحدهم : والأصل في الأخباز أن تحمّرا

وجوّزوا الفطير إذ لا ضررا

وقال الشيخ ابن عثيمين كان له شيخ يقول على سبيل المزاح
والأصل في الأخباز أن تقمّرا

وجوّزوا الترقيق إذ لا ضررا


مقـامَـــة الجـمـــال
 الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ 
ليس الجمال بمئزرٍ
إن الجمال مآثرٌ
فاعلم وإن رُدّيت بُرْدا
ومناقبٌ أورثن حمدا

الله جميل يحب الجمال ، موصوف بالجلال ، انظر نهجه ، وقد أنبت حدائق ذات بهجة ، خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وأبدع الكائنات في تصوير مستقيم ، جمال في كواكب السماء ، وحسن يكسو الأشياء ، نجوم زاهرة ، وبحار زاخرة ، كأن الأرض مكسوة بأحسن نسيج ، والحدائق فيها من كل زوج بهيج ، رسم الجمال في الكائنات ، وخط الحسن في المخلوقات .
الجمال في العين بلونها الأسود ، وبجفنها المقعد ، بسحر نظرتها ، وروعة خطرتها ، مدورة في بهاء ، متحركة في سناء ، لها في الظلام بريق ، ولها في الحركة تلفت رشيق ، عليها رمش يحميها ، ويغسلها ولا يدميها ، وهي في نهر من الماء تسبح ، وفي هالة من النور تمرح ، في نظرها أسرار ، وفي تلفتها أخبار ، لها لغة تفهمها القلوب ، ولها سحر تكاد منه النفس تذوب . في طرفها حور ، يقتل من نظر ، لها في النفوس إيماءات ، وفي الأرواح إضاءات ، يعرف بها الرضا والغضب ، والجد واللّعب :
في عيون المحب أحرف وُدٍّ
قُتلت أنفسٌ بنظرة عين
سطرت بالدموع عند الفراقِ
وقلوب مشتاقة للتلاقي

الجمال في الفم وهو بالحسن محبوك ، وبالأسنان مسبوك ، يرسل الكلمات ، ويبعث النغمات ، بلسان فصيح ، وصوت مليح ، لا ينطق حتى يؤمر ، ولا يسكت حتى يزجر ، فيا له من خلق ما أبدعه ، ومن صنع ما أروعه  أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  الجمال في الوجه ، بطلعته البهية ، وإشراقاته الرضية ، قسمات ترسم ، وقبلات عليه من البهاء تبسم ، خد بماء البشاشة يسيل ، وطرف بإيحاء الحسن كحيل ، دمع كالسيل ، وشعر كالليل . وجبين كالمهنّد ، وفم منضّد .
الجمال في قامة الإنسان ، وروعة هذا البنيان ، أذنان وصِماخان ، وعينان نضاختان، ويدان منافحتان ، ورجلان كادحتان .
الجمال في الروض الجذاب ، بجماله الخلاب ، طيور تلقي قصائد الحنان ، على منابر الأغصان ، وحمام ينشد إلياذة الفراق ، على أطراف الأوراق ، وماء يسكب ، ونسيم يكتب ، أنهار ودوح ، ومسك من الروض يفوح ، حسن باهي ، وإبداع إلهي  سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى  .
انظر إلى الروض واشهد أن مبدعه
وسرح الطرف فيما شئت من حسن
رب الوجود عظيم القدر والشان
ما بين زهر وأطيار وأغصان

الجمال في الصبح إذا تنفس ، فسبحان من صوره وتقدس ، الصبح بطلعته الآسرة، وإطلالته الباهرة ، الصبح وهو يغشى العالم ، ويمر على كل قاعد وقائم ، الصبح وهو ينشر عباءته الذهبية على الوجود ، فيكاد يكلمه من حسنه الجلمود ، الصبح يوم يتوضأ الفكر في عباب نوره ، ويغتسل القلب في بحر سروره ، وتسرح النفس في مهرجان عرسه، وتنصت الروح لهمسه وجرسه .
الجمال في الليل إذا عسعس ، وأقبل في هدوء يتوجس ، يقبل الليل بردائه الأسود ، وشعره المجعد ، فيستر الأحياء بثيابه ، ويضع الأشياء تحت جلبابه ، فيملأ بجيشه المساكن ، فكل متحرك ساكن ، والليل له هيبة في العيون ، كأنه كتيبه تحمل المنون .
من لم يرى هذا الوجود بقلبه
فافتح كتاب الكون تقرأ قصة
خسر الجمال ولم ترى عيناه
هل في الوجود حقيقة إلا هو

الجمال في الشمس وهي على الكون تتبرج ، ليتمتع في الحسن كل حيٍّ ويتفرج ، أشعة تعانق العين في صفاء ، وتداعب الروح في وفاء ، نور يطارد الظلام ، ويبعث في الكون الإشراق والوئام ، الشمس جرم هائل من النور ، فيها معاني الفرح والسرور ، تجري لمستقر لها ، فويل لمن غفل عن آياته ولها .
تقول الشمس يا بلقيس إني
حرام تسجدين لنا فهيا
كمثلك أعبد الأحد المجيدا
نري رب الورى منا سجودا

الجمال في القمر يوم يبدأ علينا بهذا الوجه الصبيح ، والمنظر المليح ، هالة من الصفاء، وفيض من السناء ، ينزل أبراجه في وقار ، ويطارد الظلام بالأنوار ، كثيرُ إحسان ، حبيبٌ إلى كل إنسان ، إذا خسف بكى الناس ، كأن حل بهم الباس ، يتدرج في النمو حتى يكتمل ، ويهرم شيئاً فشيئاً حتى يضمحل ، فسبحان من صوّر ودبّر ، وزين القمر وكوّر.
يا بدر كم لك منة
لا تبتعد عن دارنا
رافقت من غبروا ومن
يا أيها الشيخ الجليل
يا صاحب الوجه الجميل
عرفوا الحياة بكل جيل

والجمال في النجوم اللاّمعة ، والكواكب الساطعة ، انظر إلى السماء ، في الظلماء ، وقد رصع تاجها بالنجوم ، التي تذهب رؤيتها الهموم والغموم ، مهرجان حي من الحسن الباهر ، حفل بهيج من الجلال الظاهر ، الجوزاء تضحك في الظلماء ، كأنها حسناء في قصر أحد العظماء ، الثريا في صويحباتها ، ومع رفيقاتها ، في مشهد عجيب ، وفي صمت رهيب ، سُهيل وقد هجر الجميع واعتزل ، وهو واقف ما مشى وما نزل ، آلاف النجوم تجمل هذا الفضاء الكبير ، بتقدير اللطيف الخبير ، نجم تراه عن الجميع شاردا ، ونجم يحرق ماردا ، ونجم يُعرف به السفر ، ويستدل به البدو والحضر ، ونجم إنما هو زينه ، لهذه السماء الحسينة .
ألم تر هذا الكون في صنعه عبر

وفي كل شيء في طليعته خبر

كأن الثريا علقت بجبينه

وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

الجمال في الجبال ، بالوقار قائمه ، وفي جلال القدر هائمة ، ثابتة على مر الأزمان ، باقية ما تعاقب الحدثان ، تمر بها الرياح الهوجاء ، وهي صامدة صمّاء .
عاش معها ثمود وعاد ، وساسان وشداد ، وهي باقية والجمع قد باد ، صاحبت القرون ، وشاهدت فرعون وقارون ، فبقيت وهم ماتوا ، وحضرت وهم فاتوا  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا  . وكل ما مر يدخل في جمال الذات ، وحسن الصفات .
أما جمال المعنى ، فكن معنا ، ولا تذهب وتدعنا .
فمن ذلك جمال البيان ، مثلما أشرقت به شمس القرآن ، أما رأيت حسن هذا الكتاب المقدس ، الذي على الصدق تأسس .
تأثير يسافر إلى أعماق الأرواح ، وأسر يشد ما اهتز من الصور والأشباح ، نبأ يقف العاقل متفكرا ، وخبر يجعل الإنسان متذكرا ، حقيقة تغوص في الضمائر ، وطهر يرسخ في السرائر ، موكب من النور يجتث أكوام الرذيلة ، فيض من الحق يحمل معاني الفضيلة ، قافلة من الصلاح تطوي صحراء النفوس طيا ، نهر من البر يروي القلوب العطشى رِيّا ، إيماء وإيجاز ، وإفحام وإعجاز ، عذوبة وحلاوة ، وسلاسة وطلاوة ، قوة وأصالة ، فصاحة وجزالة ، لغة جميلة ، مقاصد جليلة ، براعة استهلال ، وحسن تفصيل وإجمال ، يسافر بقلبك إلى عالم الخلود ، ويرتحل بروحك إلى حقيقة الوجود ، ويغسل ضميرك من لوثة الخيانة ، ويطهر كيانك بماء الأمانة ، مشاهد وصور ، وأحداث وعبر ، وأخبار وسير ، وقصص وأمثال ، وأفعال وأقوال ، عالم الحياة بأريجه وضجيجه ، وعالم الموت بأناته ونشيجه ، دول تمر مر السحاب ، وملوك تدس في التراب ، تقرأ هذه المعجزة الخالدة ، فإذا الأمم البائدة ، حضارات تسقط كأوراق التوت ، وممالك تتهاوى كبيت العنكبوت ، والقرآن يناديك من أطراف لبك ، ومن سويداء قلبك ، تدبر يا عبد ، جد فإن الأمر جد ، ودع الرد والصد ، استفق يا إنسان ، اهجر عالم الغفلة والنسيان .
انبعث من قبور الأشقياء ، وتعال إلى جنات الأتقياء ، انفض غبار الوثنية ، ارفض وساوس الجاهلية ، أعتق رقبتك من النار ، حصن نفسك من البوار، ارفع رأسك في سماء الكرامة ، أنت من أمة الخلافة والإمامة ، تقدم لإصلاح العالم ، فالكل سواك هائم عائم .
سمعتك يا قرآن والليل واجم
فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها
سريت تهز الكون سبحان الذي أسرى
فسل دولة الأخبار يرموك أو بدرا

أيها الإنسان ، شاهد الكون ، بعين الإيمان ، تنظر للشوك ولا ترى الزهور ، تشاهد الآسن ولا تبصر الطهور ، يهولك الليل بالظلام ، ولا تستمتع ببدر التمام ، تشكو من حرارة الشمس اللاذعة ، ولا تتلذذ بتلك الأشعة الساطعة .
تستوحش من وحدة الصحراء ، ولا يؤنسك فيها روعة الإيحاء ، ما لك تزعجك الرياح الهوجاء ، فأين حسنها إذا زارتك وهي رخاء ، تنظر إلى الصخر كيف تحجّر ، ولا تنظر إلى الماء منه كيف تفجر ، تبصر رداءة التراب ، ولا تدرك أنه مادة الإنجاب والإخصاب ، لا ترى من السيل إلا الدمار ، وهو مصدر النماء والعمار ، تأخذ من المصيبة العويل ، وتنسى الأجر الجزيل .
تضع على عينيك نظراة سوداء ، لترى الحياة جرداء مرداء ، فأين الندى والطل ، وأين الخضرة والظل ، تسمع نعيق الغراب ، ولا تنصت لهديل الحمام الجذاب ، انظر إلى الحياة في ثياب جمالها ، وفي رداء جلالها ، شاهد الكون وهو في عباءة البهاء ، وحلة السناء ، طالع العالم بعين الحب ، لتشاهد بديع صنع الرب ، واعلم أن الجحود إلحاد ، والتنكر فساد ، ومن لم يشاهد إلا القبيح ، فرأيه غير صحيح  قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ   هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ  .


المقـامَـــة الـفقـهـيَّـــة
 فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ 
يأبى السؤال فلا يراجع هيبة
أدب الوقار وعز سلطان التقى
والسائلون نواكس الأذقانِ
فهو المطاع وليس ذا سلطانِ

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، والفقهاء أفضل من العابدين . بل فقيه واحد ، أشد على الشيطان من ألف عابد ، والتفاضل ليس بشجاعة الشجعان ، فليس الأسد أفضل من الإنسان ، والإنسان لا يراد منه المصارعة ، بل المحاجّة بالدليل والمقارعة ، وليس المدح بقوة البنيان ، وهل عظمت بقوة أجسامها الثيران ، ولكن العبد يراد منه الفهم ، ويفضل بالعلم ، فإذا فقه الحجة ، وعرف المحجة ، نال السعادة الأبدية ، والفضيلة السرمدية ، وقد عيّر الله أعداءه بعدم الفقه في آياته ، ووصفهم بسوء الفهم لبيّناته . وقد وصف المنافقون بضخامة الأجسام ، والتشدق في الكلام ، لكنهم ذموا بالفهم السقيم ، ووصموا بالرأي العقيم ، فقد حرمهم الله نور البصيرة ، لخبث السريرة ، ولسوء السيرة ، فليس التمايز بكثرة المال ، ولا بصفة الجمال ، ولا بكمال القوه ، ولا بتمام القوه ، إنما التمايز بتفاضل العقول ، في سوق الرد والقبول . فهنيئاً لمن ترك العنق في سيره ونصّ ، واستنبط من النص ، فإن تقليب البصيرة في صفحات الأدلة ، من أعظم حسنات خدّام الملة ، وإن تحديق القلب في مناجم الآثار ، من أفضل أعمال الأبرار ، وهل فاق وبز ، إلا من بالوحي اعتز ، فليس العلم بكثرة الرواية ، ولكنه بالفقه والدراية، وليس الفقه كلاماً يحفظ ، ولا جملاً تلفظ ، بل فهم عن الله وعن رسوله ، ومعرفة القول بدليله ، وليس الفقه حكاية آراء الرجال ، وجمع القيل والقال ، بل الفقه معرفة مقاصد الشريعة ، واستنباط المعاني البديعة . وانظر لابن عباس ، كيف بز الناس ، لما دعا له بالفقه في الدين ، سيد المرسلين ، ولما تكلم الزنادقة ، والفرقة المارقة ، في أصحاب الحديث ، واستهزؤوا بسعيهم الحثيث ، وقالوا : إنهم ينقلون أحاديث ليس لها معاني ، ولا تقوم على مباني ، مثل يا أبا عمير ، ما فعل النغير ، تصدى لهم محمد بن إدريس ، فاستنبط كل معنى نفيس ، فأفحمهم ، وفي كل بلاء أقحمهم ، وقيل لابن عباس ، في مجلس إيناس ، بم حصلت على هذا العلم ، ووصلت إلى هذا الفهم ؟ قال : بلسان سؤول ، وقلب عقول ، وامتن الله على سليمان ، وفضله على أبيه في معرفة البرهان ، لما حضر لديه الخصمان ، قال بعض العلماء : الفقه ما دلك على الرشاد ، وأبعدك عن الفساد ، ومن سجايا الفقيه ، صبره على السفيه ، ومجانبته كل أمر كريه ، فمن عقل عن الله أمره ، وعرف قدره ، فهو العالم العارف ، والمتقي الخائف .
كان أبو حنيفة يبيع البز ، ثم نال بالفقه العز ، كلما أعضلت المشكلات ، أخرج من دماغه القبسات النيّرات ، فحلها برأي جزيل ، وفهم جليل .
الفقه أغلى بضاعة في سوق العلوم ، وأشرف مواهب القوم ، فإنك تجد الفقيه محل الاعتبار ، ترمقه الأبصار ، ويعظمه ذوو الأخطار ، لأن حاجة الناس إلى الفقه شديدة ، ومجالس الفقهاء لكل الطبقات مفيدة ، وقد تجد الرجل في اللغة من الأعيان ، يشار إليه بالبنان ، وترى النحوي أصبح مرجعاً في علمه ، جهبذاً في فهمه ، وتبصر الشاعر بشعره الرائع يخلب لبّ السامع ، وتشاهد الخطيب ، يستولي على القلوب ، ويأتي بالقول المحبوب ، غير أن الفقيه الربّاني ، يجمع محاسن المعاني ، ويبلغ بهمته الأماني ، وقد بز الكل ، وارتقى المحل الأجل ، لعظيم حاجة الناس إليه ، وتزاحمهم عليه ، وقد عرفت بالتجربة ، أن الفقه أجلّ موهبة ، إذا قرن بالدليل ، وبني على التأصيل ، فإني رأيت الفقيه إماما ، وفي كل جمع مقداما ، وحضرت اجتماعات ، وندوات ، ومحاضرات وأمسيات ، فإذا الفقه أعظم مطلوب ، وأجل موهوب ، فالفقهاء يُسألون في أعضل المسائل ، وتفد لهم من الأقطار الرسائل ، والكل ينصت للفقيه بما يقرره ويمليه ، فالجميع يصحح على الفقيه عبادته ، والسلطان يقوي بالفقهاء سيادته ، ولو لحن في الخطاب ، وأبطأ في الجواب ، ولو قصر في التأريخ لما قابلوه بالتوبيخ ، لكن من قصر في الأحكام ، قوبل بالملام من كافّة الأنام ، فالعلم ما دل على الرب ، وصلح به القلب ، وهجر به الذنب ، وما سواه فليس بذي بال ، ولو تشدق به الرجال ، وقد عرفنا من دَرَس الفقه سنوات ، فصار به من السادات ، وعرفنا من أفنى عمره في بعض الفنون ، وهو في خانة النسيان مدفون ، لم يستفد منه أحد ، ولم يعرفه أهل البلد ، والسبب في اهتمام البشر ، بفقه الأثر ، لأن علم الكتاب والسنّة ، أقرب طريق إلى الجنّة ، فبهذا عظم قدر فقهاء الإسلام ، على مرّ الأيام ، فهم طائفة الموقعين ، عن رب العالمين ، وهم سرج الظلماء ، وغيث السماء .
زين الله بهم الأمة بين الأمم ، كما زين السماء بالنجوم في الظلم ، فهم كتيبة الديانة، وحملة الأمانة ، وحراس المنهاج ، وفرسان الحجاج ، وهم حفاظ النصوص الشرعية ، ومحاربو الطرق البدعية ، كلما تسلق إلى سماء الشرع كاذب ، أحرقوه بشهاب ثاقب ، وصبوا عليه العذاب الواصب ، فتوى في صحيفة ، أقوى من قذيفة ، ومسألة بدليل ، أفضل من مال جزيل ، بفتوى الفقهاء تحقن الدماء ، ويفصل بين الناس في القضاء ، وتقام الحدود ، وتنفذ الشروط والقيود ، ينفذ أحكامهم الأمراء ، ويحترم كلامهم الوزراء ، ويقوم بفتواهم البيع والشراء ، وتجلّهم المحاكم ، وتتزين بهم المواسم ، يوقر الناس ما سطروه ، ويتبعون ما حرّروه ، ويتناقل حديثهم الركبان ، وتطير مسائلهم في البلدان ، يتشوق العالم لأخبارهم ، ويفد الطلاب إلى ديارهم ، ولايتهم لا تقبل العزل ، وقولهم فصل ليس بالهزل ، والناس ينتظرون أقوالهم ، ويقلدون أفعالهم ، تشيعهم الأبصار ، ويدعو لهم الأخيار ، يتباشر الناس بقدومهم ، وينهلون من علومهم ، فهم في الوجود كالتيجان ، وكلامهم كالمرجان ، وهم أئمة الإنس والجان .


المقـامَـــة الـجغـرافـيــة
 وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ 
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
إذا لم تفقه أسرار الجغرافيا

واعلم أن الأشياخ ، أخبرونا أن الإنسان يتأثر بالتضاريس والمناخ . فأهل الجبال ، أهل صفاء وجمال ، وأهل عاطفة واستعجال ، وأهل الصحراء ، أهل مكر ودهاء ، وصبر وجفاء ، وكلما قرب الإنسان من خط الاستواء ، كثرت حِدّته والبغضاء ، ومن يسكن القطب البارد ، فإنه ثقيل جامد ، ومن يعيش في أرض خضراء ، تجد له رقة ورواء، ولطفاً ووفاء ، ومن كانت داره في أرض مقفرة ، رأيت منه طبائع منكره ، من الغلظة والشدة ، والضيق والحدة .
فأهل جزيرة العرب ، يغلب عليهم الذكاء والأدب ، لصفاء سمائهم ، وطيب هوائهم ، وعذوبة مائهم ، ولذلك اختار الله منهم الأنبياء ، لأن طبيعة بلادهم في استواء ، واعتدال ونقاء ، فليس لهم خفة البلاد الحارّة ، لأن أمزجتهم غير قارة ، فتجدهم أهل عجلة وطيش ، والطرب عندهم ألذ من العيش . وليس لأهل الجزيرة كثافة طبع الأوربيين، لأنك تراهم على المادة مربين ، فتعلقهم بالعالم المشهود ، مع إنكار العالم المفقود ، وشكهم في غير الموجود .
وللصفات الحيوانية ، أثر على الفصيلة الإنسانية ، فتجد أهل الإبل أهل كبر وخيلاء، وأهل الغنم أهل سكينة ووقار وحياء ، كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء ، ومعاشرة السباع ، تؤثر في الطباع ، ومن خالط الوحوش توحش ، فتجده إذا أكل يهرش وينهش ، لأن الصاحب ساحب ، والطبع جاذب . يقول المصطفى : من بدا جفا ، وأهل المدن والحواضر أهل رقه ، وفي النظر أهل دقه ، والله أرسل من القرى الحاضرة ، رسله بالشرائع الطاهرة ، لأن أهل القرى الآهلة بالسكنى أصحاب تجربه ، وأذهان مدربه ، وآداب قويمة، وفطر في الغالب مستقيمة .
وانظر إلى أهل فارس الأعاجم ، لما سكنوا الريف واشتغلوا بالزراعة فكل عليها قائم ، صرفت أذهانهم عن التفكير ، وضعفت في جانب التدبير ، فلم يكن عندهم استعداد لفهم المنقول ، لعدم خصوبة العقول .
ولما جمح الروم إلى الخيال ، وأوغلوا في التصور حتى غابوا به عن الحال ، كثر فيهم الزيغ الفكري ، والضلال النظري ، لسابق ما عندهم من دين محرّف ، وأثاره من علم متلقف . فاختير العرب للرسالة المحمديّة ، لتمام الفطرة النقية ، ووفرة الأذهان الذكية .
واعلم أن من البلدان من تنتج الكاكاو والأناناس، وبعضها تصدر الذهب والألماس، والأخرى تصدر الرجال من أهل الكرم والباس ، وبعض الدول تنتج للعالم الحديد ، وبعضها تعلم العالم التوحيد ، ولأن العالم بحاجة إلى صلاح وبِر ، أشد من حاجته إلى شعير وبُر . والجغرافي المؤمن ينظر إلى الجبال كأنها منائر تعلن الأذان ، أو أصابع مؤمن توحّد الرحمن ، ويذكّره النسيم ، بنفحة النعيم المقيم ، وقيظ الصيف الحار ، بحرارة النار ، ويذكّره برد الشتاء وله هرير ، ببرد النار والزمهرير ، وتذكّره الغابات ، حدائق الجنات ، ويتذكّر كم مرّ على الجبال من أجيال ، ثم دفنوا تحت الرمال . ويعجب من قدرة القدير ، وحكمة اللطيف الخبير ، حيث جعل كل شيء بحكمه ، وكل فعل برحمه ، فلما كانت الصحراء ، قليلة الماء ، معروضة للشمس في العراء ، أنبت فيها شجراً يناسبها ، وطبيعته تقاربها ، وانظر إلى الأشجار ، على ضفاف الأنهار ، دائمة الرواء ، كل فصل هي خضراء، تقاوم كثرة الماء ، وجعل حيوان البر بلا وبر ، قليل الشعر ، فهو على حر الرمضاء مصطبر ، وحيوان القطب عليه من الشعر غطاء ، ومن الوبر رداء ، ليعتبر بالحكمة من شاء .
يا ماسح الأرض بالأميال تذرعها

يوماً بعرضٍ ويوماً تمسح الطولا

انظر لمملكة الإبداع ضاحكة

في عالم صار بالأحياء مأهـولا


المقـامَـــة الـبوليسـيـــة
 فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ 
ومن عرف الأيام معرفتي بها
فليس بمرحوم إذا ظفروا به
وبالناس روى رمحه غير ظالم
ولا في القضا الجاري عليهم بآثمِ

الأفكار الإبليسيه ، ما تردها عن العبد الهراوى البوليسيه ، بل تردها الأذكار، كما وردت عن المختار ، ولكن البوليس ، عمله نفيس ، إذا قام بالواجب ، وحمى الناس من كل سالب وناهب . وفي الآثار : عينان لا تمسهما النار ، عين بكت من خشية الجبار ، وعين باتت تحرس الديار ، ولو لم يكن في البلاد بوليس وشرطه ، لوقع الناس في ورطه ، وسوف يأكل القوي الضعيف ، ويعتدي السخيف على الشريف ، وتوزع الناس إلى أحزاب ، وكسر كل باب ، ولقفز اللص من الدريشة ، ولملّ الناس العيشة ، وسمعت دوي الرصاص ، وصاح الناس هل من مناص ، وصار أمن الناس أضحوكة ، لأنه مهدد بعصابات محبوكة ، وأصبح الليل ، يزحف كالسيل ، بكل ويل ، وتحولت الأسواق ، إلى عذاب لا يطاق ، فيسلط الله البوليس ، على جنود إبليس ، لأن من لا يردعه القرآن ، أدبه أعوان السلطان .
أرهب بسيف الله كل مكذب
فالسيف داء للخلي من التقى
متهتك في الزور والبهتان
ومكذب الآثار والقرآن

فالذي هجر المسجد ، وذهب يعربد ، وهدّد أمن الناس وتوعد ، ليس له إلا سوط حار ، أو سيف بتّار ، ليكون عبرة لغيره من الأشرار ، ولكن على من حك العين أن لا يدميها ، لئلاّ يكون حاميها حراميها ، بل يتقي الله البوليس في العباد ، ويكون همه إصلاح البلاد ، ليعم الأمن والأمانة ، والهدوء والصيانة .
ورضي الله عن عمر ولله دَرّه ، لأنه كان في يمينه دِرّة ، أغلى من الدُّرة ، يؤدب بها من عصاه ، ويضرب بها من رفض الحق وأباه . وعمر أول من أنشأ العسة في البلد ، لردع من فسد ، وقد أحضروا له رجلاً فاسد الفكر ، ظاهر النكر ، لبّس على الناس في الدِّين ، ليكونوا مرتدين ، فزجره عمر وفضحه ، وضربه بالدرة وبطحه ، وأذهب من رأسه بهراوة السلطان ، وساوس الشيطان ، فلما أفاق الرجل من الغيبوبة ، ودماؤه مسكوبة ، صاح في رأسه مؤذن التوحيد ، أصبحنا وأصبح الملك لله الحميد ، فهذا العلاج الجذّاب ، والدواء المذاب ، يصرف من صيدلية عمر بن الخطاب :
يا ناسف الظلم ثارت هاهنا وهنا
فظائع أين منها زندك الواري

واعلم أن من الناس طائفه ، ليست من ربها خائفه ، لا تجدي فيهم النصائح ، ولا يخافون الفضائح ، وإنما ينفع فيهم عصا خيزران ، كأنها ثعبان ، تلف على الأكتاف والأمتان ، حتى تدمع من حرها العينان ، ويصيح المضروب : الآن حصحص الحق وبان .
السوط فيه مواعظ ونصائح

ما ضمها لوح ولا ديوانُ

لغة سيفهمها غبي مارد

ما في حشايا قلبه إيمانُ

فإن لم يردع السوط من سلبْ ، ولم ترد العصا من نهبْ ، فالسيف أصدق أنباءً من الكتبْ .

كتاب كامل = مقامات القرني (1)

قياسي

كتاب كامل = مقامات القرني (1)

……………………………………………….

الإهــداء

إلى رحابك دبجّنا رسائلنا

تكاد تُحرق من أشواقنا لهبا

يا قارئ الحرف أهديناك أحرفنا

وقبلها قد بعثنا الدمع منسكبا

شوقاً إليك فهل ترضى محبتنا

مهراً وإلا بعثنا القلب والهدَبا

فغيرنا بمداد الحبر قد كتبوا

ومن دمانا كتبنا الشعر والخطبا

عنــوان الـمؤلـــف
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن

أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني

وفي ربى مكة تأريخ ملحمة

على ثراها بنينا العالم الثاني

في طيبة المصطفى عهدي وموعظتي

هناك ينسج تاريخي وعرفاني

بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا

بالرقمتين وبالفسطاط جيراني

النيل مائي ومن عمان تذكرتي

وفي الجزائر إخواني وتطواني

والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا

بدايتي وبه قد شع قرآني

وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت

آياتاها فاقرؤوا يا قوم عنواني

فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ

عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

العنــوان
حـي الرحمانية – ص . ب 379 – الرمز البريدي 11321
تليفـون : 4195398 فاكس : 4196663
جـوال : 055222000

مـقـدمـــة المقـامَــات

  بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا 
الحمد لله وليّ النعمة ، دافع النقمة ، ما غرّد طائر بنغمة ، وهبّ صبح بنسمة، وتلألأت على ثغرٍ بسمة ، والصلاة والسلام على من زيّن ببيانه الكلام ، وأذهل بفصاحته الأنام، وطرق بوعظه الأيام ، سلالة النجب ، وصفوة العرب، أجلّ من خطب ، صاحب الحسب والنسب ، محطم الأصنام والنصب ، وعلى آله والأصحاب ، ما لمع سراب ، وهمع سحاب ، وقرئ كتاب ، وبعد :
فقد أشار عليّ الشيخ الأريب ، والشاعر الأديب ، الدكتور / أحمد بن علي القرني الأستاذ بالجامعة الإسلامية بكتابة مقامات ، هي على الفضل علامات ، فقلت له صاحب ذلك قدْ مات ، ولم يبق إلا حاسد وشمّات .
فذكرني بشريط مصارع العشّاق ، وقال : كلّ لمثله مشتاق ، فإنه للقلوب ترياق ، وليس لك عذر ولو التفت الساق بالساق ، وأحضر لي من حرصه الدفاتر ، والخاطر قبل مجيئه فاتر ، فأجّلت تفكيري ، وقد اشتعل في ليل رأسي صبح نذيري ، وقد سبقني لهذا الهمداني والحريري ، ولكن على الله المعوّل ، وكما قال الأول :
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا
لكنتُ شفيت النفس قبل التندمِ
بكاها مكان الفضل للمتقدّمِ

وقد قلت لصاحبنا لا جرم أنك استسمنت ذا ورم ، وهذه سنة أهل الكرم ، والخاطر شذر مذر ، من شجون لا تبقي ولا تذر ، ولا أقول بعدت علينا الشقة ، ولكن كما قال أبو الطيب : لولا المشقة ، واعرف أن من البشر ، كشجرة العشر ، أعدى من السوس ، وأشأم من البسوس ، يأتي على غرة ، ويبحث عن العثرة ، ويقص الجُرّة ، ولو اعتذرت لنا عنده سبعين مرة .
فأقول للمادحين ، كونوا ناصحين ، وكما قيل فعين الرضا ، والمحب يمشي على جمر الغضا ، وأقول للقادحين ، كونوا مازحين ، وتذكروا : وإذا أتتك مذمتي ، واجعلوا الخطأ في ذمتي ، فقد شابت لمتي ، فإن عثر جواد بياني ، وتلعثم لساني ، فالعيب من زماني ، فما أدركت حسّان ، وما صاحبت سحبان ، وما دخلت على النعمان ، وما لقيت صُنّاع الألفاظ ، في سوق عكاظ . ولكنني مع أقوام ، على الأدب أيتام ، كلما لمع فيهم متكلم وظهر ، وقال إن الله مبتليكم من البيان بنهر ، قالوا إنما يعلمه بشر ، ولولا سواه ما اشتهر ، فيقول الحال : لكل عين قذى ، ولن يضروكم إلا أذى ، فجِدّوا كما جَدّوا ، أو سُدوا المكان الذي سَدوا . فكم نال الحساد صاحب الأدب ، وأنه ليس له في البلاغة نسب ، وما له في الفصاحة حسب ، وجاءوا على قميصه بدم كذب .
وكم انبعث من أهل البلادة أشقاها ، فصاح بهم رسول البيان ناقة الله وسقياها . وعسى عصا موسى البيان ، تكسر رأس فرعون الطغيان .
وإذا ألقى قميص يوسف الملاحة ، على بصر يعقوب الفصاحة ، نادى لسان حال المتكلمين : ادخلوا مصر الإبداع آمنين . وقد طاولت بهذه المقامات قامات ، ولامست بها هامات ، وكلما قابلني هامّات وطامّات ، قلت : أعوذ بكلمات الله التامّات .
وسوف يقرؤها صاحب ورع بارد ، وذهن جامد فيتأفف ، ويتأسف ، ويقول الرجل تكلّف وتعسّف ، فأقول : ماذا بعشك يا حمامة فادرجي ، فقد جعلت القلم واللسان أوسي وخزرجي ، وعلمت أنه مع كل بانٍ هادم ، ومن راقب الناس فهو النادم ، وقد عاب المخلوق الخالق فقال تعالى : ( يسبني ابن آدم ) .
وإذا أراد الله لعمل بشر أن ينتشر ، قيض الله له أهل خير وشر ، فصاحب الخير له نصير ، وظهير ، وخفير ، ووزير .
وصاحب الشر سبّاب عيّاب ، له من الحسد ناب ، وله من العداوة مخلاب .
وانظر إلى المعصوم ، كيف ابتلي بالخصوم ، شق الله له القمر ، فقالوا هذا سحر مستمر ، ولما جمع قريشاً وخطبها ، قالوا أساطير الأولين اكتتبها .
وأسأل الله أن يجعل هذه المقامات ، بكل فضل ملمّات ، وأن يجعلها بالحسن رائعة ، وبالفضل ذائعة ، وبالبر شائعة ، وبالأنس ماتعة ، وبالنور ساطعة ، وبالجمال لامعة ، ولكل خير جامعة ، وعن كل سوء مانعة ، وللجدل قاطعة .
محلاة بالفوائد ، مزينة بالقلائد ، متوّجة بالفرائد ، مزدانة بالشوارد ، كالماء الزلال لكل صادر ووارد ، تضمرها العقائد ، وتنشرها القصائد ، وصلى الله وسلم على صفوة الحواضر والبوادي ، الذي تشرفت بذكره النوادي ، فهو الهادي ، وإلى كل فضل منادي ، وعلى آله البررة ، والأربعة الخيرة ، وبقية العشرة ، وأهل الشجرة .

بين يــدي المقـامَــات
 قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي 
إلهي : أسألك بالاسم الأعظم ، والوصف الأكرم ، أن تنير لي الطريق المظلم . أسألك نعمة تدفع بها نقمة ، وعلماً تؤيده رحمة ، وموهبة تقيدها حكمة ، وأملاً يدفع اليأس ، ورعاية ترد البأس ، اللهم ارحم العَبْرة ، وأقلِ العثرة ، وأزل الحسرة ، واكشف عنا حجب الضلالة ، وسحب الجهالة ، حتى نبصر آيات عظمتك بعيون اليقين ، ونقرأ أسطر صنعك ببصائر الموحدين ، اللهم أيدنا بعز سلطانك ، وأكرمنا بفهم برهانك ، أعوذ بك من زلّة ، توجب ذِلّة ، وعثرة قدم ، توجب الندم ، ونسألك إخلاص النية ، وكرم الطوية ، وندعوك بلسان الاضطرار ، أن تفتح لحكمتك منا الأسماع والأبصار ، وأن تنير بوحيك مظلم الأفكار ، وما اسود من الأسرار .
وبعـد : فقد سبقني إلى هذا الفن أعلام ، لهم في الحكمة أقدام ، وفي حومة البيان أعلام ، وفي طروس الفصاحة أقلام . فمنهم من خص بمقاماته الأدب ، وثانٍ في ذكر من ذهب ، وثالثٌ في الحب ، ورابعٌ في الطب .
أما أنا فأطلقت للقلم زمامه ، وسَرَّحت خطامه ، وأزحت لثامه ، ليكتب في فنون ، ويسيل في شجون ، ذاكراً من سلف ومن خلف ، آخذاً من كل حكمة بطرف ، وربما لمحت في المقال ، بعض الخيال ، فلا تُبدِ لنا قسوة ، فلي في ذلك أسوة ، فإن الأمم استنطقت الجمادات ، واستفهمت العجماوات ، وقوّلت الكلامَ الحيوانات ، وكلّمت الأطلال ، ونسبت الحديث إلى الشجر والتلال ، تعريضاً وتلميحا، ونسبة وتصريحا .
وللعجم من ذلك ما يبهر ، ككتب بزجر جمهر ، وللروم في ذلك تآليف ، وللهنود في هذا الفن تصانيف ، ورأيت كتب اليونان ، وصاحب الإيوان ، والمانوية من أسلاف اليابان ، كلها تنسب القول للحيوان ، وتضيف وتنقل الخطاب بغير الإنسان ، حُبّاً للسلامة ، وخوفاً من الندامة .
ثم جاء العرب ، روّاد الأدب ، فأطربونا بكلام الحمام ، في الحب والغرام ، ونقلوا في الأمالي ، عتاب الطلل البالي ، وأتحفونا بحِوار الأطيار ، وإظهار أسرار الديار ، حتى أسندوا الأخبار للأشجار .
فيا صاحب الدراية ، إن رأيت في هذه المقامات رواية ، فقد قصدت النفع ، ومن استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ، وقد أحلتك على ما سلف ، ومن أحيل على مليء فليحتل.
وقد جانبت في هذه المقامات التجريح ، سواءً بالتلميح أو بالتصريح ، ودبجتها بالثناء والمديح ، لأن القول اللين ، والخلق الهين ، يجلب الود ، ويزيل الصد ، وكسر القلوب غلط ، وجرح المخاطَب شطط ، فهنا ملاينة لا مداهنة ، وليس الخبر كالمعاينة ، ومداراة لا مجاراة ، ولي في هذه المقامات رسائل ، ومن العلم مسائل .
وفيها عبر وسير ، وأشعار وأخبار ، وشجون وفنون ، وفكاهات وملاطفات ، ومشجيات ومبكيات ، ومحفوظات وعظات ، فلا تحكم بمقامة على كل المقامات ، بل طالع الجميع ليكون حكمك موات ، فإن الروض ألوان ، والشجر صنوان وغير صنوان ، والتنويع مدعاة لإثارة الذهن البارد ، ولن نصبر على طعام واحد .
وقد جانبت فيها الهمز ، والغمز واللمز ، فلا مصلحة لنا في التعرض للأشخاص والأجناس ، أو تتبع عثرات الناس ، بل نحن أحوج إلى جبر القلوب ، ودفن العيوب ، لأن مرد الكل إلى علام الغيوب . ومن وجد نقصاً فليعف عنا ، ومن غشنا فليس منا .
خذها من القلب لو أن الدجى صبغت

ثيابه بسناها المشرق الغالي

لصار نوراً كأن الشمس طلعته

والبدر وَمْضته في حُسْن إجلالي

وقد قرأت هذه المقامات على علماء وأدباء ، وشعراء وفضلاء ، طلباً للاستفادة ، وحرصاً على الزيادة ، وقد استفدت من كل جمع ضم مجلسنا ، وشاورت كل صاحبٍ كان يؤنسنا ، لأن مشاورة الأخيار ، تلقيح للأفكار ، وفي يوم الثلاثاء 21/5/1420هـ اجتمعنا بشيخنا العلامة الفطين ، صاحب الدر الثمين ، محمد الصالح بن عثيمين ، وكان اللقاء في الرياض ، والأنس قد فاض ، فقرأت عليه مقدمة المقامات ، فاستحسن ما أوردته من كلمات ، ثم قرأت عليه المقامة النحوية ، وبها لطائف نديّة ، فأضاف بعض الإضافات ، وأتحفنا ببيت من المحفوظات . نقلته في تلك المقامة ، من ذلك العلامة . وعسى ربي أن ينفعني بما كتبت ، وأن يحقق لي ما أمّلت ، من الفوز برضوانه ، وسكنى جنانه ، فقد اتصف بالعفو وكتبه ، ورحمته سبقت غضبه :
ولو سُفكت منا الدماء بحبكم
لطِرنا مع الأشواق من لذة القتل

مقـامَـــةُ التــَّوحيــد
 فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ 

فيا عجباً كيف يعصى الإله
وفي كل شيء له آية
أم كيف يجحده الجاحد
تدل على أنه واحد

التوحيد ، هو حق الله على العبيد ، وهو أول ما دعا إليه الرسل ، وبه كل كتاب نزل ، وهو أصل الأصول ، والطريق للوصول ، وبه عرف المعبود ، وعمر الوجود ، ولأجله أعدت الجنة والنار ، وسل السيف البتار ، وقوتل الكفار ، ولإقامته في الأرض دعت الأنبياء ، وعلمت العلماء ، وقتل الشهداء ، وهو أول مطلوب ، وأعظم محبوب ، وهو أشرف المقاصد ، وأعذب الموارد ، وأجل الأعمال ، وأحسن الأقوال ، وهو أول الأبواب ، وبداية الكتاب ، وأعظم القضايا ، وأهم الوصايا ، وخير زاد ، يحمله العباد ، ليوم التناد ، وهو قرة عيون الموحدين ، وبهجة صدور العابدين ، وهو غاية الآمال ، وأنبل الخصال ، بل هو أعظم الكفارات ، وأرفع الدرجات ، وأكبر الحسنات ، وهو منشور الولاية ، وتاج الرعاية ، والبداية والنهاية ، وهو الإكسير الذي إذا وضع على جبال الخطايا أصبحت تذوب ، وصارت حسنات بعد أن كانت من الذنوب .
وعلى هذا حديث (( يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )) .
وهو الذي هز في طرفة عين قلوب السحرة . فقالوا بعزم ماض : اقض ما أنت قاض ، والمرأة التي سقت الكلب ، فغفر لها الذنب ، كان معها توحيد الرب ، والرجل الذي قتل مائة رجل ، وذهب إلى القرية على عجل ، فأدركه الأجل ، غفر له بالتوحيد عز وجل . والتوحيد كنـز جليل ، في قلب الخليل ، فقال لما شاهد الكرب الثقيل ، حسبنا الله ونعم الوكيل .
ولما قال الصدّيق في الغار ، لسيد الأبرار ، لو نظر أحدهما لرآنا ولسمعنا ، قال :  لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  ، إنما قال ذلك بلسان الموحد ، وقد سدد بتوفيق الله وأيد .
وما فلق الله البحر للكليم ، إلا لأنه صاحب توحيد عظيم ، ونهج كريم ، ولو وضعت السموات والأرض في كفة الميزان ، ولا إله إلا الله في كفة لكان لها الرجحان ، ولو كانت في حلقة حديد لفصمتها ، وفي صخرة لفجّرتها ، ولا إله إلا الله مفتاح الجنان ، وله أسنان ، من الواجبات والأركان ، وصاحبها لا يخلد في النار ، ولا يلحق بالكفار ، وقد قالوا لأحد العلماء وقد سجن ، وفي سبيل هذه الكلمة ذاق المحن ، قل كلمة التوحيد، قال من أجلها وضعت في الحديد ، وقالوا لأحد الأولياء وقد رفع على خشبة الموت ، وقرب منه الفوت ، قل لا إله إلا الله ولا تغفل ، قال : من أجلها أقتل .
وسمع أحد الصالحين رجلاً يقول لا إله إلا الله ومد بها صوته فبكى وقال :
وإني لتعروني لذكرك هزة

كما انتفض العصور بلله القطرُ

وسمع أحد العلماء رجلاً يقول : لا إله إلا الله ، قال : صدقت وبالحق نطقت .
فيا أيها العباد خذوا من التوحيد قطرة ، وضعوه على الفطرة ، وولّوا وجوهكم شطره . ويا من أثقله الهم ، وأحاط به الغم ، وهزه الألم الجم ، قل لا إله إلا الله .
ويا من أثقلته الديون ، أو غيبته الشجون ، وبات وهو محزون ، قل لا إله إلا الله .
ويا من اشتد به الكرب ، وعلاه الخطب ، اذكر الرب ، وقل لا إله إلا الله .
هي أجمل الكلمات قلها كلما
ضج الفؤاد وضاقت الأزمان

اقرأها بعين الروح ، قبل أن تقرأها بعينك في اللوح ، واكتبها في سويداء قلبك ، لتحملها إلى ربك ، وتتخلص من ذنبك .
ولما قيل لفرعون ، قل لا إله إلا الله ، تلعثم الحمار وتعثر ، فدس أنفه في الطين وتدثر . وقيل لأبي لهب قل لا إله إلا الله ، قال الخسيس ، أبى علي الجليس ، والأخ الرئيس ، إبليس . تقيأ شاعر البعث المخذول ، ليقول :
آمنت بالبعث رباً لا شريك له
وبالعروبة ديناً ما له ثاني

قلنا يا شاعر البعث ، وعزة ربي ليخزينك يوم البعث . يا شاعر الخمر والحشيشة ، قد أرغم أنفك أبو ريشة ، فقال :
أمتي كم صنم مجدته
لم يكن يحمل طهر الصنمِ

من يأخذ تعاليمه من باريس ، حشر مع شيخه إبليس .
يا مسكين ، تتعلم حروف الهجاء من بكين ، وتهجر رسالة نزل بها الروح الأمين ، على سيد المرسلين ، من رب العالمين .
يرضع الوليد حليب التوحيد ، حتى يأتيه الحليب الصناعي من مدريد ، ليرتد المريد .
صوت التوحيد يرتفع على كل صوت ، وقوته خير من كل قوت ، لخصه أبو بكر فقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت
لولا أن كلمة أحد ، في قلب بلال مثل جبل أحد ، ما صمد .
التوحيد له كتاب ، وله قلم جذّاب ، ومداد جميل ، وكاتب جليل ، فكتابه الكون وما فيه ، وقلمه قلبك النبيه ، ومداده دمعك المترقرق ، والكاتب إيمانك المتدفق .
التوحيد له رسالة أبدية ، ودعوة سرمدية ، ولأصحابه إلى مستقرهم ممر ، وبعد مرورهم مستقر . فرسالة التوحيد إفراد الباري بالألوهيه ، والربوبيه ، ودعوته اتباع سيد البشريه ، ورسول الإنسانيه . وممر أصحابه الصراط المستقيم ، ومستقرهم جنات النعيم .
للتوحيد منبر ، ومخبر ومظهر ، ومسك وعنبر .
فمنبره القلب ، إذا أخلص للرب ، ومخبره النيات الصالحات ، ومظهره عمل بالأركان ، وخدمة للديان ، ومسكه الدعاء والأذكار ، وعنبره التوبة والاستغفار .
للتوحيد عين وبستان ، وحرس وسلطان ، وسيف وميدان .
فعينه النصوص الواضحه ، وبستانه الأعمال الصالحه ، وحرسه الخوف والرجاء ، وسلطانه واعظ الله في القلب صباح مساء ، وسيفه الجهاد ، وميدانه حركات العباد .
وللتوحيد قضاة وشهود ، وأعلام وجنود ، وحدود وقيود .
فقضاته الرسل الكرام ، وشهوده العلماء الأعلام ، وأعلامه شعائر الدين ، وجنوده فيلق من الموحدين ، وحدوده ما جاء به الخبر ، وصح به الأثر ، وقيوده ما ورد من شروط ، للتوحيد المضبوط .
من دعائم التوحيد ، عدم صرف شيء من العبادة لغير المعبود ، وتحريم تقديم شيء من لوازم الألوهية لغير الله مما في الوجود ، وركيزته إخلاص ليس فيه رياء ، وعلامته إخبات ليس معه ادعاء .
فلا تُعبد النجوم ولكن يُعبد مُركبها ، ولا تعبد الكواكب بل يعبد مكوكبها ، ولا يُؤلّه حجر ، ولا بشر ، ولا شجر ، ولا مدر ، بل يؤلّه من فجر من الحجر الماء ، وأوجد الأحياء ، وخلق الشجر كأنها أصابع الأولياء ، فسبحان رب الأرض والسماء .
الوحي هز أبا جهل هزّا ، لأنه يتهزّى ، وسجد للاّت والعزّا . قاتل الله هبل ، ومن طاف حوله ورمل ، أو نذر له أيّ عمل ، يا من خاف على نفسه من الحريق ، والدمار والتمزيق ، احذر من الشرك  وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ  إذا أخلصت التوحيد جاءك النصر ، وادخر لك الأجر ، ومحا عنك الوزر .
سمع أحد العباد قارئاً يتلوا  فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ  ، فقال أواه ، وارتفع بكاه ، وكان أحد الملوك الصالحين ، يسمع أحد القراء يقرأ بتلحين  شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  فجلس يبكي ويقول وأنا أشهد مع الشاهدين .
قال أبو معاذ الرازي ، لو تكلمت الأحجار ، ونطقت الأشجار ، وخطبت الأطيار، لقالت لا إله إلا الله الملك القهار . ولما قال فرعون اللعين :  فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى  قال :  رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  ، فكأنما لكمه بالجواب ، ولطمه بالخطاب . ولما قال إمام التوحيد للنمرود العنيد  فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ  ، بهت وكُذّب ، وخسر وعُذِّب ، وهذا لظهور آيات التوحيد وقوة سلطانه ، وعزة أهله وأعوانه ، وقد أمهر يحيى بن زكريا التوحيد رأسه ، وقدم حمزة لما غمره من نور التوحيد رأسه ، ولما ذاقه جعفر ، تقطع وبالرمل تعفر ، وذبح الخلفاء على بساطه ، وضرب الأئمة على التوحيد بأيدي الظلم وسياطه ، ونحر الشهداء على فراش التوحيد وبلاطه ، وكم من موحد وضع في الزنزانة ، لما أعلن إيمانه .
ولما نطق حبيب بن زيد ، بكلمة التوحيد ، عند مسيلمة الكذاب العنيد . قطّعه بالسيف فما أَنْ ، ولا قال له تأن ، بل اشتاق إلى الجنة وحن ، ولما ذهبوا بعبد الله بن حذافة إلى القدور ، والجثث فيها تدور ، والتوحيد في قلبه يمور ، بكى وقال : يا ليت لي بعدد شعر رأسي أرواح ، لتذوق القتل في سبيل الله والجراح .
وضرب طلحة يوم أحد بالسيوف والرماح ، فما شكى ولا صاح ، حتى سال بالدم جبينه ، وشُلت يمينه ، ويبقى دينه ، لأن التوحيد قرينه . وقاتل مصعب قتال الأسود ، حتى وسّد اللحود ، لأنه وحّد المعبود . ولما حضر عبد الله بن جحش معركة أحد ، دعا واجتهد ، بكلام يبقى إلى الأبد ، فقال : اللهم هيئ لي عدواً لك شديد حرده ، قوي بأسه ، فيقتلني فيك فيجدع أنفي ، ويبقر بطني ، ويفقأ عيني ، ويقطع أذني ، فإذا لقيتك يا رب فقلت لي : يا عبد الله لم فعل بك هذا ؟ قلت : فيك يا رب . فهل سمعت نشيداً كهذا النشيد ، وهل أطربك قصيداً كهذا القصيد ، لأنه من ديوان التوحيد .
وضع أحدُ الظلمة أحدَ الأولياء ، بين يدي الأسد ليتركه أشلاء ، شمّه الأسد ثم تركه وذهب ، قيل للولي : لماذا تركك ؟ قال : بسبب التوحيد وهو أعظم سبب ، قالوا : فماذا كنت تفكر ؟ قال : كنت أفكر في سؤر الأسد هل هو طاهر أم نجس يطهر .
واعلم أن صدق التوحيد أقام بعض الأولياء ، في الليلة الظلماء ، في ذروة الشتاء ، يتوضأ بالماء ، ويقطع الليل بالصلاة والدعاء ، والمناجاة والبكاء ، وحرارة التوحيد أيقظت في الصالحين ، ذكر الله كل حين ، فلهم بالتسبيح زجل وحنين ، وعزيمة التوحيد دفعت المنفقين ، وجعلتهم بأموالهم متصدقين ، على الفقراء والمساكين .
إذا ناداك نوح التوحيد ، وقال اركب معنا أيها العبد الرشيد ، فلا تفوتك سفينة الحميد المجيد ، وَجَدَ إبراهيم بن أدهم ورقة مكتوب فيها الله وقد سقطت في الطريق فبكى وحملها ، وطهرها وطيبها ، فطهر الله نفسه ، وطيّب اسمه ، وقد أوصى صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل ، أن يكون أول ما يدعو إليه توحيد الله عز وجل . وكان يبدأ بالتوحيد خطبه ، ويخط به كتبه ، ويدعو إليه ليلاً ونهارا ، وسراً وجهارا .

المقـامَــــة الإلـهيـــة
 إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا 
(( سـبحانك ما عبـدناك حـق عبـادتك ))

تأمل في نبات الأرض وانظر
عيون من لجين شاخصات
على قضب الزبرجد شاهدات
إلى آثار ما صنع المليك
بأحداق هي الذهب السبيك
بأن الله ليس له شريك

الله رحيم لطيف ، الله بيده الأمر والتصريف ، الله أعرف المعارف لا يحتاج إلى تعريف ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، ولا نرجو سواه ، عظيم السلطان والجاه ، أفلح من دعاه ، وسعد من رجاه ، وفاز من تولاه ، سبحان من خلق وهدى ، ولم يخلق الخلق سدى ، عظم سلطانه ، ارتفع ميزانه ، وجمل إحسانه ، كثر امتنانه .
إليك وإلا لا تشد الركائب
وفيك وإلا فالغـرام مضيّع
ومنك وإلا فالمـؤل خائبُ
وعنك وإلا فالمحدث كاذبُ

علام الغيوب ، غفار الذنوب ، ستار العيوب ، كاشف الكروب ، ميسر الخطوب ، مقدر المكتوب ، عظمت بركاته ، حسنت صفاته ، بهرت آياته ، أعجزت بيناته ، أفحمت معجزاته ، جلت أسماؤه ، عمت آلاؤه ، امتلأت بحمده أرضه وسماؤه ، كثرت نعماؤه ، حسن بلاؤه . ما أحسن قيله ، ما أجمل تفصيله ، ما أبهى تنـزيله ، ما أسرع تسهيله ، ليس إلا الخضوع له وسيلة ، وليس لما يقضيه حيلة .
قد كنت أشفق من دمعي على بصري
والله ما ذكرت نفسي معاهدكم
فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
إلا رأيت دموع العين هتانا

يسقي ويطعم ، يقضي ويحكم ، ينسخ ويبرم ، يقصم ويفصم ، يهين ويكرم ، يروي ويشبع ، يصل ويقطع ، يعطي ويمنع ، يخفض ويرفع ، يرى ويسمع ، ينصر ويقمع وليّه مأجور ، والسعي إليه مبرور ، والعمل له مشكور ، وحزبه منصور ، وعدوه مدحور وخصمه مبتور ، يسحق الطغاة ، يمحق العصاة ، يدمر العتاة ، يمزق من آذاه .
سبحان من لو سجدنا بالجباه له
لم نبلغ العشر من مقدار نعمته
على لظى الجمر والمحمى من الأبرِ
ولا العشير ولو عشر من العشرِ

من انتصر به ما ذل ، ومن اهتدى بهداه ما ضل ، ومن اتقاه ما ذل ، ومن طلب غناه ما قل ، له الكبرياء والجبروت عز وجل .تم كمالهُ ، حسن جماله ، تقدس جلاله ، كرمت أفعاله ، أصابت أقواله ، نصر أوليائَه ، خذل أعدائَه ، قرّب أحبائه . اطلع فستر ، علم فغفر ، حلم بعد أن قدر ، زاد من شكر ، ذكر من ذكر ، قصم من كفر .
يا رب أول شيء قاله خلدي
فوالذي قد هدى قلبي لطاعته
أني ذكرتك في سري وإعلاني
لأُذهبن بوحي منك أحزاني

لو أن الأقلام هي الشجر ، والمداد هو المطر ، والكتبة هم البشر ، ثم أثنى عليه بالمدح من شكر ، لما بلغوا ذرة مما يستحقه جل في علاه وقهر . اعمر جنانك بحبه ، أصلح زمانك بقربه ، اشغل لسانك بمديحه ، احفظ وقتك بتسبيحه . العزيز من حماه ، المحظوظ من اجتباه ، الغني من أغناه ، السعيد من تولاه ، المحفوظ من رعاه . أرسل الرسل أفنى الدول ، هدى السبيل ، أبرم الحيل ، غفر الزلل ، شفى العلل ، ستر الخلل .
مهما كتبنا في علاك قصائداً
فلأنت أعظم من مديحي كله
بالدمع خطت أو دم الأجفان
وأجل مما دار في الحسبان

في حبك عذب بلال بن رباح ، وفي سبيلك هانت الجراح ، لدى عبيدة بن الجراح، ومن أجلك عرض مصعب صدره للرماح . ولإعلاء كلمتك قطعت يدا جعفر ، وتجندل على التراب وتعفر ، ومزق عكرمة في حرب بني الأصفر . أحبك حنظلة فترك عرسه ، وأهدى رأسه ، وقدّم نفسه ، وأحبك سعد بن معاذ فاستعذب فيك البلاء ، وجرت منه الدماء ، وشيعته الملائكة الكرماء ، واهتز له العرش من فوق السماء .
وأحبك حمزة سيد الشهداء ، فصال في الهيجاء ، ونازل الأعداء ، ثم سلم روحه ثمناً للجنة هاء وهاء . من أجلك سهرت عيون المتهجدين ، وتعبت أقدام العابدين ، وانحنت ظهور الساجدين ، وحلقت رؤوس الحجاج والمعتمرين ، وجاعت بطون الصائمين ، وطارت نفوس المجاهدين .
يا ربي حمداً ليس غيرك يحمد
أبواب كل مملّك قد أوصدت
يا من له كل الخلائق تصمدُ
ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ

أقلام العلماء ، تكتب فيه الثناء ، صباح مساء ، الرماح في ساحة الجهاد ، والسيوف الحداد ، ترفع اسمه على رؤوس الأشهاد ، جل عن الأنداد والأضداد .
للمساجد دوي بذكره ، للطيور تغريد بشكره ، وللملائكة نزول بأمره ، حارت الأفكار في علو قدره ، وتمام قهره .
من أجلك هاجر أبو بكر الصديق وترك عياله ، ولمرضاتك أنفق أمواله وأعماله ، وفي محبتك قتل الفاروق ومزق ، وفي سبيلك دمه تدفق ، ومن خشيتك دمعه ترقرق . ودفع عثمان أمواله لترضى ، فما ترك مالاً ولا أرضا ، جعلها عندك قرضا . وقدَّم عليُّ رأسه لمرضاتك في المسجد وهو يتهجد ، وفي بيتك يتعبد فما تردد .
أرواحنا يا رب فوق أكفنا
لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو
كنا نرى الأصنام من ذهب

نرجو ثوابك مغنما وجوارا
نصب المنايا حولنا أسوارا
فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

تفردت بالبقاء ، وكتبت على غيرك الفناء ، لك العزة والكبرياء ، ولك أجل الصفات وأحسن الأسماء . أنت عالم الغيب ، البريء من كل عيب ، تكتب المقدور ، وتعلم ما في الصدور ، وتبعثر ما في القبور ، وأنت الحاكم يوم النشور . ملكك عظيم ، جنابك كريم ، نهجك قويم ، أخذك أليم ، وأنت الرحيم الحليم الكريم .
من الذي سألك فما أعطيته ، والذي دعاك فما لبيته ، ومن الذي استنصرك فما نصرته ، ومن الذي حاربك فما خذلته . لا عيب في أسمائك لأنها حسنى ، لا نقص في صفاتك لأنها عليا . حي لا تموت ، حاضر لا تفوت ، لا تحتاج إلى القوت ، لك الكبرياء والجبروت ، والعزة والملكوت .
لو أن أنفاس العباد قصائد
ما أدركت ما تستحق وقصّرت
حفلت بمدحك في جلال علاكا
عن مجدك الأسما وحسن سناكا

كسرت ظهور الأكاسرة ، قصّرت آمال القياصرة ، هدمت معاقل الجبابرة ، وأرديتهم في الحافرة . من أطاعك أكرمته ، من خالفك أدّبته ، من عاداك سحقته ، من نادّك محقته ، من صادّك مزّقته .
تصمد إليك الكائنات ، تعنو إليك المخلوقات ، تجيب الدعوات ، بشتى اللغات ، وبمختلف اللهجات ، على تعدد الحاجات ، تفرج الكربات ، تظهر الآيات ، تعلم النيات وتظهر الخفيات ، تحيي الأموات . دعاك الخليل وقد وضع في المنجنيق ، وأوشك على الحريق ، ولم يجد لسواك طريق ، فلما قال : حسبنا الله ونعم الوكيل ، صارت النار عليه برداً وسلاماً في ظل ظليل ، بقدرتك يا جليل . وفلقت البحر للكليم ، وقد فر من فرعون الأثيم ، فمهدت له في الماء الطريق المستقيم . ودعاك المختار ، في الغار ، لما أحاط به الكفار ، فحميته من الأشرار ، وحفظته من الفجار . قريب تجيب كل حبيب .
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما
ما خاب من يرجوك عند ملمّةٍ

أنت القوي الواحد القهار
صمدت إليك البدو والحضار

لو أن الثناء ، لرب الأرض والسماء ، كتب بدماء الأولياء ، على خدود الأحياء ، لقرأت في تلك الخدود ، صحائف من مدح المعبود ، صاحب الجود ، بلا حدود .
ألسنة الخلق أقلام الحق ، فما لها لا تنطق بالصدق ، وتوحده بذاك النطق . لا تمن عليه دمعة في محراب ، فقد مزق من أجله عمر بن الخطاب ، ما لك إلى عبادتك الزهيدة تشير ، وقد نشر الأولياء في حبه بالمناشير .
فاز بلال لأنه ردد أحد أحد ، ودخل رجل الجنة لأنه أحب قل هو الله أحد ، ومدح سبحانه نفسه فقال : الله الصمد ، ورد على المشركين فقال : لم يلد ولم يولد .
سبحان من تحدى بالذباب المشركين ، وضرب العنكبوت مثلاً للضالين ، وذكر خلقه للبعوض إِزراءً بالكافرين ، وحمل الهدهد رسالة التوحيد فجاء بخبر يقين ، وأهلك ناقه أعداءه المعارضين . خلق الأبرار والفجار ، والمسلمين والكفار ، والليل والنهار ، والجنة والنار ، وأنزل كل شيء بمقدار . في القرآن برهانه ، في الكائنات امتنانه ، للمؤمنين إحسانه ، في الجنة رضوانه ، عم الكون سلطانه ، اللهم يا ذا العرش المجيد ، أنت المبدئ المعيد ، أنت الفعال لما تريد ، أنت ذا البطش الشديد ، لا ضد لك ولا نديد ، كورت الليل والنهار ، وجعلت النور في الأبصار ، وحببت العبادة إلى الأبرار ، وأجريت الماء في الأشجار ، أنت الملك الجبار ، والقوي القهار ، والعزيز الغفار ، أسألك بالأسماء التي بالسمو معروفة ، وأسألك بالصفات التي هي بالمجد موصوفة .
عن كل عيب تنـزهت ، وعن كل نقص تقدست ، وعلى كل حال تباركت ، وعن كل شين تعاليت ، منك الإمداد ، ومن لدنك الإرشاد ، ومن عندك الاستعداد ، وعليك الاعتماد ، وإليك يلجأ العباد ، في النوازل الشداد . حبوت الكائنات رحمةً وفضلا، ووسعت المخلوقات حكمةً وعدلا ، لا يكون إلا ما تريد ، تشكر فتزيد ، وتكفر فتبيد ، تفردت بالملك فقهرت ، وتوحدت بالربوبية فقدرت، تزيد من شكرك ، وتذكر من ذكرك ، وتمحق من كفرك ، حارت في حكمتك العقول ، وصارت من بديع صنعك في ذهول ، أدهشت بعجائب خلقك الألباب ، وأذهلت الخلائق بالحكم والأسباب ، باب جود عطائك مفتوح ، ونوالك لمن أطاعك وعصاك ممنوح ، وهباتك لكل كائن تغدو وتروح . لك السؤدد ، فمن ساد فبمجدك يسود ، وعندك الخزائن فمن جاد فمن جودك يجود ، صمد أنت فإليك الخلائق تصمد ، مقصود أنت فإليك القلوب تقصد ، تغلق الأبواب عن الطالبين إلا بابك ، ويسدل كل حجاب عن الراغبين إلا حجابك ، خصصت نفسك بالبقاء فأهلكت من سواك ، وأفردت نفسك بالملك فأهلكت من عداك، لا نعبد إلا إياك ، ولا نهتدي إلا بهداك ، أقمت الحجة فليس لمعترض كلام ، وأوضحت المحجة فليس لضال إمام . شرعت الشرائع فكانت لك الحجة البالغة على الضلال ، وبينت السنن فما حاد عنها إلا الجهال ، نوعت العقوبة لمن عصاك ، وغايرت بين النكال لمن عاداك ، جعلت أسباب حياته مماته ، علة إِنطاقه إِسكاته ، أحييت بالماء وبه قتلت ، وأنعشت الأرواح بالهواء وبه أمت ، أشهد أنك متوحد بالربوبية ، متفرد بالألوهية ، أنت الملك الحق المبين ، وأنت إله العالمين ، وكنف المستضعفين ، وأمل المساكين ، وقاصم الجبارين ، وقامع المستكبرين .
ولما جعلت التوحيد شعاري ، مدحت ربي بأشعاري ، فقلت في مدح الباري :
هذا أريج الزهر من بستانه
السحر من إخوانه والحب من
أنا ما رويت الشعر من روما
كلا وما ساجلت من عمران
دع لامرئ القيس الغويّ ضلاله
ضل الهداية شكسبير فما روى
لما دعوت الشعر جاء ملبيا
فعففت عن مدح الأنام ترفعاً
لا سيف ذي يزن يتوج مدحتي
أو عاد أو شداد أو ذو منصب
ملك الملوك قصدته ومدحته
والله لو أن السماء صحيفة
والدوح أقلام وقد كتب الورى
لم يبلغوا ما يستحق وقصروا
لو تستجير الشمس فيه من الدجى
أو شاء منع البدر في أفلاكه
حتى الحجارة فجرت من خوفه
وتصدعت شم الجبال لبأسه
وتفتح الزهر الندي بصنعه
والحوت قدسه بأجمل نغمة
حتى الضفادع في الغدير ترنمت
هذى النجوم عرائس في محفل
يا مسرح الأحباب ضيعت الهوى
مجنون ليلى ما اهتدى لرحابه
أو ما قرا عنه وثيقة عهده
الشمس تسجد تحت عرش إلهنا

شعر كأن الفجر في أجفانه
أخدانه والحسن من أعوانه
وما رتلت آي الحسن من لبنانه
أو حطان أو مجنونه أو قبانه
يلقي قفا نبك على شيطانه
إلا نزيف الوهم من هذيانه
يسقى كؤوس الشعر من حسانه
لا تمدحن العبد في طغيانه
أو شكر نابغة على ذبيانه
يُنمى إلى عدنان أو قحطانه
فتراكض الإبداع في ميدانه
والمزن يمطرها على إبانه
مدح المهيمن في جلالة شأنه
وزن الهباءة ضاع في ميزانه
لغدا الدجى والفجر من أكفانه
عن سيره لم يسرِ في حسبانه
والصخر خر له على أذقانه
والطلع خوفاً شق من عيدانه
يزهو مع التسبيح في بستانه
لغة تبز الحسن من سحبانه
بقصائد التقديس في غدرانه
تملي حديث الحب في سلطانه
وضللت يا ابن الطين عن عنوانه
متهتكاً عبثاً مع مجّانه
فيها حديث الصدق من قرآنه
والبدر رمز الحسن في أكوانه

والهدهد احتمل الرسالة غاضباً
غضباً على بلقيس تعبد شمسها
لولاه نوح ما نجا يوم الردى
لما دعاه يونس لباه في
يدعو إلى التوحيد من إيمانه
فسعى لنسف الملك من أركانه
في فلكه المشحون من طوفانه
قاع البحار يضج في حيتانه

اللهم صلى وسلم على نبيك خاتم المرسلين ، ورسول الناس أجمعين ، وعلى آله وصحبه والتابعين .

المقـامَــة الـنـَّبـويَّـــة
 وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 
صلى عليك الله يا علم الهدى
هتفت لك الأرواح من أشواقها
واستبشرت بقدومك الأيامُ
وازينت بحديثك الأقلامُ

ما أحسن الاسم والمسمَّى ، وهو النبي العظيم في سورة عمّ ، إذا ذكرته هلت الدموع السواكب ، وإذا تذكرته أقبلت الذكريات من كل جانب .
وكنت إذا ما اشتدّ بي الشوق والجوى
أُعلِّل نفسي بالتلاقي وقربه
وكادت عرى الصبر الجميل تفصمُ
وأوهمها لكنّنها تتوهم

المتعبد في غار حراء ، صاحب الشريعة الغراء ، والملة السمحاء ، والحنيفية البيضاء ، وصاحب الشفاعة والإسراء ، له المقام المحمود ، واللواء المعقود ، والحوض المورود ، هو المذكور في التوراة والإنجيل ، وصاحب الغرة والتحجيل ، والمؤيد بجبريل ، خاتم الأنبياء ، وصاحب صفوة الأولياء ، إمام الصالحين ، وقدوة المفلحين  وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  .
السماوات شيّقات ظِمــاءُ
كلها لهفة إلى العلَم الها
والفضا والنجوم والأضواءُ
دي وشـوق لذاتــه واحتفـاءُ

تنظم في مدحه الأشعار ، وتدبج فيه المقامات الكبار ، وتنقل في الثناء عليه السير والأخبار ، ثم يبقى كنزاً محفوظاً لا يوفّيه حقه الكلام ، وعلماً شامخاً لا تنصفه الأقلام ، إذا تحدثنا عن غيره عصرنا الذكريات ، وبحثنا عن الكلمات ، وإذا تحدثنا عنه تدفق الخاطر ، بكل حديث عاطر ، وجاش الفؤاد ، بالحب والوداد ، ونسيت النفس همومها ، وأغفلت الروح غمومها ، وسبح العقل في ملكوت الحب ، وطاف القلب بكعبة القرب ، هو الرمز لكل فضيلة ، وهو قبة الفلك خصال جميلة ، وهو ذروة سنام المجد لكل خلال جليلة .
إنْ كان أحببت بعد الله مثـلك في
فلا اشتفى ناظري من منظرٍ حسنٍ
بدو وحضر وفي عرب وفي عجمِ
ولا تفوه بالقـول السديـد فمـي

مرحباً بالحبيب والأريب والنجيب الذي إذا تحدثت عنه تزاحمت الذكريات ، وتسابقت المشاهد والمقالات .
صلى الله على ذاك القدوة ما أحلاه ، وسلم الله ذاك الوجه ما أبهاه ، وبارك الله على ذاك الأسوة ما أكمله وأعلاه ، علم الأمة الصدق وكانت في صحراء الكذب هائمة ، وأرشدها إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة ، وقادها إلى النور وكانت في دياجير الزور قائمة .
وشب طفل الهدى المحبوب متشحاً

بالخير متزّراً بالنور والنار

في كفه شعلة تهدي وفي دمه

عقيدة تتحدى كل جبارِ

كانت الأمة قبله في سبات عميق ، وفي حضيض من الجهل سحيق ، فبعثه الله على فترة من المرسلين ، وانقطاع من النبيين ، فأقام الله به الميزان ، وأنزل عليه القرآن ، وفرق به الكفر والبهتان ، وحطمت به الأوثان والصلبان ، للأمم رموز يخطئون ويصيبون ، ويسدّدون ويغلطون ، لكن رسولنا صلى الله عليه وسلم معصوم من الزلل ، محفوظ من الخلل ، سليم من العلل ، عصم قلبه من الزيغ والهوى ، فما ضل أبداً وما غوى ، إنْ هو إلا وحي يوحى .
للشعوب قادات لكنهم ليسوا بمعصومين ، ولهم سادات لكنهم ليسوا بالنبوة موسومين ، أما قائدنا وسيدنا فمعصوم من الانحراف ، محفوف بالعناية والألطاف .
أثني على مَنْ أتدري من أبجله

أما علمت بمن أهديتُه كلمي

في أصدق الناس لفظاً غير متَّهمٍ

وأثبت الناس قلباً غير منتقم

قصارى ما يطلبه سادات الدنيا قصور مشيدة ، وعساكر ترفع الولاء مؤيدة، وخيول مسومة في ملكهم مقيدة ، وقناطير مقنطرة في خزائنهم مخلدة ، وخدم في راحتهم معبدة.
أما محمّد عليه الصلاة والسلام فغاية مطلوبه ، ونهاية مرغوبه ، أن يعبد الله فلا يشرك به معه أحد ، لأنه فرد صمد ،لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد .
يسكن بيتاً من الطين ، وأتباعه يجتاحون قصور كسرى وقيصر فاتحين ، يلبس القميص المرقوع ، ويربط على بطنه حجرين من الجوع ، والمدائن تفتح بدعوته ، والخزائن تقسم لأمته .
إن البرية يوم مبعث أحمد
بل كرم الإنسان حين اختار من
لبس المرقع وهو قائد أمة
لما رآها الله تمشي نحوه
نظر الإله لها فبدّل حالها
خير البرية نجمها وهلالها
جبت الكنوز فكسّرت أعلامها
لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

ماذا أقول في النبي الرسول ؟ هل أقول للبدر حييت يا قمر السماء ؟ أم أقول للشمس أهلاً يا كاشفة الظلماء ، أم أقول للسحاب سلمت يا حامل الماء ؟
يا من تضوّع بالرضوان أعظمه

فطاب من طيب تلك القاع والأكمُ

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ

اسلك معه حيثما سلك ، فإن سنته سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك ، نزل بزُّ رسالته في غار حراء ، وبيع في المدينة ، وفصل في بدر ، فلبسه كل مؤمن فيا سعادة من لبس ، ويا خسارة من خلعه فقد تعس وانتكس ، إذا لم يكن الماء من نهر رسالته فلا تشرب ، وإذا لم يكن الفرس مسوَّماً على علامته فلا تركب ، بلال بن رباح صار باتباعه سيداً بلا نسب ، وماجداً بلا حسب ، وغنيّاً بلا فضة ولا ذهب ، أبو لهب عمه لما عصاه خسر وتبّْ ، سيصلى ناراً ذات لهب .
الفرس والروم واليونان إن ذكروا
هم نمقوا لوحة بالـرق هائمـة
فعند ذكرك أسمال على قزم
وأنت لوحك محفوظ من التهمِ

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وإنك لعلى خلق عظيم ، وإنك لعلى نهج قويم ، ما ضلّْ ، وما زلّْ ، وما ذلّْ ، وما غلّْ ، وما ملّْ ، وما كلّْ ، فما ضلّ لأن الله هاديه، وجبريل يكلمه ويناديه ، وما زلّ لأن العصمة ترعاه ، والله أيده وهداه ، وما ذلّ لأن النصر حليفه ، والفوز رديفه ، وما غلّ لأنه صاحب أمانة ، وصيانة ، وديانة، وما ملّ لأنه أعطي الصبر ، وشرح له الصدر ، وما كلّ لأن له عزيمة ، وهمة كريمة ، ونفس طاهرة مستقيمة .
كأنك في الكتاب وجدت لاءً

محرمة عليك فلا تحلُّ

إذا حضر الشتاء فأنت شمس

وإن حل المصيف فأنت ظلُّ

صلى الله عليه وسلم ما كان أشرح صدره ، وأرفع ذكره ، وأعظم قدره ، وأنفذ أمره ، وأعلى شرفه ، وأربح صفقه ، من آمن به وعرفه ، مع سعة الفناء ، وعظم الآناء ، وكرم الآباء ، فهو محمد الممجد ، كريم المحتد ، سخي اليد ، كأن الألسنة والقلوب ريضت على حبه ، وأنست بقربه ، فما تنعقد إلا على وده ، ولا تنطق إلا بحمده ، ولا تسبح إلا في بحر مجده .
نور العرارة نوره ونسيمه
وعليه تاج محبة من ربه
نشر الخزامى في اخضرار الآسي
ما صيغ من ذهب ولا من ماسي

إن للفطر السليمة ، والقلوب المستقيمة ، حب لمنهاجه ، ورغبة عارمة لسلوك فجاجه ، فهو القدوة الإمام ، الذي يهدى به من اتبع رضوانه سبل السلام .
صلى الله عليه وسلم علم اللسان الذكر ، والقلب الشكر ، والجسد الصبر ، والنفس الطهر ، وعلم القادة الإنصاف ، والرعية العفاف ، وحبب للناس عيش الكفاف ، صبر على الفقر ، لأنه عاش فقيرا ، وصبر على جموع الغنى لأنه ملك ملكاً كبيرا ، بعث بالرسالة ، وحكم بالعدالة ، وعلم من الجهالة ، وهدى من الضلالة ، ارتقى في درجات الكمال حتى بلغ الوسيلة ، وصعد في سلّم الفضل حتى حاز كل فضيلة .
أتاك رسول المكرمـات مسلمـاً
فأقبل يسعى في البساط فما درى
يريد رسول الله أعظم متقي
إلى البحر يسعى أم إلى الشمس يرتقي

هذا هو النور المبارك يا من أبصر ، هذا هو الحجة القائمة يامن أدبر ، هذا الذي أنذر وأعذر ، وبشر وحذر ، وسهل ويسر ، كانت الشهادة صعبة فسهّلها من أتباعه مصعب ، فصار كل بطل بعده إلى حياضه يرغب ، ومن مورده يشرب ، وكان الكذب قبله في كل طريق ، فأباده بالصديق ، من طلابه أبو بكر الصديق ، وكان الظلم قبل أن يبعث متراكماً كالسحاب ، فزحزحه بالعدل من تلاميذه عمر بن الخطاب ، وهو الذي ربى عثمان ذو النورين ، وصاحب البيعتين ، واليمين والمتصدق بكل ماله مرتين ، وهو إمام علي حيدره ، فكم من كافر عفرّه ، وكم من محارب نحره ، وكم من لواء للباطل كسره ، كأن المشركين أمامه حمر مستنفرة ، فرت من قسوره .
إذا كان هذا الجيل أتباع نهجه

وقد حكموا السادات في البدو والحَضَرْ

فقل كيف كان المصطفى وهو رمزهم
مع نوره لا تذكر الشمس والقَمرْ

كانت الدنيا في بلابل الفتنة نائمة ، في خسارة لا تعرف الربح ، وفي اللهو هائمة ، فأذّن بلال بن رباح ، بحي على الفلاح ، فاهتزت القلوب ، بتوحيد علاّم الغيوب ، فطارت المهج تطلب الشهادة ، وسبحت الأرواح في محراب العبادة ، وشهدت المعمورة لهم بالسيادة .
كل المشارب غير النيل آسنة

وكل أرض سوى الزهراء قيعان

لا تنحر النفس إلا عند خيمته

فالموت فوق بلاط الحب رضوان

أرسله الله على الظلماء كشمس النهار ، وعلى الظمأ كالغيث المدرار ، فهز بسيوفه رؤوس المشركين هزّاً ، لأن في الرؤوس مسامير اللات والعزى ، عظمت بدعوته المنن ، فإرساله إلينا أعظم منّة ، وأحيا الله برسالته السنن ، فأعظم طريق للنجاة إتباع تلك السنة . تعلم اليهود العلم فعطلوه عن العمل ، ووقعوا في الزيغ والزلل ، وعمل النصارى بضلال ، فعملهم عليهم وبال ، وبعث عليه الصلاة والسلام بالعلم المفيد ، والعلم الصالح الرشيد .
أخوك عيسـى دعا ميْتـاً فقام له

وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ

قحطان عدنان حازوا منك عزّتهم

بك التشرف للتـاريخ لا بهمِ

المقـامَــة الـكـونيــــة
 هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ 
وكتابي الفضاء أقرؤ فيه
صوراً تدهش العقول وحسن
سوراً ما قرأتها في كتابي
يسكب السحر في الصخور الصلابِ
سبحان من له في كل شيء آية ، ليس لملكه نهاية ، وليس لعظمته غاية ، اقرأ آيات القدرة في صفحة الكون ، وطالع معجزة الخلق في الحركة والسكون ، في الليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس ، في السمك السارب ، في النمل الدائب ، في هالة النور تنشر رداء السناء ، في الفضاء ، في النهار يتماوج ، في البحر هائج مائج ، في النحل يلثم الأزهار ، في الليل يعانق النهار ، في الدمع يترقرق ، في الدماء تتدفق ، في الزهر يتشقق ، في الدواب السائمة ، في الوحوش الهائمة ، في الطيور الحائمة ، في الحيتان العائمة ، في العود يشتد ، في الظل يمتد ، في الجبال ترتدي عمائم الثلوج ، في القمر يهرول في البروج ، في الشمس تتبرج سافرة على العالم ، في النبت ما بين نائم وقائم .
في الأسرار تكنزها الضمائر ، في الأخبار تختزنها السرائر.
في الصخور كأنها تنتظر خبرًا من السماء فهي صامتة ، في الحجارة يكسرها الإنسان بفأسه وهي ساكتة ، في الفجر يطلق من عباءته النور ، في الأذهان بالأفكار تمور ، في الماء ينهمر من السماء ، ويغوص في الرمضاء ، يُقبِل بالخضرة والنماء ، ويدلف بالحياة للأحياء، يهيج أحيانا ويهدر ، ويزحف ويدمر ، لا تحدُّه الحدود ، ولا تردُّه السدود ، وعظمته سبحانه في خلق الإنسان ، وتركيبه في أحسن كيان ، حيث جعل في العينين سراجًا من النور، وأنشأ في القلب بصيرة تدرك الأمور ، وخلق العقل يقود هذا الكائن ، ويوجهه وهو ساكن ، في النبتة تشق طريقها إلى الفضاء ، وترفع رأسها إلى السماء ، في العندليب يرتجل على الغصن كالخطيب ، في الحمام يشدو بأحسن الأنغام ، يشكو الحب والهيام ، والعشق والغرام ، في الغراب يخبأ رزقه في الخراب ، ويدفن خصمه في التراب ، في الأسد يطارد القنيصة ، ويمزق الفريسة . في النحل يئِنّ ، والذباب يطِنّ ، في الزنبور يرِنّ .
في عالم النبات ، آلاف المذاقات ، ومئات الطعومات ، أخضر يعانق أحمر ، وأصفر يضم أغبر ، في الأوراق تميس في الطل ، في الحشرات تهرب إلى الظِّل .
في الناقة تحِنُّ إلى وليدها ، وتشتاق إلى وحيدها ، في الليل يخلع ثيابه على الآفاق ، في الضباب يخيّم على الأرض كالأطباق ، في النار تحرق ، في الماء يغرق .
في الضياء يسطع ، في الضوء يلمع ، في العين تدمع ، في البرق يكاد يذهب سناؤه بالأبصار ، في الصواعق تقصف الصخور والأشجار ، في الرعد يدوِّي فيملأ العالم ضجيجا ، في الروض يفوح فيعبق به الجو أريجا .
في أهل السلطان بين ولاية وعزل ، وأسرٍ وقَتْل ، وهزيمةٍ ونَصْر ، وسِجْنٍ وقَصْر ، في الموت يخترم النفوس ، ويسقط على الرؤوس ، ويأخذ الرئيس والمرؤوس ، ويبزّ العريس والعروس ، ويهدم الأعمار ، ويعطِّل الأفكار ، ويخلي الديار ، ويدخل كل دار .
في صنف من البشر ، يعيشون البطر ، له أموال كالجبال ، وآمال كأعمار الأجيال ، قصور تشاد ، كأنها لن تباد ، وحدائق غنّاء ، وبساتين فيحاء .
وفي صنف آخر فقير ، في دنياه حقير ، لا يملك الفتيل ولا القطمير ، يبحث عن الرغيف ، وينام على الرصيف ، ولقلبه من خوف الفقر رجيف .
في أهل العافية يمرحون ، وفي نعيمهم يسرحون ، وبما أوتوا يفرحون . وفي أهل البلاء ، وفي أصحاب الضنك والشقاء ، في ظلمات المحيطات ، وفي متاهات الغابات ، وفي مجاهل الفلوات . أرض تمتد بلا بشر ، صحارٍ قاحلة ليس فيها شجر ، وعوالم موحشة ما يسكنها بدو ولا حضر .
نجوم تسقط ، وكواكب تهبط ، ونيازك تلتهب ، ترمي بشرر ولهب ، مجرّات سميّة ، ومنازل قمريّة ، حدائق بأثواب الحسن تسر الناظرين ، ومشاهد في الكون جميلة تأخذ ألباب المبصرين ، رياض أنيقة تسرح فيها الغزلان ، باقات من الورود بهيجة يلعب بها الولدان .
كل في فلكٍ يسبح ، وكلٌّ في عالم يمرح ، شمس تجري كأنها تبحث عن مفقود ، قبل أن تطلع تسجد للمعبود ، آية باهرة ، وحكمة ظاهرة ، في خلق الإنسان ، ذلك الكيان ، الذي يحمل جامعات من السكنات والحركات ، فذهن متوقد ، وقلب متجدد ، وخيال يطوي الزمان والمكان ، ويناقل الإنسان ، بين خوف وأمان ، وذاكرة حافظة ، وألسنةٌ لافظة ، وشركات في كل الأعضاء ، منها يجذب الهواء ، ويسحب الماء ، ويهضم الغذاء ، ويجلب الدواءْ ، ويُذهب الداء ، ما بين دفعٍ وضغط ، وإخراج وشفط ، ومؤسّسات تشارك في بناء الجسم ، وفي قيام الرسم ، ليكون في أحسن تقويم ، وأكمل تنظيم ، في الطير وهو يبحث عن طعامه ، ويعود إلى مستقرّه ومنامه ، في الكائنات وهي في صراع محموم ، وفي هموم وغموم ، لتحصل على رزقها المقسوم ، وعيشها المعلوم ، في الإنسان وهو يفكِّر ويقدِّر ، ويقدِّم ويؤخِّر ، ويخطّط وينظر ، في الجبال ، واقفة في هيبة وجلال ، في الروابي الخضراء آية في الجمال ، في العافية والأسقام ، في الحقيقة والأحلام ، في اليقين والأوهام ، في الأقدام والأحِجام ، في السحاب والسراب ، والضباب والرضاب.
في الأحياء ، وحُبِّها للبقاء ، ومدافعتها للأعداء ، فهذا بمخلبه يصول ، وهذا بنابه يجول ، وهذا بمنقره يناضل ، وذاك بريشه يقاتل ، وآخر بسُمِّه يدفع ، وغيره بجناحه يردع ، منهم من يطير ، ومنهم من يسير ، ومنهم من يسبح ، ومنهم من يمرح ، ومنهم على رجلين ، ومنهم على يدين ، ومنهم من يطير بجناحين ، هذا يزحف ، وذاك يخطف ، وهذا في قيْدِه يرسُف ، في التقاء الأحباب والفراق ، في الضم والعناق ، في الركود والانطلاق .
في النجمة هائمة في صفحة السماء تبسم في حنادس الليل ، في البدر تفنيه الليالي ويدركه المحاق كأنه قتيل ، في روعة الإشراق ، وقد نشرت الشمس ضفائرها ونثرت جدائلها على التلال ، وبثَّت سِحْرها على الجبال .
في الطبيب يشفي من الداء ، فإذا أدركه الفناء ، بار فيه الدواء ، وعجز في علاجه الأطبّاء ، في المريض ييأس من العافية ، وتحار فيه الأدوية الظاهرة والخافية ، ثم تدركه من الله عناية شافية ، ورحمة كافية ، في البراكين تثور بالدمار ، في الزلازل تهز الديار ، في السُّم يُصنع منه الدواء ، في الماء يكون سبباً للفناء ، في الهواء يعصف فيدمر الأشياء ، في الريح تكون رخاءً فتلقح الثمار ، وتسوق الأمطار ، وتزجي السفن في البحار ، ثم تكون عاصفة هوجاء ، فتقتل الأحياء ، وتنقل الوباء ، في النخل باسقات لها طلع نضيد ، في الجبال تثبت الأرض وقد كادت تميد ، في الَّلبن يخرج من بين فرثٍ ودم، في كل مخلوق كيف وُجِد من العدم ، في الإبل كيف خُلقت ، في السماء كيف رُفعت ، في الجبال كيف نصبت ، في الأرض كيف سُطِحت ، في الضحى إذا ارتفع ، في الغيث إذا همع ، في خلق الإنسان كيف ينكس ، وفي عمره كيف يعكس ، يعمّر فيعود كالطفل ، فلا يُفرِّق بين فرضٍ ونفل ، في الطائر كيف يجمع القَش ، ويبني العُش ، ويختار عيضه ، ثم يضع بيضه ، في العجماوات ما بين جائع وبطين ، في الدود تبحث عن طعامها في الطين ، في البلبل يحبس في القفص فلا يبيض ، ويعيش بجناح مهيض ، في الحيّة وهي في الصحراء ، تنصب جسمها كأنه عود للإغراء ، فيقع عليها الهدهد ، يظنها عود مجرَّد ، فيكون طعامها ، بعد أن رأى قيامها ، في الثمرة تحمى بأشواك ، كأنها أسلاك ، في الأطعمة ما بين حلو وحامض ، وقلوي وقابض، في الناس ألف كواحد ، واحد كجيش حاشد ، في البشر ما بين عاقل حصيف، وطائش خفيف ، وتقيٍّ متنسِّك ، وفاجر متهتِّك ، في الأرواح كيف تتآلف وتتخالف ، في اختلاف الأصوات ، وتعدد الّلهجات ، وتباين النغمات ، وكثرة اللغات ، في الحر يكاد يذيب الحديد ، في البرد يحول الماء إلى جليد ، في الأرض يعلوها من الغيث بُرد أخضر ، ويكسوها من القحط رداء أغبر ، في المعادن تذوب بالنار ، فتسيل كأنها أنهار ، في السماء تتلبّد بالغيوم ، ولها وجوم ، كأن وجهها وجه مهموم ، أو طلعة مغموم ، في الشمس تكسف ، في القمر يخسف ، في كل ما ننكر ونعرف ، في كل مولود حين يوضع ، كيف يهتدي إلى الثدي فيرضع ، إن عاش الحيوان في جو معتدل كساه بالشعر ، وإن عاش في برد قارص غطاه بالوبر ، وإن عاش في الصحاري دثره بالصوف ، ليقاوم الحتوف ، حيوان الغاب يزوده بناب ، ويمنحه مخلاب ، وطير العريش يقويه بريش ليعيش ، ينبت في الصحراء شجرة جرداء ، تصبر لحرارة الرمضاء ، ووهج البيداء ، ويزرع في البستان شجرة ذات رواء وأغصان ، ندية الأفنان ، مختلفة الطعوم والألوان ، جعل الصيد في البيد ، ليحمي نفسه من التهديد ، علّم العنكبوت ، كيف تبني البيوت ، وهدى النملة لادّخار القوت ، جعل فوق العينين حاجبين ، ليحميهما من ضرر المعتدين ، وجعل أمامها رمشين ، لتكون في حرز أمين ، وجعل فيهما ماء تغتسلان به كل حين ، يسلط الرياح على السحاب ، فيقع التلاقح والإنجاب ، إن شاء جعل الهواء عليلاً ، يحمل نسيماً جميلاً ، وإن شاء جعله ريحاً عاصفة ً، مدمرة قاصفة ، سبحان من حكم الكون بالقهر ، مع علو القدر ، ونفاذ الأمر ، له الملكوت والجبروت ، وهو حي لا يموت ، أحسن كل شيء خلقه ، وتكفل بكل حي يوم رزقه ، أوجد الحب وفلقه ، تسمى بأحسن الأسماء، واتصف بأجمل الصفات والآلاء ، عطاؤه أنفع عطاء ، جلّ عن الشركاء ، نصر الأولياء ، وكبت الأعداء ، عبادته فرض ، والصدقة عنده قرض ، وسلطانه عمّ السماء والأرض ، يعلم الغيوب ، ويقدر المكتوب ، ويمحو الذنوب ، ويستر العيوب ، ويهدي القلوب ، وينقذ المكروب ، نعمه لا تعد ، ونقمه لا تصد ، وعظمته لا تحد ، وعطاياه لا ترد ، منصورٌ من والاه، سعيدٌ من دعاه ، موفَّق من رجاه ، مخذول من عصاه ، مدحور من عاداه .
من الذي قد استوى
ومن هو العظيم
ومن يجيب الداعي
ومن برى البرية
من أنزل الكتابا
من كسر الأكاسرة
من علم الإنسانا
من أسدل الظلاما
من أطعم الخليقة
الخير قد أسداه
والشر قد أباده
وهو عظيم القدرة
يفعل ما يريد
وهو المسمى بالصمد
يعرف بالآلاء
فلا تكيف في الصفة
ولا تجادل فيهِ
وقل نعم سلّمنا
واتبع الرسولا
وكن على نهج السلف
واحترم الصحابة
وكن تقيّاً واتبع
وعظم الحديثا
واطلب هديت علما
أوله التوحيدُ
واجتنب الكلاما
ومنطقاً وفلسفة
واتبع الأئمة
كالخلفاء الأربعة
كذا أبو حنيفة
ومالك بن أنسِ
والشافعي محمّدْ
وأحمد بن حنبل
وشيخنا سفيان
والبارع الأوزاعي
وأحمد الحرّاني
وبعده محمّد
وهذه وصيّة
موجزة لطيفة
نظمتها على عجل
فهو أحق من ذُكِر
أسأله التوفيقا
وأشرف الصلاةِ
المصطفى وصحبهِ
لملكه قد احتوى
والمنعم الكريم
لأشرف المساعي
ووسع البرّية
وعلم الصوابا
من قصر القياصرة
علمه البيانا
ونشر الغماما
وأوضح الطريقة
والعبد قد هداه
والحق قد أعاده
فقدرنَّ قدره
وبطشه شديد
فقل هو الله أحد
والوصف والأسماء
وغلّط المكيّفة
كمذهب السفيهِ
يا ربنا علّمنا
ولا تكن جهولا
واحذر أخي من الخلف
والآل والقرابة
ولا تطع أهل البدع
وسر له حثيثًا
حباك ربي الفهما
يعرفه العبيدُ
والزور والآثاما
فكل هاتيك سفه
فهم نجوم الأمة
أهل العلا والمنفعة
علومه شريفة
في العلم كالمؤسسِ
في علمه مجودْ
إمامنا المبجل
بزهده مزدانُ
قد جدّ في المساعيِ
العالِم الرباني
من نجد جا يجدد
أبياتها محصيّة
في لفظها خفيفة
في ربنا عز وجل
وهو أجلّ من شُكِرْ
والفهم والتحقيقا
لصاحب الآياتِ
آنسنا بحبه

المقـامَــــة الـحـديـثيـّــة
 وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى 

من زار بابك لم تبرح جوارحه
فالعين عن قرةٍ والكف عن صلة
تروي أحاديث ما أوليت من منن
والقلب عن جابر والسمع عن حسن

جاءني عطاء الله السمرقندي ، فبات عندي ، وكان أحد المحدثين ، ويكره الُمحْدِثين في الدين ، فقلنا : أيها الإمام ، عليك السلام : الوقت حثيث ، فحدثنا عن علم الحديث ، فتأوّه ثم قال : مات حفاظه ، فكادت تنسى ألفاظهُ ، ، وأهل الحديث هم الركب الأخيار ، أحباب المختار ، قوم تصدقوا بالأعمار على الآثار ، وقضوا الحياة في الأسفار ، لجمع كلام صفوة الأبرار :
في كل يوم لنا في الأرض مرتحل

نغدو بدار ونمسي بعد في دار

شدّوا العمائم ، وجدّوا في العزائم ، وتسلحوا بالصبر الدائم ، فلو رأيتهم وقد فتحوا الدفاتر ، وقربوا المحابر ، وكتبوا : حدثنا مسدّد بن مسرهد ، أو رواه أحمد في المسند ، أو أخرجه البخاري ، وشرحه في فتح الباري ، لهانت عندك الدنيا بما فيها ، وركبت سفينة الحديث وناديت باسم الله مجراها . ولأقبلت على العلم والكتب ، وهجرت اللهو واللعب ، واللغو والطرب .
يفوح من فم المحدث المسك التِّبتي ، لأن عليه سيماء ( نضَّر الله ، امرأً سمع مني مقالتي ) أنفاس المحدثين تنضح بالطيب ، لأنها حملت اسم الحبيب :
يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى

إليكم تلقى طيبكم فيطيب

بن

بنفسي ذاك المحدث إذا جلس على الكرسي ، وقد حف به الطلاب ، ونشر الكتاب ثم قال : حدثنا محمد بن شهاب ، عندها يرتحل قلبك ، ويكاد يطير لبك ، شوقاً لصاحب التركة ، لما جعل الله في كلامه من البركة . فتصبح الدنيا رخيصة مرفوضة ، لا تساوي جناح بعوضة ، وتشتاق النفوس إلى الجنة ، لما غشيتها أنوار السنة .
إني إذا احتوشتني ألف محبرةٍ
نادت بحضرتي الأقلام معلنة
يكتبن حدثني طوراً وأخبرني
تلك المكارم لا قعبان من لبنِ

أما أخبار المحدثين في الأسفار ، وقطع القفار ، وامتطاء البحار ، وركوب الأخطار ، فقد حفلت به الأسفار . ولكنهم في سفرهم يقرؤون كتاب الكون ، في كل حركة وسكون ، فإن المحدث يجد المتعة في ارتحاله ، والبهجة في انتقاله ، من ناد إلى ناد ، ومن جبل إلى واد ، فهو يعب من المناهل ، ويسرح طرفه في المنازل ، ويطلق بصره إلى دساكر الأقطار وغياضها ، وحدائق الديار ورياضها ، فيلمح عجائب البلدان ، ويتصفح غرائب الأوطان ، ويأنس بنغم الطيور في كل بستان ، فهو في تنقل بين حيطان وغيطان ، ووديان وأفنان وألوان ، تمر به الصور والمشاهد ، ويبيت في المساجد ، ويعب الماء النمير ، من كل غدير ، له في كل بلدة أصحاب ، وله في كل قرية أحباب .
يفترش الغبراء ، ويلتحف السماء ، سلم في سفره من أذى الجيران ، وضوضاء الصبيان ، والثقيل من الإخوان ، ينام على الثرا ، في العرا ، خارج القرى ، مركوبه رجلاه ، وخادمه يداه ، البسمة لا تغادر محياه :
ومشتت العزمات لا يأوي إلى
ألِفَ النوى حتى كأن رحيله
سكن ولا أهل ولا جيرانِ
للبين رحلته إلى الأوطانِ

قيل للفلاسفة : من سندكم ؟ قالوا : ابن سينا عن سرجيس بن ماهان ، عن أرسطاليس من اليونان .
وقيل لعلماء الكلام : من سندكم ؟ قالوا : محمد بن الجهم من خراسان ، عن الجهم بن صفوان .
وقيل للمحدثين : من سندكم ؟ قالوا : طاووس بن كيسان ، عن ابن عباس ترجمان القرآن ، عن الرسول سيد ولد عدنان ، عن الرحمن ، كان المحدِّث إذا ودّع أولاده ، وترك بلاده ، وحمل زاده ، يجد من راحة البال ، وطيب الحال ، ما يفوق فرحة أصحاب الأموال ، وما يربو على سرور من ملك الرجال .
إذا جمع بعضهم كلام الفلاسفة ، أهل الزيغ والسفه ، الذي يورث الجدال والمعاسفه ، جمع المحدثون كلام الذي ما ضل وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى .
وإذا تفاخر أحدهم بجمع كلام علماء الكلام ، أهل الشقاق والخصام ، والفرقة والخصام . تفاخر المحدثون بحديث خير الأنام ، أزكى من صلى وصام ، وحج بالبيت الحرام . قال الشافعي : إذا رأيت محدثا فكأني رأيت أحد أصحاب محمد ، قلت : لأن نهجهم مسدد ، وعلمهم من الله مؤيد .
وقد أطال ثنائي طول لابسه

إن الثناء على التنبال تنبال

أنا لا أريد سَنَدي من إيوان كسرى أنو شروان ، ولا من الرومان ، ولا من اليونان، أريد سندي عن سفيان ، أو سليمان بن مهران ، أو سلمان عن رسول الإنس والجان .
تعلمني كلام الناس بلا دليل ، ولا تأصيل ، وتقول هذا كلام جميل ، وعندي التنـزيل ؟
قيل للحمار ، لماذا لا تجتر ؟ قال : أكره الكذب .
وقيل للجمل لماذا لا ترقص ؟ قال : لا أعرف الطرب .
وتعلمني الفلسفة والمنطق ، وأنا ما عندي وقت للعب .
أريد أن أسمع في المجلس ، حدثنا سبعين مرة ، لتكتمل المسرّة .
أهل الحديث هموا أهل النبي وإن

لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

الحديث النبوي كلام ، لم يخمر في عقول فلاسفة اليونان ، ولم يتعفن في أدمغة فلان وفلان ، ولم يأت من أهواء أهل الطغيان . وإنما قاله من أتى بالقرآن ، تقرأ استنباط أهل الفهوم ، وتطالع كتب أرباب العلوم ، ثم تتلو حديث المعصوم ، فإذا ماء الوحي يترقـرق في جنباته ، ورحيق العصمة يتدفق في قسماته ، فكان كل علم قرأته قبله نسي وانتهى ، لأنه لا يقاوم كلاماً أتى من عند سدرة المنتهى .
السموات شيقات ظماء
لكلام من الرسول جميل
والفضا والنجوم والأنواء
تتلاشى من نوره الأضواء

ما أحسن الضم والعناق ، لجملة حدثنا عبد الرزاق ، كلما قلت أخبرنا علي بن المديني ، حفظت ديني ، سهمي لكل مبتدع يسدد ، إذا قلت حدثنا مسدد بن مسرهد .
أشرقت أمامي المسالك ، كلما قرأت موطأ مالك ، سقيم الإرادة العلمية له علاج ، عند مسلم بن الحجاج ، أدْمغُ كل منحرف بذي ، بسنن الترمذي ، أنا في صباحي ومسائي ، أدعو للنسائي .
هاجر المحدثون إلى الله لطلب كلام رسوله الأمين ، فوجدوا في أول الطريق ثواب نية الصادقين ، ووجدوا في وسطه نضرة البهاء التي دعا بها سيد المرسلين ، ووجدوا في آخر الطريق جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين .
كل صاحب فن ، ينسب إلى صاحب ذاك الفن ، إلا المحدثون فإنهم ينسبون ، إلى من أتى بالسنن ، وأهدى لنا المتن ، وتنعمت بعلومه الفطن .
ما أروع الهمم الكبار لثلةٍ

معروفة بالبر والإحسانِ

يتصيدون كلام أكرم مرسلٍ

ينفون عنه سبيكة البهتانِ

سافر أحمد بن حنبل من بغداد إلى صنعاء ، يمتطي الرمضاء ، ويركب الظلماء ، يترك الأهل ، يدفعه الجبل إلى السهل ، تشيعه الدموع ، يرافقه الجوع . لأن الرجل مشتاق، وأحد العشاق ، لذاك الترياق ، من قوارير عبد الرزاق .
دخل مكحول القرى والبوادي ، وطاف على النوادي ، وعبر كل وادي ، يطلب حديث النبي الهادي ، فصار ريحانة الشام ، وشيخ الإسلام .
ومشى أبو حاتم ، ألف فرسخ على الأقدام ، لطلب حديث سيد الأنـام ، فأصبح بذلك أحد الأعلام .
تهون خطانا للمحب فلو مشى

إليكم فؤادي كان أبرد للشوقِ

المحدثون هم عسكر الرسالة ، وجنود البسالة ، ظهروا على البدع بكتائب حدثنا ، وسحقوا الملاحدة بجيوش أخبرنا .
لولا كتابة الحديث في الدفاتر ، وحمل المحدّثين للمحابر ، لخطب الدجَّال على المنابر
الله كم من أنف لمبتدع أرغم بصحيح البخاري ، وكم من صدر لمخالف ضاق بفتح الباري .
الحديث كسفينة نوح فيها من كل زوجين اثنين : رواية ودراية ، بداية ونهاية ، متون وأسانيد ، صحاح ومسانيد ، تراجم ومعاجم .
من ركب هذه السفينة نجا من غرق الضلالة ، وسلم من بحر الجهالة ، ووصل شاطئ الرسالة .
انطلقت هذه السفينة من المدينة ، ربانها المصطفى ، والركاب الصحابة الأوفياء ، نحن على مائدة المحدثين أضياف ، فلعلنا نعد منهم ، لأن المضاف إليه يأخذ حكم المضاف ، لكل طائفة رئيس ، والمحدِثّون محمد  رئيسهم ، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، ليتني خسرت ذهباً مثل ثهلان ، بمجلس واحد مع سفيان .
المحدثون بيوتهم المساجد ، وعصى التسيار التوكل ، وزادهم التقوى ، وكلامهم حدثنا وأخبرنا ، ويريدون وجهه ، والمطلب الجنة ، والمقصد رضوان الله ، والعمل الذب عن الملة ، والنسبة محمديّون .
هذه الطائفة : (( دعها فإن معها حذاؤها وسقاؤها ، ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها ، في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر )) .
سلام على المحدِّثين ، ورحمة رب العالمين ، ورضوان عليهم في الخالدين ، وجمعنا بهم في الصالحين ، وإلى لقاء بعد حين :
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي

مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

المقـامَــة الـعـلـميّـــة
(( العلمـاء ورثـة الأنبيــاء ))
جعلت المال فوق العلم جهلاً
وبينهما بنص الوحي بون
لعمرك في القضية ما عدلتا
ستعمله إذا طه قرأتا

العلم أشرف مطلوب ، وأجل موهوب ، والعلماء ورثة الأنبياء ، وسادة الأولياء ، والشهداء على الألوهية ، والدعاة إلى الربوبية ، تستغفر لهم حيتان الماء ، وطيور السماء ، وتدعو لهم النملة ، وتستغفر لهم النحلة ، وَلاَيتهم لا تقبل العزل ، وأحكامهم ليس فيها هزل ، مجالسهم عبادة ، وكلامهم إفادة ، يوقعون عن رب العالمين ، ويفضلون الناس أجمعين ، وكما يُهتدى بالنجوم في ظلم البر والبحر ، فهم منائر الأرض يهتدى بهم في كل أمر ، العلم في صدورهم ، والله يهدي بنورهم ، وينـزّل عليهم الرضوان في قبورهم ، هم حملة الوثيقة ، والشهداء على الخليقة ، كلامهم محفوظ منقول ، وحكمهم ماضٍ مقبول ، بهم تصلح الديار ، وتعمر الأمصار ، ويكبت الأشرار ، وهم عز الدين ، وتاج الموحدين ، وصفوة العابدين ، هم أنصار الملة ، وأطباء العلة ، يذودون عن حياض الشريعة ، ويزجرون عن الأمور الفظيعة ، وينهون عن المعاصي الشنيعة ، هم خلفاء الرسول ، ثقات عدول ، ينفون عن الدين تأويل المبطلين ، وتحريف الجاهلين ، وأقوال الكاذبين ، مذاكرتهم من أعظم النوافل ، ومرافقتهم من أحسن الفضائل ، وهم زينة المحافل ، بهم تقام الجماعات والجمع ، وبهم تقمع البدع ، هم الكواكب في ليل الجهل ، وهم الغيث يعم الجبل والسهل ، عالِمٌ واحد ، أشد على الشيطان من ألف عابد ، لأن العالِم يُدرِك الحيل ، ولا تختلط عليه السبل ، يكشف الله به تلبيس إبليس ، ويدفع الله بهم كل دجّال خسيس ، أحياء بعد موتهم ، موجودون بعد فوتهم ، علمهم معهم في البيوت والأسواق ، ويزيد بكثرة الإنفاق ، أقلامهم قاضية ، على السيوف الماضية ، بصائرهم تنقب في مناجم النصوص ، وعقولهم تركب الدر في الفصوص ، الناس يتقاسمون الدرهم والدينار ، وهم يتوزعون ميراث النبي المختار ، لو صلّى العابد سبعين ركعة ، ما عادلت من العالم دمعة ، فهم أهل العقول الصحيحة ، وأرباب النصيحة .
أما العلم شرف الدهر ، ومجد العصر ، ذهب الملك بحراسه ، وبقيت بركة العالم في أنفاسه ، فنِيَ السلاطين ، ووُسِّدوا الطين ، وخلد ذكر أهل العلم أبدا، وبقي ثناؤهم سرمدا ، العلم أعلى من المال ، وأهيب من الرجال ، به عُبِدَ الديّان ، وقام الميزان ، وبه نزل جبريل ، على صاحب الغرة والتحجيل،وبه عرفت شرائع الإسلام ، ومُيِّز بين الحلال والحرام ، وبه وُصلت الأرحام ، وحُلَّ كلُّ نزاع وخصام ، وبالعلم قام صرح الإيمان ، وارتفع حصن الإحسان ، وبيّنت العبادات ، وشرحت المعاملات ، وهو الذي جاء بالزواجر ، عن الصغائر والكبائر ، وفَقِه الناس به الفرائض والنوافل ، والآداب والفضائل ، ونصبت به معالم السُّنن ، وكُشف به وجه الفتن ، ودُلَّ به على الجنة ، ودعي به إلى السنة ، وهو الذي سحق الوثنية ، وهدم كيان الجاهلية ، ونهى عن سبيل النار ، وموجبات العار ، ووسائل الدمار ، وبه حورب الكفرة ، وطورد الفجرة ، وهو من العلل دواء ، والشكوك شفاء ، ينسف الشبهات ، ويحجب الشهوات ، ويصلح القلوب ، ويرضي علاّم الغيوب ، وهو شرف الزمان ، وختم الأمان ، وهو حارس على الجوارح ، وبوَّابة إلى المصالح ، وصاحبه مهاب عند الملوك ، ولو كان صعلوك ، وحامله ممجّد مسوّد ، ولو كان عبداً أسود ، يجلس به صاحبه على الكواكب، وتمشي معه المواكب ، وتخدمه السادة ، وتهابه القادة ، وتكتب أقواله ، وتقتفى أعماله ، وتحترمه الخاصة والعامة ، ويدعى للأمور العامّة ، مرفوع الهامة ، ظاهر الفخامة ، عظيم في الصدور ، غني بلا دور ولا قصور ، الله بُغيته ، والزهد حليته ، مسامرته للعلم قيام ، وصمته عن الخنا صيام ، رؤيته تُذكِّر بالله ، لا يعجبه إلا الذكر وما والاه ، عرف الحقيقة ، وسلك الطريقة ، به تقام الحجة ، وتعرف المحجة، وهو بطل المنابر، وأستاذ المحابر، والمحفوظ اسمه في الدفاتر .
والعلم وسام لا يخلع ، وهو من الملك أرفع ، وهو إكليل على الهامة ، ونجاة يوم القيامة ، ينقذ صاحبه من ظلمات الشك والريبة ، ويخلصه من كل مصيبة، وهو علاج من الوسواس ، وفي الغربة رضا وإيناس ، وهو نعم الجليس والأنيس ، وهو المطلب النفيس .
يغنيك عن المسومة من الخيل ، والباسقات من النخيل ، ويكفيك عن القناطير المقنطرة ، والدواوين المعطّرة .
وحسبك كفاية عن كل بناء ، وعن الحدائق الغناء ، والبساتين الفيحاء ، وهو الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً ، والمُلْك الذي من أعطيه فقد أعطي ملكاً كبيرا ، وصاحب العلم غنيٌّ بلا تجارة ، أمير بلا إمارة ، قويٌّ بلا جنود ، والناس بالخير له شهود .
مات القادات والسادات ، وذكرهم معهم مات ، إلا العلماء فذكرهم دائم ، ومجدهم قائم ، فألسنة الخلق ، أقلام الحق ، تكتب وتخط لهم الثناء ، وأفئدة الناس صحف تحفظ لهم الحب والوفاء ، كان أبو حنيفة مولىً يبيع بزّا ، ولكنه بعلمه هز الدنيا هزّا ، وكان عطاء بن أبي رباح ، خادم لامرأة في البطاح، فنال بعلمه الإمامة ، وأصبح في الأمة علامة ، وابن المبارك عبد الله، المولى الإمام الأوّاه ، والأعمش ومكحول ، كانوا من الموالي ولكنهم أئمة فحول ، فالعلم يرفع صاحبه بلا نسب ، ويشرفه بلا حسب .
وإنما يحصل العلم بخدمته كلَّ حين ، وطلبه ليُعبد به رب العالمين ، وطيُّ الليل والنهار في تحصيله ، والسهر على تفصيله ، ومذاكرته كل يوم ، والاستغناء به عن حديث القوم ، ومطالعة مصنفاته ، ومدارسة مؤلفاته ، وتقييد أوابده ، وحفظ شوارده ، وتكرار متونه ، ومعرفة عيونه .
فمن طلبه بصدق ، وحرص عليه بحق ، فهو مهاجر إلى الله ورسوله ، تفتح له أبواب الجنة عند وصوله ، وهو مرابط في ثغور المرابطين ، وجواد في صفوف المعطين ، ومداده في الأوراق ، كدماء الشهداء المهراق ، لأنه مقاتل بسيف النصوص ، قطّاع طريق الملة واللصوص ، وقد يقمع الله به الأشرار، ما لا يقوم به جيش جرار ، فإن الله يجري حجّته على لسانه ، ويُسيِّر موعظته في بيانه ، فينـزع الله بكلامه حظَّ الشيطان من النفوس ، ويجتث به خطرات الزيغ من الرؤوس ، ويغسل الله بمعين علمه أوساخ القلوب .
وينفض بنصائحه أدران الذنوب ، فكلما بنى إبليس في الأرواح ضلالة جاء العالم فأزهقها ، وكلما نسج في الأنفس خيمة للباطل قام العالم فمزّقها .
صاحب المال مغموم مهموم ، خادم وليس بمخدوم ، حارس على ماله ، بخيل على عياله ، وصاحب العلم سعيد مسرور ، يعمره الحبور ، ويملأ فؤاده النور ، تعلم من السؤدد غايته ، ومن الشرف نهايته تجبى إليه ثمرات كل شيء من لطائف المعارف ، وتهوي إليه أفئدة الحكمة وهو واقف ، يأتيه طلبة العلم من كل فج عميق ، كأنما يؤمون البيت العتيق ، في قلبه نصوص الشريعة ، ينزل عليها ماء الفقه فتهتزّ وتربو ، وتنبت من كل زوج بهيج ، فترى العالم يجول فكره في الملأ الأعلى والناس في أمر مريج ، فقلب العالم له جولان في فضاء التوحيد ، وقلب الجاهل في غابات الجهل بليد ، أشرقت في قلب العالم مشكاة فيها مصباح ، وتنفس في نفسه نور الصباح ، أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها ، فاخضرت روضة العالم على أثرها.
صيد الكلب المعلّم حلال ، وصيد الكلب الجاهل حرام ووبال ، وما ذاك إلا لشرف العلم حتى في البهائم ، ومكانة المعرفة حتى في السوائم .
والهدهد حمل علماً إلى سليمان ، فسطّر الله اسمه في القرآن ،فهو بالحجة دمغ بلقيس، وأنكر عليهم عبادة إبليس ، وحمل من سليمان رسالة ، وأظهر بالعلم شجاعة وبسالة . فعليك بالعلم ، والفهم فيه الفهم ، وتصدَّق عليه بنوم الجفون ، وأنفِق عليه دمع العيون ، واكتبه في ألواح قلبك ، واستعِن على طلبه بتوفيق ربك ، وأتعِب في طلبه أقدامك ، وأشغل بتحصيله أيامك ، وإذا سهر الناس على الأغاني ، فاسهر على المثاني ، وإذا وقع القوم في الملذات ، وأدمنوا الشهوات ، فاعكف على الآيات البينات ، والحكم البالغات ، وإذا احتسى العصاة الصهباء فاكرع من معين الشريعة الغراء ، وإذا سمعت اللاهين يسمرون ، وعلى غيهم يسهرون ، فصاحب الكتاب ، فإنه أوفى الأصحاب ، وأصدق الأحباب ، وإذا رأيت الفلاّح يغرس الأشجار ، ويفجّر الأنهار ، فاغرس شجر العلم في النفوس ، وفجّر ينابيع الحكمة في الرؤوس ، وإذا أبصرت التجار يصرفون الفضة والذهب ، فاصرف الحجة كالشهب ، وأطلق الموعظة كاللهب .
يكفيك أن العلم يَدَّعيه غير أهله ، وأن الجهل ينتفي منه الجاهل وهو في جهله ، يرفع العالم الصادق بعلمه على الشهيد ، لأنه يقتل به كل يوم شيطان مريد ، العالم سيوفه أقلامه ، وصحفه أعلامه ، ومنبره ظهر حصانِه ، وحلقته حلبة ميدانه ، العالم يفرّ من الدنيا وهي تلحقه ، ويأبى المناصب وهي ترمقه ، والعلم هو العضْب المهند ليس ينبو ، وهو الجواد المضمّر الذي لا يكبو ، ولكن المقصود بهذا العلم علم الكتاب والسنة ، الذي يدلك على طريق الجنة ، وهو ما قادك إلى الاتباع ، ونهاك عن الابتداع ، فإن كسرك وهصرك ونصرك ، فهو علم نافع فإن أعجبك وأطربك وأغضبك فهو علم ضار ، ما كسرك عن الدنيا الدنية ، والمراكب الوطيّة ، والشهوات الشهية ، وهصرك عن العلو في الأرض ، ونسيان يوم العرض ، ونصرك على النفس الأمارة ، والأماني الغدارة ، فهذا هو العلم المفيد ، والعطاء الفريد .
وإن أعجبك فتكبرت ، وأطربك فتجبّرت ، وأغضبك فتهوّرت فاعلم أنه علم ضار، وبناء منهار ، علم لا يلزمك تكبيرة الإحرام مع الإمام ، فهو جهل وأوهام ، وعلم لا يدعوك إلى الصدق في الأقوال ، والإصلاح في الأعمال ، والاستقامة في الأحوال ، فهو وبال ، العلم ليس مناصب ومواكب ومراكب ومراتب ومكاسب .
بل العلم إيمان وإيقان وإحسان وعرفان وإذعان وإتقان ، فهو إيمان بما جاء به الرسول ، وإيقان بالمنقول والمعقول ، وإحسان يجوَّد به العمل ، ويحذَر به من الزلل ، وعرفان يحمل على الشكر ، ويدعو لدوام الذكر ، وإذعان يحمل على العمل بالمأمور ، واجتناب المحذور ، والرضا بالمقدور ، وإتقان تصلح به العبادة ، وتطلب به الزيادة .

المقـامَــة السـلفـيّــة
 أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ 
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا

أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا

ولا يستطيع الفاعلون فعالهم

ولو حاولوا في النائبات وأجملوا

قال الراوي : نراك صاحب تحف ، فحدثنا عن مذهب السلف ، ليقتدي به الخلف فملأه السرور ، وحضره الحبور ، وغشيه النور ، ثم أنشد :
وداعٍ دعا إذ نحن بالخيف من منى

فهيّـج أشواق الفـؤاد وما ندري

دعـا باسم ليـلى غيـرها فكأنما

أطار بليلى طائراً كان في صدري

ثم قال ذكرتمونا خير القرون ، ونون العيون ، فحديثهم ذو شجون .
فهم أهل الاتّباع لا الابتداع ، وأهل الرواية والسماع ، والأُلفة والاجتماع ، نزل الوحي بناديهم ، وسارت السنة من واديهم ، شهدوا التنـزيل ، وعرفوا التأويل ، قولهم سديد ، وفعلهم رشيد ، ومنهجهم حميد ، ومذهبهم فريد ، اعتصموا بالدليل ، وتركوا القال والقيل ، فهم صفوة كل جيل ، وخلاصة كل قبيل :
هم النجوم مسائلها إذا التبست

عليك عند السرى يا صاحبي السبلُ

اتبع طريقتهم اعرف حقيقتهم

اقرأ وثيقتـهم بالحـب يـا رجـلُ

السلف أهدى الناس سبيلا ، وأصدقهم قيلا ، وأرجحهم تعديلا .
هم أعلام يُهتدى بهم في بيداء الضلالة ، وهم أقمار يستضاء بها في ليل الجهالة ، هم الموازين الصادقة للمذاهب ، وهم المعين العذب لكل شارب ، وهم الرعيل المختار المقتدي به كل طالب . تركوا التشدّق ، والتفيهق ، والتشقق ، والتحذلق ، والتمزق .
وهجروا التعسف والتكلف ، لهم منا الحب الصادق ، والعهد الواثق ، والإجلال والتقدير ، والإكرام والتوقير ، والنصرة والتعزير ، شرف الله تلك الأقدار ، وأنزلهم منازل الأبرار ، وأسكنهم أجل دار ، وأحسن قرار ، لو كتبت دموعنا على خدودنا لما كتبت إلا حبَهم ، لو تمنت قلوبنا غاية الأماني ما تمنّت إلا قربَهم .
أما والذي شق القلـوب وأوجـد

المحبة المحبة فيها حيث لا تتصرمُ

وحملهـا قلـب المحـب وإنـه

ليضعف عن حمل القميص ويألـمُ

لأنتـم على قرب الديـار وبعدها

أحبتنا إن غبتموا أو حضرتمـوا

سلوا نسمات الريح كم قد تحمّلت

محبة صبٍّ شوقـه ليس يكتـمُ

السلف خير منا ، ارتفع قدرهم عنا ، سبقوا بالإيمان ، وحب الديان ، والعمل بالقرآن ، ونيل درجة الإحسان ، هم أهل الهجرة والجهاد ، والصبر والجلاد ، عندهم خير زاد ، ليوم المعاد ، وهم صفوة العباد . السلف ليسوا معطلة ، ولا معتزلة ، ولا مؤوِّلة ، ولا مجهّلة ، ولا مخيّلة .
لأن المعطلة عطلوا الباري مما دلت عليه الأحاديث والآيات ، والمعتزلة نفوا الصفات والمؤولة أوّلوا ما أتت به النصوص الواضحات ، والمجهلة قالوا إن الرسل ليس عندهم إلا تخيلات ، فضلّ الجميع في العقليات ، وجهلوا النقليّات ، فهدى الله أهل السنة لأحسن الأقوال في الظنيات واليقينيات ، والصفات ، والذات .
والسلف ليسوا خوارج أقوالهم كفرية ، وليسوا جبرية ، ولا قدرية ، ولا أشعرية .
لأن الخوارج كفّروا بالكبيرة ، وأخرجوا المسلم من الدين بالجريرة ، وحملوا السيف على أئمة الحيف ، وخلدوا الفاسق في النار ، مع الكفار ، والجبرية قالوا : إن العباد جبروا على الذنوب ، وقهروا على معصية علام الغيوب .
والقدرية قالوا لم يسبق القدر علم ولا كتاب ، والأمر مستأنف خطأه والصواب .
والأشعرية أثبتوا الأسماء وسبعاً من الصفات ، وأوّلوا الباقيات ، ولهم مقالات زائفات ، والسلف قابلوا النصوص بالإذعان والتسليم ، والتوقير والتكريم ، فأمرُّوها على ظاهرها كما جاءت من غير تمثيل ، وقبلوها من غير تعطيل ، وعرفوها من غير تكييف وفهموها من غير تشبيه ولا تزييف .
وأنا إلى السلف انتسب ، لأنني رضعت منهجهم ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، والمبتدعة ليسوا منا ولا إلينا ، لأن البقر تشابه علينا .
إذا أتاني كتاب مختوم ، عليه توقيع المعصوم ، لثمتُه بدموعي وأنفاسي ، ووضعته على راسي ، وقلت سمعاً وطاعة ، لصاحب الحوض والشفاعة .
وإذا جاءني كتاب بالباطل منمرق ، وبالبدعة مزمرق ، وبالبهتان ممخرق ، مزقته كل ممزق . واعظ الله في كل سريرة ، فإذا ألقيت قميص يوسف على يعقوب البصيرة . عاد القلب بنور الوحي بصيرا ، وارتد طرف الباطل حسيرا ، وانفل حد الزور كسيرا . سلام على السلف ، من الخلف ، ما غرد حمام وهتف ، وما حَنّ حبيب لحبيب وعطف ، وما رقص قلب صب ورجف ، وما همع دمع ونزف .
جمرك البضاعة بختم محمد ، واكتب على البطاقة لا يستبدل ولا يجدد ، واقرأ على الكيس خرج من مدينة الرسول ، وحامل الكيس هو المسئول ، واحذر من التزوير ، فإن موزع البريد بصير، وقارئ الرسائل خبير، إذا طلع فجر البشرى من المدينة أَذّنّا ، وإذا رأينا الركب من طيبة أعلنّا ، وإذا سمعنا الهتاف المحمدي أمنّا ، وكلنا حول رايته دندنّا .
خبز كانون الرسالة أبيض ، لا يأكله كل معرض ، الدقيق بالصدق مطحون ، فلا يأكله المبطون ، مالك ؟ لا تهتدي في المسالك ؟ وتقع في المهالك ، نناديك إلى أحمد بن حنبل ، فتذهب إلى أحمد بن أبي دُؤاد المغفل ، ونقول رافق إبراهيم بن أدهم ، فترافق الجعد بن درهم ، تهجر الصادق السلفي يحيى بن معين ، وتصاحب ابن سينا ، وابن سبعين ، ويعجبك كلام ابن الراوندي اللعين ، عليك بمجلس مالك وسفيان ، واهرب من الجهم بن صفوان ، عندنا حماد بن زيد ، وعندهم عمرو بن عبيد ، احذر من الكشاف ، فإنه ليس بكاف شاف ، وأحذرك الفصوص ، فإن بين أسطره اللصوص ، السلف أبرياء من الاختلاف واللّجاج ، وظلم الحجّاج ، وخرافات الحلاّج .
السلف أطهر من ماء الغمام ، وأزكى من المسك والخزام ، حسبهم تزكية الملك العلاّم ، جمعنا الله بهم في دار السلام ، هجروا العلوم المنطقية ، والقضايا السفسطية ، والعقائد القرمطية ، ولزموا الطريقة الوسطيّة .
السلف صادقون لا يكذبون ، عدول لا يظلمون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، ولهذا أمر أبو بكر الصديق بقتل مسيلمة الكذاب ، فمُزق بالحِـراب : عندنا خالدان : سيف الله خالد بن الوليد ، وخالد القسري ذو البطش الشديد ، فخالد ذبح مسيلمة في اليمامة ، وخالد نحر الجعد بن درهم وهو في محراب الإمامة .
لدينا أحمدان ، ولديهم أحمدان ، صادقان ، وكاذبان ، عندنا أحمد بن حنبل ، إمام السنة المبجل ، وعلامة الحديث المفضل ، وأحمد بن تيميّة ، مجدد الأمة الإسلامية ، صاحب التدمرية والحمويّة .
وعندهم أحمد بن أبي دُؤاد ، صاحب البدعة والعناد ، والخلاف والفساد ، وأحمد غلام مرزا قاديان ، حامل الزور والبهتان ، والدجل والطغيان .
عندنا حمادان ، وعندهم حمادان ، عندنا حماد بن زيد ، الراوية المفيد ، والمحدث المجيد ، وحماد بن سلمة ، نصب للصدق علمه ، وأجرى في العلم قلمه ، وعندهم حماد عجرد ، الشاعر المعربد ، والضال الملحد ، وحماد الراوية ، صاحب الأفكار الخاوية ، أمه هاوية .
لشتان ما بين اليزيديـن في الندى

يزيد بن عمرو والأغر بن حاتمِ

فهمُّ الفتى الأزدي إتلاف مالـه

وهمُّ الفتى القيسيّ جمع الدراهمِ

السلف كالعيون ، علاجها أن لا تمس ، وكالدرر جماله أن لا يدس ، والسلف كالماء الزلال فلا تشوّبه بالطين ، وكلامهم مبارك متين ، لا يفهمه إلا فطين .
السلف أعلم ، وأحكم ، وأسلم ، وأحلم ، وأكرم ، والمبتدعة أظلم ، وأغشم ، وأشأم ، وأجرم ، قل لا يستوي الخبيث والطيب ، والقحط والصيّب .
الذباب إذا وقع في الإناء ، فاغمسه فإن في أحد جناحيه داء ، وفي الآخر دواء ، وإذا وقع المبتدع في إناء السنة النبوية ، فاهرقه بالكلية ، لأن في جناحيه كلها بلية .
الكلب المعلّم كُل ما صادَه ، لأنه جعل العلم زاده ، وإذا جاءك المبتدع بصيد ، فقل حرام صيدك يا بليد ، لأنك مفسد رعديد .
بشّر من سبّ السلف ، بكل تلف ، مزّق الله قلباً لا يحب الأسلاف ، وأزهق الله روحاً تهوى المبتدعة الأجلاف ، نفس لا تحترم السلف مريضة ، وروح لا توقّر السلف بغيضة . جزاء علماء الكلام الجريد والنعال ، والسياط الطوال ، والقيد والأغلال ، لأنهم اشتغلوا بالقشور وتركوا اللباب ، وفارقوا السنة والكتاب ، وخالفوا الأصحاب .
السلف : موحدون مسدّدون ، مقتصدون ، عابدون ، مجاهدون ، زاهدون ، متحدون ، متوادون ، متهجدون .
والمبتدعة : متفرقون ، متحذلقون ، متنطعون ، متفيهقون ، متشدقون ،
قلقون ، متمزقون.
نوح الهداية ، ينادي ابن الغواية : اركب معنا ، فإن القارب يسعنا ، فقال الهبل : سآوي إلى جبل ، وما علم أن أعظم جبل ، إتباع سيد الرسل ، وطاعة الملك الأجل ، والعمل بما نزل .

المقـامَــــة الـيوســفـيّـــة
 لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ 

كأن الثريا علقت بجبينه

وفي جيده الشعرى وفي وجهه القمر

ولو نظرت شمس الضحى في خدوده

لقالت معاذ الله ما يوسف بشر

كنا نجلس كل يوم ، مع قوم ، ينتقون من الحديث درره ، ويذكرون لنا العالم بحره وبرّه . فدَلِف علينا يوماً من الأيام ، شيخ ممشوق المقام ، كثير الابتسام ، فصيح الكلام ، فنظر في وجوهنا وتوسّم ، ثم تبسّم وسلّم ، ثم جلس واتكى ، وتأوّه وشكى .
قلنا: ما الخبر ، أيها الشيخ الأغر ؟ قال : تذكرت من غبر ، أهل الأخبار والسير ، فعلمت أننا بالأثر ، قلنا : ما الاسم ، فقد أعجبنا الرسم .
قال : أنا عبيد الله بن حسان ، من أهل ميسان ، قلنا : كلامك محبوب ، فقص علينا قصة يوسف بن يعقوب ، فقال : مهما اهتم العالم بالحفظ وحرص ، لكن الذهن فتر والخاطر نكص . وكفى بقصص الله وهو يقول :  نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ  ، لكن سوف أخبركم بوقفات ، والعفو عما نسيناه وفات .
• لما نصح يعقوب يوسف أن لا يقص ما رأى ، لأنه يخشى عليه ما جرى ، فإنه ما خلا جسد من حسد ، وكم من قلب بنعم الغير فسد ، فيا أيها العبد استر جمال يوسف النعم ، خوفاً من أن تلقى في غيابة جب النقم ، فيسلط عليك ذئب البغضاء ، لا ذئب الصحراء :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى

وصوّت إنسان فكدت أطير

• لا تعتذر للمخالف ، فيأخذ العذر منك وأنت واقف ، أما ترى يعقوب ، يوم خاف على ابنه الخطوب ، قال : أخاف أن يأكل الذئب يوسف ، فقالوا : أكله الذئب فلا تأسف ، فكأنهّ هيأ لهم الحجة ، حينما ضلوا في المحجّة .
• وجاؤا على قميصه بدم كذب ، لأن الذئب ما خلع الثوب ، بل شقه وسحب ، والذئب لا يفتح الأزرار ، بل يمزقها بلا وقار :
يا ممعنا في السوء والعيب
لا ينفع التهذيب في الذيب

• لو علمت القافلة بمكانة يوسف : ما قالوا : يا بشرى هذا غلام ، بل لقالوا : يا بشرى هذا إمام ، وولي مقدام ، وسيد همام ، ولكن وما أدرى الليل ببدر التمام
• يوسف لديه جمال وجلال ، فردعه وازع الجلال ، عن نوازع الجمال ، لما قال : معاذ الله ، حماه ربه وتولاه .
• لو ترك يوسف كلمة اذكرني عند ربك وذكر هو ربَّه ، لكشف كربه ، وأزال خطبه ، وأسعد قلبه .
• يوسف ما نسي إيمانه ، سُئل عن الرؤى وهو في الزنزانة ، فدعا إلى التوحيد ، لأن التوحيد حياة العبيد ، لا يرده قيد ولا يمنعه حديد .
قد قلت للذئب الوفي لصحبهِ
أأكلت يوسف في العراء بخلسة
فأجابني والله لم أهمم به
إني أحب الأنبياء ومهجـتي
يا صاحب الأظفار والأنيابِ
ودم النبوة سال في الأثوابِ
هذا معاذ الله غير صوابِ
تفدي النبي ومقلتي وإهابي

• الذئاب ما تأكل الأنبياء ، ولا تلطخ أفواهها بدماء الأولياء ، لأنهم أصفياء أوفياء وإنما يقتل الأنبياء ذئاب الخليقة ، إذا عميت عليهم الحقيقة ، وأظلمت عليهم الطريقة:
الذئب أكرم عشرة من ثلة
خانوا عهود مودة الإخوان

• في سورة يوسف قميص بريء من الذئب ، وقميص بريء من العيب ، وقميص مضمخ بالطيب .
فالأول : قميص يوسف وقد مزّقه الإخوان ، والثاني : قميصه وقد مزّقته امرأة السلطان ، والثالث : قميصه وقد ألقي على يعقوب فأبصرت العينان :
كأن كل نداء في مسامعه

قميص يوسف في أجفان يعقوب

• لما قال إخوة يوسف له :  وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ  ، نسوا أنهم هم الذين أوقعوه في هم كثير ، فهو بسبب ما فعلوه في حزنه أسير ، وفي بيته كسير ، فهم يحتجون به وقت الحاجة ، وينسونه وقت اللجاجة .
• لما قال يعقوب : لا تدخلوا من باب واحد ، لأنه خاف الحاسد ، فهو في مكان النعيم قاعد ، فإذا أقبلوا في حملة ، قتلهم جملة ، فَعمِّ على الحسود الأمر ، لتضع في عينيه الجمر .
• الدنيا وجهها نحس ، يباع يوسف بثمن بخس ، وحزن يعقوب يكاد يذهب بالنفس ، والفراعنة بملكهم يفرحون ، وفي دنياهم يمرحون ، وفي نعيمهم يسرحون لكن انظر إلى العواقب ، عندما تكشف عن الأولياء النوائب ، وتزول عنهم المصائب . فإذا الفرحة الغامرة ، والحياة العامرة ، و النعيم في الآخرة .
أما الفجار ، فسحابة نهار ، وراحة حمار ، ثم نكال في أسوء دار .
• هَمَّ يوسفُ هَمّة ، فتذكر علو الهمة ، وإمامة الأمّة ، ففر إلى الباب ، يطلب الطريق إلى الوهاب ، بعد ما هيئت له الأسباب ، لأن يوسف من سلالة الأطياب ، فتاب وأناب .
• يوسف شاب ، من العزاب ، تعرّضت له امرأة ذات منصب وجمال ، وحسن ودلال ، فغلقت الأبواب ، ورفلت في أبهى الثياب ، فتذكر يوم القيامة ، وساعة الندامة ، فقال : أواه معاذ الله ، فمنعه الله وكفاه ، وأنت تتعرض للنساء صباح مساء ، غرك الوجه المبرقع ، والحسن المرقع ، ولا تحذر وتتوقّع .
هب أن نظرتك التي أرسلتها
نظر المهيمن فيك أسرع موقعاً
عادت إليك مع الهوى بغزالي
فخف العظيم الواحد المتعالي

• في قلب يوسف من الوحي نصوص ، وفي قلبك من المعصية لصوص ، في شرايين يوسف دماء الإمامة والدين ، وفي شرايينك شهوة الماء والطين .
• يوسف تخرج من جامعة  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى  ، وأنت تخرجت من جامعة : يشكو العيون السود قلبي والهوى .
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
يزيد بن عمرو والأغر بن حاتمِ

• يوسف تربيته على شريعة ، وأخلاق رفيعة ، وبعضهم يربى على مجلات خليعة ، وآداب شنيعة .
• وا أسفي على منهج يوسف ، في هذا الواقع المؤسف ، صورة عارية ، وكأس وجارية ، وشهوات سارية ، كلها تقول : هيت لك ، وليس عند الجيل صرخة
معاذ الله .
• الآن حصحص الحق ، وبان الفرق ، فيا شباب الصدق ، قولوا في أحسن نطق : معاذ الله . من أراد السناء ، والثناء ، والعلياء ، وأن يحمي نفسه من الفحشاء ، والفعلة الشنعاء ، فليحفظ متن الأولياء : معاذ الله .
من عاذ بالله أعاذه ، وأكرم ملاذه .

المقـامَــــة الـسـليمـانيـــة
 رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ 

حتى سليمان ما تم الخلود له
دانت له الأرض والأجناد تحرسه
والريح تخدمه والبدو والحضر
فزاره الموت لا عين ولا أثر

ما مر من قديم الزمان ، ملك كملك سليمان ، فقد علم منطق الطير بلا ترجمان ، وقد اجتمعت في غيبته الحيوانات والطيور ، في يوم فرح وسرور ، وهناء وحبور ، فقالت البهائم للأسد : أيها الأمير ، اجلس على السرير ، فإنك أبونا الكبير ، فتربع جالساً ، ثم سكت عابساً ، فخاف الجميع ، وأصبحوا في موقف فظيع ، فقام الحمار ، أبو المغوار ، فقال : يا حيدرة ، سكوتك ما أنكره ، فقال الأسد : يا حمار البلد ، يا رمز الجلد ، سكتُ لأن الثعلب غاب ، وقسماً لو حضر لأغرزن في رأسه الناب ، فقام الذيب يتكلم وهو خطيب مصيب ، فقال للأسد : يا أبا أسامة ، إن الثعلب قليل الكرامة ، عديم الشهامة ، فليتك تورده الندامة ، فهو لا يستحق السلامة ، وكان أحد التيوس مع الجلوس ، فانسل إلى الثعلب فوجده يلعب فقال : انتبه أيها الصديق ، فالكمين في الطريق، إن الأسد يتوعدك بالذبح ، فاجتهد معه في الصلح ، فقال الثعلب : فمن الذي دهاني عنده ، وغير علي وده ، قال التيس : هو عدوك وعدوي ، الذي في وادٍ يدوي ، هو الذيب الغادر ، صاحب الخيانة الفاجر ، قال الثعلب : أنا الداهية الدهياء ، لأنثرن لحمه في العراء ، أما سمعت الشاعر أحمد ، إذ يقول في شعر مسدد :
الرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول وهي المحل الثاني

فلما حضر الثعلب إلى الأسد ، ودخل مجلسه وقعد ، قال أبو أسامة ، والثعلب أمامه : ما لكَ تأخرت يا بليد ، تالله إن الموت أقرب إليك من حبل الوريد .
قال الثعلب : مهلا أبا أسامة ، أبقاك الله للزعامة ، سمعت أنك مريض ، فذهبت إلى البلد العريض ، ألتمس لك دواء ، جعله الله لك شفاء ، قال : أحسنت ، وسهلت عليّ الأمر وهونت ، فماذا وجدت ، قال : وجدت أن علاجك في كبد الذيب مع حفنة من زبيب ، فقال الأسد للذيب ، أمرك عجيب ، وشأنك غريب ، علاجي لديك ، وقد سبق أن شكوت عليك ، فلما دنا الذيب واقترب ، سحبه الأسد فانسحب ، فخلع رأسه ، وقطع أنفاسه ، ثم سلخ لبده ، وأخرج كبده ، فصاح الغراب ، وهو فوق بعض الأخشاب ، يا أبا أسامة ، ما تترك الظلم والغشامة ، فرد عليه الأسد ، اسكت سَدّ الله فاك ، أنسيت أنك قتلت أخاك ، ودفنته في تراب ، ما أقبحك من غراب .
قال الغراب : يا ظلوم يا غشوم يا مشؤوم . أنا الذي دل على بلقيس يا خسيس ، وجيت سليمان ملك الإنس والجان ، بنبأ من سبأ ، وحملت الرسالة في بسالة ، ودعوت للتوحيد ، وهو حق الله على العبيد ، فبلقيس أسلمت بسببي ، وحسبي معروف ونسبي ، ثم أنشد الغراب :
ولقد حملت رسالة مختومة

يهدي سليمان بها بلقيسا

فوضعتها في حجرها متلطفا

كانت تقدس شمسها تقديسا

فأعرض أبو أسامة ، وقطع كلامه ، وإذا بحية لها فحيح ، أقبلت تصيح ، قد ذبل شعر رأسها وشاب ، وما بقي لها إلا ناب ، فقال الأسد : من بالباب .
قالت الحية : أنا أم الجلباب ، فقال : ما اسمك يا حية ، وما معك من قضية ، قالت : اسمي لس ، وخبري على ظاهر فقس ، أنا كنت اسكن ، في قرية من قرى فلسطين ، رأسي في الماء ، وذنبي في الطين ، فعصى أهل القرية خالقهم ، وكفروا رازقهم ، فساقني إليهم ، وسلطني عليهم ، فقذفت في بيرهم من سمي زعافا ، فماتوا آلافاً ، وهلكوا أصنافاً ، وردم الله عليهم القرية ، لأنهم أهل فرية .
فلما ملك سليمان ، اختفت القرية عن العيان ، فأراد أن يرى القرية رأي العين ، فاستدعى الرياح في ذلك الحين ، فقال للريح الشمالية ، هبي قوية ، وأخرجي لنا تلك البئر المطوية ، والقرية المنسية ، قالت : يا نبي الله أنا أضعف من ذلك بكثير ، أنا خلقني ربي لتلقيح الثمار ، بقدرة القدير ، فقال للغربية : أنت لازلت فتية ، فهبي على هذه الدار ، لنرى ما تحتها من الآثار ، قالت : يا نبي الله ، أنا خلقني ربي لتلطيف الهواء ، وتبريد الماء ، ولكن عليك بالدبور ، فإنها التي أهلكت كل كفور .
فقال سليمان : أيها الدبور ، بأسك مشهور ، وبطشك مذكور ، فأخرجي لنا القرية المنكوبة ، لنرى كل أعجوبة ، فهبت ولها هرير ، وزلزلة وصرير ، فاقتلعت التراب والحجر ، ونسفت الشجر ، حتى خرجت القرية واضحة المعالم ، كل شيء فيها قائم ، فوجد الحية في البئر ، بناب واحد صغير ، فسمى القرية باسم البئر وناب الحية ، فصار اسمها نابلس كما في السيرة المرويّة .
فقال الأسد للحمامة ، يا أم يمامة ، حدثينا عن ملك سليمان ، فلن يملك أحد مثله إلى يوم القيامة ، قالت : حباً وكرامة ، يا أيها الهزبر ، ليس الخَبَر كالـخُبْر ، اعلم أنه ما أصبح يفرح بالملك بعد سليمان ، لما أعطاه الله من الملك والسلطان ، ملك الإنس والجان والطير والحيوان ، وكلم الوحوش بلا ترجمان ، بنيت له القصور من القوارير ، ونحتت له من الجبال المقاصير ، وخزنت له في البحر القناطير ، وسخر الله له الرياح ، تحمله كل صباح ، فملكه فوق ما يصفه الواصفون ، ولا يعلم ذلك إلا العارفون :
ما عاد يفرح بالولاية بعده

أبدا ولا يهني بعيش ناعم

دنيا متى ما أضحكت في يومها

أبكت غداً من قاتل أو هادم

ثم مرت النملة تقفز قفزا ، وتهمز همزا ، وهي تقول : أما علمتم بخبري المنقول ، أنا التي كلمها سليمان ، وأعطاها الأمان ، وسجلت قصتي في القرآن ، أما قلت للنمل ، ادخلوا مساكنكم ، واحفظوا أماكنكم ، ثم أنشدت :
لا تحقرنَّ صغير الجسم تحسبه
لكنها همم تسمو بصاحبها

بالجسم يبلغ آفاقا وأمجادا
وهمتي ذكرت بي الدهر أحفادا

ثم مر الكلب ، رمز السلب والنهب ، قال : يا جماعة ، اسمعوا مني ساعة ، فأنا مقصود بالمدح والهجاء ، وما زالت الأشراف تهجو وتمدح كما ذكر صاحب الإنشاء ، فأنا أصيد الصيد ، وأقيده بقيد ، وحفظي للبيت سديد ، وبأسي لصاحبي شديد ، لكنني دائما بخس محدث ، كما ورد إن تحمل عليه يلهث ، فلي إصابات وغلطات ، والحسنات يذهبن السيئات ، فلا تظنوا أني آية في الخساسة ، ومضرب المثل في النجاسة ، بل انجس مني ، وهذه فائدة خذها عني ، من ترك العمل ، بلا علم ، وأعرض عن التقوى بعد الفهم ، وأسرف في الظلم . ثم انفض المجلس وقد امتلأت بالأنس الأنفس .
واعلم أيها الملهم أن سليمان أعظم من ملك من بني الإنسان ، وأقصر رسالة في الحديث والقديم :  إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

المقـامَــــة الـحُسَــينـيّـــة
 رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ 
مرحباً يا عراق جئت أغنيـ
فجراح الحسين بعض جراحي
ـك وبعض من الغناء بكاء
وبصدري من الأسى كربلاء

أنا سُنيّ حسينيّ ، جعلت ترحمي عليه مكان أنيني ، أنا أحب السبطين ، لكني أقدم الشيخين ، ليس من لوازم حب الشمس أن تكره القمر ، وموالاة الحسن والحسين يقتضي موالاة أبي بكر وعمر ، لأنه يحبهم ويحبونه ، ويحترمهم ويحترمونه .
قاتل الله عبيد الله ابن زياد ، يحرّج على رؤوس العظماء في سوق المزاد .
الحسين لا يمجد بضريح ، ولا بالإسراف في المديح . لكننا نصدق في حبه ، إذا اتبعنا جَدَّه ، وحملنا وُدَّه ، وليس بأن نعكف عنده .
بعض الناس ذبابة ، يجفو القرابة ، ويسب الصحابة .
عظماؤنا ما بين مقتول ومذبوح ، ومسجون ومبطوح ، ومضروب ومجروح .
وما مات منّا سيّد حتف أنفه

ولكن بحد السيف في الروع نقتلُ

يا صاحب الفطن ، تريد أن تدخل الجنة بلا ثمن ، يا من يريدون الغروس والعروس، ابذلوا النفوس ، وقدموا الرؤوس .
تريد شراء الجنة بصاع من شعير ، وهو لا يكفي علوفاً للعير ، ولا فطوراً للبعير ، إذا ناداك المسكين ، كأنه طعنك بسكين ، وأنت تتمنى على الله الأماني ، وتشتاق لمثل تلك المغاني . أنت من سنين ، تبكي على الحسين ، من يحب الحسين بن علي ، فليطع الولي ، هذا هو الحب الجلي .
أنت مثل شيخ فزاره ، حينما قطع أزراره ، قالوا مالك ، قال : أفدي بها أخي
أبا عمارة .
جاؤا برأسك يا ابن بنت محمد
ويكبرون بأن قتلت وإنما
تركوك في الصحراء ثم كأنما
متـزمـلاً بدمائه تزميلا
قتلـوا بك التكبير والتهليلا
قتلوا بقتلك عامدين رسولا

أنا أعلن صرخة الاحتجاج ، ضد ابن زياد والحجاج ، يا أرض الظالمين ابلعي ماءك، ويا ميادين السفاحين اشربي دماءك .
آه ما أطوله من يوم للقتله ، إذا جاء المقتول ومن قتله ، في يوم لا يكون الحاكم فيه إلا الواحد ، ولا المُلْك إلا للماجد ، وقد خاب فيه الجاحد المعاند .
الحسين شهيد ، على رغم أنف العنيد ، ما قتل وما نهب ، وما ظلم وما سلب .
وقد أخطأ ابن خلدون حينما نقل أن الحسين قتل بسيف الشريعة ، وهذا النقل من الأمور الشنيعة ، بل قال شيخ الإسلام ، علم الأعلام : قتل الحسين بسيف الظلم والعدوان ، وقتله مصيبة يؤجر عليها من استرجع من أهل الإيمان : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وإنا لرسوله عند المصائب لتابعون .
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط
عليك بغالي دمعها لجمود

إن كان قَتْل الحسين من العدل ، فقد ألغى مدلول النقل والعقل ، وما عاد في الدنيا ظلم ، وما بقي في الأرض إثم ، وإذا احتاج إثبات النهار إلى كلام ، فقل على
الدنيا السلام .
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل

في كربلاء ، كرب وبلاء ، على ثراها قلب ذكي ، ودم زكي .
كأن قتلك يا ابن الطيبين لنا
كأنما دفنوا الإسلام في كفن
سيف من البغي في الأعناق مشهورُ
من المصاحفِ حاكته المقَاديرُ

الحسين ليس بحاجة إلى مآتم ، وولائم ، تزيد الأمة هزائم إلى هزائم .
الحسين على نهج جده محمد ، وعلى مذهب أبيه المسدد ، تقوى تمنع من الانحراف ، وعَدْل يحمل على الإنصاف . ولو أن الحسين صاحب دنيا ، لما بكينا ، ولو أنه طالب جاه ما اشتكينا ، لكنّه من البيت الطاهر ، صاحب النسب الباهر ، أمانته رصينة ،
وأخلاقه حصينة .
عفاء على دنيا رحلت لغيرها
كدأب عليٍّ في المواطن كلها
فليس بها للصالحين معرّج
أبي حسنٍ والغصن من حيث يخرج

صح الخبر في السنة ، أن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة ، فإذا قتل السيد كيف حال المسود ، وضحية الحاسد هو المحسود ، وقال جدهما المعصوم : هما ريحانتاي من الدنيا ، فهم بهذه التزكية في الدرجة العليا ، والريحانة تشم ولا تقطع ، وتمسح ولا تقلع ، جاءوا بالرأس إلى ابن زياد في العراق ، والدم مهراق ، ثم لم تبك للظلمة عيون ، ولم تتحرك شجون ، وهذا برهان على أن قلوب الظلمة كالحجارة ، وأن نفوسهم ملأت بالمرارة .
إذا لم تبك من هذي الرزايا
فمت كمداً فما في العيش خير
ولم تفجَعْك قاضية القضايا
إذا جمع البرايا كالمطايا

لما أغمد سيف الجهاد ، سله ابن زياد ، على العلماء والعباد . لو كانت الأمة شاركت في قتل الحسين لكانت ظالمة ، ولو رضيت بذلك لأصبحت آثمة ، وقعت الأمة بين فكي زياد ويزيد ، يدوسون الجماجم ويقولون : هل من مزيد ، وتصفق له أراذل العبيد . ليل الحسين صلاة وخشوع وبكاء ، وليلهم رقص وطرب وغناء ، نهار الحسين تلاوة وذكر وصيام ، ونهارهم لهو وعشق وغرام . ولهذا وقع الخلاف وعدم الإنصاف .
إذا عَيّر الطائـيَّ بالبخـل ما درٌ
وقال الدجى للشمس أنت كسيفة
فيا موت زُرْ إن الحياة ذميمة
وعيَّر قِسّـاً بالفهاهــة باقـلُ
وقال السهى للبدر وجهك حائلُ
ويا نفس جدي إن دهرك هازلُ

يا أهل العقول ، إن قتل سبط الرسول ، وابن البتول ، أمر مهول ، فلا تخبروا أعداء الملة ، بهذه الزلة ، فإنها للأمة ذلة . الحسين ليس بحاجة إلى وضع أشعار ، ولكن إلى رفع شعار ، دعنا من ترديد القصيد ، والتباكي بالنشيد ، ولكن تابع الحسين في تجريد التوحيد ، وتوقير الشيخين أهل الرأي الرشيد .
العظماء يقتلون بالسيف أعزاء ، والظلمة يموتون على فرشهم أذلاء جبناء ،
فالعظيم قتل بتذكية شرعية ، والجبان مات ميتة بدعية .  حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ  .
تأخرتُ أستبقي الحياة فلم أجد
وليس على الأعقاب تدمى كلومنا
لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولكن على أقدامنا تقطر الدما

فاتت الحسين الشهادة في بدر لأنه صغير ، فعوضه الله بها في صحراء العراق وهو كبير ، الرجل يريد أن يكتب اسمه بدم ، وهو يحب البيع لا السَّلم ، ومن يشابه أبه فما ظلم . الذين ينوحون على الحسين ويقولون قتل وهو مظلوم ، قلنا هذا أمر معلوم ، ولكن كفاكم بالنياحة جهلا . فهل كان قتل عمر وعثمان وعلي عدلا ، النياحة في الدين غير مباحة ، لأنها مخالفة للمأمور ، وفعل للمحظور ، وتسخط بالمقدور ، لو لم يقتل الحسين لمات . أفتنوحون عليه وقد كسب عز الحياة . وسعادة الوفاة .
علوٌّ في الحياة وفي الممات
بحقٍ أنت إحدى المعجزات

من أحب الحسين فليفعل فعله في حفظ الدين ، وكراهية الظالمين ، وحب المساكين
قتل الحسين دليل على عظمة الإسلام ، لأن مهره رؤوس تقطع ، وأرواح تدفع ، وضريبته دم يسيل ، ورأس في سبيل الله يميل ، الإسلام كالأسد همته ليست سخيفة ، ولذلك لا يأكل الجيفة ، لعظمة الشمس أصابها الخسوف ، ولجلالة القمر رمي بالكسوف ، والعظماء غرض للحتوف :
قل للذي بصروف الدهر عيّرنا
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف
وفي السماء نجوم لا عداد لها
هل حارب الدهرُ إلا من له خطرُ
وتستقر بأقصى قعره دررُ
وليس يكسف إلا الشمس والقمر

رحم الله السبطين ، الحسن والحسين ، وعليا وفاطمة أكرموا الدين .
والصلاة والسلام على خاتم المرسلين ، وآله وصحبه أجمعين .

المقـامَــة الـتيميّـــة
 وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ 
علامة العلماء والبحر الذي
افخر فإن الناس فيك ثلاثة
لا ينتهي ولكل لج ساحلُ
مستعظم أو حاسد أو جاهلُ

قال الراوي نراك متيّم بابن تيميّة ، تذكره باليوميّة، ولك إليه ميل وحميّة ، فقال : ليس عروس إلا بمهر ، وحديثنا عن ابن تيميّة غدوّه شهر ورواحه شهر ، وحسبك أنه عالم الدهر ، ألّف الواسطيّة فذبت في حبها ، ودبّج الحمويّة فتذوّقت من لبِّها ، وجمع التدمريّة تدمّر كل شيء بأمر ربها ، آه يا أحمد ابن تيمية ، يا من اهتدى بسميِّه ، فنصر السنة وهزم الجهميّة ، بذل للطالبين بحره ، وعرّض للسيوف نحره ، ابن تيميه بطل ، هزّ الدول ، وأتْبع القول العمل .
رأيـته فرأيت الناس في رجـلٍ
حروفه كشعاع الشمس لو قطرت
كالفجر في شرفٍ والدر في صدفِ
ألفاظـه قلت هذا الزهـر في ترفِ

ابن تيمية للشريعة ابنٌ بارّ ، هجر الدرهم والدينار ، وهو لأعداء الملة سيف بتّار ، جنته في صدره ، لأنه وحيد عصره ، وفريد دهره ، وقتله شهادة ، لأنه مجتهد في العبادة ، كثير الإفادة ، أرهب عبدة الأصنام ، وأذل خصوم الإسلام ، وسلّ على كل ملحد الحسام، كلامه شهب ، وردوده لهب ، وألفاظه ذهب .
له موقف يحمي به الدين ذكره

تشيد به الركبـان في البـدوِ الحـضرِ

أقام عمود الدين بالنور والهدى

وسلّ حساماً فاتك الوقع بالكفرِ

تعطّل به سوق الباطل وكسد ، وخافه كل من عصى وفسد ، لأن قلبه قلب أسد .
الرجل موحد متعبد متهجد متفرد مجدد، زاهد عابد ساجد ماجد حامد رائد مجاهد، كم أزال من بدع ، وأظهر من ورع ، وكم من ملحد قمع ، سيفه على الضلال مسنون، وقلبه عن حب الدنيا مسجون ، وهو صاحب فنون ومتون وشجون .
سارت في الآفاق أخباره ، طارت في البقاع أشعاره ، كثر في الحق أنصاره، هو مدرسة الاعتدال ، وجامعة الاستقلال، ورمز النضال ، لا يهاب ولا يرتاب ولا يغتاب ،
لله درك ما تركت رسالـة
أنفقت عمرك للمعالي مثلما
يوم الوغى ويداك في الكُـلاّبِ
أنفقـت هـذا العـلم للطُـلاّبِ

ابن تيميه فريد ، لا يخضع للتقليد ، وما هو ببليد ، ولكنه عبقري رشيد .
لكلامه حلاوة ، وعلى كتبه طلاوة ، نصر المعصوم ، وأفحم الخصوم ، الرجل رجل كفاح ، وإمام إصلاح ، مناضل يحب المناضلين ، ويحارب المغضوب عليهم والضالين ، همة وثّابة ، وذاكرة خلاّبة ، ولسان جذّابة، هو إمام التحرير والتحبير والتنوير، ليس بجامد ولا جاحد ، ولكنه علامة صامد ، مجاهد ، عابد . أخذ بالعزائم وتوّرع في الرّخص ، وتجرع من أجل الإسلام الغصص :
إن كان يرضيك أن تهوي جماجمنا
ما تخجل الشمـس إلا من مواقفـنا
على التراب فهذا الفعل يرضينا
ولا تـهاب العدى إلا مواضينا

هذا الإمام كأنه بكل فضل مخصوص ، أعاد الأمة للنصوص ، وأراحنا من ضلال صاحب الفصوص . مرة يهيل التراب على القدريّة ، وأخرى يلقي الموت على النصيرية، سجن الاعتزال ، في زنزانة الإهمال ، خرج على التتار بالنار ، وحضر ذاك العراك ، فأذاق هولاكو الهلاك ، الرجل منصور ، وخصمه مقهور .
ترك المطاعم الشهيّة ، والمراكب الوطيّة ، والمناظر البهيّة ، له مع القرآن سمر ، ومع الذكر سهر ، وله جلسةٌ في السحر :
قلت يا ليل هل بجوفك سرُّ
قال لم ألق في حياتي حديثاً
عامـر بالحـديث والأسرارِ
كحديث الأحباب في الأسحارِ

صرامة في الحق ، وإصرار على الصدق ، وعلم في رفق .
زهـد : فكأن الذهب تراب ، والجواهر أخشاب ، والدنيا خراب .
شجاعة : فكأن الموت عطية ، والهلاك مطيّة ، والمنيّة هديّة.
علـم : فكأن البحر زخر ، والمحيط انفجر ، والغيث انهمر.
تواضع : فهو أرق من النسيم ، رحيم بالمسكين واليتيم ، هذا الإمام جاد وليس بهازل ، وعن مبدئه لا يتنازل، ولهذا سكن أعلى المنازل .
أخلاق طاهرة ، وسنة عليه ظاهرة ، وهمة بين جنبيه باهرة :
له همة لو أن للشمس عشرها
فيوماً مع الذكر الحكيم بمسجد
لما غربت حتى يجيء لهـا الغربُ
ويوماً نديم للقـنا والوغـى حربُ

ما هذا العمق والتأصيل ، واتباع الدليل ، وغزارة التحصيل ، لو أن ابن تيمية مبتدع ما فهمناه ، ولو انصرف للدنيا لاتهمناه ، لكن الرجل صاحب سنة ، يريد الجنة ، له
عقل صحيح ، ولسان فصيح ، يفلج الخصوم بالحجة ، ويدل الناس على المحجة ، نعم الله عليه تامّة ، وهو في العلوم هامّة، ثم هو رجل عامّة، علامة الصدق في العالِم ، العزوف عن الدنايا ، وعدم الخوف من المنايا ، وجمع السجايا ، وكذلك كان ابن تيمية .
ودليل فلاح العالِم ، لزوم أحسن طريقة ، والغوص على الحقيقة ، وحب الخليقة ، وكذلك كان ابن تيمية .
وبرهان رفعة العالِم ، خشية الملك العلاّم ، وزُهد في الحطام ، ورِفق بالأنام ، وتعليم للعوام ، وكذلك كان ابن تيمية .
فتـى قد حباه الله بالحسن يافعاً
ولما رأى المجد استعار ثيـابه
كأن عليـه من نجابتـه سـورْ
تردّى رداءً واسع الجيب واتزرْ

ابن تيمية تفنن في العلوم ، ودفع الخصوم ، ولم يتعلق بالرسوم .
ليس العلم عند ابن تيمية جبّة مدوّرة ، ولا عمامة مكوّرة ، ولا هيئة مصوّرة، بل العلم تقى عميق ، ودليل بتحقيق ، وفهم دقيق . وليست المنزلة عند ابن تيمية مراتب ومناصب وتكالب ، بل تضحية وجهاد ، ونفع للعباد ، وإصلاح للبلاد . سفينة علمه لعباب الجهل ماخرة ، فآتاه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة .
معالم علم الرجل : فهم للسور ، واتباع للأثر ، وجمع للدرر ، وإيمان بالقدر ، وجهاد لمن كفر ، جعله الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ليس بقليل علم فهو يغرف من معين ، ولم يتزوج فهو خاطب الحور العين ، بطح البطائحية ، وجعل المعطلة ضحية ، مزق الزنادقة ، وأغرق بالحجج كل فرقة مارقة ، صار كالحاصب ، والعذاب الواصب ، على النواصب ، وأبرم الردود والنقائض ، للروافض ، كسر ظهور النصيرية في كسروان ، وأبطل خرافات الجهل بالقرآن ، وحل ألغاز الحلولية ، ورد كيد الاتحادية ، حفر لحاداً للملاحدة ، وأخذ كل واحد منهم على حده ، ذاكرته أصابها وابل الرسالة ، وهمته جمعت الحكمة والبسالة ، وذاكرته حملت البراعة والجزالة ، يشفي بعلمه الجهل ، ويعم سيله الجبل والسهل ، ويروي بفتواه الجموع الوافدة ، ويخطب في الجموع الحاشدة ، يفسر الآية في أشهر ، فينفجر منه أنهر ، له صولات وجولات ، وعزمات ، وثبات وإخبات. واجه المغول في شقحب ، فذكرنا قصة علي ومرحب ، عجب بعضهم من شجاعته في تلك المشاهد ، وقال عنه في الليل أحسن عابد ، وفي النهار أشجع مجاهد .
في الليل رهبان وعند لقائهم
هذا ابن تيمية الذي عزّت به
لعدوهم من أشجع الفرسانِ
هـذِ الشريعة آخر الأزمانِ

إذا تكلم قالوا القرآن بين عينيه ، والسنة كلها لديه ، والحكمة تتنزل عليه ، له كلام خالد ، ولفظ شارد، يقول : كل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة ، وكل نفس لا تنتصر على الهوى فهي نفس مسجونة ، وكل مهجة لا تبصر الحق فهي مهجة مغبونة ، ويقول : المعاصي تمنع القلب من الجولان في فضاء التوحيد ، وتحبس النفس عن محبة الرحيم الودود .
هذا الإمام بالحق يقول ، وله قبول ، جمع بين المنقول والمعقول ، له قريحة حيّة ، لا تقبل زيف القوانين الأرضيّة ، ونيّة صادقة، معه حجة ناطقة ، ونفس للحق عاشقة ، نفس تعاف الذل لغير الله حتى كأنه الكفر ، ويد بيضاء بالعطاء ومن وسخ الدنيا صفر ، رجل للملّة مديون ، وعمره للشرع مرهون ، وقلبه عن الدنيا مسجون ، وله عند ربه أجر غير ممنون . هذا الشيخ ليس بالمتكلف ، ولا للنصوص متعسّف ، عنده صفاء ذهن يغوص على الحقائق ، وقوة خاطر يدرك الدقائق.
رد على أهل التصوف ، ونهاهم عن الانحراف والتكلف ، وألزم النواصب حب القرابة ، واحترام الصحابة ، وأنكر على الرافضة الغلو والشطط ، وبيّن لهم الخطأ والغلط ، وله الكلمة البديعة ، إذ يقول : لا يسع أحد مهما كان أن يخرج عن الشريعة ، ويقول : ليس أحد يدور معه الحق حيثما دار ، غير النبي المختار (صلى الله عليه وسلم) ، وهو القائل : كل يوم وأنا أجدد إسلامي ، وأكثر لنفسي اتهامي.
وهذه مقطوعة من الراس لا من القرطاس، وهي تحية للشيخ أبي العباس:
أبداً لسِـفْر المكرمات تُدبِّـجُ

وتحيط برد الصالحات وتنسجُ

لـك في المعالي دولة وولاية

أنت الذي بهدى الرسول متوّجُ

شيّدت صرح الدين ياعلم الهدى

بالعـلم والإخلاص أنت مدجّجُ

وكان يرى أنه لا يسع أي أحد الخروج على الشريعة ، وأن الأحوال والأقوال والأفعال المخالفة لها إنما هي أمور شنيعة ، ويقول في المنطق ، وهو قول عارف محقق : لا ينتفع به البليد ، ولا يحتاج إليه الذكي الرشيد .
وهو لحم جمل ، غث على رأس جبل ، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل، والرجل له حسّاد ، لأنه تفرد وساد ، وجاهد لإصلاح كل فساد.
وهو صاحب أحوال عجيبة ، وآراءٍ مصيبة ، وله مقامات جليلة ، ومذاهب جميلة، حلم عمن حسده ، وأكرم من قصده ، خاطب السلطان بأثبت جنان، وأفصح لسان ، وطالبه بحمل الناس على السنة النبويّة، والأخلاق المحمديّة ، وشفع لأهل الحاجات ، وأرباب الضرورات. ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، ولم يجعل له من دون الله ملتحداً ، بل كان يكتفي بالقليل ، ويراه كافياً لمن عزم على الرحيل ، وكان يعيش على شظف ، مقتدياً بمن سلف ، ويرى أن الزائد على القوت إشغال ، وأن الدنيا دار أهوال ، وكان ينفق كلما يجد ، ولم يحجب معروفه عن أحد ، وكان الغريب ، يجد عنده من الترحيب والتقريب ، والمؤانسة وعدم التثريب.
وكان يعظّم السنة أجل تعظيم ، ويسعى في صيانتها عن كل معتدٍ أثيم ، وقد رزق السعادة في التأليف ، وأعطاه الله الحظ في التصنيف ، وقد طرقت العالم رسائله ، وأذنت في أذن الدنيا مسائله ، وشرّقت كتبه وغرّبت ، وسهّلت كل صعيب وقربت ، وفيها من حسن السبك ، ومتانة الحبك ، ما يدهش العقول ، مع جمعها بين المعقول والمنقول . وكان يعتصم بالبرهان ، ويعود إلى تحقيق وإتقان ، وأقر بعبقريته المخالف والموافق ، وعجب من سرعة بديهته المؤمن والمنافق .
وقد نشر الله علومه ، وقهر خصومه ، وثبّت بالحق جنانه ، وسدّد بالصدق لسانه ، مع تمام ديانة، وكمال أمانة ، وحسن صيانة ، وعظيم مكانة .
والرجل كالقمر الوهّاج ، والبحر الثجّاج ، سديد المنهاج ، قوي الاحتجاج ، وهو صاحب قيام وتهجد ، وأذكار وتعبد ، يلازم المسجد ، ويحب أحياناً العزلة والتوحّد ، لا يفاخر ، ولا تعجبه المظاهر ، ولا يكابر ، ولا يكاثر .
وهو الذي صال وجال ، وغلب الرجال ، في المحافل المشهودة ، والمجامع المحمودة ، وكان يرهبه الملوك، مع أنه يتواضع لكل مسكين وصعلوك.
وقرع بوعظه أسماع الظلمة ، حتى أهدروا دمه ، وعرّض نفسه للأخطار ، وخاض الأهوال الكبار ، وحسْبه الواحد القهار :
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا
فأهون ما يمر به الوحول

وكأن هذا الإمام للدنيا عين إنسانها ، وهدية إحسانها ، ضَنّت بمثله الأعصار، وطنت بذكره الأمصار، نحْو سيبويه من شفتيه ينساب ،
ولغة الخليل في فمه تذاب ، كأن المُزَني قطرة من مزنه ، والكسائي درهم في ردنه ، طالب خصومه بقتله فصفح ، وظفر بهم فعفا وسمح ، لو رآه ابن معين، لقال هذا إنسان العين ، ولو أبصره أحمد ، لقال هذا المجتهد المتفرد ، عرف من الحديث المتن والسند ، وما وقف على الظاهر وجمد ، بل غاص في المعاني ، وقطف من أغصانها الدواني ، وكان بمورد الشريعة بصيراً ، وقد تضلع بها وعب منها ماءاً نميراً ، عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً ، ولو أدركه الثوري لكان عنده أثيرا ، وقد مدحه ابن كثير كثيراً ، وقد ذهب الذهبي يفضل مذاهبه ، ويعظّم مواهبه ، وكان يكتب العقود ، ويحل القيود ، ويقيم الحدود ، وأقام الحسبة في الأسواق ، ونشر معتقد السلف في الآفاق ، وقد انجبر به كسر الدين ، ورفع به عَلَم الموحدين ، وكسرت به قناة الأكاسرة ، وأُرغمت بدعوته أنوف الجبابرة ، وربما خطب عند الولاة بصوت مرتفع ، تكاد القلوب منه تنخلع ، سجن المزّي فأطلقه ، وجادل البطائحي فأغرقه ، ورد على الإخنائي فأشرقه .
ألف الاستقامة فأحيا بها سوق الأتّباع وأقامه ، وألّف درء التعارض ، وردّ على ابن الفارض ، وما نسينا، اعتراضه على ابن سينا ، ودحض بالرأي المصيب ، أخطاء الرازي ابن الخطيب ، وحذر من كذب الشعراء ، وزجر عن الظلم الأمراء ، وأخبر أن في الصوفية أخطاراً خفيّة ، مخالفة للسنة المصطفويّة ، ودفع بالدليل أهل التأويل ، وبالتأصيل أهل التعطيل ، وبحسن التحصيل، أهل التجهيل والتخييل ، وهو متكلم بارع ، لكل خير مسارع ، متبع للشارع ، وله إشراق في العبارة ، ولطف في الإشارة ، مع سلامة صدر ، وارتفاع قدر ، وربما كتب في الجلسة عدة كراريس ، يأتي فيها بكل مفيد نفيس ، وكان يطالع في الآية أكثر من مائة تفسير ، ثم يقلب بعد ذلك التفكير ، فيأتي بعد ذلك بعلم كثير ، وكان يمرغ جبهته ساجداً، ويدعو الله جاهداً، فيفتح عليه الفتاح العليم ، بكل معنىً كريم ، ورأيٍ مستقيم ، وكان يكثر من الابتهال والسؤال ، ويلجأ إلى الله في كل حال ، كثير التذلل لمولاه ، كثير الخشوع له إذا دعاه ، وكان يطيل الصلاه ، مخبتٌ أوّاه ، دائم الإلحاح والمناجاه ، والرجل محفوظ بعين الرعاية ، غني عن الإعلان والدعاية ، ترجم له حتى الخصوم ، والرجل ليس بالمعصوم ، لكن الله فتح عليه فتوح العارفين ، فكان آية السائلين ، وقد كشف أخطاء صاحب الكشّاف ، وبيّن مخالفته للأَسلاف ، وأظهر للأَحياء ، أغلاط صاحب الإحياء ، وزيف كتاب الفتوحات ، وأبرز ما فيه من أمور قبيحات ، وأغار على أساس التقديس ، وأخرج منه نزغات إبليس ، وسقى كأس الندامة، صاحب منهاج الكرامة ، وشرح مذهب الوسطية ، في الرسالة الواسطية ، وأظهر لدينه حميّة، في كتاب الحمويّة ، ودمّر صروح أهل المنطق في التدمريّة ، وردّ على الفلاسفة ، وأخبر أنهم أهل سفه ، وأنهم أخطأوا في الاسم والصفة ، وغلط التلمساني العفيف ، وأثبت ضلال القونوي صاحب التصنيف ، وزندق الحلاّج ، وذم الحجّاج ، وانتقد الغزالي ، وذكر أخطاء أبي المعالي ، ولام علماء الكلام ، وأهل الجور من الحكام ، وله رسالة في السياسة الشرعية ، وسِفْر في الأمور البدعيّة ، وله رسائل طويلة ، في التوسل والوسيلة .
وتكالب عليه أهل البدع ، وسُجن فما رجع ، وكان الله معه فما وقع ، وجمعوا له العلماء فبزّهم ، وهدّدوه فهزّهم ، وقد خوّفوه السلطان ، وأخرجوه من الأوطان ، فما لانت له عريكة ، وما ذابت له سبيكة ، وعرضوه للموت ، فرفع على الباطل الصوت ، وحاولوا أن يُرْشوه ، وبالمال ينعشوه ، فأبى واستعصم ، وحلف وأقسم ، لا يبيع دينه بعَرَض ، ولا يكون له دونه غرض، وكان يطلب الشهادة ، ويجّود للآخرة زاده ، ويضمِّر للجنة جواده ، وامتُحن في سبيل الله أكثر من مرّة ، وحصل له الجاه فما غرّه ، والعُصاة كانوا يتوبون على يديه ، وتزدحم الوفود عليه ، وكان يتكلم بكلام يدهش الحاضرين ، ويذهب بلب المناظرين ، وكانت الطوائف تحضر درسه ، فيذهلهم بكثرة علومه في جلسه وأقسم بعضهم ما رأينا مثلك ، وما أبصرنا شكلك ، وكانت العامة تقف إجلالاً له في الطريق فيقابلهم بخلق رقيق ، وقد آذى الحسّاد أحبابه ، ونالوا أصحابه ، فما زادهم به إلا تعلّقاً ، وعليه إلا تحرّقاً ، والكل عليه مشفق ، والعالم على حبه مطبق ، وليس في تركته دينار ولا درهم ، فأنسى الناس بزهده إبراهيم بن أدهم ، وكلما حصل له من مال ، أنفقه ذات اليمين وذات الشمال ، وهو الذي أفحم القبورية ، ونشر معتقد السلف في سوريّة ، وألزم الحكام بشريعة الإسلام ، ودفع من قَرْمط في النقليّات ، وسفسط في العقليّات ، وهو الذي قعّد للعقيدة القواعد ، ودبّج تلك الفوائد الفرائد ، وكلامه يتميز على كلام سواه ، وقد نصره الله على من عاداه ، وظهرت على يديه كرامات ، وعليه من السنة علامات ، وذكر المِزي أنه ما سمع بمثله من خمسمائة عام .
وأقسم الذهبي أنه ما رأى مثله من سائر الأقوام ، ولو طلب منه أن يحلف بين الركن والمقام ، وترجم ابن كثير لأبي العباس ، فنسي الدولة والناس ، وكتب عنه المستشرقون ، وعلى أخباره يتسابقون ، وله سيرة طويلة في دائرة المعارف ، ومخطوطات كثيرة في المتاحف ، وترجمت كتبه إلى اللغات الأجنبية ، واستفادت من أفكاره الحضارة الغربية ، والناس في كتبه ما بين مختصر ومعتصر، وناقد ومنتصر ، وقادح ومادح ، ومخرّج وشارح، وأثنى عليه المستشرق جولدزهير ، وألفت فيه عشرات الدكتوراة والماجستير ، وهو صاحب أثر ، وكتبه غرر ، ذب عن القرابة ، وأثنى على الصحابة ، له ذاكرة وقّادة ، وطبيعة منقادة ، وذهن حاد ، وعزم جاد ، إذا قصد باطلاً أزهقه ، وإذا اعترض على قولٍ مزّقه ، وقد طالعت من بعد القرن الثالث إلى زمانه ، فلم أجد مثله في عمله وذكائه وإتقانه ، ولا يغمط فضله إلا مكابر ، ولا يعاديه إلا مبتدع ماكر، وله نوافل وأوراد ، وأيامه بالطاعة أعياد ، فغفر الله ذنبه ، ولقي بالرضا ربّه ، وأنزله منازل الصادقين ، وجمعنا به مع النبيين والمرسلين ، آمين .
انظم الدمع أيها الموت شعرا

مثلما تملؤ المحاجر جمراً

ففؤادي مضرّج بسهام

قد رمته الأيام شفعاً ووترا

ليت مليون مهجة سبقته

للمنايا وقد تأخّر شهرا

فبقاء العظيم في الأرض نفع

وذهاب اللئيم يُذهب عسرا

مقـامَـــة الإمام محمّد بن عبد الوهّـاب
 يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ 
أغر تشرق من عينيه ملحمة
في همة عصفت كالدهر واتقدت
من الضياء لتجلو حندس الظلم
كأنه الغيث يسقي الأرض بالدِّيم

الإمام المجدد ، شيخ الإسلام الموحد ، الذي جدد دين النبي محمد . أصبح في الإسلام علماً معروفا ، وصار بالإمامة موصوفا . دعا في التوحيد أصل الأصول ، وتابع
الرسول ، وجمع بين المنقول والمعقول .
خرج في زمن أحوج ما يكون إلى مثله ، في علمه وعقله ، فذكّر الخلف ، عقيدة السلف ، تدرع بالعلم في فترة ركنت العقول إلى الجهل ، وتسلح بالصبر في زمن قل الناصر لأهل الفضل ، وذكّر الناس بأعظم مسألة دعا إليها الأنبياء ، وهي أهم قضية عند العلماء ، فصحح للناس أصل المعتقد الحق في ربهم تبارك في علاه ، ونفض عن عقول أهل زمانه ما نال جناب التوحيد وشوّه محيّاه . فحمى جناب التوحيد ، وسدَّ كل ذريعةٍ تفضي إلى الشرك بالولي الحميد ، لم تكن دعوته صوفيه ، بنيت على شفا جرف هار من المخالفات البدعيه ، التي تنافي الأصول الشرعية ، بل كان صاحب أثر ودليل ، وتحصيل شرعي وتأصيل . ولم تكن دعوته فكرية تبنى على افتراضات العقول ، بل أثرية سلفية تقوم على ما صح من المنقول .
هذا الإمام ، لم يشغل الأمة بعلم الكلام ، بل أسعد الناس بميراث سيد الأنام . ولم يتشدق بعلم المنطق ، بل سال بيانه بالعلم الموثق ، وجرى لسانه بالقول المحقق . وسلّمه الله من طيش الفلاسفه ، أهل الزيغ والسفه ، فكان صاحب حجة قاضيه ، على سنة ماضيه ، على طريقة من سار ، من السلف الأبرار ، يعرض المسألة في سهولة ويسر ، مجانباً المشقة والعسر ، فدنا إليه قطاف الملة المحمديه ، وجبى إليه ثمار الشريعة المحمديّه .
عرف الجادة فوصل ، ودعا إلى ما دعا إليه الرسل . كان في زمنه علماء ، وفي عصره فقهاء ، لكن منهم من ظن أن السلامة في السكوت ، ولزوم البيوت ، وطلب القوت ، ومنهم من كان في علمه لوثة من البدع ، فكيف يدعو الناس إلى ما أنزله الله وشرع ، ومنهم من اشتغل بالمناصب ، عن أداء الواجب ، فهمه ثمن بخس دراهم معدودة من الحطام ، يأخذها ثمناً لفتاوى يتخذ بها جاهاً عند الطغام .
أما هذا الإمام المحفوظ بالعناية ، المحاط بالرعاية ، فأشرقت شمسه من مطالع السنة ، وصارت قافلته الميمونة إلى الجنة .
هذا المجدد لم يأت بمرسوم من الأستانة ، ولمن يطلب المنزل لدى العامة والمكانة ، بل جاء مصلحاً يعيد الأمة إلى سيرتها الأولى الربانية ، وإلى ما كانت عليه من المحاسن الإيمانية، والتعاليم الربانية . وجد في زمن هذا الإمام ، في بلاد الإسلام ، مشائخ لهم عمائم كالأبراج ، وأكمام كالأخراج . تُفعل أمام أعينهم كل طامة ، وهمهم تبجيل العامة ، يجبون الأموال بالاحتيال ، فلا يفتي أحدهم إلا بثمن معجل ، أو برهان مؤجل ، ليصبح العلم لديهم عمامة مكوّرة ، وجبة مدوّرة ، يعظّم بها لدى الرعاع ، ويسكت عن كل شرك وابتداع . يرى أحدهم الجهال يطوفون بالقبور ، فلا يغضب ولا يثور ، لأن دماء حب الدنيا في عروقه تجمد ، فهو تائه مقلد ، بارد متبلّد .
فجاء هذا الإمام الذي ما تدنس بالدنيا جلبابه ، ولا اتسخت بالبدعة ثيابه ، وقد عقد العزم ، واتصف بالحزم ، تحدوه همة عارمة ، وعزيمة صارمة ، فدعا إلى تجديد ما اندرس من الدين ، وإظهار ما خفي من دعوة سيد المرسلين .
فكان الناس معه أقسام ثلاثة ، فأصحاب حسد ، ضل رشدهم وفسد ، لسان حالهم : لماذا اختير هذا من بيننا ، إنه يدعو إلى غير ديننا ، فكبتهم الله بنصر هذا الإمام ، وتآكل حسدهم في صدورهم على مر الأيام .
وأصحاب بدعة وهوى ، سقط نجمهم وهوى ، ذاق منهم الأمرّ ، فاحتسب الأجر وصبر . وأصحاب قلوب حيّة ، وفطر نقيّة ، عرفوا أن دعوته دعوة مرضيّة ، سلفيّة سنيّة ، فركبوا في سفينة التجديد ، مع هذا الإمام الرشيد ، حتى وصلوا معه إلى شاطئ الإصلاح ، وساحل الفلاح . فإذا رأيت من ينال هذا الإمام ، ويحط من قدر هذا الهمام ، فاعلم أنه مخذول مغرور ، أو جاهل مغمور .
واعلم أن الصادق يجعل الله لدعوته التأييد والتمكين ، والكاذب يظهر الله عواره ولو بعد حين . وهذا الإمام لم يكن مطلبه السلطان ، وجمع الجنود والأعوان ، والاستيلاء على البلدان . بل كان قصده تصحيح معتقد الناس ، وتصفية التوحيد مما أصابه من الأدران والأدناس ، وإزالة الخطأ والالتباس ، فأصاب عين الحقيقة ، ولزم أحسن طريقة ، حتى شرّقت بالخير ركائبه ، وغرّبت بالفضل نجائبه ، فتقبلها عباد الله بقبول حسن ، وعدوها عليهم من أعظم المنن ، وشرق بها من ضل رشده ، وخاب جهده ، فما ضر إلا نفسه ، وما اقتلع إلا غرسه ، وهذه سنة الله في البشرية ، وحكمته في البريّة .
لا تشرق شمس دعوة صادقة ، بالتوحيد ناطقة ، إلا قيض الله لها أنصاراً وأعداء ، لتتم سنته في المدافعة بين الفجّار والأولياء ، وليتخذ شهداء .
بدأ الإمام بالتوحيد لأنه المسألة الكبرى ، والعروة الوثقى . لأن من يعلّم الناس الفروع وقد ذهبت الأصول ، كمثل من يداوي الأجسام وقد فقدت العقول ، وكيف تفلح أمة يطوف على القبور رجالها ، وينشأ على الشرك أجيالها .
قبل أن تدرّس الناس الفروع الفقهية ، صحح لهم مسألة الألوهية ، وقضية العبوديّة ، لتأتي البيوت من أبوابها ، وترد المسببات إلى أسبابها .
وقبل أن يعلم الناس أبواب السياسة ، وطرق الوصول إلى الرئاسة ، يجب تعليمهم الدين الخالص الذي دعت إليه الأنبياء ، والتوحيد الحق الذي جاءت به الملّة الغرّاء .
هل يقر للعبد قرار وهو يسمع  وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ  . هل بعد هذا الإنذار من إنذار ، وهل فوق الخطر من أخطار ، والله يقول لنبيه وصفيه  لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ  . إن الأحزاب المفلسة ، والطوائف المبلسة ، أهملت مسألة التوحيد من حسابها ، وحجبت حقيقته عن أحزابها . فكان جزاؤها الخزي والهوان ، والذلة والخذلان، لأن أعظم المطالب العلمية ، وأكبر المقاصد العملية ، هي قضية الألوهية ، ولهذا تجد أنَّ أي دعوة قامت على غير التوحيد قد انهارت ، وأعلنت هزيمتها وبارت  فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ  .
ما خُلق الكون ؟ وأوجدت فيه حركة وسكون ، إلا لمسألة عظيمة ذكرت في الكتاب المكنون :  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ  .
كانت دعوة الإمام المجدّد ، تنص على أن يعبد الله وحده ويوحّد ، قبل أن يعلم الناس الأحكام ، لابد أن تطهر قلوبهم من التعلق بالأوثان والأصنام ، وأن تزكى ضمائرهم من التعلق بالأنصاب والأزلام .
قد يدرك الحلولي والاتحادي مسائل الفقه وهو ضال في باب التوحيد ، وقد يلم الصوفي والقبوري بالأحكام وهو جاهل بحق الله على العبيد . ولهذا تجد من نصب نفسه للفتيا في بعض البلاد ، يشاهد مظاهر الشرك تعصف بالعباد ، ثم لا ينكر ولو بإشارة ، ولا ينهى ولو بعبارة ، فأي صلاح لمن هذه حاله ، وأي علم ينتظر لمن هذه أعماله .
لقد استقبلت الأمة دعوة هذا الإمام ، بالقبول والاهتمام ، فصار للمساجد دوي كدوي النحل بالعلم المأثور ، وصارت كتائب التوحيد تزيل القباب عن القبور ، وانتشر دعاة الحق ينفضون آثار الشرك والبدعة من الصدور ، فصار العامي بنور هذه الدعوة أصفى توحيدا ، وأخلص دينا ، من أئمة الطوائف المنحرفة ، لما جعل الله في قلبه من نور المعرفة . بعد أن عمّت الشرور ، وانطفأ النور ، وحار الناس في ظلمات الشرك بين نذور وقبور ، وسحر وكهانة وفجور ، فجدد الله بهذا الإمام معالم الدين ، وأيده بكتائب الموحدين ، فالحمد لله رب العالمين .
حمداً على جلال النعمة ، وانكشاف الغمة ، وصلاح الأمة .

المقـامَــــة الـبـازيَّــــة
 قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 
إن قام سوق العلم فهو كمالك
أو غاص في التفسير قلت مجاهد
وإذا تزاحمت الوفود فحاتم
أو مد باع الزهد فالشيباني
والفقه والتعليم كالنعمان
وكأحنفٍ في الحلم والغفران

للقلب من ذكره اهتزاز ، وللقصيد في مدحه ارتجاز ، تفرد بالمكرمات وامتاز ، وحظي بحسن الثناء وفاز ، إنه عبد العزيز بن باز . أوصلته الهمة ، إلى إمامة الأمة ، وبلغته العزيمة المنـزلة الكريمة ، ودلته السنة ، طريق الجنة . خلق أرق من النسيم ، وعلم أعذب من التسنيم ، كلامه يوشى بالأثر ، كأنه در انتـثر .
ابن باز : اتباع لا ابتداع ، وقبولٌ عم البقاع ، وفضله كلمة إجماع ، مع اعتصام بالدليل ، واهتمام بالتأصيل ، وبراعة في التحصيل ، يشرفه تحقيق في النقل ، وسداد في العقل ، جمع مع كرم الطبيعة ، رسوخ في الشريعة ، هجر في طلب العلم الرقاد ، فحصل واستفاد ، وأخذ الرواية بالإسناد ، حتى ترأس وساد ، وعم علمه البلاد والعباد .
ابن باز : على نهج السلف ، بلا تنطع ولا صلف ، روح بالتقوى طاهرة ، ونفس بالعلوم باهرة ، أعذب من ماء السحاب ، وأرق من دمع الأحباب .
ابن باز في هذا العصر : إمام الغرباء ، وعالم الأولياء ، وزاهد العلماء .
تقلد ابن باز أرفع المناصب ، فكان آية في أداء الواجب . حضرت له مجالس وموائد ، وحملت عنه فوائد ، وألقيت عليه قصائد ، ورويت عنه فرائد .
كانت محادثة الركبان تخبرنا
حتى التقينا فلا والله ما سمعت
عن شيخنا الباز تروي أروع الخبر
أذني بأحسن مما قد رأى بصري

لما جاء خبر وفاة هذا الإمام تعثرت به الأفواه ، وتلعثمت به الشفاه ، وقال القلب هذا خبر لا أقواه ، وقالت النفس ما أشد هذا المصاب على القلب وما أقساه .
أصيب به الإسلام وارتج أهله
كأن بني الإسلام يوم وفاته
على فقده حتى أصيب به الصبر
نجوم سـماءٍ خر من بينها البدر

ابن باز بز بعلمه الأعلام ، وأتعب بسيرته الأقلام ، وأهدى عمره للإسلام ،
وكفل بكرمه الأيتام .
لو رآه يحيى بن معين لقال : مرحباً بعلم الإسناد ، ولو أبصره حاتم الطائي لقال : أهلاً يا سيد الأجواد ، ولو لقيه الأحنف بن قيس لقال : منكم الحلم يستفاد .
ابن باز بَزَّ الأقران ، بطاعة الرحمن ، وعلم السنة والقرآن ، وإكرام الضيفان ، واحترام الإخوان ، وبر الأقارب والجيران .
سعى سعيهم قوم فلم يدركوهمو
ولكن لهم سبق الجلالة والعلا
وما قصرّوا عند اللحاق ولم يألوا
فجاء لهم من كل ناحية فضل

إن زرته غمرك بالإكرام ، وأتحفك بالاحترام ، وآنسك بطيب الكلام ، وضيفك ألذ الطعام ، وعلمك الآداب والأحكام ، فهو يجمع الجودين ، وبما تقوم الدنيا والدين .
ابن باز أبو الدعاة ، وشيخ القضاة ، وناصح الولاة ، تحبه لتقواه ، وتحترمه لفتواه .
حاضر في الجامعات ، وتشرفت به المحاضرات ، وتعطرت بعلمه الندوات ، وطابت بلقائه الأمسيات ، وسعدت بوجوده الجلسات ، غني في زي فقير ، وزاهد في موكب أمير ومفتي في منصب وزير ، حمل كل أمر خطير ، فكان نعم المشير ، وصاحب الرأي الفطير والخمير ، عليه بسمة في وقار ، ولين في إصرار ، ودأب في استمرار ، السنة له شعار ، والصلاح له دثار ، وعليه من السكينة أنوار ، لم يكن لسانه كالمقـراض للأعراض ، ولم يكن له ارتياض في جلب المال والأغراض :
عفيف من الدنيا خفيف من الخنا
فلو قسمت أخلاقه في قبيلة
كأَن به عن كل فاحشة وقرُ
لصار لكل منهم المجد والفخرُ

ابن باز : نفع للخليقة ، وإدراك للحقيقة ، ولزوم الطريقة ، عدل في الأحكام وإنصاف ، وتواضع تعنو له الأشراف ، وكرم تشهد به الأضياف .
أثبت ابن باز أن العلم يشرف من حمله ، وأن المال يسوّد من بذله . ليس في قاموس ابن باز أن الجود يفقر ، بل صاحبه يشكر وبالخير يذكر ، لو ترجم كرم ابن باز في أبيات
لقيل : أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا

ولا تطع في سبيل الجود عذالا

من جاد جاد عليه الله واستترت

عيوبه وكفى بالجود سربالا

تميز ابن باز بالتعمق في الأثر ، والغوص على الدرر ، مع تصحيح الخبر ،
وصحة النظر .
ابتعد ابن باز عن شقشقة علماء الكلام ، وعقعقة الفلاسفة الطغام ، وتشدق أهل المنطق اللئام . ولم يكن يسقط على السقطات ، ولا يلقط الغلطات ، بل كان يدفن المعائب ، ويذكر المناقب ، فملأ الله بمحبته القلوب ، وطار ذكره في الشعوب .
فالعلم عنده حديث وآية ، ونور وهداية ، وعمل لغاية ، واستعداد لنهاية ، أعرض عن مذاهب المبتدعة الضلال ، وأهل الدنيا الجهال ، وأساطين القيل والقال ، وهجر الجدال ، فسلم من همز الرجال .
خلق كأن الشمس تحسده على
ضمنت له الدنيا الثناء فكلما
كرم الطباع وزينة الأوصاف
ذكروه جاد الناس بالإتحاف

ليس في مجلسه أرقام الأسعار ، ولا فضول الأخبار ، ولا غرائب الأقطار ، ولا عجائب الأمصار ، وإنما كلام العزيز الغفار ، وحديث النبي المختار ، وما صح من آثار . ( كمثل حامل المسك إما أن تبتاع منه وإما أن يتحفك بطيبه ) .
زهد ابن باز زهد متواضع ، لم يشر إليه بالأصابع ، ويعلن على الملأ في المجامع ، لأن الدنيا عنده أهون من أن يعظم الزهد فيها ، وأحقر من أن يمدح النظر إليها ، فكان زهده صامت ، وتواضعه ساكت . خدمته ألسنة الخلق بإعلان الفضائل ، وأحبته قلوب الناس فوعت تلك الرسائل .
أفضل شيء في العالم : مراقبة الجليل ، والعمل بالتنـزيل ، والاستعداد للرحيل ، والرضا بالقليل ، وكذلك كان ابن باز .فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ
وأحب شيء في الولي : المحافظة على تكبيرة الإحرام ، والكف عن الحرام ، والرحمة بالأنام ، وسلامة الصدر من حب الانتقام ، وطهارة الثوب من الآثام ، وكذلك كان ابن باز . كانت دعوته حسبة ، وعمله قربة ، فصار إماماً في زمن الغربة .
وأكرم شيء في الرجل ، بسمة على محياه ، وصدقه في مسعاه ، وثباته في خطاه ، وإخلاصه في إعلانه ونجواه ، وكذلك كان ابن باز .
وأحسن شيء في الإنسان ، طهارة الضمير ، والاستعلاء على كل حقير ، واحترام الكبير ، ورحمة بالصغير ، وعطف على الفقير ، وكذلك كان ابن باز .
العلم ليس متوناً تحفظ ، ولا خطباً تلفظ ، ولكنه خشية وخشوع ، وتواضع وخضوع ، واتباع في الأصول والفروع ، وكذلك كان ابن باز .  وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ 
والعلم ليس شهادات تعلق ، ولا مناصب تتسلق ، ولا دنيا تعشق ، ولكنه تقوى ومراقبة ، وورع ومحاسبة ، وتنبيه للغافل ، وتعليم للجاهل ، وكذلك كان ابن باز .
عرفنا من العلماء من اشتهر بالخطابة ، والذكاء والنجابة ، وسرعة البديهة والإصابة وهذا أعظم ما يذكر به وعرفنا من العلماء من عندهم فهم ثاقب ، ونظر صائب ، وذهن يغوص على العجائب ، ثم ليس يذكر إلا بهذا .
وعرفنا من عنده حافظة قوية ، وفي صدره متون مروية ، وفي ذاكرته علوم محكية ، ثم هذا غاية ما عنده . ولكن ابن باز حافظة بفهم ، وذاكرة بعلم ، وسداد في روية ، وثبات مع حسن طوية ، معه حجة ناطقة ، ونية صادقة .
كالسيف إن تغمده أو تسلله ما
معروفهٌ وثباته وصفاته
في حده عيب ولا تقصير
في صوته يوم القتال صرير

بلغ ابن باز منـزلة لا يرفعه المدح ، ولا يضعه القدح ، فاستوى عنده الثناء والهجاء ، ولم ينفعه مدح الأصدقاء ، وما ضره ذم الأعداء ، لأنه يعامل رب
الأرض والسماء .
من كان فوق محل الشمس موضعه
فليس يرفعه شيء ولا يضع

ليس في قاموس ابن باز تفصّح ولا تبجّح ولا تمدّح .
لا يحب الإطراء والمراء والإغراء ، لا يتزلف عنده برنين الدعاية ، ولا يتقرب لديه برخيص السعاية ، لأنه قد حقق الولاية .
ليس العلم عند ابن باز بالتفاصح ، والتمادح ، والزهو بالمشالح ، والحرص على المصالح ، بل العلم لديه حمل الشريعة في إخبات ، وطلب الفائدة بإنصات ، والعمل بالحجة في ثبات . العالم من عند الحرام كف ، وعن الشهوات عف ، وقال على غرور الدنيا تف ، وكذلك كان ابن باز .
ابن باز من مدرسة التجديد ، وليس من أهل التقليد ، بل هو صاحب حجة ، سالك المحجة ، معتصم بالبرهان ، عالم برضى الرحمن . ليس بمتعصب للمذهب ، بل يتبع الحق أينما وجد ، ولا يتجاوز الدليل إذا صح السند .
صحبت هذا الشيخ فلم أر فيه عجرفة المتطاولين ، ولا تخرص المتقوّلين ، ولا ترخص المتأولين ، ولا غرور الجاهلين ، بل دأب في تحصيل الفضيلة ، وحرص على الصفات الجليلة ، واتصف بالأخلاق الجميلة .
كان الشيخ يحترم الأئمة السالفين ، ولم يكن يجرّح المخالفين ، بل كان رفيقاً مما جعل الناس له مؤالفين .
إذا صاحبت قوماً أهل فضل
ولا تأخذ بزلة كل قوم
فكن لهموا كذي الرحم الشفيق
فتبقى في الزمان بلا رفيق

إن التقوى إخلاص في الأعمال ، وصدق في الأقوال ، ومراقبة لله في الأحوال ، وكذلك كان هو . أدرك الشيخ شرف الزمان ، فوزع وقته في وجوه البر والإحسان ، وهذه أعظم علامة ، على بلوغه درجة الإمامة .
فهو رجل خاصة ينصح ويعظ ويتلطّف ، ولا يغلظ ويشنع ويعنف .
وهو رجل عامّة فكان بالناس رفيقا ، وبالمستضعفين رقيقا .
وهو رجل شفاعات تُلبَّى لديه الطلبات ، وتحل عنده المشكلات ، ويجيب على التساؤلات ، وتعرض عليه المعضلات .
الإمامة عند هذا الإمام : يقين عند الشبهات ، وصبر عند الشهوات ، وتحمل للمسئوليات .لم يكن هذا الإمام في فتواه يفرع المسائل حتى يحير السائل ، بل وضوح في العبارة ، ولطف في الإشارة ، فلا إسهاب يشتت الأذهان ، ولا اقتضاب يربك الحيران ، بل إصابة للقصد ، مع اختصار للجهد . فهو أدرى بقوله تعالى :  وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى  .
وقالوا : من تابع الرسول ، ووقف مع المنقول ، وترك الفضول ، نال القبول وكذلك كان رحمه الله .
وقالوا : من تقيد بالمأثور ، وآمن بالمقدور ، وعمل بالمأمور ، واجتنب المحذور ، فعمله مبرور ، وسعيه مشكور ، وهو مأجور وكذلك كان رحمه الله .
وقالوا : من أرضى الحق ، ولطف بالخلق ، وصدق في النطق ، وعمل في رفق ، حصل من الرب على القرب ، ومن الناس على الحب ، وكذلك كان رحمه الله .
ولولا أني عرفته ما وصفته ، والسبب في أنني أحببته ، لأنني صاحبته .
ولا تقل إنني بالغت في المدح بل قصرت ، ولا تزعم أنني طولت في الثناء بل اختصرت . وقد عرفت في حياتي مئات العلماء ، والأدباء ، والشعراء ، والنبلاء ، والكل فيه فضل ، والجميع فيه نبل . ولكن الذي تفرد بالفضائل واصطفاها ، وجمع حسن الشمائل وحواها ، وعرف دروس المجد ووعاها ، هو هذا الإمام الهمام .
وقد طالعت سِفْر صفات الصالحين ، وقرأت ديوان المفلحين ، وراجعت علامات الناجحين ، فوجدتها فيه منطبقة ، وعليه متّسقة .
ولو حرص الكثير لما استطاعوا
إلى ما فيك من كرم الخصال

وابن باز جمع بين ثلاث ميمات ، لها قيمات ، ولها عليه سمات وعلامات .
فميم العلم ، والرسوخ في الفهم ، وهي إمامة مقدسة ، على الوحي مؤسسة .
وميم الكرم والسخاء ، والتي حرم منها البخلاء ، فصار هذا الشيخ بالكرم رئيسا ، وعند الناس نفيسا . وميم الحلم فلا يغضب ولا يعتب ولا يصخب ولا يضرب .
وقد قرأت عليه قطعة من مسند أحمد في المسجد ، فكان يتكلم بقول مسدد ، ورأي بالصواب مؤيّد ، ولا يتردد . وألقيت عليه قصيدتي البازيّة ، وهي فصيحة لا رمزيّة ، فقابلها بالقبول ، واللطف في القول ، ودعا لي بالتوفيق ، كأنه والد شفيق .
وألقيت عليه قصيدتي في أبي ذر ، فاستأنس وسر ، وقصائد كثيرات ، في لقاءات ومخيمات ، وندوات وأمسيات .
يا ليت أيامي تعود فذكرها
في عهد هذا الفذ قد أشجاني

وهو أول ضيف افتتح بيتي في الرياض ، وقد أفاض عليّ من بره ما أفاض ، وما رأيت منه في حياتي الجفاء والإعراض :
أنا ممن سماحته أنالت
عليه تحية الرحمن تغدو
وممن دربت تلك الأيادي
لما أسداه من نفع العبادِ

بل كان دائماً كثير الترحاب ، لـيّن الجناب ، قريباً من الأحباب ، مكرماً للأصحاب .
وقد شجعني على الدعوة بخطاب منه مختوم ، وباسمه موسوم ، وبأنفاسه مرسوم ، وهو عندي إلى اليوم . وقد وصلت دولاً أعجمية وعربية ، وشرقية وغربية ، فما رأيت مثل هذا الإمام ، على كثرة من عرفنا من الأنام . وأظن عين المجد قد بكت عليه ، وروح التاريخ حنت إليه ، ولو فاح طيب ثناءه في الوجود لكان مسكا ، ولو نظمت مكارمه في عقد لانفصم من طوله سلكاً سلكا . وقد رثاه العامة والحكام ، ورجال الإعلام ، وحملة الأقلام ، وبكاه رجال الصحافة ، وأهل الأدب والثقافة ، ونوه بفضله العلماء ، وبكاه الشعراء ، وأثنى عليه الأدباء ، وحزن عليه الزعماء . وما سمعنا بمثل جنازته في الإسلام ، ولم نعلم أنه مر مثلها مع الأيام ، من كثرة الزحام ، وما حل بالمسلمين من الآلام .
فقد اختلط الترحم عليه بالدموع ، وماجت كالبحر الجموع ، وأعلن خبر موته الإعلام المرئي والمسموع . ووددت أن النصارى شاهدوا جنازته واليهود ، ورأوا ذلك الموقف المشهود ، وأبصروا تلك الحشود والبنود ، والوفود والجنود ، ليعلموا منـزلة علمائنا ، وقَدْر حكمائنا ، وأننا أمة تقدس الديانة ، وتوقر حملة الأمانة ، وأهل الرزانة والصيانة .
ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى
غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
لها الليل إلا وهي من سندس خضر

وقد رثيته بقصيدة بازيّة ، أصف فيها عظم الرزيّة ، أنزله الله رضوانه ، وأسبغ عليه غفرانه ، وبوّأه أكرم نزل ، وألبسه أجمل الحلل ، جزاء ما قدّم ، وأفاد وعلّم ، وأتحف وأكرم ، فله علينا حق الدعاء ، وحسن الثناء ، وهذه سنة الوفاء ، ومذهب الأصفياء ، وعسى الملك العلام ، ذو الأيادي العظام ، والمنن الجسام ، أن يجمعنا به في دار السلام ، مع السلف الكرام .
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا
عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم
يفديك من جعل الدنيا رسالته
فقمت أنشد أشواقي وألطافي
فهو الغفور لزلاّتي وإسرافي
لأنها ذكرتني سير أسلافي
من كل أمثاله تفدى بآلافِ

المقـامَــة الـدّعـويّــــة
 وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ 
أنت كنـز الدر والياقوت في
محفل الأيام في شوق إلى
لجة الدنيا وإن لم يعرفوك
صوتك العالي وعساهم يسمعوك

ترى الناس بلا دعوة أيتاماً ، لا يعرفون حلالاً ولا حراما ، ولا صلاة ولا صياما ، ولا سنناً ولا أحكاما ، فالدعوة لرئة الأحياء هواء ، ولكبد الدنيا ماء ، ولذلك أرسل الله الأنبياء ، وخط في اللوح ما شاء .
أخوك عيسى دعا ميتـاً فقام له

وأنت أحييت أجيـالاً من الرمـمِ

من نحن قبلك إلا نقطة غرقت

في اليم أو دمعة خرساء في القدمِ

وقد حملت القلم والدواة ، ورافقت الدعاة ، ولقيت العلماء والقضاة ، وعرفت البسطاء والدهاة ، وجبت مع إخواني البلاد ، وخالطت العباد ، فكم عرفنا من ناد وواد ، وسرنا في حاضر وباد ، فأخذت من الناس المواهب ، واستفدت من الزمان التجارب ، وميّزت المشارب ، ونزلت تلك الخيام ، والمضارب .
فالداعية الناجح ، والواعظ الصالح ، من جعل محمّداً إمامه ، فعرف هديه وكلامه ، فراش بهداه سهامه ، وجمل بسنته مقامه . والداعية من كان بالناس رفيقا ، وعاش معهم رقيقا ، وصار بهم شفيقا ، فاجتنب العنف والتجريح ، والإسراف في المديح ، فلزِم القول الليّن ، والخُلق الهيّن ، فصار لقلوب الناس طبيبا ، ولأرواحهم حبيبا .
غلام إذا ما شرّف الجمع صفقت
له منطق لو أن للسحـر بعضه
له أنفـس الحضر واكتمـل البشرُ
مشى بيننا من حسن طلعته السحرُ

ولي في الدعوة انتقال وارتحال ، والفضل لذي الجلال ، وليس لي في الفضل فِلْس ولا مثقال . وكانت البداية في أبها ، وهي من الشمس أبهى ، ومن الزلال أشهى ، وأهلها من أرق الناس قلوباً ، وأقلهم عيوباً ، تغلب عليهم الاستجابة ، والذكاء والنجابة .
هيّنون ليّنون أيسار بنو يسر

صيـد بها ليـل حفـّاظون للجـار

من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم

مثل النجوم التي يسري بها الساري

ثم زرت مكّة ، فعرفت من الحب يقينه وشكّه ، فصرت لأهلها بالمودة ضامناً ، وصار الأنس في قلبي كامناً ، وآمن فؤادي ومن دخله كان آمنا . فلو أن الثرى يُقَبَّل لقبّلت ، لكنني لما رأيتها كبّرت وهلّلت ، وحول البيت هرولت .
كبّرت عند ديارهم لما بدت

منها الشموس وليس منها المشرق

وعجبت من بلد مكارم أهلها

فيها السحاب صخورها لا تورق

ثم سرت إلى الرياض ، وأنا من الهم خالي الوفاض ، فلاحت لنا الأعلام النجدية ، والأماني الوردية ، ووصلنا أرض التوحيد ، وبلاد التجديد ، فوجدنا العلماء ، والكرماء ، والحلماء .
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم

قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا

محسـدون على ما كان من نعم

لا ينـزع الله منهم ماله حسدوا

ثم حملنا الشوق إلى طيبة ، وهي أمنيتنا في الحضور والغيبة ، وهي أرض الجلال والهيبة ، فيا قلب والله لا ألومك في هواك ، ولا أردك عن مناك ، لأن أحب الناس يرقد هناك . أليس في هذه الروابي مشى محمّد ، وصلى وتعبد ، وقام وتهجد .

بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربا

وما أحسن المصطاف والمتربعــا

كتبنا عليـها بالدمــوع صحائفاً

هي الدار صارت للمحبين مضجعا

ثم رحلنا إلى جدة ، ولنا عنها مدة ، فلما وصلناها ذهب كل عناء وشدة ، وقد أخذنا من الحب عدة ، وحملنا في القلوب مودة . فلقينا بها شباباً كالسحاب ، برؤيتهم تم الأنس وطاب ، وذهب الهم والأوصاب ، أخلاقهم أرق من النسيم ، وعشرتهم أجمل من الدر النظيم .
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا

أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا

بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن

لأولهم في الجاهلية أولُ

ثم جاءتنا برقية ، فسافرنا إلى الشرقية ، وما أبقى لنا الشوق بقية ،فقابلونا بالحفاوة والإكرام ، والحب والاحترام ، ووجدنا رقة الحضارة ، والبشاشة والنضارة ، فعجزنا عن الشكر ، وهام بنا إليهم الذكر ، وما نسيهم الفكر :
لله تلك الـدار أي محـلة

للجود والافضال والتكريمِ

هم كالشموس مهابة وجلالة

أخلاقهم في الحسن كالتسنيمِ

ثم قلت لصاحبي مالك في الجدال خصيم ، تقول القيصومة ، وأنا أقول القصيم ، فلما وصلنا تلك الديار، وعانقنا الأخيار ، وجدنا أهل الديانة ، والأمانة ، والصيانة . عفاف في طهر ، كأنهم نجوم زهر ، أشاد بمكارمهم الدهر .

قل للريـاح إذا هبت غـواديهـا
واكتب على أرضهم بالحب ملحمة
حي القصيم وعانق كل من فيها
أرض الديانة قاصيهـا ودانيها

ثم دخلنا حائل ، والقلب إليها مائل ، فلقينا أبناء المكارم ، وعانقنا أحفاد حاتم ، فرجح حبهم في الميزان ، وحدثناهم في جامع برزان ، واعتذرت من إبطائي ، ثم ألقيت قصيدة نادي الطائي :
لا عيب فيهم سوى أن المقيم بهم

يسلو عن الأهل بل كل الأحباءِ

في حائل قد بنى الإكرام منـزله

أبوهموا في المعالي حاتم الطائي

ولما هبطنا الباحة ، وجدنا الأنس والراحة ، وقد عانق القلب أفراحه ، ونسي أتراحه ، فغمد حسام الإسلام غامد ، كم بها من عابد ، وزاهد ، وساجد .
وزهرة المكارم زهران ، صرت في ليلي عندهم من الفرح سهران ، سيرتهم أطيب سيرة ، وسريرتهم أحسن سريرة ، لأنهم أبناء أبي هريرة :
في الباحة الغـراء كان لقاؤنـا

ما أحسن اللقيـا بلا ميعادِ

شيدت بها الأخلاق في أوطانها

تلقـاك بالأجـواد والعبـادِ

وقد هبطنا تهامة ، فلا ملل ولا سآمة ، وأقمنا أحسن إقامة ، فوجدت الجود خلفي وأمامي ، ولمست الإكرام ورائي وقدامي ، وكفاهم أن الرسول تهامي ، تفيض وجوههم مما عرفوا من الحق ، وتشرق وجوههم مما حملوا من الصدق :

أتهمت في طلب المحبة والهوى

يا ابن المحبة والوداد تهيامي

لما أتيـتهموا نسيت سواهمـوا

ضيعت قبل وصولهم أيامـي

ولما أتينا جيزان ، والجو قد زان ، نسينا من السرور الأهل والجيران ، ووجدنا الحلقات الشرعية ، والآثار القرعاوية ، والجهود الدعوية ، والكل منّا يلاحظ ، تلاميذ الحكمي حافظ ، حيث ولدت العبقرية ، ولازالت القرائح غضة طريّة ، ولمسنا العزم والهمم ، ووجدنا الجود والكرم :
جازان إني من هـواك لشاك

أشجيتني وأنا الذي أشجاك

يا فتنة النّادي طربت وعادني

ما يشبه الأحلام من ذكراك

وأهم ما يُدعى إليه التوحيد ، فإنه حق الله على العبيد ، ومن أجله بعث الرسل ، وكل كتاب به نزل ، وهو رأس العمل . وعلى الداعية أن يعمل بما يقول ، ليضع الله له القبول ، فكل من ترك الهدى فهو مخذول ، كلامه ساقط مرذول .
ولتكن للداعية نوافل وأوراد ، وحسن خُلق مع العباد ، وإصلاح لنفسه وجهاد ، ومحاسبة لها قبل يوم التناد .
وليكثر من الأذكار ، بالعشي والإبكار ، وليراقب الواحد القهار ، مع قراءة سيرة الأخيار، ومصاحبة الأبرار ، والزهد في هذه الدار ، وليعتقد في نفسه التقصير ويعترف ، ويخشى مما اقترف ، ويبكي على ما سلف ، وعلى ما كان عليه السلف يقف ، وليسلم من الهلاك والتلف ، وليتقيّد بما شرع ، وليحذر البدع ، فإن النفس أمّارة ، والنفس غرّارة ، وليجوّد العبارة ، ويحسن الإشارة ، وليوقر الكبير ، ويرحم الصغير ، ويعطف على الفقير . وليأت المنابر بعزم وثاب ، وقلب غير هيّاب ، وأسلوب جذّاب ، وليعد العدة قبل أن يلقي الخطاب ، وليتذكر حديث : (( لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )) ، فإن هذا من أجل النعم ، وليحمد ربه وليشكر ، حيث جعله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وليعلم أن معلم الخير ، وناصح الغير ، يستغفر له الطير ، والحوت في الغدير . فطوبى لمن كان للرسول خليفة ، وما أجلها من وظيفة ، فهي المنـزلة الشريفة ، والدرجة المنيفة ، فهذا عمل الأنبياء ، وشغل العلماء ، وقربة الأولياء ، فهنيئاً له الأجر ، ورفعة الذكر ، وجلال القدر ، وصلاح الأمر .
فسبحان من اصطفى من عباده دعاة إلى الجنة ، أعلاماً للسنة ، له عليهم أجل نعمة ، وأعظم منّة .

المقـامَــات الـوعظـيــة
 أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ 
أما والله لو علم الأنام
حياة ثم موت ثم نشر
لما خلقوا لما غفلوا وناموا
وحشر ثم أهوال عظامُ

قلنا لأحد العلماء ، النبلاء ، الأولياء : عظنا موعظة ، للقلوب موقظة ، فإن قلوبنا بالذنوب مريضة ، وأجنحتنا بالخطايا مهيضة ، فنحن قد أدمنّا الذنوب ، وعصينا علاّم الغيوب ، حتى قست منا القلوب ، فقال : واحرّ قلباه ، واكرباه ، يا ربّاه ، يا ابن آدم تذنب ولست بنادم ، الأنبياء يبكون ، والصالحون يشكون ، تتابع المعاصي ، وتستهين بمن أخذ بالنواصي ، ويحك كيف تلعب بالنار ، وتستهين بالجبار ، يغذيك ويعشِّيك ، ويقعدك ويمشيك ، ثم تنهض على عصيان أمره ، مع علوِّ قدره ، وعظيم قهره ، ويلك هذا الملك كسر ظهور الأكاسرة ، وقصّر بالموت آمال القياصرة ، وأرغم بالجبروت أنوف الجبابرة ، الروح الأمين ، وَجِل مسكين ، من خوف القويّ المتين ، ومحمد يتهجد ويتعبد، وهو الذي دعا كل موحِّد ، ومع هذا يتوعد ويهدد ، من ركن لكل كافر وملحد .
أين عقلك يا مغرور ، هل نسيت يوم العبور ، وساعة المرور ، كل طائر من خوفه يخرُّ صريعًا ، وكل كاسر يئن من خشيته وجيعًا ، أبو بكر انتفض من خوفه كالعصفور ، وصار صدره بالنشيج يفور ، وسقط الفاروق من الخشية على الرمال ، حتى حُمِل على أكتاف الرجال ، وبقي ذو النورين ، من منظر القبر يبكي يومين ، وهذا علي بن أبي طالب دموعه من التذكر سواكب ، كان عمر بن عبد العزيز ، يرتعد ولصدره أزيز ، ويقول : يا قوم ، اذكروا صباح ذلك اليوم ، ويلك والله لو أن القرآن نزل على صخر لتفجر ، ولوهبط على حجر لتكسر ، وتقرؤه وأنت لاهٍ ساه ، تتفكر في المنصب والجاه ، كأن الليالي لا تطويك ، والكلام لا يعْنيك ، تدفن الآباء والأجداد ، وتفقد الأخوة والأولاد ، وأنت لازلت في إصرار وعناد ، سبحان الله تغترّ بالشباب ، وتزيّن الثياب ، وتنسى يوم يُهال عليك التراب :
أبداً تصرُّ على الذنوب ولا تعـي

وتكثر العصيان منك وتدَّعي

أبـداً ولا تـبكي كأنـك خالـد

وأراك بين مـودِّعٍ ومشـيِّعِ

لا تغفل ذكره ، ولا تنس شكره ، ولا تأمن مكره ، هو الذي عفر بالطين ، أنف فرعون اللعين ، وفرّق جنوده أجمعين ، مساكن من عصاه قاع قرقر ، بعد ما أرسل عليهم الريح الصرصر ، إذا غضب دمر المنازل على أهلها ، وسوّى جبالها بسهلها ، شابَ رأسُك، وما خفّ بأسك ، ومازال في المعاصي فأسك ، ما لك ما تردّك الآيات ، ولا تزجرك العظات ، ولا تتذكر الأموات ، مصرٌّ مستكبر ، تركب كل أمر منكر .
سمع ابن وهب آية  وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ  ، فسقط مغشياً عليه في الدار ، ثم مات في آخر النهار ، سمع عمر ، بعض السور ، فطرح دُرّته وانقعر ، فبقي مريضاً شهر ، وصارت دموعه نهر ، قرأ سفيان سورة الزلزلة ، فسُمع له ولولة ، كأنها أصابت مقتلة ، بعض الصقور تسقط من السماء ، وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء ، وأغميَ من الخشية على كثير من العلماء .
كأنك ما سمعت بطورسينا
تخـرُّ له الجبابـر وهي تـبكي
عـراة نحـن فيـه فيـا لهـولٍ
ويوم صـار مـن طـولٍ سنـينا
ويحـصي فـيه ربي ما نسينا
كأنا مـا طـعمـنا أو كـسينا

ويحك خَف ربك ، وراجع قلبك ، واذكر ذنبك ، موسى خرّ من الخوف مغشياً عليه مصعوقاً ، ويوشع صار قلبه من الوجل مشقوقاً ، وبعضهم أصبح وجهه من الدموع محروقاً ، كيف تصبح وتمسي ، والرسل كل يقول نفسي نفسي ، أعجبتك الدور والقصور يا مغرور ، ونسيت القبور ، ويوم النشور ، يوم يحصل ما في الصدور .
والذي نفسي بيده ما تساوي الدنيا فتيلة ، ولا تعادل في القبر فزع أول ليلة ، يوم تطرح فيه وليس لك حيلة ، استنفق مالَك ، وراجع أعمالك ، وزن أقوالك .
وخطك الشيب ، وما تركت العيب ، تشاهد المصارع ، وتسمع القوارع ، وتنهال عليك الفواجع ، تنسى الرب ، يا ميّت القلب ، الصحابة من الخوف مرضى ، وطلحة ينادي : اللهم خذ من دمي حتى ترضى ، ما شاء الله ما تحضر صلاة الفجر ، ولا تطمع في الأجر ، وجعفر تقطعت بالسيوف أوصاله ، وارتفع بالفرح تهليله وابتهاله .
على شفرات السيف مزقت مهجتي

لترضى وإن ترضى عليّ كفاني

فلو كتبـتْ منّا الدمـاء رسـالـةً

لخطَّت بحـب الله كـل جـناني

ويلك أنت مهموم بالقرش ، والفرش ، والكرش ، وسعد يهتز لموته العرش .
تهاب الوضوء إذا برد الماء ، وحنظلة غُسل قتيلاً في السماء ، تعصي حي على الفلاح ومصعب بن عمير قدم صدره للرماح ، ما تهتز فيك ذرة ، والموت يناديك في كل يوم مائة مرة ، والله لو أن في الخشب قلوب لصاحت ، ولو أن للحجارة أرواح لناحت ، يحن المنبر للرسول الأزهر ، والنبي الأطهر ، وأنت ما تحن ولا تئن ، ولا يضج بكاؤك ولا يرن.
لو مُتَّ لعذرناك ، وفي قبرك زرناك ، ولكنك حيُّ تأكل وتشرب ، وتلهو وتلعب ، وتغني وتطرب .
بعض الصالحين أتى لينام ، فترك الفراش وقام ، وأخذ ينوح كما تنوح الحمام ، قالوا مالك ؟ قال : تذكرت يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ وهذه الآية كافية .
تواصل الذنب لا تدري بعاقبةٍ

وتسـتهين بأمر الواحد الصمد

كأن قلبك مطبـوع عليه فـلا

تخشى عقاباً ولا تبكي على أحد

سعيد بن المسيّب ، الإمام المحبب ، والزاهد المقرب ، ذهبت عينه من كثرة الدموع ، واصفر وجهه من الخشوع ، وهو ما بين سجود وركوع ، يزيد بن هارون ، الإمام المأمون ، عمي من البكاء ، فما أَنّ ولا اشتكى ، فقالوا له : ما فعلت عيناك الجميلتان ، فقال : أحتسبهما عند الواحد الديّان ، أذهبهما بكاء الأسحار ، وخوف الواحد القهار. والله إن فينا علّة ، ننام الليل كلّه ، كأنا لسنا من أهل الملّة .
شغلنا بالـبنين وبالحـطام
كأنا قـد خلقـنا للـنوادي
ولم نسـرع إلى دار السـلام
وإكثـار الشـراب مع الطعام

الملَك حمل الصور لينفخ ، والملائكة تكتب عليك وتنسخ ، وأنت بالذنوب ملطّخ، ما تبكي لك مقلة ، كأنك أبله ، كان ابن المبارك من البكاء يخور ، كأنه ثور منحور ، وابن الفضيل يموت في الصلاة ، لأنه سمع من الإمام قرآناً تلاه ، ترك ابن أبي ذئب القيام لأمير المؤمنين ، وقال ذكرت يوم يقوم الناس لرب العالمين ، كان ميمون بن مهران ، كأن عينيه نهران ، حفر له في البيت قبر ، إذا رآه فكأنه يُنقر في قلبه نقر ، يا ويلاه القبر القبر .
يقول أحد السلف : يا مغرور إن كنت تظن أن الله لا يراك ، وتفعل هذه الأفعال فأنت شاكّ ، فما غرّك وألهاك ، وإن كنت تعلم أنه يبصر أفعالك ، ويحصي أعمالك ، ويراقب أقوالك ، ثم تتجرَّأ على محارمه ، وتستهين بمعالمه ، فقد سُلب قلبُك ، وأُخذ لُبّك.
ولو أن قلباً يعرف الله لاستوى

لديه نعيم العيش والحدثانِ

فما هي إلا جيفة طاف حولها

كلابٌ فلا تخدعك باللمعانِ

ابن تيمية يمرغ وجهه في التراب ، وينادي يا وهّاب ، يا فاتح الأبواب ، الطف بنا ساعة الحساب ، وأنت ميّت الإرادة ، ظاهر البلادة ، عريض الوسادة . الملائكة يسبِّحون الليل والنهار لا يسأمون ، ويذكرون ربهم ولا يفترون ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولم يعملوا سيئات ، ولم يقترفوا خطيئات ، ولم يرتكبوا موبقات ، ونحن أهل العصيان ، والتمرد والنكران ، ومع هذا ترانا لاعبين ، وفي طرق اللهو ساربين، ولِكأس الغفلة شاربين ، الأمر فصل، وجدٌّ ليس بالهزل ، يوم قمطرير ، شرُّه مستطير ، تكاد القلوب منه تطير ، تذهل المرضعة عما أرضعت ، وتُسقط الحامل ما حملت ،وترى كل نفس ما عملت ، الخلائِق تضيق نفوسهم ، الولدان تشيب رؤوسهم .
هدِّ من لهوك شيئاً هدِّ هَـدّ
أرغِم النفس على فعل التقى
إنّ أمـر الله فينا جِدُّ جدّ
فاز من في عمره كَدّ كَدّ

أراد علي بن الحسين أن يلبي على الراحلة ، فسقط من الخوف بين القافلة ، فلما أفاق ، قال للرفاق : أخشى أن أقول لبيك ، فيقول : لا لبيك ولا سعديك ، مع أنه زين العابدين ، وريحانة المتهجدين ، لكن القوم عرفوا ربهم ، فبكوا ذنبهم ، وجمعوا خوفهم وحبهم ، فيا صاحب العين التي لا تدمع ، والنفس التي لا تشبع ، والقلب الذي لا يخشع ، إلى متى تؤجِّل التوبة ، أما لك أوبة :
فيا دمع هذي ليلة البين أقبلت

فهات غروباً تبرد الزفرات

ويا قلب قد عاهدتني فكذبتني

كأنك لا تجزعْ من الغدرات

العمر قصير ، والشيب نذير ، والدار جنة أو سعير ، نراك تضحك كأنك أتاك أمان، من الملك الديان ، ما لك لا تحزن، هل عبرت الصراط حتى تأمن، الندم على ما فرطت أحسن ، يا مسكين : إبراهيم الخليل ، وهو النبي الجليل، بكى ذنبه ، ودعا ربه، وقال :  وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ  ، فكيف بنا نحن المذنبين ، خلقك فسوّاك ، وأطعمك وسقاك، وآواك وكساك ، ومن كل بلاء حسنٍ أبلاك، ثم تعصيه وهو يراك :
نُسِجت لنا الأكفان من أعمارنا

ونظلُّ نضحك ما لنا تفكيرُ

أوَ ما ذكرت القبر أول ليلـةٍ

يـلقاك فيه منـكر ونكيرُ

أحسن ماء دموع التائبين ، أعظم حزن حزن المنيبين ، وأهنأ نعاس نعاس المتهجدين، أجمل لباس لباس المحرمين ، ما ألذ جوع الصائمين ، ما أسعد تعب القائمين ، ما أكرم بذل المتصدقين ، أين المباني والمغاني ، أين الغواني والأغاني ، أين الأفراح والتهاني ، أين من شاد وساد ، أين ثمود وعاد ، أين ساسان ، وقحطان ، وعدنان ، وفرعون وهامان ، أين مُلْك سليمان ، أين أصحاب الأكاليل والتيجان ،  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ، والطَّول والإنعام .
أما زرت المقابر ، أما هالتك تلك المناظر ، أما رأيت القوم صرعى، والدود في عيونهم يرعى ، عن الحديث سكتوا ، وعن السلام صمتوا ، الظالم بجانب المظلوم ، والمنتصر بجانب المهزوم ، والضعيف مع الأمير ، والغني مع الفقير ، وانظر إلى المغمور والمشهور، والغالب والمقهور ، ذهب الحُسْن والجمال ، والجاه والمال ،وبقيت الأعمال ، أموات يتجاورون ، ولا يتزاورون .
سكـتوا وفي أعماقـهم أخبارُ
وتغيرت تلك الوجوه وأصبحت
وجـافاهمُ الأصحـاب والزوّارُ
بعد الجمال على الجفون غبارُ

ماذا أعددت عندما توقَف ، يا من هجر المصحف .
الزبير بن العوام ، بطل الإسلام ، جسمه كله جراح ، من آثار السيوف والرماح . وخالد بن الوليد ، الشجاع الفريد ، يُمزق جسمه بالسهام ، ويخطط بدنه بالحُسام ، لينتصر الإسلام ، بلال بن رباح ، يسمع حي على الفلاح ، فيجيب لسان حاله لبيك منادي الإصلاح ، يُصهر جسمه على الحجارة ، ليصبح مؤذن الإسلام على المنارة ، يعذِّبونه ، وفي الرمضاء يذيبونه ، فيردد أحد أحد ، لأنه ذاق قل هو الله أحد ، الله الصمد، يُضرب رأسه ، ويُكتم نَفَسه ، فما يزيده ذلك إلا إصرارا ، وفي طريق الحق استمرارا :
سيّدي عـلِّل الفـؤاد العلـيلا
إن تكن عازماً على قتل روحي
وأحيني قبل أن تراني قتيلا
فترفـق بها قلـيلا قلـيلا

انظر لسلمان ، أقبل من خراسان ، يبحث عن الإيمان ، هجر ماله وأوطانه ، وإخوانه وخلانه ، وأعوانه وجيرانه ، يسأل عن الإمام ، بدر التمام ، رسول الإسلام ، فينطرح بين يديه ، ويلقي نفسه عليه ، ويبث شجونه إليه، فمرحباً يا سلمان يوم أتيت ، وهنيئاً لك يوم اهتديت ، واقبل هدية : سلمان منّا آل البيت :
فلا تحسب الأنساب تنجيك من لظى
أبو لـهب في النار وهو ابن هاشم
ولـو كـنت من قيسٍ وعبد مدانِ
وسلمان في الفردوس من خُرَسانِ

لما حضر الصحابة مدينة تستر ، وسل كل منهم سيفاً أبتر ، فنادوا بطل المعارك ، الذي يلقي نفسه في المهالك ، أعني البراء بن مالك .
والذي قال فيه المعصوم ، يوم رآه عن الدنيا يصوم : رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ، فكان البراء لعين الإسلام قُره ، وباع نفسه من الله كل مرة ، قال الصحابة يا براء ، أقسم على رب السماء والغبراء ، على أن ينصرنا على هؤلاء الحقراء ، فأقسم على الله بالنصر ، وأن يكون أول قتيل بعد العصر ، ثم لبس أكفانه ، وودّع إخوانه ، فسل الحسام ، وفلق الهام ، وانتصر جند الإسلام .
لك الله ما هذي الشجاعة في الوغى
تقدمـت حتى هابت البيض والـقنا أأنت زحوف السيل أم أنت حيدره
وصارت رماح القوم فيك مكسره

الذي لا يحضر صلاة الصبح ، لا يطمع في الربح ، وليس بيننا وبينه صلح .
تريد نصر الإسلام ، وأنت لا تحافظ على تكبيرة الإحرام ، مع الإمام ، هذه أوهام ، السلف الصالح ، والجيل الناصح ، أعطوا الإسلام الأموال والدماء ، فأصبحت هاماتهم في السماء ، وأنت ماذا أعطيت، وماذا لدِينك أهديت ، ولأمتِّك أسديت ، حي كَمَيْت ، عشت بين لعلّ وليت، وما دريت، بأنك في الخسار هويت .
متى يستفق من عقله في غشاوة
لقد خلف البازي فـينا حـمامةً
ومطـلبه في هذه الأرض دينارُ
وأصبح بعد الليث في دارنا فارُ

قلبك من الذنوب مجروح ، ولا تبكي ولا تنوح ، كأنك جسد بلا روح ، ما أثّر فيك الوعظ ، وما فهمت اللّحظ ، وما ميَّزت بين المعنى واللفظ ، الحمام يبكي على الأغصان ، من فقد الخلاّن ، والغراب على البان ينحب ، وعلى الشجر يشغب ، لسفر أصحابه ، وبعد أحبابه ، وقلبك قاسي ، كما الصخر الراسي ، لا تدمع لك عين ، ولا يؤثر فيك الفراق والبَيْن ، ولا يردعك حياء ولا دِين ، الغراب قتل أخاه ، ثم ندم فواراه ، ودفنه وبكاه ، وأنت قتلت نفسك بالكبر والرياء ، وما منعك الحياء ، كأنك لست من الأحياء ، النملة أنذرت بنات جنسها ، فعادت إلى رَمسها ، تبقي لقوت يومها من أمسها ، وأنت تجاهر الواحد القاهر ، الباطن الظاهر ، بالكبائر .
أمـا أتـاك من الرحمان موعظـةٌ
مركوبك النعش ينسيك المراكب في
ما قال في سأل منها وفي عبسا
دنياك لما ركبت الأدهم الفرسا

مالك في دنياك تتبلد ، وفي غيك تتردد ، وما فعلت كما فعل الهدهد ، سافر إلى اليمن وهو وحيد ، يدعو إلى التوحيد ، فعاد إلى سليمان ، بعد ما أعطاه الأمان ، فجاء من سبأ بنبأ ، وأنكر على بلقيس ، إذ زين لها إبليس ، تسجد للشمس ولا تسجد لمن أجراها ، وما أدرى الشمس عن الخليقة ما أدراها .
فأصبح الهدهد داعية ، أذنه للحق واعية ، وقدمه في التوحيد ساعية ، وأنت هل دعوت أحدًا ، أو مددت للخير يدًا ، أو أسمعت الهدى بلدًا .
الفيل وجّهوه لهدم البيت ، فنادى لسان حاله يا أبرهة ضللت وما اهتديت ، وظلمت واعتديت ، والله لا أنقل إلى البيت القدم ، وأموت هنا وكعبة الله لا تنهدم.
وقفت حيـاء عند بابـك مطـرقاً
فلو قطعوا رأسي لما سرت خطوةً
ولم أنقل الأقدام من روعة الخجل
أهذا جزاء الفضل من ربنا الأجلّ

الفيل يلوي عن المعصية رأسه ، ويبرد عن المخالفة حماسه ، وأنت لا يردك عن الخطيئة باب ، ولا يحجزك عن السيئة حجاب .
لا تستهِن به فإنه قوي ، ولا تمُنَّ عليه فإنه غني ، أهلك ثمود في ناقة ، وألحْق عاداً بالساقة ، عصته أمم فهز بهم الأرض هزّا ، ثم قال :  هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا  ، حطّم سد سبأ بفارة ، وأحرق إرم ذات العماد بشرارة ، ومزق أعداءه بغارة ، أعتق رقبتك من النار ، وأنقذ نفسك من البوار.
هذا عثمان بن عفان ، سمير القرآن ، جهز جيش العسرة ، وأفطر على كسرة ، قرأ القرآن يومه ، وشرى بئر رومة ، وأنت تريد الجنة ، وصدقتك بالمَمنّة ، وقد هجرت السنة
علي بن أبي طالب قدم رأسه للشبا ، وصار جسمه بالدماء مخضبا ، وذبح عدو الله مرحبا ، وأنت ما حضرت قتالاً ، ولا أنفقت مالاً ، وما ذقت في سبيله نكالاً ، نطالبك فحسب بالصف الأول ، ولا تلعب بالدين وتتأول ، ولا تأكل الحرام ومنه تتمول .
هذا سكار النفس ليس يردها
هل عندكم يا قوم ميثاق فلا
عن غيها إلا فتى مغـوارُ
تخشون أن يجتاحكم جبارُ

ألّف البخاري لك الصحيح ، وجمع لك كل حديث مليح ، كان يصلي عن كل حديث ركعتين ، وعرض عليه كتابه مرتين ، ثم هجرت صحيحه ، ولم تقبل النصيحة ، أعرضت عن أصح المؤلفات ، وأقبلت على الصحف والمجلاّت .
جمع أحمد المسند ، بالرأي المسدد ، والصدق المجرد ، والورع المجود ، طاف الدنيا على الأقدام ، من صنعاء إلى دار السلام ، فلما أصبح المسند لديك مطبوعاً ، مقروأً ومسموعاً ، جعلته في بيتك وسادة،وما فتحت جلاّدة ، ولا ذقت زاده .
جزاهمُ الله عن دين الرسول فما
لولا لطائف صنـع الله ما نبتت
أحـلى مآثرهم في سالف الحقب
تلك المكارم في لحم ولا عصب

ألّف جرير ، كتاب التفسير ، وحرّره أيما تحرير ، فهو لكل مؤمن سمير ، وبكل نفع جدير ، فأغلقتَ عليه في زنزانة ، كأنك ما عرفت شانه ، ولا شكرت إحسانه ، واستبدلته بكتاب ألف ليلة وليلة ، وجعلته إلى اللهو وسيلة ، وللعب خميلة ، ولطلب الدنيا حيلة ، تغفل الآيات البينات ، والحكم البالغات ، والنصائح والعظات ، وتقبل على كتاب الأغاني ، للأصفهاني ، وهو فيما قال جاني .
خف الله واحفظ ذا الزمان فإنه
نهارك يا مغـرور سهو وغفلة
سريع التـقضي مخلف الحسراتِ
وليلـك يمضي في رؤى وسباتِ

أسأل الله بالاسم الأعظم ، والوصف الأكرم ، فإنه الأعلم الأحلم الأحكم ، أن يهدي قلبي وقلبك ، وأن يغفر ذنبي وذنبك ، وأن ينير بالوحي دربي ودربك.

المقـامَــــة الـجـهـاديــــة
 مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً 
أيا رب لا تجعل وفاتي إن دنت
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة
على مضجع تعلوه حسن المطارفِ
يصابون في فج من الأرض خائفِ

قال أبو شجاع ، محمد بن القعقاع : ما رأيت مثل الجهاد ، في سبيل رب العباد ، فيه تصان الملة ، ويدخل على الكفار الذلة .
قلنا يا أبا شجاع : حدثنا عن بعض التحف ، من مواقف السلف ، في ساح الوغى ، يوم قاتلوا من بغى وطغى .
فقال : كان المسلمون مع قتيبة بن مسلم في حصار كابل ، وكل ذاهل ، فأرسل إلى محمد بن واسع ، الإمام الخاشع ، فلقيه بجفن دامع ، وكف ضارع ، يشير بسبابته إلى السماء ، ويقول : يا سميع الدعاء ، عظم فيك الرجاء ، اللهم ثبت أقدامنا ، وسدد سهامنا وارفع أعلامنا ، فلما أخبروا قتيبة بما شاهدوا ، وأطلعوه على ما وجدوا .
قال : والله لإصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف شاب طرير ، ومن مائة ألف سيف شهير . ثم بدأ القتال ، فنصرهم ذو الجلال ، وانهزم الكفار ، وولوّا الأدبار .
قال : ولما حضر خالد لقتال الروم ، قدموا له قارورة مملوءة بالسموم ، وقالوا له : إن كنت متوكلاً على الله ولا تخاف ، فاشرب من هذا السم الزعاف . فقال : بسم الله ، توكلت على الله ، ثقة بالله ، ثم شرب القارورة ، فما مسه ضرورة .
ولما رأى المسلمون جيش الروم ، وكثرة القوم ، قال أحد الناس ، لما رأى البأس : اليوم نلتجئ إلى جبل سلمى وأجّا ، قال خالد : بل إلى الله الملتجى .
قال : ولما حضر المسلمون في تستر ، ما بين مهلل ومكبر ، قال المسلمون: يا براء بن مالك ، أقسم على إلهك ، عله أن يرزقنا النصر ، وعظيم الأجر . فأقسم على الديان ، فهزم الله أهل الطغيان ، وذهب البراء إلى الجنان .
والبراء هو صاحب حديث ” رُبَّ رجل أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره ” فأبرّ الله قسمه وبلغه كل مسرّة .
ثم قال أبو شجاع : اعلموا أن صرخات التفجع ثلاث ، سجلت أهم الأحداث .
وهي : وا معتصماه ، وا إسلاماه ، وا أماه .
فوا معتصماه : أطلقتها امرأة في عمورية ، بعد أن أهينت في البلاد الروميّة ، فسمعها المعتصم الأسد الهصور ، فترك القصور ، وخرج بجيش يمور ، فأذل أتباع نقفور ، وأخذ الكفور ، وجعله عبد للمسلمة التي صرخت باسمه من وراء البحور .
وأما وا إسلاماه : فأطلقها قطز وبيده البتار ، يوم نازل التتار ، فهزم من كفر وولّوا الأدبار .
وأما وا أماه : فهي صرخة مفجوعة ، وصيحة مقطوعة ، قالها طفل من الأندلس ، لما رأى أمه وهو في حضنها تختلس .
فقال أبو البقاء يصف هذا الشقاء :
يا رب أم وطفل حيل بينهما

كما تفرق أرواح وأبدان

أحب عبد الله بن عمرو الأنصاري ” قل هو الله أحد ” ، فهب إلى أُحد ، فقيل له : البينة ، على المدعي للمحبة ، فضرب في سبيل الله ثمانين ضربة .
بعضهم هوايتهم منصب شريف ، أو قصر منيف . أما ابن رواحة ، فهوايته طعنة بسيف ، حتى قال :
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً
وطعنة ذات قرع تقذف الزبدا

يأتي الشهيد يوم القيامة وعليه علامات ، وآيات بينات ، والبراهين على عبد الله بن جحش واضحات ، ذهاب العينين ، وقطع الأذنين ، وبتر اليدين ، لأن لكل قضية شاهدين .
كتبت بالدم آياتٍ مبيّنة
شريت جنة فردوس منعمة

يوم الوغى ودفعت الروح والبدنا
أحضرت للسيف يوم المنحنى ثمنا

أتى إلى مؤتة جعفر ، فتقدم وما تأخر ، وكان يوم الجماجم يتعثر ، ودمه يتقطر ، فضرب بسيفه في الكفار حتى تكسر ، فلما قطعت يداه ، وأسلم الروح إلى الله ، طاب وطاب مسعاه ، أبدله الله بجناحين ، يطير بها على الرياحين ، ويتنعم في الفردوس كل حين . كل يكتب اسمه بمداد ، إلا الشهيد فإنه يكتبه بدم في سفر الأمجاد . كأن الشهيد يموت مختارا ، وغيره يموت مضطرا .كل ميت يوضع المسك معه في الأكفان ، إلا الشهيد فإن دمه كله مسك يملأ المكان .
تفوح أطياب نجد من ثيابهموا

عند القدوم لقرب العهد بالدار

آل سعد ثلاثة في العد ، أهل وعد وعهد .
اهتز عرش الله لسعد ، ووجد ريح الجنة من دون أحد سعد ، وقال  في أحد ” ارم فداك أبي وأمي يا سعد ” .
فالأول : سعد بن معاذ سيد الأنصار ، وقدوة الأبرار ، الذي ألحق باليهود البوار .
والثاني : سعد بن الربيع ، المقدام الشجيع ، صاحب الموقف البديع .
والثالث : سعد بن أبي وقاص ، كان مع النبي من الخواص ، أخذ من الفُرس القصاص .
قتل عمر في المسجد بعد الفجر عندما غدت الطيور من وكورها ، لأن معلمه يقول ” بارك الله لأمتي في بكورها “
من كان مبتهجاً لمقتل شيخنا

فليأت نسوتنا بوجه نهارِ

يجد القلوب مفجعات كلها

بالهم عند تبلج الأنوارِ

وقتل علي في المسجد قبل الفجر ، لأنه وقت استغفار ، ونزول للغفار ، وجلسة للأبرار ، والرجل يحب الأسحار .
يا ليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ

فدت علياً بمن شاءت من البشرِ

استحت خزاعة ، أن ترد الحوض يوم الشفاعة ، مزجيّة البضاعة ، فقدمت أحمد بن نصر ، الذي قتله الواثق في القصر ، فدخل الجنة بعد العصر .
قال له الواثق : وافق . قال : لا يا منافق . حاول الواثق أن يجيبه ولو بإدغام فيه غنة فقال لسان الحال : الخداع ليس من السنة ، فذبحه بعد أن اشتاق إلى الجنة .
اثنان تاجان عظيمان ، من قبيلة بني شيبان ، جاهدوا في سبيل الرحمن .
ابن حنبل والمثنى ، وكل منهما لدينه تعنّى ، وللقاء ربه تمنّى .
قدم المهاجرون أربعة خلفاء ، فقدم الأنصار أربعة قراء ، أهدت قريش مصعب بن عمير ، فأهدى الأنصار ابن الحمام عمير .
تأخر أنس بن النضر عن بدر ، فجمع بين الغزوتين في جمع وقصر ، فقتل في أحد بعد الظهر .
لما عذر الله عثمان ، يوم بيعة الرضوان ، علم الله صدقه فسعت إليه الشهادة إلى الديوان .
أبو بكر صدَّيق ، والمخطوطة لا تحتاج إلى تحقيق ، والرجل غنيٍ عن التوثيق ، فلم يقتل لأنه أخذ حكم الرفيق .
السلام على الشهداء ، فهم عند ربهم سعداء .

المقـامَــــة الـزهـديَّـــــة
(( كـن في الدنيـا كأنك غريب أو عابـر سـبيل ))
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها
أراها وإن كانت تسر فإنها
على أنهم فيها عراة وجوّع
سحابة صيف عن قليل تقشّع

قال سعيد بن أدهم ، ركبت الأدهم ، وذهبت إلى السلطان أطلبه في درهم ، فوضع في رجلي الأدهم ، فمر بي الزاهد علي بن دينار ، وهو أحد الأبرار ، فقال لي مالك يا سعيد ، أراك في الحديد ، فقلت : والله الولي ، ما سرقت يا علي .
قال : فما الشأن ؟
قلت : أتيت السلطان ، أطلب الجود والإحسان ، فوضعني في هذا الهوان .
فقال : أف عليك وتف ، ومن التراب استف . تطلب السلطان ، وتنسى الرحمن ، تسأل البخيل ، وتترك الجليل ، تباً لك ، أفي قلبك شك ، تأتي من أغلق بابه ، وأسدل حجابه ، وحرم أصحابه . وتترك المعبود ، الذي ملأ العالم بالجود ، وأغدق على الخلق العطاء الممدود .
قلت : يا علي غلطت غلطة ، وسقطت سقطة ، وتورطت ورطة ، ووالله لئن فرّج الله عني ، وفك هذا القيد مني ، لا آتي بشرا ، ولو طلب مجيئي بشراء ، ولا أقصد الصعلوك ، بل أقصد ملك الملوك ، فلما أطلقني من الحبس ، وعادت إليّ النفس ، تركت باب الأمير ولزمت بيتي على خبز الشعير . فعاد لي لبي ، وجعل الله غناي في قلبي ، فوالله إني أرى المترفين في حسرة ، وإن ملك كسرى عندي ما يساوي كسرة . فأنا بين المسجد والبيت أرضى بالقوت ، لا مال يفوت ، ولا ولد يموت ، ليس عندي بنـز ، ولا كنـز ، ولا أرز ، ولكن عندي دين وعلم وعز ، فأنا أسعد من كسرى أنو شروان ، إذا حف به الخدم في الإيوان ، وأنعم عيشاً من النعمان ، فأنا أسكن الكوخ ، وآكل العدس المطبوخ ، لا ألبس الجوخ ولا آكل الخبز المنفوخ . ليس عندي دار ، ولا عقار ، ولا حمار ، ولا دينار .
أنام بلا هموم ، وأبيت بلا غموم ، لا أعرف عَدّ المال ، ولا شد الجمال ، ولا مبايعة الرجال ، لا أعرف الريال من القرش ، ولا أميّز بين الكنب والفرش ، معي قميص ، وبطن خميص ، لا أعرف الكبسة ولا الخبيص ، ما يأتيني في النوم كوابيس ، ولا أشعر في النهار بالهواجيس .
فأنا أسعد من رأيت ، وأنعم من لقيت .معي كتاب ، أغناني عن الأصحاب ، وسلاني عن الأحباب . معي ملحفة للمنام ، وجفنة للطعام ، وعصا للقيام . لا أخاف على نفسي العين ، ولا يطلبني أحد بدين ، ولا أسأل مال هذا من أين ؟
فأنا خفيف الظهر ، دائم البشر ، قليل الوزر ، ما بعت ولا شريت ، ولا اكتـريت ولا اقتنيت ، لا أخشى سقوط بيت ، ولا ذهاب مَيْت. نجوت من الضغط والسكر ، لأنني في غير الآخرة لا أتفكر ، في قلبي عيادة السعادة وفي صدري بنك السرور ، ومصرف الحبور ، وعندي علم وإيمان ونور على نور ، أعجب من الفجار والتجار ، وأقول ما هذا الشجار . أتقتتلون على جيفه ؟ ما تساوي قطيفة ، سحقا لعقولكم السخيفة .
أين كنوز قارون ؟ أين ما مضى من القرون ؟ أين ما جمعوا ، وأودعوا ، وشيدوا وأبدعوا ؟ لا قصور ، لا دور ، لا أنهار ، لا أشجار . ذهبت الأبدان والأرواح . وبلي القفل والمفتاح . فصدقني ما عاش عيشتي هارون الرشيد ، ولا الكاتب عبد الحميد ، ولا الرئيس ابن العميد ، نفسي والحمد لله رضية ، وعيشتي هنية ، وقد نجوت من كل بلية ، فأنا لا طالب ، ولا مطلوب ، ولا أخشى من كنـز منهوب ، ولا من مال مسلوب . ولا أقف على الأبواب ، ولا أتمرغ على العتاب ، وما قبلت يد كذاب ، طمعا في طعام وشراب ، وما قلت للكلب يا سيدي ، ويا عضدي ، ويا مؤيّدي :
واعلم بأن عليك العار تلبسه
من عضة الكلب لا من عضة الأسد

وأحيانا أجلس أمام كوخي وسقفي السحاب ، ومخدتي صبرة من التراب ، وجليسي الكتاب . فوالله إنني أطيب عيشاً من الناصر في الزهراء ، وسيف الدولة في حلب الشهباء ، ما استذلني متكبر ، ولا مَنَّ علي متجبر ، ولا نهرني متهوّر :
أنا لا أرغب تقبيل يد
إن جزتني عن صنيعي كنت في
قطعها أحسن من تلك القبل
رقها أو لا فيكفيني الخجل

ثم إن هناك مصلحة لي في هذا الزهد ، وهو السلامة من الجهد ، يوم تنصب الموازين وتكشف البراهين ، فلن أقف طويلاً للقضاء ، كما يقف الأغنياء ، وكفاك بهذا حسنة ، لحديث (( يدخل فقراء أمتي الجنة ، قبل الأغنياء بخمسمائة سنة )) ، فياله من مكسب رابح ، ومن ميزان راجح ، وما عندي مال في البنوك الربويّة ، ولا مساهمات عقارية ، ولا شركات استثمارية ، بل عندي أغلى ، وأعلى ، لأن البر لا يبلى . فإذا كنـز الناس الدرهم والدينار ، كنـزت الأذكار ، وعمل الأبرار ، وأنا أخذت بُغْض الدرهم ، من إبراهيم بن أدهم ، والزهد في الدينار ، من مالك بن دينار ، والورع عن العطاء ، من ابن أبي رباح بن عطاء ، وأخذت قلة الرغبة من الدنيا ، من ابن أبي الدنيا ، وقد رأيت القبور ، فإذا المعظم بجانب المحتقر ، قد اجتمع بها المخبر ، والخبر ، وتغيرت بها تلك الصور ، فالـمَلِك في جوار المملوك ، والغَنِيُّ في حفرة الصعلوك ، والقَوِيُّ مع الضعيف ، والوضيع مع الشريف فبعد هذا المشهد ، أقسمت أن أزهد ، فلزمت المصحف والمسجد ، أتعبد وأتهجد ، وعلى المقابر أتردد ، فعوضني ربي بالهم سرورا ، وبالحزن حبورا ، وبظلمة الدنيا نورا ، وقد هيأت حنوطي وأكفاني ، وكفاني القليل كفاني .
وهذا والله عين العقل ، وموافقة النقل ، ونهج الصالحين من بعد ومن قبل ، فمال للقوم كأنهم في نوم ، صرعتهم الشهوات ، وزلزلتهم الشبهات ، أحبوا التراب والخراب ، والثياب والشراب ، وزهدوا في الكتاب والثواب ، ونسوا الحساب والعقاب ، أنساهم القرش النعش ، في التهام وهرش ، ما تهزهم الرقائق ، ولا تردعهم الحقائق ، كلامهم في الأسعار والعمار والعقار ، وحديثهم عن الدرهم والدينار ، ما يذكرون الجنة ولا النار .
الجلوس معهم يميت القلب ، ويضاعف الذنب ، لكن الأعمى لا يرى الصباح ، والميت لا يحس بالجراح . ولكن الصخر لا يسمع الكلام ، وما لجرح بميت إيلام .

يُخاطِبُني السَفيهُ بِكُلِّ قُبحٍ فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا

قياسي

يُخاطِبُني السَفيهُ بِكُلِّ قُبحٍ       فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا

يَزيدُ سَفاهَةً فَأَزيدُ حِلماً       كَعودٍ زادَهُ الإِحراقُ طيبا

…………………. الشافعي …………….

والله لا زعل كل ها الناس وأرضيك …

قياسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

 

والله لا زعل كل ها الناس

وأرضيك”

وأمشي معك ولو حالو الناس دونك

” يا من ملكت القلب” بالروح  نفديك

أنا معك لا تفكر إني بخونك

” بعت ~البشر ~

وفي زحمة الناس شاريك

” وكرهت ناس بالزمن  يكرهونك”

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ

*** أميرة الجنوب ***