الجـيـْـش Army

الجـيـْـش  Army

أحد فروع القوات المسلحة للدولة، وهو مدرَّب خصيصًا للقتال على الأرض. ويتكون الجيش من القوات البرية، ومن أسلحتها ومعداتها وقواعدها العسكرية. وفي بعض الدول، تسمى وحدات الجيش الكبيرة جيوشًا، إذ إنها تتكون من مشاة ودبابات مدرعة ومدفعية، بالإضافة إلى قوات مساندة تضطلع بوظائف النقل، والعناية الطبية، ومسؤوليات أخرى.

يوجد في الغالب لدى كل دولة في العالم جيش. غير أن الجيوش تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا في البنية والقوة القتالية التي تعتمد بدورها على تقنية الدولة. تملك جميع الدول الصناعية تقريبًا جيوشًا تضمّ قوات مشاة جيدة التجهيز وأحدث أنواع الدبابات والمدفعية. وهذه الجيوش تملك مئات الطائرات المروحية وحاملات الأفراد، والقذائف الموجهة قصيرة المدى. وتجمع هذه الجيوش بين خفة الحركة العالية والقوة النارية الضاربة. ومن الناحية الأخرى تعتمد الدول الصناعية على قوات مشاة ذات تدريب خاص وعلى حرب العصابات والأساليب المشابهة من قبيل اضرب واهرب. وتملك معظم هذه الدول قاعدة صناعية محدودة لصناعة الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى، لذلك تضطر إلى استيراد الأسلحة.

تختلف الدول أيضًا في الطريقة التي تبني بها جيوشها وتصونها. فبعض الدول تلجأ إلى التجنيد الإجباري الذي يتم فيه اختيار أشخاص معينين للعمل العسكري، وبعضها الآخر يعتمد على طريقة الخدمة العسكرية الدولية التي تجند كل المؤهلين من الرجال والنساء في معدل عمري معين. وهناك دول أخرى تبني جيوشها كليًا من المتطوعين.

تقسم معظم الدول جيشها إلى جيش نظامي واحتياطي الجيش. ويتكون الجيش النظامي من جنود محترفين، يتلقون تدريبهم باستمرار ويكونون دائمًا في الخدمة الفعـلية وعلى أهْبة الاستعداد للقتال. أما احتياطي الجيش، المسمى الحرس الوطني أو الميليشيا في بعض الدول، فيتكون من مدنيين يتلقون تدريبهم بصفة دورية. وعادة ما ينصرف أفراد احتياطي الجيش عن الخدمة إلا أثناء التدريب، ويتم استدعاؤهم إلى الخدمة في الحالات الطارئة.

ومنذ آلاف السنين لا تكاد الحرب، تخرج برمتها عن معارك بين الجيوش. وقد دار الكثير من المعارك البرية الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ. وظل الحال على ما هو عليه إلى أن جاء وقت استطاعت فيه البحرية ـ وفيما بعد الطائرات والصواريخ الموجهة ـ إنهاء هيمنة الجيوش. وبذلك لم يعد باستطاعة الجيش القتال بفعالية، إذا ما سيطر العدو على البحر والجو. كما كان من شأن تطوير الأسلحة النووية في أواسط القرن العشرين الميلادي إحداث مزيد من التغيير على دور الجيوش، وفي يومنا هذا تتكون القوة الضاربة الرئيسية لمعظم الدول القوية من طائرات قاذفة بعيدة المدى، وصواريخ موجهة. وتملك هذه الطائرات والصواريخ القدرة على حمل الأسلحة النووية. ومهما يكن من أمر، فإن الجيوش ستظل تؤدي دورًا فعالاً في كل من الحرب والسِّلم.

مهام الجيوش

في الحرب، تستخدم الدولة جيشها لغزو أرض العدو وللدفاع عن نفسها ضد الهجوم. أما في السلم فيساعد الجيش في منع وقوع الحرب، كما يمد يد العون للسكان المدنيين في الحالات الطارئة.

الغزو. ربما تحاول الدولة استرداد أرض من قبضة العدو، وفي هذه الحالة تقوم دبابات الطرف المهاجم وعرباته المدرعة الأخرى بغزو أرض العدو، تسندها في ذلك الطائرات والمدفعية، بينما تعمل الطائرات الأخرى على إسقاط القوات المحمولة جوًّا خلف العدو، وتأتي الطائرات المروحية بالكوماندوز للاستيلاء على مواقع رئيسية معينة. وفيما بعد تندفع قوات المشاة الآلية لإحكام قبضتها على الأرض المستردة.

الدفاع. يدرَّب الجيش على كل من العمليات الاعتراضية والدفاعية على السواء. غير أنه قد تناط ببعض الوحدات مهمة القتال فقط في حالة التعرض لهجوم معاد. وفي حالات من هذا القبيل، تمثل التحصينات على امتداد الحدود الخط الرئيسي للدفاع، وتتولى مهمة الدفاع عن تلك التحصينات بصفة رئيسية المشاة والمدفعية. وعادة ما يتم الاحتفاظ بوحدات متنقلة كاحتياط للقيام بهجوم مضاد.

منع وقوع الحرب. تحتفظ الدولة القوية في بعض الأحيان بقوات في مناطق الاضطرابات السياسية، أو في المناطق المهددة بهجوم محتمل، مما يمثل عرضًا للقوة يساعد في الحيلولة دون وقوع الحرب. ففي عام 1965م على سبيل المثال، أرسلت الولايات المتحدة قوات إلى جمهورية الدومينيكان، لحفظ النظام بعد أن حاول المتمردون الاستيلاء على السلطة في تلك الدولة.

وقد أدى تطوير الأسلحة النووية التكتيكية في الستينيات من القرن العشرين الميلادي إلى قيام الجيوش بوظيفة أخرى مهمة، هي حفظ السلام. وتشير كلمة تكتيكية إلى أسلحة نووية معينة تستخدم في المعارك فقط، بدلاً من المناطق البعيدة خلف خطوط العدو. وقد تشن الدولة المتعرضة للهجوم هجومًا مضادًّا بالأسلحة النووية التكتيكية، فيؤدي هجومها المضاد إلى توسيع نطاق استخدام تلك الأسلحة، بل حتى إلى حرب نووية شاملة. ولذلك فإن الخوف من وقوع كارثة مدمرة، قد يردع الدول عن غزو بعضها بعضًا.

مساعدة المدنيين. قد يوفر الجيش عونًا للمدنيين في مختلف الحالات الطارئة. فعلى سبيل المثال، قد يُرْسَل أطباء الجيش والاختصاصيون الآخرون في الجيش للعناية بضحايا كوارث معينة، مثل الزلازل والفيضانات. كما تساعد وحدات الجيش أيضًا الشرطة المحلية في السيطرة على القلاقل والاضطرابات الأخرى.

القمع. قد يُستخدم الجيش في إخماد العصيان المدني أو إطفاء جذوة المظاهرات الشعبية.

الجيوش الكبرى في العالم


الجيوش العربية


الأردن

104,050 فرد

600 دبابة

الإمارات

64,500 فرد

150 دبابة

البحرين

11,000 فرد

30 مدرعة

تونــس

35,000 فرد

100 دبابة

الجزائر

123,700 فرد

700 دبابة

جزر القمر

800 فرد

— –

جيبوتي

9,600 فرد

— –

السعودية

105,500 فرد

800 دبابة

السودان

89,000 فرد

300 دبابة

سوريـا

320,000 فرد

4000 دبابة

الصومال

60,000 فرد

150 دبابة

العراق

387,500 فرد

3000 دبابة

عُمـان

43,500 فرد

100 دبابة

قطــــر

11,800 فرد

25 دبابة

الكويت

15,300 فرد

300 دبابة

لبنـان

55,100 فرد

100 دبابة

ليبــيا

65,000 فرد

3000 دبابة

مصـر

450,000 فرد

2200 دبابة

المغرب

196,000 فرد

350 دبابة

موريتانيا

15,650 فرد

75 دبابة

اليمن

66,300 فرد

600 دبابة

يُعَدُّ الجيش واحدًا من جيوش العالم الكبرى بناء على مجمل قدرته القتالية. وبصفة عامة تعتمد القدرة القتالية على عدد الجنود الموجودين في الخدمة الفعلية. غير أن حجم الجيش لا يعكس بالضرورة قدرته الفعلية؛ على سبيل المثال، يمكن أن يكون لجيش صغير ذي أسلحة نووية تكتيكية قوة ضاربة أكبر من تلك التي يملكها جيش كبير ذو أسلحة عفى عليها الزمن. وفيما يلي وصف لبعض أقوى جيوش العالم.

الجيش الصيني. يتكون من مليون ونصف المليون جندي في الخدمة الفعلية. وللجيش الصيني مليون مجند في احتياطيه وجماعاته المسلحة (الميلشيات) للطوارئ. وتستخدم الصين نظام التجنيد الإجباري. وتتواجد معظم وحدات الجيش الصيني في مواقع دفاعية على امتداد حدود الصين مع روسيا في شمال شرقي البلاد.

الجيش الهندي. يتكون من 1,100,000 جندي، ونحو 300,000 مجند في الاحتياطي وحوالي 33,000 مجند في الوحدات العسكرية الإقليمية. ولا يعمل في الجيش الهندي سوى بضع مئات من المجندات معظمهن طبيبات وممرضات. وكل مجندي الجيش الهندي من المتطوعين.

جيش كوريا الشمالية. به نحو 950,000 مجند، بالإضافة إلى حوالي 600,000 مجند في الاحتياطي. يؤدي الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و25 سنة الخدمة العسكرية لفترة 5 – 8 سنوات. ويلتحق المجند، فور أدائه لهذه الخدمة، بالمليشيات المحلية بصفة متعاون إلى أن يبلغ الأربعين من عمره، ثم ينخرط في الحرس الأحمر إلى عمر الستين. وللنساء الالتحاق بالجيش الكوري على أسس طوعية.

الجيش الروسي. يطلق عليه اسم قوات الاتحاد الروسي البرية، ويضم نحو 320,000 مقاتل يتواجد معظمهم على حدود البلاد مع الصين. بدأت روسيا في تنظيم جيشها عام 1992م، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991م. وتحتفظ روسيا بوحدات من قواتها في جورجيا ومولدوفا وطاجكستان. يعمل المجندون الروس على أسس طوعية وإلزامية. وبعد أداء 18 شهرًا في الجيش يلتحق المجند بالجيش الاحتياطي إلى سن الخمسين.

الجيش الأمريكي. به حوالي 480,000 جندي في الخدمة الفعلية، وحوالي 560,000 مجند في الاحتياطي والحرس الوطني. وينتشر الجيش الأمريكي في قواعده في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية وأجزاء من أمريكا اللاتينية. وكل أعضاء الجيش الأمريكي من المتطوعين.

الجيش الفرنسي. به حوالي 150,000 جندي في الخدمة الفعلية، وحوالي 240,000 في الاحتياطي ويتمركز الجيش الفرنسي في أوروبا الغربية وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى والمناطق التابعة لفرنسا في ما وراء البحار. ويضم الجيش الفرنسي متطوعين ومجندين إجباريًّا.

الجيش البريطاني. به حوالي 115,000 جندي في الخدمة الفعلية، و 175,000 في الاحتياطي، وحوالي 60,000 في الجيش الإقليمي. وينتشر الجيش البريطاني في ألمانيا وأيرلندا الشمالية ومناطق أخرى من العالم. ويتألف كل جنود الجيش البريطاني من المتطوعين.

جيوش كبرى أخرى. تشمل جيوش مصر وإيران والعراق وباكستان وكوريا الجنوبية وتركيا وإسرائيل وفيتنام. ويملك كل من هذه الجيوش أكثر من 300,000 جندي في الخدمة الفعلية. وتشتري هذه الجيوش أسلحتها ومعداتها من الدول الكبرى في العالم، علمًا بأنها تفتقر جميعًا، عدا باكستان، إلى الأسلحة النووية التكتيكية. وبعض هذه الدول تقوم بتصنيع المعدات والمدرعات والأسلحة مثل مصر وإسرائيل. ويتألف جيش جنوب إفريقيا من 75,000 جندي، 55,000 منهم مجندون إجباريًّا. أما الجيش الأسترالي فصغير الحجم، به حوالي 32,000 رجل، مع 27,000 جندي احتياطي. والجيش النيوزيلندي هو الآخر صغير الحجم ويتكون من 6,000 جندي كلهم من المتطوعين.

الجيوش العربية. انظر: الجدول المدرج في هذه المقالة.

نبذة تاريخية


معارك برية شهيرة


490 ق.م – الماراثون.

استطاع مليتياديز الأثيني إلحاق الهزيمة بالفرس تحت قيادة داتيس وأرتفيرنيس لينقذ بذلك اليونان من الحكم الفارسي.

414-413 ق.م – سيراقوسة.

حاصر الأثينيون تحت قيادة نشياس مدينة سيراقوسة، حليفة إسبرطة، في الحرب البيلوبونيزية، فصد الأثينيون من قبل قوات يقودها هيرموقراط وجيليباس، وقد أدت تلك الهزيمة إلى سقوط أثينا كقوة عظمى.

331 ق.م – أربيل.

هزم الإسكندر الكبير ملك مقدونيا داريوس الثالث ملك الفرس بالقرب من قواقاميلا، شمال غرب أربيل، ومن ثم بسط الإسكندر الكبير حكمه على إمبراطورية الفرس.

207 ق.م – ميتاروس.

نجحت الجيوش الرومانية تحت قيادة ماركوس ليفياس سالينيتور وكلودياس نيرو في سحق قوات قرطاج تحت قيادة هاسدروبال في إيطاليا. وقد شكلت تلك المعركة نقطة تحول في الحروب البونية بين قرطاج وروما.

202 ق.م – زاما.

هزمت القوات الرومانية بقيادة ببليوس كورنيلياس سيبيو جيوش قرطاج بقيادة هانيبال، فقاد ذلك الانتصار إلى هيمنة الرومان على البحر الأبيض المتوسط.

9م – غابة تويتوبورغ.

جرد أرمينياس جيشًا من الألمان لتدمير قوة ألمانية تحت قيادة ببلياس فاروس مبددًا بذلك خططًا رومانية لفتح ألمانيا.

378م – أدريانوبل.

تمكنت جيوش القوطيين تحت قيادة فريتيجيرن من سحق فيالق الإمبراطور فالينس الرومانية في أدريانوبل (وتسمى اليوم أدرنة في تركيا) وقد أوهنت تلك المعركة الإمبراطورية الرومانية المتداعية سلفًا.

451م – تشالونز

في شمال شرق فرنسا، تمكنت الفيالق الرومانية بقيادة إيتيس والفرسان القوطية بقيادة ثيودور الأول من إنقاذ أوروبا من حملة جردها آتيلا وجيوشه الهونية.

624م، 2هـ ـ معركة بدر الكبرى.

أول انتصار للمسلمين وللإسلام خاضتها قلة مؤمنة ضد كثرة مشركة.

636م، 15هـ – القادسية

بلدة بالعراق دارت بقربها معركة فاصلة انتصر فيها المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص على الفرس، وفي نفس العام انتصروا في اليرموك على البيزنطيين. انظر: القادسية، معركة؛ اليرموك، معركة.

732م – بواتييه.

أوقف شارل مارتل ونصارى الفرنج محاربي عبد الرحمن الفافقي في الوسط الغربي من فرنسا،مانعين بذلك جيوش الفتح الإسلامي من اكتساح أوروبا وتسمى هذه المعركة أيضًا معركة تُوَر ومعركة بلاط الشهداء.

1066م – هيستنجز.

قام النورمنديون بقيادة دوق نورمنديا بغزو إنجلترا وألحقوا الهزيمة بالسكسونيين بقيادة ملكهم هارولد الثاني.

1071م، 464هـ – ملاذكرد.

هزم السلاجقة الأتراك بقيادة ألب أرسلان جيش الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع وقد كان هذا الانتصار بداية لنهاية الهيمنة البيزنطية على آسيا الصغرى (تركيا اليوم) كما قاد للحملات الصليبية.

1086، 479 ـ الزلاقة.

بين ملوك الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين والفونسو ملك فشتالة وانتصر فيها المسلمون.

1187م، 583هـ – حطين

قرية بفلسطين هزم عندها القائد صلاح الدين الأيوبي الصليبيين واستعاد المسلمون بعدها بيت المقدس.

1260م، 659هـ – عين جالوت

بفلسطين- هزم فيها السلطان قطز والقائد بيبرس جيوش التتار (المغول) وأوقفا بذلك تقدمهم الهمجي لاجتياح العالم الإسلامي.

1346م – كريسي.

هزم رماة القوس الطويل الإنجليز بقيادة إدوارد الثالث جيشًا فرنسيًّا بقيادة فيليب الرابع، وأحالوا بذلك بريطانيا إلى قوة عسكرية كبرى. انظر: كريسي، معركة.

1429م – أورلييان.

أجبرت جان دارك بجيشها الفرنسي، الجيش الإنجليزي بقيادة إيرل السافوكي على فك حصار أورلييان بفرنسا.

1453م، 857هـ – القسطنطينية.

فتح محمد الثاني (الفاتح) القسطنطينية (المعروفة اليوم بإسطنبول) موطدًا بذلك أقدام الأتراك العثمانيين في أوروبا.

1704م – بلينهايم.

هزمت قوة متحالفة بقيادة دوق مارلبورو والأمير يوجين القوات البافارية والفرنسية تحت قيادة كونت تالارد.

1709م – بولتافا.

اكتسح بطرس الكبير ملك روسيا جيشًا بقيادة تشارلز السابع ملك السويد في بولتافا بأوكرانيا، وقد بسطت روسيا بهذا النصر هيمنتها على شرقي أوروبا.

1757م – بلاسي.

فتح روبرت كلايف وقواته الطريق لبسط الهيمنة البريطانية على الهند بهزيمة سراج الدولة وإحكام السيطرة على أرض البنغال.

1759م – كويبك.

هزمت قوات جيمس ولف النظامية البريطانية ماركواس دي مونتكالم قائد جنود الاستعمار الفرنسيين. وقد آلت كندا إثر هذه المعركة إلى بريطانيا. انظر: كويبك، معركة.

1777م – ساراتوجا.

استسلم الجيش البريطاني بقيادة جون بيرجوين للقوات الأمريكية بقيادة هوارشيو جيتس، ثم قرر الفرنسيون مد يد المساعدة إلى المُستَعْمَرين في الحصول على الاستقلال.

1781م – يوركتاون.

أجبرت الجيوش الأمريكية والفرنسية بقيادة جورج واشنطن، تشارلز كورنواليس وقواته البريطانية على الاستسلام. وقد أدى ذلك الاستسلام إلى وضع النهاية للثورة الأمريكية.

1792م – فالمي.

انسحب الجيش البروسي بقيادة دوق برانسويك من الجيش الفرنسي بقيادة تشارلز دومورييز، مما أدى إلى تقاعس البروسيين عن التقدم نحو باريس لإخماد الثورة الفرنسية.

1805م – أوسترليتز.

سحق نابليون الأول ملك فرنسا وجيشه قوة مؤلفة من النمساويين والروس بقيادة ميخائيل كتيوزوف. انظر: أوسترليتز، معركة.

1815م – واترلو.

تمكنت قوة متحالفة بقيادة دوق ولنجتون وقوة بروسية بقيادة جيبهارد فون بلوخر من إلحاق الهزيمة بنابليون الأول، فوضعت بذلك النهاية لحكمه. انظر: واترلو، معركة.

1863م – جتسبيرج وفكسبيرج.

أثناء الحرب الأهلية الأمريكية ألحقت قوات الاتحاد بقيادة جورج ميد الهزيمة بالقوات الكونفدرالية بقيادة روبرت لي في معركة جتسبيرج. وفي اليوم التالي استسلم الجيش الكونفدرالي بقيادة جون بمبرتون لقوات الاتحاد بقيادة يوليسيس جرانت في فكسبيرج. وقد أدت تلك الهزائم إلى تطويق الولايات الكونفدرالية. انظر: الحرب الأهلية الأمريكية.

1914م – تانينبيرج ومارن.

ألحق جيش ألماني بقيادة بول فون هيدينبيرج الهزيمة بجيشين روسيين غازيين بقيادة بافيل رانينكامف وألكسندر سامسونوف في معركة تانينبيرج. وفي معركة مارن أجبرت قوات جوزيف جوفر الفرنسي وجون فرينش البريطاني جيشين من القوات الغازية بقيادة ألكسندر فون كلاك وكارل فون بيولاو على التراجع عن طرق اقترابها نحو باريس.

1944م – نورمنديا.

غزت قوات الحلفاء التابعة لدوايت أيزنهاور نورمنديا التي كانت تحت حماية جنود المحور بقيادة جيرد فون رانديستيت.

1973م،1393هـ – أكتوبر المصرية السورية.

انطلقت القوات المصرية والسورية في أكتوبر 1973 لاستعادة أراضيهما التي احتلتها إسرائيل عام 1967م وتمكنت القوات المصرية من عبور أقوى مانع مائي وهو قناة السويس في عدة ساعات وتحطيم خط بارليف الإسرائيلي واختراقه.

الجيوش القديمة. نشأت تلك الجيوش مع نمو الحضارات في أودية نهري دجلة والفرات في آسيا وفي وادي النيل بإفريقيا. ففي عام 3200 ق.م كوّن البابليون جيشًا من حملة الرماح ورماة القوس والسهم. وفي حوالي عام 2500 ق.م، استخدم السومريون الذين استوطنوا الأراضي الواقعة جنوب بابل أول مركبة حربية ذات عجلات. في البداية كانت تلك المركبة تجرُّها حُمُر وحشية صغيرة الحجم، ثم استبدلت الخيول بها فيما بعد، عندما استخدمها أحمس الأول قائد الجيش المصري الذي طرد الهكسوس، وهو مؤسس الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة وحكم من (1560 إلى 1542ق.م). ثم تطورت هذه العربات في عهد رمسيس الثاني الذي حكم من (1301 إلى 1235ق.م) أثناء حربه ضد الحيثيين. وبحلول القرن الثامن قبل الميلاد، نظم الأشوريون جيوشًا مسلحة بالحراب والكباش (آلة حربية لدك أسوار المدن المحاصرة).

في القرن السابع قبل الميلاد، أدخل قدماء الإغريق الكردوسة التي قد تكون أول تشكيل تكتيكي مهم في التاريخ. وفي هذا التشكيل كان حملة الرماح الذين يرتدون الدروع الواقية يقفون في أربعة صفوف، طول الصف 50 رجلاً، مكونين بذلك مستطيلاً مترابطًا. وعلى الرغم من إمكان استخدامها في الهجوم، إلا أن الكردوسة ابتكرت في الأساس كتشكيل دفاعي.

كان أقوى الفاتحين في تلك الفترة قورش الكبير، ملك فارس. وفي القرن الرابع قبل الميلاد قام الإسكندر الأكبر، ملك مقدونيا وثاني الفاتحين في العالم، بابتكار أول نظام تموين عسكري عرفه العالم.

وقد قام الرومان بتطوير ثاني أعظم تشكيل تكتيكي. ففي بدايات القرن الرابع قبل الميلاد، ابتكر الرومان الفيلق. انظر: الفيلق الروماني. وقد كان هذا التشكيل المستطيل الشكل أكثر مرونة من الكردوسة، إذ كان يتكون من ثلاثة خطوط من الكراديس الصغيرة المسماة قطعًا أو فيما بعد كتائب. وقد غزا الرومان قرطاج عام 146ق.م وشيدوا إمبراطورية كبرى. وكان الرومان أيضًا مهندسين عسكريين بارعين، حيث قامت جيوش يوليوس قيصر بتعبيد الطرق وبناء الجسور والحصون في أماكن مختلفة من أوروبا.

وفي الصين نشأت حضارة أخرى بمعزل عن إمبراطوريات أوروبا وغرب آسيا. فقد اخترع الصينيون البارود عام 900م، أي قبل مئات السنين من اكتشافه في أوروبا. غير أن البارود لم يصبح للصينيين سلاحًا حربيًا ذا شأن، لأنهم لم يستخدموه في المدفعية، وإن كان محتملاً أنهم استخدموه في الأسهم النارية.

الجيوش في العصور الوسطى. بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية في حوالي عام 476م، لم تكن لأوروبا جيوش نظامية كبيرة لعدة مئات من السنين. فقد كان المحاربون هم أولئك الذين اكتسحوا الإمبراطورية من رجال القبائل الأحرار الأقوياء البنية. وفي هذه الفترة بدأ تقليد الميليشيا في الظهور.

وبدءًا من القرن الأول الهجري، السابع الميلادي، انطلقت الجيوش الإسلامية لتفتح البلدان شرقًا وغربًا مطورة أساليب الهجوم بالمشاة والجنود والخيَّالة (الفرسان)، ثم أصبحت أغلب القوات من الخيّالة، ويستخدم المحاربون السيوف والرماح والسهام. وابتكر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إبان فترة حكمه فكرة القوات الاحتياطية الراكبة، التي يدفع بها في المواقف الصعبة لحسم المعارك. وفي العصر الأموي استخدم العرب المنجنيق، وهي ذراع طويلة تلقي بلفافات اللهب على المناطق الحصينة، كما كانت لهم أساليب حربية متميزة تقوم على عناصر الخداع والمباغتة والدوران حول الخصم والاستدراج.

كما عرف العرب مبكرًا تقسيم الجيوش النظامية إلى مقدمة وميمنة وقلب وميسرة وظهر، ونفذوا عمليات التموين والإسعاف. وفي الوقت ذاته يؤدون الصلاة أثناء الحرب، فتقوم جماعة بالصلاة وجماعة تحرسهم حتى ينتهوا ويصلوا هم، وقد نص على ذلك القرآن الكريم وهي التي تسمى صلاة الخوف. انظر: الصلاة (صلاة الخوف). وكانت للخلفاء وصايا حكيمة لقواد الجيوش، تعلمهم أساليب الحرب الشريفة وترشدهم إلى طرق معاملة الجنود والأسرى وسكان البلاد المفتوحة.

وفي القرون الوسطى، في الغرب نشأ المجتمع على قاعدة من العلاقات العسكرية، حيث نظم ملاك الأراضي جيوشهم الشخصية الخاصة من عمالهم. وكان هؤلاء العمال غير المتفرغين يقاتلون في وقت الحرب لفترات محدودة، في مهام محدودة، في الدفاع الداخلي. غير أن الحكام وجدوا أنه من الصعوبة بمكان تنظيم الجيوش الإقطاعية على نحو فعال، فبدأوا يستأجرون المرتزقة من خلال بذل الوعود لهم بالغنائم أو الأجور. وكان هؤلاء الجنود المرتزقة يستخدمون القوس والنشاب والأسلحة الأخرى التي تدربوا عليها في ديارهم. وكانوا أحيانًا يهجرون مستخدميهم في ذروة المعركة، إذا ما عرض عليهم العدو أجرًا أفضل.

وفي أواخر العصور الوسطى كان الرماحون السويسريون، ورماة القوس والنشاب الجنويون هم أشهر المرتزقة. وفي تشكيل الكردوسة كان الرماحون يصدون هجمات الفرسان، بينما يقوم رماة الرمح والنشاب بإطلاق السهام على خطوط العدو. وفي القرن الرابع عشر الميلادي، جرى تشكيل المرتزقة في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا في أول سرايا عسكرية. وفيما بعد أصبحت السرية الوحدة الأساسية في العديد من الجيوش.

وفي القرن الرابع عشر الميلادي أصبح الأتراك العثمانيون أول شعب بعد الرومان ينشئ جيشًا من قوات محترفة ومتفرغة للعمل العسكري. وكانت القوات العثمانية المسماة الانكشارية تعمل في وقت السلم والحرب على السواء. وفي عام 1445م، استأجر الملك شارل السابع ملك فرنسا سرايا من المرتزقة للعمل بصفة دائمة. وأنشأ فيما بعد أول جيش نظامي تعرفه أوروبا منذ العهد الروماني.

إن الكثير من التنظيمات العسكرية الحديثة يرجع أصلها إلى المشاة والفرسان الألمانية في القرن الخامس عشر الميلادي. وقد بنى الألمان تنظيمهم على غرار الجيوش الإنجليزية المرتزقة المعروفة باسم السرايا الحرة والمرتزقة السويسرية. كما نظم الألمان أيضًا أول وحدات تموين لقواتهم القتالية. لقد كانت الجيوش البدائية تقتات من الأرض التي تقاتل فيها، ولم تكن تملك أية تنظيمات تموين منفصلة. وفي القرن السادس عشر الميلادي أنشأت الفرسان الألمانية مكتبًا للإمدادات والتموين لتأمين السكن والطعام.

ولقد عجل اختراع البارود بتطوير تنظيم الجيوش وتكتيكها. وقد بدأ استخدامه في المدافع في أوروبا أثناء القرن الرابع عشر الميلادي، حيث استخدم الجنود الإنجليز أول مدافع في معركة كريسي عام 1346م، وهي مدافع كانت ترمي بالحجارة، مما جعلها غير فعالة في الرماية وبطيئة الحركة. ومع اتساع نطاق استخدام البارود طورت الجيوش مدافع، لها من الفعالية ما يهد جدران الحصون السميكة.

ظهور الجيوش الحديثة. في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، كان المشاة المسلحون بحراب (السنكي) الحُق والمسكيت (بندقية قديمة) يدافعون عن أنفسهم ضد هجمات الفرسان، دون الاعتماد على الرمَّاحين. وكان الجنود يقفون في ثلاثة صفوف، حسب الصنف، في تشكيل يسمى الخط. وكان جنود المشاة يطلقون في آن واحد نيران بنادقهم ذات الجوف الأملس على مدى قصير.

وفي بدايات القرن السابع عشر، كان التزام كل الرجال بالعمل في الجيش أثناء الحرب، قد تلاشى في كل مكان تقريبًا. غير أن السويد احتفظت بهذا التقليد طوال العصور الوسطى، حيث استخدم الملك جستافس أدولفس التجنيد الإجباري لتجنيد قوات لحرب الثلاثين عامًا (1618 – 1648م). وقد منح جيشه قدرًا أعلى من خفة الحركة، إذ جهزه بأسلحة أخف وزنًا وأكثر فعالية في الرمي. ويشار إلى قواته بين حين وآخر باعتبار أنها أول جيش حديث. 

وفي القرن الثامن عشر الميلادي، استمرت معظم الدول في بناء جيوشها بالتجنيد التطوعي، لاسيما في أوساط الفقراء والمتعطلين عن العمل، فأصبحت الجيوش جماعات محترفة، قوامها جنود مشاة جيدو التدريب تسندهم المدفعية والفرسان. وقد اتبعت معظم الدول نظمًا معينة في الحرب، فلم تجرد الحملات إلا عندما يكون الطقس لطيفًا. وكان الجنود يأوون إلى سكنهم في الشتاء ولا يخرجون للقتال إلا في الربيع. وكانوا يحاولون الحصول على موقع مناسب قبل مهاجمة عدوهم، كما كان القادة الذين يفاجأون في مواقع غير مواتية كثيرًا ما يختارون الانسحاب بدلاً من القتال حتى النهاية.

وفي أوائل القرن الثامن عشر الميلادي (الثاني عشر الهجري) أنشأ محمد علي في مصر جيشًا زوده بالأعداد الغفيرة من المصريين والشركس وأمده بالأسلحة وجهزه بالأسطول ووفر له كل وسائل القوة، وبلغ بعد عدة سنوات درجة استطاع معها أن يحارب أكبر الدول، حتى انزعجت إنجلترا وروسيا من كثرة فتوحاته، فعقدوا معاهدة لندن سنة 1841م لوقف هذا التقدم وتحجيم حركته العسكرية.

وفي أواسط القرن الثامن عشر أدخل فريدريك الكبير البروسي مزيدًا من خفة الحركة على فن الحرب. فكان عندما يفوقه أعداؤه عددًا، ينقض عليهم بسرعة وعلى نحو غير متوقع. وقد وجد فريدريك نفسه مضطرًّا لخوض حروب على عدة جبهات في آن واحد، مما حمله على التحرك بسرعة لمهاجمة جيش واحد، قبل أن يتمكن هذا الجيش من الاتحاد مع جيوش أخرى لمهاجمته.

وقد تبنت الحكومة الفرنسية نوعًا من التجنيد الإجباري عام 1792م.   فقد جند نابليون بونابرت جيوشًا جرارة بصورة إلزامية لغزواته. وقد قسم نابليون جيوشه إلى فرق تتحرك كل منها بمعزل عن الأخرى، لكنها تتحد جميعًا للقتال. وكثيرًا ما كان نابليون يحشد كل مدافعه الثقيلة في بطارية ضخمة، ليصب حممًا من النيران على نقطة واحدة من خطوط العدو، ثم يدفع إلى الأمام بتشكيلاته الثقيلة من الفرسان والمشاة الموجودة عند تلك النقطة. وقد اضطر أعداء نابليون إلى أن يتبنوا أنظمة التجنيد الإجباري لتطوير جيوش وطنية لإلحاق الهزيمة به.

وكان من شأن نمو حجم الجيوش، أن جعل التنظيم ضروريًّا للسيطرة على القوات عن بعد. ولم يكن من السهل توجيه ذلك العدد من الوحدات العسكرية في الميدان بصورة شخصية إلا لعبقرية عسكرية كنابليون. ومن عام 1840م فصاعدًا، أخذت السكك الحديدية في الانتشار في مختلف أرجاء أوروبا، وأيقن البروسيون أنهم يستطيعون نقل الجيوش بسرعة أكبر بالسكك الحديدية، مما جعل من الممكن إجراء تخطيط أكثر دقة في المدى البعيد. وقد تمكن جيرهارد فون شارنهورست في الجيش البروسي من تطوير أركان عامة حديثة اضطلعت بواجبات التخطيط للعمليات العسكرية في المستقبل.

وفي القرن التاسع عشر، أدت الثورة الفرنسية إلى إنتاج الأسلحة والذخائر على نطاق واسع، ثم جاءت فيما بعد باختراع الطائرة والعربات المزودة بالمحركات. وقد استطاع القادة توجيه جيوشهم في مناطق متباعدة من جبهات المعركة بأجهزة اللاسلكي ووسائل الاتصالات الأخرى.

الجيوش في الحربين العالميتين. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، أصبح المدفع الرشاش السلاح المهيمن على ميدان المعركة. وقد جعل استخدام المدافع الرشاشة من حرية الحركة أمرًا مستحيلاً على الجبهة الغربية، مما اضطر كلا الطرفين إلى حرب الخنادق. فعندما تجد قوات المشاة التقدم نحو العدو مستحيلاً، كانت تتخندق للتمسك بمواقعها. وكانت السكك الحديدية تنقل ملايين الجنود إلى جبهات القتال، كما تحمل الشاحنات المؤن من نقاط التفريغ على السكك الحديدية إلى الخطوط الأمامية.  حاول القادة الميدانيون وضع نهاية لحرب الخنادق، وتحقيق خفة الحركة التكتيكية. فكانوا يرجمون ويقصفون خطوط العدو، ويتبعون ذلك بهجمات مكثفة بالحراب. غير أن هذه الهجمات التي استمرت لثلاث سنوات باءت بالفشل في النهاية، إذ بقيت خنادق الجبهة الغربية صامدة تمامًا. ولم يمض وقت طويل حتى عثر قادة الجيش على حل، وإن كانوا قد استخدموه على نحو خاطئ وفي وقت متأخر، فلقد طور الإنجليز عربة مدرعة مجنزرة ذات محرك يعمل بالبنزين، كما صنعوا أول دبابة عسكرية. انظر: الدبابة. حلت الدبابات في النهاية محل فرسان الخيالة. وفي تلك الحرب استخدمت الطائرات لأول مرة لمساندة القتال على الأرض. 

وفي الحرب العالمية الثانية استطاعت الدبابات والطائرات أن تعيد خفة الحركة إلى الحرب. وقد طور الألمان الحرب الخاطفة. كانت الدبابات والقاذفات تبدأ بقصف دفاعات العدو لتصـنع بـذلك ثغرات كبيرة، ومن ثم يتدفق المشاة من خلال الفجوات لتنقـل الحرب إلى عمق أرض العدو. 

وقد شهدت الحرب أيضًا أول استخدام للجيوش المحمولة جوًّا في عمليات واسعة النطاق، فقد نفذ الألمان أول غزو مظلي في مايو عام 1941م، عندما استولوا على جزيرة كريت. وقد حدثت أكبر عملية محمولة جوًّا في سبتمبر عام 1944م عندما قامت ثلاث فرق من مظليي الحلفاء بالهبوط خلف الخطوط الألمانية في محاولة ناجحة جزئيًّا للاستيلاء على جسور نهر الراين. أما أكبر هجوم برمائي في التاريخ فقد حدث في 6 يونيو من عام 1944م عندما نزلت جيوش الحلفاء على أرض نورمنديا في شمال فرنسا.

وفي الحرب العالمية الثانية طورت الجيوش فن التجهيزات العسكرية (المؤن والخدمات) العسكرية إلى مستوى رفيع. فقد تمكنت من تنظيم قيادات ضخمة مهمتها توفير الأطعمة والألبسة والأسلحة والمؤن والنقل للقوات المقاتلة.  ويعزى نصر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية جزئيًا إلى تفوقهم في التجهيزات العسكرية وفي الإنتاج الصناعي المدني.

 

الجيوش في العصر النووي. وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بعد وقت وجيز من إسقاط الطائرات الحربية الأمريكية قنابل نووية على المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناجازاكي. ولم يؤد ذلك القصف إلى استسلام اليابان فحسب، بل شكل خط البدء للعصر النووي.

لقد أحدثت الأسلحة النووية تغيرات كاسحة في الحرب. ومع ذلك شك بعض الخبراء العسكريين في البداية في أهمية تلك الأسلحة في ميدان المعركة. فقد كانت الأنواع البدائية من الرؤوس الحربية النووية تُرمى فقط من قاذفات تطير على ارتفاعات عالية. وهذا النوع من الرمي لم يكن من السهل استخدامه في ميدان المعركة، بل اعتبر وقفًا على الأهداف الاستراتيجية فحسب. وفي بدايات الستينيات من القرن العشرين، طورت الجيوش مدافع نووية وصواريخ موجهة قصيرة المدى وصواريخ بالستية. وقد غيرت هذه الأسلحة من تفكير العديد من الخبراء حول الاستخدام التكتيكي للأسلحة النووية. وكان باستطاعة مدافع وصواريخ من هذا القبيل إطلاق رؤوس حربية نووية على حشود كبيرة من القوات أو مستودعات التموين أو أي هدف آخر يقع ضمن مداها.

وقد تعرضت الجيوش الكبرى في العالم إلى الكثير من التغيرات التي تجعلها أقل تعرضًا لهجمات بالأسلحة النووية، فعلى سبيل المثال، جرى إعادة تنظيم التشكيلات القتالية الكبيرة في وحدات صغيرة ذات قابلية عالية للتنقل، بحيث يمكن توزيع هذه الوحدات على مواقع مخفية جيدًا بالقرب من موقع العدو في حالة اندلاع حرب نووية، وبهذه الطريقة يمكن أن تتحد في وقت وجيز للاستيلاء على الهدف ثم تتفرق مرة أخرى. كما تعرضت إمدادات الجيش إلى التغيرات نفسها. ففي حالة اندلاع حرب نووية تخزن المؤن بعيدًا عن مناطق القتال، ليتم نقلها إلى الجبهة بوساطة طائرات الشحن والمروحيات الضخمة.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظل الخوف من انفجار حرب نووية حائلاً، يمنع الجيوش الكبرى من استخدام الأسلحة النووية. ونتيجة لذلك لم تخرج الحرب عن طبيعتها التقليدية في العصر النووي. وكانت الحرب الكورية التي اندلعت عام 1950م أول صراع رئيسي. وكان معظم القتال في هذه الحرب من نصيب الجيوش الكبرى. 

وفي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ازداد عدد الأسلحة النووية وأنواعها وقدرتها ازديادًا لافتًا للأنظار، ومع ذلك استمرت الجيوش في استخدام التكتيكات والأسلحة التقليدية في الحرب. على سبيل المثال، اعتمد جيش الولايات المتحدة اعتمادًا كبيرًا على تكتيك الحرب التقليدية، أثناء تورطه في حرب فيتنام من 1965م وحتى 1973م. وقد كان هذا التكتيك أكثر الطرق فعالية في مواجهة حرب العصابات في أحراش فيتنام. 

خاض العرب والصهاينة حروبًا تقليدية في الأعوام 1956، 1967 و1973م. كما خاضت الجيوش الإيرانية والعراقية حربًا تقليدية طويلة، استمرت بين عامي 1980 و1988م، وشهدت في بعض مراحلها استخدام الغاز السام. وكانت التكتيكات المستخدمة من قبل الطرفين شبيهة بتكتيكات الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الطائرات والدبابات تتقدم الهجوم، ثم تتبعها المشاة في المعركة، إلا في حرب أكتوبر 1973م بين مصر وإسرائيل، حيث تقدم المشاة المصريون أولاً، فعبروا قناة السويس واجتاحوا خط بارليف الحصين وانتشروا على طول الجبهة التي تزيد على 200كم، إلى أن مُدت الجسور عبر القناة وعبرت الدبابات والمدرعات.

بدأت جيوش الدول الكبرى بمنتصف سبعينيات القرن العشرين في حسم الصراعات بوساطة حروب قصيرة الأمد كثيفة العمليات. وكان للتطور الكبير في صناعة الحواسيب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية أثر كبير على الجيوش الحديثة. ونجد الآن أن كثيرًا من الجيوش تستعين لإنجاز مهامها بصور الأقمار الصناعية، والأجهزة التي تلتقط الصور حية من ميادين المعارك، كما أنها تستعين بوسائل الاتصالات المتطورة التي تعينها على تلقي الأوامر من الزعماء السياسيين والعسكريين. واهتمت الجيوش كذلك بالتعبئة الاستراتيجية أي القدرة على نقل الجنود والعدد والعتاد إلى أي بقعة وفي وقت قصير مستخدمة السفن السريعة وطائرات النقل العملاقة. ففي عام 1990م، استطاعت الولايات المتحدة نقل 200,000 جندي أمريكي بكامل عتادهم إلى منطقة الخليج العربي للمشاركة في معارك عاصفة الصحراء التي حررت الكويت من قوات النظام العراقي في ما عرف بحرب الخليج الثانية.

أسئلة

  1. ما أول دولة استخدمت التجنيد الإجباري؟

  2. من نظم أول جيش حديث؟

  3. كيف يختلف الجيش النظامي عن احتياطي الجيش؟

  4. لماذا بدأ الحكام في استئجار المرتزقة في القرن الحادي عشر الميلادي؟

  5. هل عرف العرب بعض أساليب الحرب الحديثة؟ وضح ذلك.

  6. ما الاتفاقية التي أوقفت جيوش محمد علي؟

  7. كيف حاول القادة استعادة خفة الحركة في الحرب البرية أثناء الحرب العالمية الأولى؟

  8. ما المهام الرئيسية الأربع للجيوش؟

  9. ما بعض الطرق التي غير بها تطوير الأسلحة النووية دور الجيوش؟

  10. اذكر معلومات عن قوة الجيوش العربية.

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الخـُصْـيـة Testicle

الخـُصْـيـة  Testicle

 إحدى اثنتين من الغدد البيضية في الجهاز التكاثري الذكري. وتتعلق الخصيتان في كيس يسمى الصَّفَن، خلف القضيب. وللخصيتين وظيفتان رئيستان هما: 1- إنتاج المنيّ، و 2- إفراز الهورمونات الذكرية، وبخاصة التستوسترون.

يبلغ طول كل خصية في الذكر البالغ حوالي 4سم، وعرضها حوالي 3 سم، بينما تزن الخصية العادية للرجل البالغ حوالي 20جم. وتُغطى الخصية عادة بمادة ليفية كثيفة. وتدخل هذه المادة الليفية من الطرف الخلفي للغدة، ثم تتفرق إلى صفائح تقسم الخصية إلى حوالي 250 قسمًا. ويحتوي كل قسم على واحد إلى أربعة أنابيب مفتولة تسمى النبيبات ناقلة المني يتم فيها إنتاج السائل المنوي. وأما الأنابيب الكبيرة داخل الخصية فتنقل السائل المنوي إلى أنبوب شديد الالتفاف يسمى البربخ، يقع في مؤخرة كل خصية. وتتطور الحيوانات المنوية في البربخ قبل تحريرها من الجسم خلال الاستثارة الجنسية.

وهورمون التستوسترون ينتجه النسيج الواقع بين النبيبات ناقلة المني. ويتحكم التستوسترون في نمو بعض صفات الذكورة أثناء فترة البلوغ كاللِّحية وتضخُّم العضلات وخشونة الصوت وازدياد حجم الأعضاء التناسلية. كما يقوي هذا الهورمون السلوك الجنسي لدى الذكور.

 

فرنسـا France

فرنسـا France

أكبر قطر في أوروبا الغربية مساحة، وباريس، الواقعة على نهر السِّين، عاصمة فرنسا وأكبر مدنها وتُعد من كبريات المدن في العالم، احتفظت بمركزها عاصمة للعلوم والفنون عبر مئات السنين. ويعود تاريخ جامعتها السوربون، وهي من أكبر الجامعات، إلى ما قبل ثمانية قرون. تجتذب باريس الفنانين والأدباء من جميع الأجناس، وقد وصل كثير من الفنانين الكبار إلى قمة إبداعهم هناك. واشتهرت باريس بجمالها وعمارتها الرائعة، ويزورها سنويًا ملايين السائحين.

لا تقتصر المعالم الشهيرة في فرنسا على باريس، فهناك جبال الألب التي تغطي قممها الثلوج والشواطئ المشمسة، الممتدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقرى الصيادين المنتشرة على ساحل المحيط الأطلسي والقلاع التاريخية وبساتين التفاح الغنية بالألوان ومزارع الكروم المترامية في أنحاء الريف الفرنسي وحقول الحبوب المنتشرة في العديد من الأقاليم.

يُعرف الفرنسيون بأنهم يحبون التمتع بالحياة ويهتمون بالمأكل والمشرب ويقلد الخبز الفرنسي والمشهيات والمتبلات وأنواع الحساء والحلويات الفرنسية، كثير من الطباخين في معظم أنحاء العالم.

لفرنسا تاريخ طويل، فقد غزاها يوليوس قيصر بجيشه الروماني قبل ميلاد المسيح عليه السلام. وبعد سقوط روما اجتاحها الفرانكيون والقبائل الجرمانية الأخرى وقد أخذت اسمها من الفرانكيين (الفرنجة).

وكان شارلمان ملك الفرنجة قد أسس هناك مملكة قوية. خلال الثورة الفرنسية سنة 1792م تحولت فرنسا إلى النظام الجمهوري وبعد سنوات قليلة استولى نابليون على السلطة وتغلب على كثير من البلدان الأوروبية قبل سقوطه النهائي. أصبحت فرنسا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ساحة قتال دموي، حيث حاربت جيوش الحلفاء على أرضها الجيش الألماني الذي كان يحتل فرنسا.

إن المركز السياسي المهم الذي تتبوأه فرنسا اليوم، يعود أحد أسبابه إلى قيادة شارل ديجول الذي شغل رئاسة الجمهورية من سنة 1958م إلى سنة 1969م وأسس جمهورية فرنسية قوية وجعل من فرنسا قوة عالمية، واتَّـبع سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية وعن العالم الشيوعي.

 

نظام الحكم

الحكومة. فرنسا جمهورية نيابية ديمقراطية، تسمى حاليًا الجمهورية الخامسة التي بدأت عام 1958م ويتكون نظام الحكم فيها من ثلاث شعب: الهيئة التنفيذية التي يرأسها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، والهيئة التشريعية المؤلفة من الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، والهيئة القضائية المؤلفة من المحاكم.

تتألف الجمعية الوطنية من 577 عضوًا، يجري انتخابهم لفترة خمس سنوات ويضم مجلس الشيوخ 319 عضوًا ينتخبون لمدة خمس سنوات. وسلطة الجمعية الوطنية تفوق سلطة مجلس الشيوخ في بعض النواحي.

تقوم الحكومة في المدن والأرياف على تأسيس وحدات إدارية صغيرة، يبلغ مجموعها نحو 36500 وحدة، تختلف في الحجم حسب القرى والمدن ويدير كل وحدة المحافظ أو المجلس المحلي.

كذلك تقسم فرنسا ومعها كورسيكا إلى 96 مكتبًا للحواضر، يدير كل مكتب مجلس منتخب محليًا يرأسه شخص تعينه الحكومة. ويوجد في كل إقليم من الأقاليم البالغ عددها 22 إقليماً، مجلس إقليمي، يقوم بدوره بانتخاب الرئيس. ويتمتع إقليم كورسيكا بشكل أوسع من الاستقلال المحلي. ولفرنسا تسعة توابع في أعالي البحار تقع في مناطق الهند الغربية والمحيط الهندي والمحيط الهادئ وتعتبر هذه التوابع جزءًا من فرنسا ويصوت الناخبون فيها في الانتخابات الرئاسية، كما أنهم يرسلون ممثليهم إلى مجلسي البرلمان الفرنسي.

الأحزاب السياسية. في فرنسا أحزاب سياسية متعددة، مثل: الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، ومن المعروف أن لهما توجهات متحررة ومتطرفة. ورغم أن الحزبين يدعوان من الناحية النظرية إلى امتلاك الدولة للمصانع ووسائل الإنتاج، إلا أن الحزب الاشتراكي كان يتعاون من الناحية العملية مع القطاع الخاص منذ ثلاثينيات القرن العشرين ويسعى الحزبان إلى حث الحكومة على تمويل الضمان الاجتماعي والخدمات الطبية. أما الأحزاب المحافظة الرئيسية فهي: اتحاد الديمقراطية الفرنسية، الذي يدعو إلى رفع القيود الحكومية التي تعوق حرية حركة الأفراد والشركات في التعامل الاقتصادي وحزب التجمع من أجل الجمهورية الذي يؤيد سياسات الرئيس الراحل شارل ديجول واتِّباع سياسة خارجية حازمة، كما أن حزب الجبهة الوطنية وهو حزب يميني متطرف، يعارض الهجرة إلى فرنسا ويؤيد تطبيق عقوبة الإعدام.

المحاكم. توجد المحاكم بدرجاتها المختلفة في المدن الرئيسية، ولمحكمة النقض، وهي أعلى المحاكم في فرنسا، أن تعيد النظر في الدعاوى، أو إعادة القضايا إلى المحاكم الأدنى درجة لإعادة النظر فيها.

القوات المسلحة. يُفرض التجنيد الإجباري على كل شخص بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر، ويبلغ مجموع القوات المسلحة 400,000 رجل وامرأة يخدمون في القوات البرية والبحرية والجوية.

السكان

توجد اختلافات واضحة في اللغة والتقاليد السائدة في مختلف الأقاليم ويتمسك الناس بشدة بعاداتهم وبتقاليدهم المحلية. وقد وجد في بعض الأقاليم من يدعو إلى الانفصال عن فرنسا.

مجموع سكان فرنسا 59,024,000 يعيش سدسهم في مدينة باريس وضواحيها. وفي فرنسا 36 مدينة تضم الواحدة منها أكثر من 100 ألف نسمة خمس منها يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة. ويتألف حوالي 7% من سكان فرنسا من المقيمين الأجانب ومعظمهم من شمالي إفريقيا.

جاء الغاليُّون إلى فرنسا في الأزمان القديمة وكان هؤلاء قومًا سلْتيين ينتمون إلى الغزاة الويلزيين والأيرلنديين والرومان والجرمانيين والإسكندينافيين القدماء، الذين جاءوا من الجنوب والشرق والشمال. وقد جاء الرومان بالسلام إلى القبائل الغالبة المحاربة وأصبح القانون الروماني القاعدة الأساسية للقانون الفرنسي الحديث، وقد أُخِذ اسم فرنسا من اسم الغزاة الجرمانيين، الذين كانوا يسمون بالفرانكيين. وأجداد الكثير من الفرنسيين في شمال شرقي البلاد هم من الجرمانيين، كما يَرُدُّ بعض النورمنديين أصولهم إلى الاسكندينافيين القدماء الذين استقروا هناك.

 

كانت اللغة الفرنسية الحالية في القرن السادس عشر الميلادي، تقتصر فقط على المقيمين في باريس والمنطقة المحيطة بها. أما بقية أهل فرنسا، فكانوا يتكلمون اللغات الباسكية والبريتونية والهولندية والألمانية أو لهجات تنتمي إلى الفرنسية الحالية، مثل: اللغات اللوادنية والبيكاردية والبروفانسية وكان أهل كورسيكا يتكلمون لهجة قريبة إلى اللغة الإيطالية.

 

أنماط المعيشة

الحياة في المدينة. يعيش ثلاثة أرباع الفرنسيين (74%) في المدن والأحياء، التي يزيد سكانها عن ألفي شخص ويسكن باريس وضواحيها حوالي 9 مليون نسمة ويسكن الناس في البنايات الكبيرة، كما يفضل بعض سكان باريس والمدن الأخرى أبنية قديمة، يقل فيها الاهتمام بوسائل المعيشة الحديثة، ويتمتعون فيها بوسائل الراحة التقليدية، كمواقد الفحم وما أشبه ذلك. هناك تعليمات مشددة تمنع إنشاء مبان مرتفعة في مراكز بعض المدن، لمنع الازدحام وتأمين الهدوء لسكان المنطقة. وقد أُنشئت مناطق سكنية خاصة بالطبقة الوسطى في ضواحي المدن مع تأمين وسائل النقل الكافية، لانتقال السكان إلى مراكز أعمالهم وإلى المناطق الأخرى المهمة في المدن.

الحياة في الريف. يعيش ربع سكان فرنسا فقط (26%) في مناطق ريفية غير أن فرنسا كانت تضم عادة مجتمعًا زراعيًا، لذلك فإن سكان الأرياف أكثر اطلاعًا وتمسكًا بالأنشطة الزراعية وبالصيد من سكان المدن. ويتمتع معظم أهل الريف بوسائل الراحة والرفاهية التي تتوفَّر لأهل المدن، إذ يعيش الكثيرون في بيوت أسرية منفردة في القرى والمزارع ويمتلكون سيارة وجهاز تلفاز وأجهزة حديثة أخرى كالثلاجات والغسالات.

ورغم أن أهل الريف الفرنسي يمتلكون مزارعهم الخاصة، إلا أن المأخذ الوحيد هو صغر حجم المزارع، مقارنة بمزارع الأقطار الأوروبية الأخرى. لذلك فإنها لا تكفي لتأمين قوت الأشخاص الذين يعتمدون عليها وقد أدّى ذلك إلى التناقص التدريجي لأعداد الساكنين في الأرياف.

الطعام. يعتبر الفرنسي الطبخ فنًا من الفنون. وقد ابتكر الطهاة الفرنسيون أنواعًا عديدة من الصلصات ومشهيات الطعام والوجبات الخفيفة. وتشمل الوجبة الفرنسية الكاملة المشهيات والحساء، ومادة الوجبة الرئيسية قد تتبعها البطاطس المقلية وسلطة الخضراوات، فالجبن والفواكه الطازجة، ثم الحلوى.

 

الترويح. يُعَدُّ سباق الدراجات السنوي من المسابقات الرياضية الوطنية المهمة التي يشترك فيها مائة من راكبي الدراجات المحترفين، وتستغرق شهرًا واحدًا وينتهي السباق في باريس. أما أهم فريق شعبي رياضي فهو فريق كرة القدم، كما يحب الفرنسيون لعبة البولينج وصيد الأسماك والسباحة والتزلج على الجليد والرجبي والتنس. ويتمتع كل عامل فرنسي بعطلة سنوية، مدتها خمسة أسابيع، يقضيها خارج بيته على السواحل الجنوبية أو على الجبال، كما توجد مصايف ذات أسعار ملائمة تقوم بتنظيم فعاليات خاصة بالكبار والصغار.

الدين. يدين حوالي 75% من الفرنسيين بالمذهب الكاثوليكي ويوجد 3% مسلمون و2% بروتستانت واليهود 1%. أما الملحدون والذين هم بلا دين فمجموع نسبتهم 19%.

التعليم. التعليم في فرنسا إلزاميّ بين سن السادسة والسابعة عشرة. ويدرس حوالي 85% منهم في المدارس الحكومية والباقون يدرسون في مدارس خاصة، تدير كنائس الروم الكاثوليك معظمها. ويستطيع الأطفال من سن الثانية إلى السادسة أن يذهبوا إلى رياض الأطفال المجانية، وتبدأ الدراسة الابتدائية في سن السادسة وتستغرق خمس سنوات. تليها المرحلة المتوسِّطة، لمدة أربع سنوات السنتان الأوليان منها عامّة للطلاب، وهي فترة مراقبة والسنتان الأخيرتان فترة توجيه. والمرحلة الثانوية ثلاث سنوات تنتهي بامتحان البكالوريا (الثانوية العامة). بعض المدارس الثانوية تقنية ـ مهنية، وبعضها الآخر أكاديمية تعدّ الطلبة لدخول الجامعات.

في فرنسا 75 جامعة وتختار كل جامعة مناهجها وأساليب تدريسها الخاصة وتزود الحكومة الطلبة بالدعم المالي. كذلك توجد معاهد عالية للتخصص في مختلف الفروع المهنية والخدمة المدنية والعسكرية والتجارة والتعليم والصناعة والحقول الأخرى.

المتاحف والمكتبات. توجد في فرنسا متاحف ممتازة، أشهرها متحف اللوفر في باريس وهو من أكبر متاحف الفن. ويمثل كثير من القصور والقلاع متاحف تاريخية وطنية للفن مثل قصر فرساي، الذي بناه الملك لويس الرابع عشر. وهناك متحف أورساي في باريس ومركز جورج بومبيدو الوطني للفن والثقافة ومكتبة مازارين ومكتبات جامعة باريس وغيرها، كما أن مكتبة فرنسا الوطنية تعتبر إحدى أكبر المكتبات في أوروبا الغربية.

الفنون

كان الفنانون الفرنسيون منذ العصور الوسطى ومنهم المعماريون ومؤلفو الموسيقى والأدباء من بين قادة الثقافة في أوروبا. وخلال حقب التاريخ المختلفة استخدم الطراز الفرنسي في الرسم و الموسيقى والمسرح وأشكال فنية أخرى نموذجًا في البلاد الأوروبية الأخرى.

تظهر أشهر الأعمال الفنية للقرون الوسطى في الكاتدرائيات القوطية التي بنيت في الفترة بين أواسط القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر الميلاديين وأكبر مثال لذلك كاتدرائية نوتردام في باريس وكاتدرائيات أخرى في مدن فرنسية عديدة، كما نجد الشعر من الفنون المهمة للأدب في تلك الفترة وكان هناك شعراء موسيقيون كتبوا أغاني الغزل باللهجة البروفانسية لجنوبي فرنسا. أما عصر النهضة فكان من أكثر المراحل الثقافية أهمية وقد وصلت حركة الثقافة إلى ذروتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث ظهر فرانسوا رابيليه أكبر كاتب قصصي فرنسي في عصر النهضة الفرنسية وحاول سبعة من الشعراء الفرنسيين وضع نمط جديد من الشعر الفرنسي على غرار النماذج اليونانية والرومانية القديمة وكان مونتان آخر الأدباء الكبار لتلك المرحلة، وقد ظهر أسلوب المقالة الشخصية بوصفه شكلاً من أشكال الأدب. وظهر فنانون ابتدعوا أسلوبي الباروكي والروكوكو في الفن أمثال: جين بابتست لولي وجين فيليب رامو اللذين اشتهرا في فن الأوبرا ونبغ فرانسوا كوبرين و غيره في التأليف الموسيقي وساهم شعراء كلاسيكيون وأدباء كثيرون في المأساة (التراجيديا) والملهاة (الكوميديا) من أهمهم موليير وراسين وظهرفي الفلسفة رينيه ديكارت.

ذاعت في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين مرحلة ما يسمى بعصر العقل أو التنوير التي اتسمت بإنجازات فكريــة وسـاد خلالهما الأدب الفلسفي وركز أدبـاء هـذه الفترة على العقل والملاحظة المباشرة بوصفهما أسلوبين لمعرفة الحقائق، وكان من أبرز هؤلاء الأدباء: فولتير وجان جاك روسو ودينيس ديدرو . أما الرومانسية التي ظهرت رد فعل على العقلانية والكلاسيكية، فقد بدأت خلال القرن الثامن عشر الميلادي وكان فيكتور هوجو أكبر شاعر روائي ومسرحي رومانسي.

ومن المذاهب والحركات الأدبية الأخرى التي ظهرت: الواقعية النقدية والمذهب الطبيعي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي والانطباعية في أوائل القرن العشرين وتركزت على التصوير التشكيلي بشكل خاص.

ومن أشهر الأدباء الذين كتبوا رواياتهم ومسرحياتهم في منتصف القرن العشرين جان بول سارتر وألبير كامو. ومن أدباء أواخر القرن العشرين المعروفين آلان روب جرييه ولود كلود سايمون ومارجريت دورا. ومن أشهر الرسامين بابلو بيكاسو، الذي وُلد في أسبانيا، وجورج براك. كما ظهر فنانون كثيرون في النحت والعمارة والتأليف الموسيقي.

السَّــطح

تختلف المناطق الفرنسية بعضها عن بعض من الناحية الجغرافية ويتألف الإقليمان الشمالي والغربي أساسًا من سهول منبسطة ومتموجة وترتفع التلال والجبال في الأقاليم الشرقية والوسطى والجنوبية من البلاد. والأرض الفرنسية تقسم إلى عشرة أقاليم هي: تلال بريتاني ـ نورمنديا، وسهول فرنسا الشمالية، والهضبة الشمالية الشرقية ووادي الراين، والأراضي المنخفضة الأكويتانية، والمرتفعات الوسطى، ومنطقة الألب الفرنسية وجبال جورا وجبال البرانس، والمنطقة المنخفضة على البحر الأبيض المتوسط ووادي الرون ـ السون وأخيرًا جزيرة كورسيكا.

تلال بريتاني ـ نورمنديا تتألف من تلال مدورة وسهول متدرجة والأرض صخور موغلة في القدم تغطيها تربة فقيرة مع أجزاء خصبة على امتداد الساحل وفيها بساتين التفاح ومزارع الألبان ومساحات معشوشبة. وتوجد خلجان كثيرة تشق السواحل الوعرة التي فيها عدد من الموانئ المهمة لصيد الأسماك.

 

سهول فرنسا الشمالية. تتميز هذه السهول بتربة خصبة وصناعات وافرة الإنتاج. وهذه السهول مستوية ومتدرجة تتخللها تلال وهضاب مغطاة بالغابات. تقع باريس في هذا الإقليم المتميز بالكثافة السكانية. وحوض باريس مساحة مستديرة واسعة يجري فيها نهر السين وأنهار أخرى رئيسية، كما توجد مناجم الفحم الحجري قرب الحدود البلجيكية.

الهضاب الشمالية الشرقية تقع فيها جبال الأردينز التي تمتد داخل الحدود البلجيكية. وهذا الإقليم المغطى بالغابات يزداد وعورة في الجهة الجنوبية الشرقية عند جبال فوسجز، الذي يحوي كميات كبيرة من خام الحديد الذي يستخدم في عملية تصنيع الحديد والفولاذ، ويقوم المزارعون بتربية الماشية، كما يزرعون أنواعًا عديدة من المحاصيل المتنوعة.

وادي نهر الراين إقليم يتميز بمنحدرات شديدة وأرض مستوية في الوديان ومزارع خصبة على امتداد النهر. وهذا النهر الذي يشكل حدود فرنسا مع ألمانيا، هو الطريق النهري الرئيسي في أوروبا وتمتد الطرق وخطوط السكك الحديدية المهمة بموازاته.

الأراضي المنخفضة الأكويتانية يجري فيها نهر جارون والجداول التي تصب فيها، وتمتد الشواطئ الرملية على امتداد الساحل. تكثر غابات الصنوبر في الجزء الأوسط من الإقليم، كما توجد فيه سهول منحدرة وكثبان من الرمال وتكثر فيه بساتين العنب. وبالقرب من لانديز توجد حقول النفط والغاز. وتوجد منطقة غابات على بعد 100كم جنوب ميناء بوردو.

الأراضي المرتفعة الوسطى قليلة السكان وذات تربة فقيرة عدا مناطق الوديان، حيث يزرع فيها الجاودار ومحاصيل أخرى وترعى الأغنام في الأراضي المعشوشبة السفلى، كما تغطي الغابات السفوح. وينبع نهر اللوار أطول أنهار فرنسا من جبال سيفيني.

 

منطقة جبال الألب الفرنسية وجبال جورا تشكل الحدود مع إيطاليا وسويسرا وترتفع قمة جبل مون بلان 4,807م كأعلى قمة في فرنسا. ويأتي السائحون إلى شاموني القريبة منها وإلى المصايف الأخرى. وتزود النهيرات الجبلية المنطقة بمقادير كبيرة من الطاقة الكهربائية.

جبال البرانس. تقع على امتداد حدود فرنسا مع أسبانيا وفيها قمم ترتفع إلى أكثر من 3,000م وهذه المناطق الوعرة ضعيفة التربة.

منخفضات البحر الأبيض المتوسط ووادي الرون ـ السون. فيها مناطق زراعية خصبة تنتج الفواكه والخضراوات والعنب، الذي يستخدم في صناعة النبيذ ويستخدم أسلوب الري في المنطقة بكثرة. ويقع ميناء مارسيليا في الريفييرا الفرنسية على البحر الأبيض المتوسط وهو من موانئ فرنسا الرئيسية.

كورسيكا جزيرة فرنسية تقع على البحر الأبيض المتوسط على بعد 160كم جنوب شرقي البر الفرنسي الرئيسي. وجبال كورسيكا وتلالها مشابهة لجبال وتلال المرتفعات الوسطى وهي ذات تربة فقيرة بصورة عامة وسواحلها الصخرية شديدة الانحدار وتزرع المحاصيل في الوديان وترعى الأغنام على سفوح الجبال.

المنــاخ

يختلف المناخ كثيرًا باختلاف الأقاليم. واختلاف الجو له علاقة وطيدة بِبُعد الإقليم أو قربه من المحيط الأطلسي أو البحر الأبيض المتوسط. تؤثر الرياح الغربية التي تهب من الأطلسي بشكل كبير على مناخ المناطق الغربية من فرنسا التي تتميز بغزارة الأمطار وبرودة الشتاء واعتدال الصيف.

وكلما اتجهنا نحو الشرق بعيدًا عن المحيط الأطلسي نجد المناخ يتغير بشكل واضح بين الفصول، فتكون المنطقة الوسطى ذات جو حار صيفًا وبارد شتاءً مع أمطار معتدلة على امتداد العام. تسقط على الأقاليم الجبلية الأمطار الغزيرة والثلوج الذائبة ولا سيما في أشهر الصيف وتسقط الثلوج بغزارة على جبال الألب وجورا، وتتكون أنهار جليدية واسعة في جبال الألب، أما الجو في الأراضي المنخفضة على امتداد البحر الأبيض المتوسط، فيكون حارًا وجافًا في الصيف ومعتدلاً شتاء مع هطول بعض الأمطار، وقد تهب رياح شمالية شديدة البرودة تسمى المسترال على جنوبي فرنسا وتتسبب في إصابة الزراعة أحيانًا بأضرار بالغة وتحمي جبال الألب منطقة الريفييرا المشمسة من الرياح الشمالية الباردة معظم أيام السنة.

 

الاقتصاد

                                                                

 

الاقتصاد الفرنسي

فرنسا من الدول الغنية ويتمتع شعبها بمستوى مرتفع للمعيشة ناتج عن التغييرات الاقتصادية الناجحة التي طبقت منذ أربعينيات القرن العشرين. كان الاقتصاد الفرنسي قبل الحرب العالمية الثانية، يعتمد بشكل رئيسي على المزارع والمتاجر الصغيرة. وبعد انتهاء الحرب بدأت الحكومة بتحديث الاقتصاد بتطبيق أساليب حديثة في الإنتاج والتجارة من خلال مجموعة من الخطط الوطنية وقد جاءت هذه التحسينات بإنتاج متزايد ومستمر.

الموارد الطبيعية. أدت دورًا كبيرًا في تحقيق الرفاهية لفرنسا. وتُعَدُّ التربة الخصبة من الموارد الطبيعية المهمة ويعتبر أكثر من 90% من الأرض الفرنسية من أخصب الأراضي الزراعية. وتقع أغنى الأراضي الزراعية في شمالي البلاد والشمال الشرقي، وتمتلك فرنسا ترسبات طبيعية كثيرة من خام الحديد والبوكسيت والفحم الحجري والنفط والغاز الطبيعي.

يمتلك القطاع الخاص معظم مؤسسات الأعمال، غير أن الحكومة كانت تهيمن ولمدة طويلة على بعض الأعمال بصورة جزئية أو شاملة، وكمثال على ذلك: امتلاك الحكومة الكامل لثلاثة من أكبر المصارف الفرنسية ولشركة رينو أكبر شركة لصناعة السيارات. كذلك كانت الحكومة تمتلك جزئىًا شركتين للفولاذ. وعندما تسلَّم الاشتراكيون مقاليد السلطة في سنة 1981م زادوا من عدد المؤسَّسات المملوكة للحكومة. وقامت الحكومة الاشتراكية بشراء حصص تهيمن بوساطتها على العديد من صناعات المعدات الفنية والعسكرية وعلى بعض المصارف والمؤسسات المالية. وعلى أثر حصول المحافظين على الأكثرية في البرلمان سنة 1986م بدأوا أسلوب الخصخصة، وذلك ببيع بعض المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص ولكن بعد الانتخابات التي جرت سنة 1988م أصبحت الحكومة أكثر اشتراكية من ذي قبل وفقد المحافظون كثيرًا من نفوذهم في نقض سياسة الاشتراكيين. ثم جاءت حكومة غير اشتراكية للحكم في الانتخابات التي أجريت عام 1994م، ولم يبق في الحكم من الاشتراكيين سوى رئيس الدولة فرانسوا ميتران إلى أن خلفه جاك شيراك عن الحزب الديمقراطي في يونيو 1995م.

الصناعات الخدمية. تؤلف الصناعات الخدمية الحكومية والخاصة أهم القطاعات الاقتصادية وتوظف حوالي 60% من القوى العاملة، وهي تشمل التعليم والرعاية الصحية والوظائف الحكومية والجيش. وتُشكِّل التجارة والخدمات الفندقية والمطاعم صناعات خدمية ذات أهمية قصوى، وتعتبر باريس مركزًا لسوق الجملة العالمي للسيارات والكيميائيات وتُمثِّل مارسيليا، الميناء الرئيسي، مركزًا لتجارة فرنسا الخارجية. أما تجارة التجزئة والخدمات الفندقية، فإنها مزدهرة بسبب العدد الكبير من السائحين الذين يزورون فرنسا.

التصنيع. تأتي فرنسا في مقدمة الدول الصناعية وهي أحد مراكز الصناعة العالمية الرئيسية، وباريس مركز الصناعات الفرنسية المهمة، غير أن الصناعات تنتشر كذلك في المدن والبلدان في أنحاء فرنسا كافة. وتعتبر فرنسا رابع دولة في إنتاج السيارات. وتنتج قاطرات السكك الحديدية وتمتلك أسرع القطارات في العالم وتنتج طائرات حربية ومدنية متطورة وآلات صناعية وتأتي في مقدمة مصممي الآلات الجديدة وتستوعب صناعة الأغذية أعدادًا كبيرة من الفرنسيين.

 

تنقسم السيارات الفرنسية إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: رينو وبيجو وستروين وتقع مصانعها في منطقة باريس وقرب ليون ورينيه ودوواي، كما تصنع فرنسا أنواعًا متقدمة من الطائرات الحربية والتجارية، وتولوز هي مركز صناعة الطائرات، وأهم ما يميزها وجود برنامج فضائي ناجح. وقد نجحت في إطلاق صواريخ وأقمار صناعية للاتصالات. وهي تنتج كذلك معدات فضائية وأنظمة دفاع إلكترونية وأنواعًا عديدة من الأسلحة ولديها صناعة إلكترونية تتطور بسرعة. وتنتج الحواسيب وأجهزة المذياع والتلفاز ومعدات الهاتف وتمتلك صناعات كيميائية متطورة، وصناعات خاصة بالأدوية، ومستحضرات التجميل وتصنع أنواعًا ممتازة من الزجاج وإطارات السيارات.

الزراعة. فرنسا أوسع مراكز الإنتاج الزراعي في غربي أوروبا، وهي إحدى أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم ويأتي ثلثا دخل المزارع الفرنسية من اللحوم وماشية الألبان. وربع الأراضي الفرنسية أراضٍ معشوشبة صالحة للرعي. وتنمو محاصيل الحبوب بكثرة وخاصة القمح وكذلك الفواكه والعنب بالدرجة الأولى والتفاح والخضراوات بأنواعها.

تنبت المحاصيل الزراعية على أكثر من ثلث أراضي فرنسا. وتنتج المزارع الواسعة في منطقة حوض باريس وفي الشمال معظم محصول القمح الذي يعتبر المحصول الزراعي الرئيسي لفرنسا. وتشمل المحاصيل الزراعية المهمة الأخرى في فرنسا الفاصوليا والجزر والقرنبيط والكرز والأزهار والبازلاء والخوخ والكمثري والطماطم وبذور دوَّار الشمس.

الغابات. تغطي الغابات حوالي ربع الأراضي الفرنسية، وتشمل مناطق الغابات الكثيفة الهضاب الشمالية الشرقية والمرتفعات الوسطى ومناطق السواحل الجنوبية الغربية وسفوح جبال الألب وجورا برينيه وفوسجو وتتألف من أشجار البلوط والصنوبر والزيتون وغيرها.

التعدين. خام الحديد من أهم الموارد المعدنية ويأتي أكثره من منطقة اللورين ويستخدم في صناعة الفولاذ الموجودة في الإقليم. وتوجد خامات البوكسيت التي يصنع منها الألومنيوم في جنوب شرقي البلاد. ويوجد البوتاس وهو مادة تستخدم في صنع الأسمدة في منطقة الألزاس. واكتشفت مصادر الغاز الطبيعي في لاك جنوبي فرنسا كما توجد في فرنسا، مناجم تنتج الجبس والملح والكبريت والتنجستن واليورانيوم.

صيد الأسماك. تنتج صناعة صيد الأسماك في فرنسا حوالي 680 ألف طن من الأسماك سنويًا وتعمل مجموعات الصيادين على السواحل الفرنسية أو تذهب بعيدًا إلى مياه أيسلندا ونيوفاوندلاند. وينطلق كثير من سفن الصيد من منطقة بريتاني وتشتمل أنواع الأحياء المائية التي يصطادونها على سمك القد وسرطان البحر والكركند وبلح البحر والمحار والبولوك والسردين والتونة والمحار المروحي وغيرها.

مصادر الطاقة. تنتج محطات القدرة النووية الفرنسية أكثر من نصف القدرة الكهربائية المستهلكة وتعتبر فرنسا من الأقطار الرائدة عالميًا في تقنية الطاقة النووية وفي إنتاج الوقود النووي. ويُستخدم الفحم الحجري والقدرة المائية في إنتاج معظم النصف المتبقي من القدرة الكهربائية التي تحتاجها البلاد.

بدأت الحكومة في سنة 1966م بتشغيل أول محطة قدرة في العالم، تعمل بقوة المد والجزر وذلك في مصب نهر رانس في إقليم بريتاني، حيث يحدث هناك أعلى مستوى للمد في العالم وقد يصل إلى ارتفاع 13م. كما أن هناك محطة للقدرة الشمسية في منطقة جبال البرانس.

التجارة الخارجية. تُعَدُّ فرنسا خامس دولة في حقل التجارة الخارجية في العالم وقيمة الواردات عندها تزيد قليلاً على قيمة الصادرات وتشكل المنتجات النفطية أهم وارداتها. أما أهم صادراتها فإنها تشمل المنتجات الكيميائية والآلات والمعدات الكهربائية والسيارات ويتم تبادل حوالي نصف تجارة فرنسا مع بلدان السوق المشتركة (الاتحاد الأوروبي) وكذلك مع المملكة العربية السعودية واليابان وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية.

النقل والاتصالات. تمتلك فرنسا أسرع القطارات في العالم، فالقطار الذي يسير بين باريس وليون تصل سرعته إلى 300كم/ساعة. كما أن مطاري أورلي وشارل ديجول من أكثر المطارات ازدحامًا وهناك عدة مطارات في مدن أخرى، كما تعمل سفن عديدة للنقل في بعض الأنهار والقنوات.

تصدر في فرنسا 85 صحيفة يومية، أوسعها انتشارًا صحيفة أوست فرانس (غرب فرنسا) وتصدر في مدينة رين في 45 طبعة مختلفة. ومن الصحف الرئيسية الأخرى صحيفة: الفيجارو وفرنس سوار ولوموند وليبراسيون. ومن الصحف الأسبوعية الإخبارية المهمة: صحيفة لي إكسبريس ولي نوفيل أوبزرفاتور، ويوجد في فرنسا العديد من شبكات الإذاعة والتلفاز تدير معظمها وكالات حكومية مستقلة. وتفرض ضرائب سنوية على أجهزة التلفاز والمذياع لتأمين التمويل اللازم للبث الإذاعي والتلفازي. وتشرف وكالة حكومية على صناعة الأفلام الفرنسية.

نبذة تاريخية


ملوك وأباطرة فرنسا


   

الحاكم

   

   

فترة الحكم

   

   

هيو كابيه

   

   

987 – 996م    

   

   

روبرت الثاني

   

   

996 – 1031م    

   

   

هنري الأول

   

   

1031 – 1060م    

   

   

فيليب الأول

   

   

1060 – 1108م    

   

   

لويس السادس

   

   

1108 – 1137م    

   

   

لويس السابع

   

   

1137 – 1180م    

   

   

فيليب الثاني

   

   

1180 – 1223م    

   

   

لويس الثامن

   

   

1223 – 1226م    

   

   

لويس التاسع

   

   

1226 – 1270م    

   

   

فيليب الثالث

   

   

1270 – 1285م    

   

   

فيليب الرابع

   

   

1285 – 1314م    

   

   

لويس العاشر

   

   

1314 – 1316م    

   

   

جون الأول

   

   

1316م    

   

   

فيليب الخامس

   

   

1316 – 1322م    

   

   

تشارلز الرابع

   

   

1322 – 1328م    

   

   

فيليب السادس

   

   

1328 – 1350م    

   

   

جون الثاني

   

   

1350 – 1364م    

   

   

تشارلز الخامس

   

   

1364 – 1380م    

   

   

تشارلز السادس

   

   

1380 – 1422م    

   

   

تشارلز السابع

   

   

1422 – 1461م    

   

   

لويس الحادي عشر

   

   

1461 – 1483م    

   

   

تشارلز الثامن

   

   

1483 – 1498م    

   

   

لويس الثاني عشر

   

   

1498 – 1515م    

   

   

فرانسيس الأول

   

   

1515 – 1547م    

   

   

هنري الثاني

   

   

1547 – 1559م    

   

   

فرانسيس الثاني

   

   

1559 – 1560م    

   

   

تشارلز التاسع

   

   

1560 – 1574م    

   

   

هنري الثالث

   

   

1574 – 1589م    

   

   

هنري الرابع

   

   

1589 – 1610م    

   

   

لويس الثالث عشر

   

   

1610 – 1643م    

   

   

لويس الرابع عشر

   

   

1643 – 1715م    

   

   

لويس الخامس عشر

   

   

1715 – 1774م    

   

   

لويس السادس عشر

   

   

1774 – 1792م    

   

   

نابليون الأول

   

   

1804 – 1814م    

   

   

لويس الثامن عشر

   

   

1814 – 1815م    

   

   

نابليون الأول

   

   

1815م    

   

   

لويس الثامن عشر

   

   

1815 – 1824م    

   

   

تشارلز العاشر

   

   

1824 – 1830م    

   

   

لويس فيليب

   

   

1830 – 1848م    

   

   

نابليون الثالث

   

   

1852 – 1870م    

   

البدايات. كانت قبائل السِّلْت في العصور القديمة تعيش فيما يسمى حاليًا بفرنسا. وكان الرومان يطلقون اسم غاليا أو بلاد الغال على هذا الإقليم. وقد بدأت الجيوش الرومانية اجتياح الإقليم في القرن الثالث قبل الميلاد. واستولى يوليوس قيصر على المنطقة كلها بين عامي 58 و51ق.م. واتخذ الغاليون الأسلوب الروماني في الحياة بسرعة مستخدمين لغة الغزاة. وشهدت بلاد الغال ازدهارًا رغم اجتياح البرابرة لها في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، غير أنه بحلول القرن الخامس الميلادي تهاوت دفاعات مراكز الحدود الرومانية أمام غزوات القبائل الجرمانية من الشرق بمن فيهم البرغنديون والفرانكيون (الفرنجة) والقوط الغربيون الذين عبروا نهر الراين ودخلوا بلاد الغال وقتلوا منهم الكثيرين واندفع غيرهم نحو الغرب إلى منطقة بريتاني (حاليًا) وقد أوقع كلوفيس ملك الفرنجة الهزيمة بالحاكم الروماني لإقليم الغال ومن ثم تغلب على القبائل الجرمانية الأخرى في الإقليم ووسَّع ملكه وأسس الأسرة الحاكمة الميروفنجية.

في العصور الوسطى. ظهر النظام الإقطاعي بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين. وفي فترة اتسمت بالاضطراب ظهر أصحاب الإقطاعات الواسعة في معظم الأراضي الفرنسية. والنظام الإقطاعي نوع من التنظيم السياسي والعسكري، يمنح الإقطاعي الأرض للفلاحين مقابل الخدمة في الجيش وغيرها من الخدمات.

ضعف حكم الملوك الميروفنجيين بسبب انغماسهم في الملذات الشخصية وكان كبير المستشارين ببين هرستال، قد حاز معظم سلطات الملك ثم جاء ابنه شارل مارتل الذي وسع تلك السلطات. وعندما جاء ابنه ببين القصير قضى على آخر الملوك الميروفنجيين وأصبح ملكًا على الفرانكيين سنة 751م تحت اسم الأسرة الكارولنجية.

جاء بعد ببين القصير ابنه شارلمان الذي كان أحد الملوك الكبار المنتصرين، حيث قاد أكثر من خمسين حملة عسكرية ووسع ملكه إلى ما وراء الحدود الفرنسية الحالية وقد توّجه البابا إمبراطورًا للرومان. وخلفه بعد موته ثلاثة أحفاد، تقاتلوا فيما بينهم للسيطرة على الإمبراطورية التي خلفها جدهم واقتسموها فيما بينهم.

الأسرة الكابتية. في أواخر القرن العاشر الميلادي كان الملوك الكارولنجيون، قد فقدوا معظم نفوذهم السابق وتعاظم نفوذ النبلاء الإقطاعيين الذين أصبحوا يعيِّنون الملوك، وكانت سلطة هؤلاء الملوك لا تتجاوز حدود المقاطعة التي يسكنونها. وأخيرًا أنهى النبلاء حكم الأسرة الكارولنجية ونصبوا هيو كابيه ملكًا جديدًا. وقد ظل ملوك الأسرة الكابتية فترة طويلة لا حول لهم ولا قوة وقد أخذ النبلاء يستقلون بمقاطعاتهم. وكان دوقات نورمنديا أقوى هؤلاء النبلاء وأفضلهم إدارة بين الأقاليم الإقطاعية. وفي سنة 1066م قام الدوق وليم الذي سمي فيما بعد وليم الفاتح بغزو إنجلترا وأصبح ملكًا.  

أضاف الملوك الكابتيون مناطق جديدة إلى أملاكهم الشخصية وأصبحوا أقوى من جميع منافسيهم وقد أنجب هؤلاء الملوك أولادًا يرثون ملكهم بعدهم على امتداد ثلاثة قرون مما أوقف تدخل النبلاء في اختيار من يجلس على العرش وزاد ضعفهم عندما ترك معظمهم فرنسا للاشتراك في الحروب الصليبية بين القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر الميلاديين.

تطورت الأوضاع الاجتماعية أثناء حكم الملوك الكابتيين وظهرت بوادر التحسن في الأوضاع الاقتصادية في أوروبا، والمدن التي كانت قد فقدت أهميتها استعادت نشاطها وبرز فيها أصحاب الحرف الذين كونوا اتحادات أدت دورًا كبيرًا في إدارة الحكومات المحلية. وبنمو الحكم الملكي، شكلت المدن مركز الثقل الإداري والتشريعي.

ورغم انتقال الكثيرين إلى مراكز المدن فقد ظل كثيرون منهم أيضًا في الريف، لكن الأساليب الزراعية القديمة لم تكن تسمح بإنتاج محاصيل تكفي لاحتياجات الناس.

وتوفي آخر ملوك الأسرة الكابتية تشارل الرابع سنة 1328م دون أن يخلف وريثًا للعرش من الأولاد الذكور وخلفه أحد أبناء عمومته، كما طالب إدوراد الثالث ملك إنجلترا بعرش فرنسا وغزا بجيشه إقليم نورمنديا مما تسبب في حرب المائة عام (1337 – 1453م). ورغم انتصار الجيش الإنجليزي في معظم تلك المعارك استطاع الفرنسيون إخراج الإنجليز من معظم الأقاليم الرئيسية على إثر انتصارهم في معركة أورلييان بقيادة جان دارك.

حكم الملوك المطلق. وضع لويس الحادي عشر أسس الحكم المطلق واستطاع أن يستعيد هيبة الملوك الفرنسيين، التي كانت قد ضعفت بسبب تدخل النبلاء في أمور الحكم. وكان غريمه الوحيد هو شارل الشجاع الذي قتل فيما بعد أثناء القتال وكان على وشك أن يحتل مدينة نانسي وقد استطاع لويس أن يستولى على معظم الأراضي التي كانت بحوزة شارل.

اندلعت الحروب الدينية خلال القرن السادس عشر الميلادي على إثر ظهور المذهب البروتستانتي واستمرت سلسلة الحروب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت أكثر من ثلاثين عامًا.

تعاظمت سلطة الملوك ووزرائهم باطراد بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين ومن بين أهم الوزراء ماكسيمليان دي بيثون الذي خدم الملك هنري الرابع وقام ببعض الإصلاحات في حقل التنمية الزراعية وأشغال الطرق وفتح القنوات وخفض الضرائب. أما الحاكم الحقيقي الذي كان يقف خلف لويس الثالث عشر فهو الكاردينال ريشيلو الذي بذل جهودًا كبيرة لتقوية سلطة الملك.

وكان لويس الرابع عشر مثلاً بارزًا للسلطة الواسعة التي يتمتع بها ملوك فرنسا. ومما يروى عنه أنه قال “أنا الدولة” وحين مات رئيس وزرائه، أعلن أنه سيكون بنفسه رئيسًا لوزرائه وبدأ بمعاملة الهجنوت (البروتستانت) بقسوة مما ألجأ حوالي مائتي ألف منهم إلى ترك فرنسا.

سوء الأحوال في القرن 18. بحلول القرن الثامن عشر الميلادي كانت هناك بيروقراطية حكومية تقوم بإدارة جيش ملكي كبير وتجمع الضرائب، ومحاكم تقوم بتطبيق القانون والنظام. وكان المحامون والقضاة يبتاعون مكاتب من الملك بأسعار عالية جدًا وسمح لهم الملك بأن يسموا أنفسهم نبلاء وأعفاهم من الضرائب. وكان لهذا النظام المكلف أثره في نمو واسع للاقتصاد والسكان خلال القرن الثامن عشر، غير أن الزيادة السكانية فاقت مقادير الإنتاج الزراعي. أصبح نقص الطعام وحالات القحط من الأمور الشائعة، كما أن هذا الوضع ألقى بظله على الاتحادات المهنية التي كانت تدير أمور التجار والحرفيين في المدن واضطرت الحكومة تحت وطأة نفقات الجيش وعدم إمكان جباية الضرائب من النبلاء ومن الكنيسة إلى اقتراض مبالغ طائلة، كما اقترحت الحكومة زيادة الضرائب خشية الإفلاس. وقد عارضت معظم طبقات الشعب فرض المزيد من الضرائب مما مهد للثورة الفرنسية.

الثورة الفرنسية. دعا الملك لويس السادس عشر رؤساء مجالس المقاطعات إلى اجتماع لكسب تأييدهم لفرض ضرائب جديدة لإنقاذ ميزانية الدولة من الإفلاس. وكانت هذه المجالس تضم ممثلين عن الكنيسة والنبلاء والعامة وعقدت الجلسة في الخامس من مايو 1789م وفي شهر يونيو أعلنت الجماعة الثالثة، وهم العامة، أنها شكلت جمعية وطنية لديها السلطة المطلقة في سن دستور جديد لفرنسا وكان عدد هؤلاء يساوي مجموع الجماعتين الأخريين.

لم يتخذ الملك في البداية أيّ إجراءات على أمل أن يجمع فصائل الجيش حول باريس للقضاء على الجمعية. غير أن الفرنسيين قاموا بتنظيم حركة مقاومة مسلحة واستولى جمع من أهالي باريس على سجن الباستيل، فاضطر الملك إلى الإذعان، وتمكنت الجمعية من إعداد دستور جديد جعل فرنسا دولة دستورية ذات ملكية مقيدة ومجلس تشريعي واحد. وفي أبريل 1792م دخلت فرنسا الحرب ضد النمسا وبروسيا اللتين أرادتا أن تعيدا للملك سلطانه السابق، فقامت الجمعية الوطنية بعزل الملك بعد إلقاء القبض عليه وعلى أسرته وإعلان فرنسا جمهورية في شهر سبتمبر 1792م.

دفعت الحرب الأهلية والحرب مع الدول الأجنبية الحكومة الجمهورية نحو اتخاذ تدابير صارمة على إثر صعود بعض الثوريين أمثال روبسبيير وديدرو إلى السلطة فبدأوا بإعدام من سموهم بأعداء الشعب وأعدموا الآلاف من المواطنين، كما حُكم على روبسبيير نفسه أخيرًا بالإعدام وانتهى الأمر بزوال ما سُمي بعهد الإرهاب.

نابليون. برز نابليون بونابرت من خلال الجيش وأصبح جنرالاً بسرعة وأطاح بالحكومة الفرنسية الثورية واستولى على السلطة. كان نابليون إداريًا ممتازًا وعسكريًا فريدًا، بنى إدارة حكومية قوية واحتلت قواته معظم مناطق أوروبا الوسطى والغربية بحلول عام 1812م غير أن الوضع لم يدم طويلاً فسقط نابليون سنة 1814م ثم عاد ليحكم فرنسا لمدة ثلاثة أشهر قبل هزيمته النهائية في واترلو.   على إثر سقوط نابليون عادت أسرة بوربون إلى الحكم وأعلن شارل العاشر نفسه ملكًا سنة 1824م ثم أُطِيح به في ثورة يوليو سنة 1830م ثم جاء لويس فيليب ومرت فترة هدوء وازدهار، غير أن الطبقات الفقيرة كانت مستاءة لعدم السماح لها بالاشتراك في التصويت الانتخابي أو تقلد وظائف عامة فقامت ثورة 1848م، سقطت على إثرها الحكومة وأُعلنت الجمهورية الثانية وحصل جميع الفرنسيين على حق التصويت وانتخب لويس نابليون (ابن أخ نابليون الأوّل) رئيسًا لمدة 4 سنوات، غير أنه تجاوز سلطاته وأعلن نفسه رئيسًا لمدة 10 سنوات وسمى نفسه إمبراطورًا باسم نابليون الثالث.

الجمهورية الثالثة. كانت فرنسا تخشى من تعاظم نفوذ البروسيين ومن قدرة الاتحاد الألماني تحت الزعامة البروسية على قلب ميزان القوى في أوروبا. وبعد عدد من النزاعات أعلنت فرنسا الحرب على بروسيا سنة 1870م وهُزمت فرنسا على إثرها واضطرت إلى التنازل عن منطقة الألزاس وجانب من منطقة اللورين للإمبراطورية الألمانية الجديدة.

وعلى إثر هزيمة فرنسا في حربها مع بروسيا ثار الفرنسيون ضد لويس فيليب وتأسست جمهورية مؤقتة سميت بالجمهورية الثالثة وتم إعداد دستور جديد.

ازدهرت فرنسا ونمت قدراتها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد سيطر المكتشفون الفرنسيون والجنود على مستعمرات شاسعة في إفريقيا وآسيا وقامت فرنسا بتقوية جيشها وعقدت حلفًا عسكريًا مع روسيا سنة1894م وحلفًا وديًا مع بريطانيا وتوسعت الصناعات الفرنسية تدريجيًا ولا سيما بعد عام 1895م.

الحرب العالمية الأولى. منذ أوائل القرن العشرين كانت المنازعات مستمرة بين فرنسا وألمانيا حول أراضي المستعمرات فكانت كل واحدة منهما تخشى من هجوم الأخرى عليها وعقدت فرنسا أحلافًا بينها وبين كل من روسيا وبريطانيا وفي بداية الحرب العالمية الأولى اجتاحت ألمانيا الأراضي الفرنسية. ورغم أن الألمان كانوا يأملون في تحقيق نصر سريع إلا أن الفرنسيين أوقفوا تقدمهم في أواخر سنة 1914م. وقد جرت أشرس المعارك في فرْدان التي أصبحت رمزًا للمقاومة الفرنسية، غير أن الحرب تسببت في خسائر فادحة في الأرواح. ساعد الحلفاء فرنسا كثيرًا اعتبارًا من منتصف عام 1917م وبعد الحرب أيضًا، وقد استعادت فرنسا منطقتي الألزاس واللورين بموجب معاهدة فرساي على إثر هزيمة ألمانيا.

بالرغم من أن الفرنسيين حاولوا تأسيس علاقات جيدة مع ألمانيا وخفضوا مبالغ التعويضات الحربية عليها فإن ظهور أدولف هتلر وحكمه النازي في ألمانيا في الثلاثينيات من القرن العشرين قد أقلق فرنسا وعمدت الحكومة الفرنسية إلى سياسة استرضاء ألمانيا، ووقعت اتفاقية ميونيخ التي أُعطيت ألمانيا بموجبها بعض أراضي تشيكوسلوفاكيا السابقة.

الحرب العالمية الثانية. بدأت الحرب العالمية الثانية باجتياح الألمان لبولندا في أول سبتمبر 1939م وفي الثالث من سبتمبر أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا. غزت بعد ذلك ألمانيا كلاً من بلجيكا ولوكسمبرج وهولندا ثم فرنسا عن طريق بلجيكا بعد يومين. دخل الألمان باريس في 14 يونيو 1940م حيث وقَّع الفرنسيون هدنة مع الألمان الذين احتلوا ثلثي الأراضي الفرنسية في الجزء الشمالي، وعينوا المارشال بيتان رئيساً للدولة الفرنسية تحت الغزو الألماني. غير أن المقاومة الفرنسية للمحتلين استمرت بقيادة شارل ديجول. وفي 6 يونيو 1944م أنزل الحلفاء قواتهم في فرنسا. وبعد معارك طاحنة دخل الحلفاء باريس في 25 أغسطس فشكل ديجول فيها حكومة مؤقتة.

الجمهورية الرابعة (ديجول). في أكتوبر 1945م أُجري التصويت على قيام الجمعية الوطنية بـإعداد دستور جديد وتأسيس الجمهورية الرابعة. وقد حصلت فرنسا على مساعدات كثيرة من الولايات المتحدة وأعادت بناء المدن والمصانع المدمرة خلال الحرب.

عانت فرنسا من الانقسامات الداخلية ومن تعاظم نفوذ الشيوعيين في النقابات العمالية ومن الحركات الاستقلالية في مستعمراتها في الخارج كالهند الصينية وشمالي إفريقيا وغيرها. وبرغم انسحاب فرنسا من معظم الأقطار التي كانت تحتلها في شمالي إفريقيا فإنها ظلت متمسكة بالجزائر التي كانت تحارب فرنسا من أجل التحرير، إلى أن اعترفت أخيرًا ـ تحت زعامة ديجول ـ باستقلال الجزائر في أبريل 1962م. وقد أعيد انتخاب ديجول لرئاسة الجمهورية، فانصب اهتمامه على السياسة الخارجية وحاول جعل فرنسا زعيمة لمجموعة أوروبية متحررة من النفوذ الأمريكي والسوفييتي (سابقًا).

كان الفرنسيون في أواخر الستينيات غير راضين عن سياسة ديجول، مما أدى إلى حركات طلابية وإضرابات عمالية، لجأ البعض أثناءها إلى العنف، وخشي الناس من اندلاع حرب أهلية، غير أن ديجول استطاع معالجة الأمر ودعا إلى إجراء انتخابات عامة، فحصل مؤيدوه على 70% من المقاعد النيابية، غير أن سمعة ديجول تدنت بسبب هذه الحوادث، فطلب ديجول إجراء بعض الإصلاحات المحدودة في الدستور، لكن الشعب رفضها عند التصويت عليها فاستقال ديجول على إثرها.

فرنسا بعد ديجول. انتخب جورج بومبيدو لرئاسة الجمهورية في يونيو 1969م فوعد بتطبيق سياسات ديجول في إطار تعاون أوثق مع الولايات المتحدة في السياسة الخارجية. كذلك حسن علاقات فرنسا مع بريطانيا، وتمت الموافقة على دخولها في السوق الأوروبية. واجهت فرنسا بعض المشاكل الاقتصادية مثل ازدياد عدد العاطلين عن العمل والتضخم النقدي بعد رفع أسعار النفط المستورد. ورغم هذه المشاكل فإن مستوى معيشة الفرد الفرنسي أعلى من أي وقت مضى، وهو يمتلك حاليًا جميع الوسائل العصرية الضرورية للحياة، ويمنحه قانون الضمان الاجتماعي الحماية الضرورية ضد البطالة والمرض والتقدم في السن. كما أن فرنسا تخلت عن مستعمراتها السابقة، فتحررت بذلك من النفقات الباهظة للإدارة والتطوير. ومع ذلك فإنها مازالت تقدم العون الاقتصادي والتقني والعسكري لكثير من تلك المستعمرات السابقة. وإثر وفاة جورج بومبيدو 1974م حدثت انشقاقات في الحزب الديجولي فنتج عنها إضعاف لهذا الحزب، مما جعل وصول أحد قواده إلى الحكم أمرًا صعبًا. وفي الانتخابات التي تلت وفاة بومبيدو فاز فاليري جيسكار ديستان ممثلاً عن الحزب الجمهوري المستقل وأصبح رئيسًا للجمهورية.

ومن الناحية السياسية تحول الفرنسيون نحو الاشتراكيين، حيث انتخبوا فرانسوا ميتران من الحزب الاشتراكي رئيسًا للجمهورية سنة1981م وحصل الاشتراكيون على أكثرية المقاعد النيابية في تلك السنة. ثم فقد الاشتراكيون أغلبيتهم في انتخابات 1986م وحصل المحافظون على الأغلبية البرلمانية وظل ميتران رئيسًا للجمهورية وانتخب لفترة رئاسية أخرى. وفي يونيو 1995م فاز جاك شيراك عمدة باريس في الانتخابات البرلمانية عن حزب التجمع الديجولي من أجل الجمهورية بنسبة 52,64% لتنتهي فترة الاشتراكية التي استمرت 14 عامًا. قام شيراك بتعيين ألان جوبيه، عضو حزبه، رئيسًا للوزراء. وفي 1997، فاز ليونيل جوسبان رئيس الحزب الاشتراكي برئاسة الوزراء.

أسئلة

  1. ما الإصلاحات الرئيسية التي قام بها ديجول في نظام الحكم؟

  2. لماذا سمِّيت فرنسا بهذا الاسم؟

  3. ما أهم الصناعات في فرنسا؟

  4. كيف أثَّر الرومان على أنماط حياة الفرنسيين؟

  5. ماذا يطلق على المدارس الثانوية الفرنسية؟

  6. ما أهم المتاحف والمكتبات في فرنسا؟

  7. ما أهم صادرات فرنسا ووارداتها؟

  8. قارن بين الاقتصاد الفرنسي قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها.

 

 

 

    

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية   محفوظة لأعمال الموسوعة.
  Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

السرطان Cancer

السرطان  Cancer

 مرض تتكاثر فيه الخلايا دون ضبط أو نظام، ويتلف النسيج السليم، ويعرِّض الحياة للخطر. يصيب البشر نحو مائة نوع من أنواع السرطان. وهو المرض الرئيسي الذي يسبب الموت في عديد من دول العالم. يصيب السرطان معظم أنواع الحيوانات والنباتات، كما يصيب البشر.

ويُهَدد السرطان البَشر في كافة الأعمار، وخاصة الأشخاص ذوي الأعمار المتوسطة وكبار السن؛ ويصيب الجنسين على حد سواء. ويُمكن أن يَحْدُث المرض في أي جزء من أجزاء البدن كما يُمكن أن ينتقل إلى أجزاء أخرى. ومهما يكن، فإن أكثر الأعضاء تَعرضًا للإصابة هو الجلد وجهاز الهضم والرئتان وعنق الرحم وأثداء النساء.

ولا يعرف العلماء تمامًا كيف ينشأ السرطان. ولكنهم لاحظوا أن بعض العوامل تؤدي دورًا فعالاً في إحداث المرض؛ وتسمى هذه العوامل المسرطنات. وتتضمن القطران الموجود في التبغ، وضروبًا أخرى من مواد كيميائية، وبعض أنواع الإشعاعات. وفي عديد من الحالات، يمكن منع حدوث السرطان، بتجنب عامل معروف أو التخلص منه. فالامتناع عن التدخين مثلاً، يُمكن أن يمنع حالات كثيرة من سرطان الرئة. ويعتقد العلماء أيضًا أن بعض الأشخاص، يمكن أن يرثوا الاستعداد لتشكيل سرطان.

وبدون معالجة مناسبة وجيدة، فإن معظم أنواع السرطان تكون مميتة. وفي الماضي كانت طرق المعالجة تُعطي أملاً ضئيلاً في الشفاء. وقد تحسنت طرق تشخيص وعلاج هذا المرض منذ عام 1930م. أما اليوم، فإن نحو نصف المرضى المُصابين بالسرطان قد يعيشون خمس سنوات على الأقل بعد المعالجة. والأشخاص الذين يصبحون خالين من السرطان خلال تلك المدة الطويلة بعد المعالجة، يكون حظهم كبيرًا في البقاء معافين من هذا المرض. ولكن ما زال الأمر يتطلب كثيرًا من الأبحاث لإيجاد السبل الجيدة للوقاية والعلاج.

تَبْحث هذه المقالة كيفية نشوء السرطان، والأنواع الرئيسية للسرطانات، وأسباب هذا المرض، والطُرق الرئيسية للتشخيص والمعالجة، كما تناقش أيضًا أبحاثًا في السرطان.

كيف ينشأ السرطان

ينشأ السرطان نتيجة للتكاثر الشاذ للخلايا. يتألف جسم الإنسان البالغ من مئات البلايين من الخلايا. وفي كل دقيقة، تَموت عدة بلايين من هذه الخلايا ويستعاض عنها بعدة بلايين أخرى من خلايا جديدة. وتنشأ الخلايا الجديدة بالانقسام، حيث تنقسم الخلية إلى خليتين متماثلتين، تَتَضاعف كل منها وتُصْبح عندئذ قابلة للانقسام. وبهذه الطريقة، فإن الخلايا الجديدة المتَكوَّنة تأخذ مكان الخلايا الميتة. وتنقسم الخلايا الطبيعية عند وصول الإشارات الكيميائية إلى الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين في النواة. وتنتج الخلايا تماماً بنفس المعدَّل المطلوب لتَحل مكان الخلايا الميتة، وليس أبدًا بمعدَّل أسرع.

ويتكون السرطان نتيجة للتكاثر الشاذ للخلايا. ولا تستجيب الجينات في الخلايا السرطانية لإشارات تنظيم النمو. وتستَمر الخلايا في التضاعف، تتشكل تدريجيًا كتلة تدعى الورم. وبعض الأورام ليست سرطانية، وتسمى الأورام الحميدة. ولا ينتشر الورم الحميد في الأنسجة الطبيعية المُحيطة به وكذلك إلى أجزاء الجسم الأخرى.

يُحدث السرطان أيضًا أورامًا خبيثة. ويهاجم الورم الخَبيث الأنسجة الطبيعية المعافاة المحيطة به ويضغطها ويتلفها. وبالإضافة لذلك، يمكن للخلايا أن تنفصل عن الورم الخَبيث. وقد يحملها الدم أو اللمف (سائل من أنسجة الجسم) لأجزاء الجسم الأخرى، حيث تَستمر في التضاعف وبذلك تُشكل أورامًا ثانوية. ويدعى انتشار السرطان من الورم الأصلي لجزء أو أكثر من أجزاء الجسم النقيلة. وتجعل قدرة السرطان على الانتشار في أجزاء الجسم الأخرى، معالجة هذا المرض بالغة الصعوبة، إلا إذا اكتُشِفَ في مراحله المبكرة.

أنواع السرطان

تعرف الخبراء على نحو مائة نوع من أنواع السرطان عند البشر. وقد صُنِّفَتْ بطريقتين: 1- حسب الموضع الأولي للسرطان في الجسم، حيث يَبدأ السرطان بتلك المنطقة من الجسم 2- حسب نسيج الجسم الذي ابتدأ فيه السرطان.

التصنيف حسب الموضع بالجسم. المواضع الأولية التي تغلب إصابتها بالسرطان في الجسم هي الجلد، وأثداء النساء، والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والجهاز التناسلي، ومكونات الدم والجهاز اللمفاوي، والجهاز البولي. ويختلف حدوث السرطان في هذه الأعضاء من بلد لآخر. فسرطان المعدة على سبيل المثال شائع في اليابان أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية. وسرطان الرئة يحدُث عند الأمريكيين بنسبة كبيرة، تَفُوق ما يَحدث لدى اليابانيين. ونوضح فيما يلي أنواع السرطان التي تَحدث غالبًا في عديد من الدول.

سرطان الجلد أكثر السرطانات شيوعًا في العالم، ومعظم سرطانات الجلد لا تنتشر لأجزاء الجسم الأخرى. ونتيجة لذلك فمن السهل معالجة هذه السرطانات. وتعد الميلانوما الخبيثة شكلاً نادراً من سرطان الجلد، وهو أكثرها خطرًا.

سرطان الرئة له علاقة وثيقة بالتدخين. فقد عُرِفَ منذ عشرات السنين أن المدخنين، يتعرضون بسهولة أكثر من غيرهم لسرطان الرئة. وقد ازداد خطر تكون هذا النوع من السرطان مع ارتفاع نسبة تلوث الهواء. وهو أحد الأسباب الرئيسية لموت الرجال والنساء في معظم البلدان الصناعية. ومعدلاته تزداد تدريجياً في عدد من الدول الإفريقية والآسيوية.

سرطان المعدة كان مرضًا شائعًا جدًا منذ مائة سنة خَلَت، أما الآن فقد انخفضت نسبة حدوثه في الدول الغربية. تتعلق أسباب حدوث سرطان المعدة بالغذاء، خاصة استعمال النَتَرات في حفظ الأطعمة أو استعمال الماء المُلوث بالنترات. ومن النادر وجود هذا النموذج من السرطان بين الشعوب التي تأكل طعامًا طازجًا، أو التي تتناول وجبات غذائية متوازنة تمامًا.أما العوامل الأخرى التي تزيد من نسبة حدوث سرطان المعدة، فهي الكحول، والتدخين، وقرحات المعدة.

سرطان الثدي أكثر السرطانات التي تصيب المرأة في المجتمعات الغنية، إلا أنه أقل من سرطان الرئة في نسبة حدوثه. وهو غير معروف في أمريكا اللاتينية، وفي جزر الهند الغربية، و أوروبا الشرقية، و آسيا، وفي منطقة المحيط الهادئ. ويبدو أن هناك بعض العوامل ذات العلاقة بنشوء المرض، مثل عُمر المرأة عند الحمل لأول مرة، و عدد الأولاد لديها. والنساء الفقيرات اللواتي لديهن عدة أطفال ويأكلن غذاءً قليل الدهون هن أقل النساء إصابة بهذا الشكل من السرطان.

سرطانات القولون والمستقيم تَحْدُث بشكل رئيسي في البلدان الصناعية ولها صلة بنقص نسبة الألياف في الغذاء. فسكان الريف الذين يهاجرون للمدن يستبدلون بغذائهم الغني بالفواكه الطازجة والخضراوات، اللحوم والغذاء المُصنَّع فيزيد هذا الغذاء الناقص الألياف من خطورة نُشوء السرطان في الأمعاء الغليظة.

سرطان عُنق الرحم يحدث في البلدان التي تعيش فيها المرأة حياة فقيرةً وقاسية، مثلاًً اللواتي يأكلن غذاءً غير متوازن أو يُهملن النظافة الشخصية.

سرطان المريء ارتبط بتعاطي الكُحول، والتدخين، وشُرب الشاي الساخن جدًا، والتغذية الفقيرة. ويحدث هذا النوع من السرطان بكثرة بين أفراد الجالية الصينية في سنغافورة.

سرطان الكبد الأَوّلي من أمراض البلاد المدَاريَّة. يوجد في مناطق عديدة من بلدان الشرق الأقصى وإفريقيا؛ حيث يَكُون التهاب الكبد البائي (أو التهاب الكبد المصلي، وهو نوع من التهاب الكبد الوبائي) شائعًا أيضًا. والتهاب الكبد مرض يتضمن احتقانًا التهابيًا في الكبد وينتشر سرطان الكبد في هونج كونج، والمناطق الساحلية الحارة الرطبة في الصين.

لِمْفُوم بِيْركيت مشكلة صحية خطيرة موجودة في مناطق إفريقيا المَدَارية وغينيا الجديدة، لها علاقة وثيقة بخمج فيروسي سببه فيروس إبشتاين بار. ويصيب سرطان الجهازاللمفاوي هذا الأطفال بشكل خاص.  

سرطانات مكونات الدم والجهاز اللمفاوي. يُدعى سرطان نقي العظام ومكونات الدم الأخرى اللوكيميا. وهي تشمل ظاهرة تضاعف الكريات البيضاء غير الناضجة على حساب عناصر الدم الحيوية.

ويسمى سرطان الأعضاء اللمفاوية والأعضاء الأخرى المكونة من النسيج اللمفاوي اللمفوم. ويحصل فيها زيادة إنتاج بعض الخلايا لذلك النسيج.  

توجد عدة أشكال لسرطانات اللُّوكيميا واللِّمفوم. وأكثر أشكال اللوكيميا شيوعًا هي اللوكيميا الحادة. وأكثر أشكال اللِّمفوم شيوعًا هو مرض هودجكين، المسمِّى باسم الطبيب الإنجليزي توماس هودجكين. وهو أول من وصف هذا الداء.

في السابق، كانت اللوكيميا واللِّمفوم من بين أصعب السرطانات من حيثُ المعالجة. ولكن طُرق المعالجة قد تطورت منذ بداية 1960م وازدادت نسبة الشفاء باطّراد. واللوكيميا هو أهم أنواع السرطانات التي تصيب الأطفال. ويُعتقد أن التعرض للأشعة المؤينة داخل رحم الأم أو أثناء الطفولة عامل مهم لنشوء اللوكيميا عند الأطفال  

التصنيف حسب نسيج الجسم. تعرف السرطانات علميًا تبعًا لنمط النسيج الموجود في الجسم الذى تعود إليه أصلاً. وبذلك يُمكن تقسيمُها لمجموعتين رئيسيتين هما: السرطانة والغَرَن. تبدأ السرطانة في النسيج الِظهاري، وهو النسيج المؤلف للجلد وبطائن الأعضاء الداخلية. ويبدأ الغَرَن في النسيج الضام، وهو النسيج المؤلف للبُنَى الداعمة في الجسم، مثل العظام والغضاريف. تصنّف اللوكيميا واللمفوم أحيانًا منفصلة عن السرطانة والغَرَن ولكنها صنفت أيضًا شكلاً من أشكال الغَرَن، لأن الأنسجة التي تصيبها ـ مثل الدم واللمف ـ هي شكل من النسيج الضام.

وينتمي معظم حالات السرطان إلى مجموعة السرطانة. ويدخل فيها معظم سرطانات الجلد والثدي وأجهزة الهضم والتكاثر والتنفس والبول. يحدث الغَرَن أيضًا في كل هذه الأعضاء والأجهزة، ولكن بنسبة أقل بكثير من إصابتها بالسرطانة.

أسباب السرطان

يتفق الخبراء على أن الأشخاص يكتسبون السرطان بصورة رئيسية، عبر تعرضهم المتكرر والطويل لواحد أو أكثر من العوامل المسببة للسرطان، التي تسمى المُسَرطِنَات. وبالإضافة لذلك، يعتقد العلماء أن الشخص يمكن أن يرث الاستعداد للمرض أو قابلية تشكيل المرض.


المسرطنات المحُتملة والعوامل المسببة للسرطان


المسرطن أو العامل

أماكن الإصابة في الجسم

التبغ

الرئتان، الفم، المريء، المثانة

الكحول

الكبد

السمك الصيني المملح

الأنف والحلق

الشاي الساخن جدًا

المريء

ضوء الشمس

الجلد

الإشعاعات المؤينة

نقي العظام

القطران، الدخان

الجلد، الصفن، الرئة، المثانة، أعضاء الهضم

فيروس التهاب الكبد ب + أفلاتوكسين

الكبد

فيروس إبشتاين بار

الجهاز اللمفاوي

فيروس الحُلَيْموم

عنق الرحم

فيروس لوكيميا الخلايا التائية البشرية

نقي العظام

الأسبستوس

الرئة، بطانة تجويفي، الصدر والبطن

البنزين

نقي العظم

كلوريد الفينيل

الكبد

التسرْطُن. يبدأ بمرحلة تدعى البداية. وخلال هذه المرحلة، تحدث طفرة (تغيرات في المادة الوراثية) في الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين الذي يحوي التعليمات الطبعات الزرقاء للخلية.   ويمكن أن يحصل التغير الوراثي بشكل عرضي خلال الانقسام الخلوي، ويمكن أن يحدث أيضًا نتيجة عوامل خارجية تدخل إلى الجسم. وتتضمن العوامل الخارجية: الإشْعاعات المؤَينة، والتدخين، وبعض الفيروسات، وبعض المواد الكيميائية.

وبالرغم من أن هذه البداية قد لا تحدث السرطان، فإن الخلية المصابة تصبح جاهزة للدخول في المرحلة الثانية من التسَرطُن التي تسمى مرحلة التأسيس. وأثناء هذه المرحلة تبدأ الخلية المستعدة لذلك بالانقسام وتنقل بذلك التَغَيرات الوراثية. وعندما يتشكل الورم يمكن أن يستمر بالتطور حتى يصبح سرطانيًا.

ويصبح عدد من الخلايا في جـسم الشخـص مثارة وتبدأ بالانقسام لتشكل بؤرات (أورامًا حميدة صغيرة). ولكن في معظم الأحيان لا يحدث تطور البؤرات لأكثر من ذلك الحد. والأسباب التي تؤدي إلى إصابة بعض الناس بالمرض غير مفهومة حتى الآن. وقد ينتج عدد من السرطانات عن اجتماع عاملين أو أكثر وليست ناتجة عن عامل واحد فقط.

ويمكن أن تظهر في مجموعة معينة من الناس نسبة مرتفعة من السرطان فيبحث الخبراء عن مواد في البيئة المحلية، قد تكون سببًا في إحداث السرطان. ولتحديد الطبيعة السرطانية لمادة ما، يلجأ العلماء لاختبارها في حيوانات المختبر. وإذا وُجدِ أن نسبة مُرتفعة من الحيوانات أصيبت بالسرطان، فإن العلماء عندئذ يقررون احتمال أن تكون محدثة للسرطان أيضًا بالنسبة للبشر. ويقوم العلماء بعد ذلك بإجراء ما يسمى الدراسات الوبائية. وتُقارن في هذه الدراسات مجموعة من أناس معرضين لهذه المادة، التي يعتقد أنها مسرطنة مع مجموعة أخرى منتقاة بعناية، وغير معرضة لهذه المادة. ويؤكد ظهور السرطان بشكل مرتفع في المجموعة الأولى أن هذه المادة مسرطنة. وتُشير الُفحوص المخبرية والدراسات الوبائية أن هناك مجموعتين رئيسيتين من المسرطنات يمكن ن تسبب السرطان في الإنسان. وهاتان المجموعتان هما: 1- مواد كيميائية متنوعة. 2- بعض أشكال الإشعاعات. وتكون الفيروسات مجموعة ثالثة من المسرطنات الكامنة.

الكيميائيات.كشف العلماء عن مئات من المواد الكيميائية التي يمكن أن تسبب السرطان عند الحيوانات. وهذه المواد الكيميائية خطرة أيضًا ومسببة للسرطان عند الإنسان، إذا أصبحت واسعة الانتشار في المواد الغذائية، وفي البيئة العامة أو محيط السكن أو العمل لمجموعة معينة من الناس.

وفي معظم الحالات، تدخل الكيميائيات المسرطنة الغذاء عبر الإضافات أو المضافات الغذائية (الكيميائيات المستعملة في معالجة الطعام)، أو أثناء استعمالها في الزراعة. فقد اكتُشِف أن بعض المواد المضافة للطعام والمستعملة بشكل واسع مُسرطنة، كما هو الحال في المبيدات الحشرية والكيميائيات الأخرى المستعملة في الزراعة. ويدل العفن الذي يتكَّون أحيانًا على المحصولات الزراعية، مثل الذرة والفول السوداني، على أنها تحتوي على مُسرطنات. ويَبْحث العلماء عن السبل اللازمة لمكافحة هذه التعفنات.

وعند التخلص من النفايات المنتجة، تلقي بعض المصانع كيميائيات مسرطنة في الوسط المحيط بها. ويمكن لهذه المسرطنات أن تلوث الهواء ومياه الشرب، وبذلك تكون خطرة على الجماعات بكاملها. وتعمل الوكالات المحلية والوطنية والدولية على إيقاف هذه الممارسات قبل أن تُصبح خطرًا مهددًا.

ويمكن أن تتكَون مسرطنات أخرى في محيط الإنسان أثناء معيشته أو عمله، وتَتَضَّمن: 1- قطران التبغ 2- بعض الكيميائيات الصناعية 3- بعض الكيميائيات الموجودة في الأغذية الطبيعية 4- بعض الكيميائيات المُستعملة في الدواء.

ويُعد تدخين السيجارة السبب الرئيسي في حدوث سرطان الرئة. وله علاقة أيضًا بسرطانات أخرى منها سرطان الفم والحَنْجَرة والبَلعوم والرغامى والمريء والبنكرياس والكلية والمثانة وعنق الرحم. وتكون بعض الكيميائيات الصناعية خطرة لإحداثها السرطان عند الأشخاص العاملين بها. وتتضمن هذه الكيميائيات أصبغة الأنيلين، والزرنيخ، والأسبستوس، ومركبات الكروم والحديد، والرصاص، والنيكل، وكلوريد الفينيل، وبعض منتجات الفحم الحجري، وفحم اللجنيت، وصخر الزيت، والنفط. وإذا لم يُراقب استعمال مثل هذه الكيميائيات في المصانع بعناية، فإن الكمية الزائدة منها قد تفلت، وقد يتم التخلص منها في البيئة المحيطة. وتُسبب هذه الكيميائيات عندئذ خطرًا على الأشخاص الموجودين بتلك المنطقة.

وتوجد بعض الكيميائيات عادة في الغذاء، ولكنها يُمكن أن تُهدد بحدوث السرطان إذا استهلكت بكمية كبيرة. فالأغذية الغنية بالدهون مرتبطة بإحداث سرطان الثدي، والقولون، وغدة البروستات. ويُعدّ الاستهلاك الكبير للأملاح والغذاء المُدَخَّن ذا علاقة بسرطانات جهاز الهضم. ويبدو أن الأغذية الغنية بالفواكه، والخضراوات والخبز الكامل والحبوب تقلل من خطر حدوث بعض أنواع السرطان.

ويمكن أن تُسبب الأدوية الطبية سرطانًا، ويدخل في ذلك الأشكال الصناعية للهورمون الأنثوي المسمى الإستروجين. والهورمونات، بما فيها الإستروجين، مواد ينتجها الجسم لكي تُنظم وظائف متعددة فيه. وقد استُعملت الإستروجينات الصناعية على شكل أقراص لتنظيم الحمل، وفي علاج أعراض الإياس (نهاية الدورة الشهرية) عند المرأة. وإذا أُخذت بجرعات كبيرة، فإن هذه المادة تُسبب سرطانًا. مثلاً، يحدث سرطان الرحم بنسبة عالية بين النساء اللواتي تناولن الإستروجين بانتظام لعلاج أعراض الإياس. ولقد ترافق وجود حالات قليلة من سرطان الكبد مع تناول الأقراص المُنَظمة للحمل.

الإشعاع.تتسبب بعض أنواع الإشعاعات في إصابة الأشخاص المتعرضين لها لزمن طويل بالسرطان. فمثلاً، تتسبب معظم حالات سرطان الجلد عن الأشعة فوق البنفسجية الآتية من الشمس. ولذلك يحدُث هذا المرض غالبًا بين مستخدمي الحمامات الشمسية والأشخاص الذين تتطلب طبيعة عملهم التعرض لضوء الشمس. وحتى بجرعات قليلة، يمكن للإشعاعات المؤَينِّة أن تُسبب طفرات وراثية تزيد خطورة الإصابة بالسرطان. ويَكمُن خطر حدوث السرطان أيضًا عند إجراء التصوير بالأشعة السينية. ومهما يَكُن، فإن كمية الإشعاع التي يتلقاها المريض أثناء التصوير، يمكن التحكم فيها بحذر شديد، كما أن فائدة التصوير بالأشعة في الطب وطب الأسنان، تفوق كثيرًا المخاطر الناتجة منها.

الفيروسات. أظهرت التجارب أن بعض أنواع الفيروسات تُسبب سرطانًا عند الحيوانات. وقد لُوحظ ارتباط وجود فيروس مع لمفوم بيركيت عند الإنسان. وتحتوي بعض الأنسجة البشرية المُتسرطنة على فيروسات شبيهة بتلك المسببة للسرطانات عند الحيوانات. ومهما يكن، فإن خبراء السرطان يشعرون بأن الفيروسات ليست سببًا كبيراً في الإصابة بالسرطان.

الاستعدادات الوراثية. تحدث بعض السرطانات كالتي تصيب الثدي والقولون، بنسبة مرتفعة بين الأقارب أكثر من النسب العادية.وبذلك تَوصل العلماء إلى أن بعض الأشخاص يرثون الاستعداد لتشكيل نوع معين من السرطانات، ولكن تم التأكد فقط من أنماط معينة من السرطانات واعتبرت وراثية. ومن هذه الأنماط ورم أرومة الشبكية، وهو سرطان نادر يصيب العين، ويحدث بشكل رئيسي عند الأطفال دون ثلاث سنوات من العمر. وبالإضافة لذلك، وجد الباحثون دليلاً على أن الشخص يرِث الجينات الضرورية للنمو الابتدائي للأنسجة، والتي قد تتحور وتُسبب السرطان في مرحلة متأخرة. وتُدعى هذه الجينات مكونات الأورام، وتبقى عادة غير نشطة في خلايا البالغين. لكن المواد الكيميائية والفيروسات والهورمونات، والعوامل الأخرى يمكن أن تنشطها. وتنتج هذه الجينات مكونات الأورام بروتينات تحوَّل الخلية السليمة لأخرى سرطانية. وقد اكتشف العلماء نحو 20 من مكونات الأورام يمكن أن تُسبب سرطانًا في بعض الأعضاء، وتشمل هذه الأعضاء المثانة، والثدي، والكبد، والرئتين، والقولون، والبنكرياس.

اكتشاف وتشخيص السرطان

بوسع الطبيب وحده تشخيص السرطان. ولكن في عديد من الحالات يستشار الطبيب فقط بعد أن يكون المرض قد انتشر. ولذلك يجب أن يوجه انتباه الشخص لعدد من التَّغيرات الجسمانية التي يمكن أن تكون عرضًا للسرطان. ويزيد الكشف المبكر كثيرًا من فرص نجاح المعالجة.

التشخيص الأوَّلي. تبدأ حوالي 50% من كل أنواع السرطانات بأجزاء من الجسم يستطيع الطبيب فحصها بشكل روتيني خلال زيارة للمريض. ويعتمد الأطباء على التصوير والفحوص المخبرية لفحص السرطانات المشكوك فيها. فمثلاً، تمكن إحدى تقنيات الأشعة السينية، وتُدعى تصوير الثدي، الأطباء من الكشف عن سرطان الثدي في مراحله المبكرة وتكشف تقنية أخرى تسمى التصوير المقطعي الحاسوبي، عن السرطان في الأعضاء الداخلية، مثل الدماغ والرئتين. وفي هذه التقنية يحلل الحاسوب المعلومات الواردة من الأشعة السينية، ويوضح صورة مفصلة للعضو على الشاشة. ويكشف الأطباء أيضَا عن السرطان بوساطة التصوير بالرنين المغنطيسي. وتستعمل هذه التقنية حقولاً مغنطيسية وموجات الراديو لإنتاج صور للأعضاء الداخلية.   

ساعد اختبار بابانيكولا على إنقاص نسبة الوفيات من سرطان عنق الرحم. وقد سمي هذا الاختبار باسم مكتشفه جورج بابانيكولا، الطبيب الأمريكي اليوناني المولد. وفي هذا الاختبار يؤخذ سائل من المهبل (العضو الذي يفتح عليه الرحم) أو خلايا من عنق الرحم وتفحص بوساطة المجهر. ويمكن لهذه التقنية أن تكشف سرطان الرحم قبل ظهور الأعراض بفترة 5 ـ 10 سنوات. ويستعمل الأطباء طرقًا مماثلة للكشف عن سرطانات المثانة والرئتين في مراحلهما المبكرة.

التشخيص النهائي. يمكن أن تكشف الطرق المختلفة عن وجود ورم. لكن الأطباء يحتاجون نتائج اختبار خاص يدعى الخزعة، لتحديد ما إذا كان الورم خبيثًا. ولإجراء هذا الاختبار، تنزع جراحيًا قطعة صغيرة من الورم. وتفحص هذه العينة بوساطة المجهر للبحث عن وجود خلايا سرطانية، حيث يكون لها منظر مخالف للخلايا الطبيعية. وتجري اختبارات مشابهة لتشخيص اللوكيميا واللمفوم، حيث ينزع نسيج من عضو مكون للدم، أو تؤخذ عينة من الدم. ويفحص النسيج أو الدم بوساطة المجهر لمعرفة وجود خلايا سرطانية. ويفحص النسيج اللمفاوي لاختبارات تشخيص اللمفوم.

معالجة السرطان

يستعمل الأطباء ثلاث طرق رئيسية لمعالجة السرطان: 1ـ الجراحة 2ـ المعالجة الإشعاعية 3ـ المعالجة الدوائية.

في كثير من الحالات تشتمل المعالجة على إجراء طريقتين أو ثلاث طرق، بوسيلة تدعى المعالجة المتعددة النماذج.

الجراحة. هي الطريقة الرئيسية لمعالجة سرطانات الثدي والمستقيم والرئة والمعدة والرحم. وتتضمن المعالجة الجراحية للأورام بشكلها الرئيسي استئصال الورم وإصلاح الأعضاء المتأثرة. ولكن بالإضافة للورم نفسه، يمكن إزالة الأنسجة المجاورة السليمة ظاهريًا لمنع انتشار الداء.فمثلاً يتضمن استئصال الثدي، إزالة الثدي المصاب بالسرطان مع بعض الأعضاء اللمفاوية المجاورة، إذ يمكن للخلايا السرطانية أن تنتشر بهذه الأعضاء ثم تنتشر تباعًا

المعالجة الإشعاعية. تتضمن قذف السرطانات بالأشعة السينية بوساطة أشعة أو جُسيمات من مواد مشعة، مثل الكوبالت 60 والراديوم. والمعالجة الإشعاعية هي إحدى الطرق الرئيسية لمعالجة الحالات التي تصيب المثانة وعنق الرحم والثدي والجلد أو أجزاء الرأس والعنق، حيث تقتل الأشعة الخلايا السرطانية. ويمكن أنْ تتلف المعالجة الإشعاعية أيضًا الخلايا السليمة، ولذلك ينبغي أن تستخدم الأشعة لقتل أكبر عدد ممكن من الخلايا السرطانية بقليل من الخطورة للأنسجة السليمة. وتُجرَى التحسنيات باستمرار على المعدات الإشعاعية لزيادة فعالية هذه المعالجة. فمثلاً ينتج جهاز الأشعة السينية ذو التردد العالي وجهاز الكوبالت إشعاعات لها قدرة تأثيرية كبيرة وأقل ضررًا بالأنسجة السليمة من الإشعاعات العادية. وهنالك نبيطتان حديثتان هما المُعَجِّل الخطِّيً والسيكلوترون، وهما أكثر فعالية في هذا المجال. تنتج المعجلات الخطية إلكترونات ذات طاقة عالية تستخدم الآن بكثرة في علاج الأورام الداخلية. أما النيوترونات ذات الطاقة العالية، التي تنتجها أجهزة السيكلوترون فقد استعلمت تجريباً في معالجة السرطان المتقدم للرأس والعنق والثدي والمريء والرئة والمستقيم.

المعالجة الدوائية. وتُعرف أيضًا بالمعالجة الكيميائية وهي طريقة أخرى مهمة لمعالجة السرطان. فقد استعمل اكثر من 50 دواء ضد أنواع من السرطانات. وتفيد الأدوية خاصة في اللوكيميا و اللمفوم.

يتم اختيار الأدوية المضادة للسرطان بحيث تقضي على الخلايا السرطانية، مع قليل من الضرر للخلايا السليمة. ومع ذلك، فإن الأدوية عالية السمية، وتؤذي بدرجات مختلفة الخلايا السليمة، وينجم عنها تأثيرات جانبية مُختلفة منها سقوط الشعر والغثيان وارتفاع ضغط الدم.

يعمل الكيميائيون على تصنيع أدوية أكثر أمانًا ضد السرطان. وأكثر الأشكال العلاجية الكيميائية فعالية هي العلاج المتحد؛ حيث يصف الأطباء عدة عقاقير لها طريقة مختلفة التأثير على الخلايا السرطانية، وذات تأثيرات جانبية مختلفة. وتُساعد مثل هذه المعالجة الدوائية، على تقليل فُرص مقاومة الخلايا السرطانية للأدوية، وتساعد أيضاً في منع التأثيرات الجانبية الخطيرة الناجمة عن جرعات عالية لدواء واحد.

المعالجة المتعددة النماذج. تتضمن هذه المعالجة استعمال طريقتين أو ثلاث طرق لمعالجة المصابين بالسرطان. وقد استعمل الأطباء منذ مدة طويلة الجراحة والمعالجة الإشعاعية في هذا السبيل. ولكن في حالات عديدة سواء استعملت طريقة واحدة أو طريقتان في المعالجة فإن الأطباء يُتابعون مرضاهم بمعالجة تُدعى المعالجة الكيميائية المساعدة. ونظرًا لأن الأدوية تنتشر في كافة أنحاء الجسم، فيمكنها أيضاً أن تهاجم و تتلف الخلايا السرطانية المجهرية التي لم تُكشف نسبة لانتشارها في أعضاء بعيدة. وقد استعمل هذا النمط من المعالجة المتعددة النماذج لمعالجة بعض أنواع سرطانات الثدي. ويُعالج بها أيضاً بعض أنواع سرطان العظام. واستُعملت تجريبياً أيضاً في معالجة سرطان القولون والمستقيم والرئة والمعدة.

معالجات أخرى. خلال الثمانينيات من القرن العشرين، بدأ العلماء تجربة نمط خاص لمعالجة السرطان يدعى المعالجة بمحورة الاستجابة الحيوية. و محورات الاستجابة الحيوية مواد تنبه أو تستعمل الجهاز المناعي في الجسم، لمهاجمة الخلايا السرطانية. وهي تنتج بشكل طبيعي من الجهاز المناعي استجابة للسرطان. ويُمكن تصنيع مُحورات الاستجابة الحيوية أيضاً في المختبر بكميات كبيرة، وذلك باستعمال تقنيات البيولوجيا الجزيئية.

تتضمن مُحورات الاستجابة الحيوية المهمة الإنترفرون، الأنترلوكين-2، والأجسام المضادة وحيدة النسيلة. وتُنتج الإنترفرون، وهي بروتينات، بوساطة الخلايا المقاومة للخمج الفيروسي. وعند بعض المرضى المصابين بالسرطان، يمنع الأنترفرون نمو الخلايا السرطانية، وينشط أيضاً الجهاز المناعي، لكي يُهاجم و يقضي على الخلايا السرطانية.   أما الأنترلوكين -2 فهو بروتين تفرزة بعض خلايا الدم البيضاء لدعم و تقوية كريات دموية بيضاء أخرى. وعندما يعطى لبعض المرضى المصابين بالسرطان فإن الأنترلوكين – 2، ينبه نمو كريات الدم البيضاء لتقضي على الخلايا السرطانية.   بروتين. وتنتج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة من اتحاد خلية سرطانية مع نوع من كريات الدم البيضاء تدعى الخلايا البائية. وقد وجد الباحثون أن الأجسام المضادة وحيدة النسيلة والمنتجة من خلايا المريض السرطانية، تستطيع القضاء على الخلايا السرطانية، ولا تؤذي بقية الخلايا

أبحاث السرطان

تشمل أبحاث السرطان مشاريع واسعة، تبدأ من الكشف عن المسرطنات إلى تصنيع الأدوية المضادة للسرطان. إن التقدم في بعض المجالات من البحوث قد أعطى الأمل في إيجاد طرق جيدة للوقاية والمعالجة. كما توصل العلماء يبحوثهم السرطانية إلى التقدم السريع في مجالين هما البيولوجيا الخلوية وعلم المناعة. وتهتم البيولوجيا الخلوية بدراسة تركيب وسلوك الخلايا. وعلم المناعة هو دراسة كيفية مقاومة الجسم للمرض. وقد توصل العلماء أيضاً إلى اكتشافات مهمة تشمل دور التغذية في مرض السرطان.

في البيولوجيا الخلوية. بدراسة الخلايا السليمة والخلايا السرطانية بوساطة المجهر، اكتشف علماء الخلية فروقاً مهمة في سلوك الخلية، فقد وجدوا مثلاً، أن الخلايا الطبيعية في حالة الانقسام الخلوي، تستمر في الانقسام حتى تلامس الخلايا المجاورة. وعند ذلك يقف الانقسام الخلوي. وتدعى هذه الصفة للخلايا الطبيعية التثبيط بالتماس. وهو فيما يبدو جزء من عمل نظام التحكم، الذي ينظم التكاثر الخلوي. والخلايا السرطانية ينقصها صفة التثبيط بالتماس. فهي تستمر في الانقسام، بعد أن تلامس الخلايا المجاورة.

وقد طوّر علماء البيولوجيا الخلوية سُُبل القضاء على الخلايا السرطانية، دون إلحاق الأذى بالخلايا السليمة. فبعض الخلايا السرطانية مثلاً، تموت أسرع من الخلايا، عندما تتعرض للحرارة. ويستطيع الأطباء قتل الخلايا السرطانية بتسليط الحرارة على نسيج مصاب بوساطة نبيطة كهربائية خاصة. وبالإضافة لذلك، يبحث علماء البيولوجيا الخلوية عن تحديد كيف تنشط مكونات الورم؟ وكيف يمكن الخلاص منها؟. وإذا عرف العلماء كيف يُبطلون مفعول مكونات الأورام، فإنهم سوف يجدون السبل اللازمة للحد من تكاثر الخلايا السرطانية.

في علم المناعة. وجد الباحثون أن العديد من الخلايا السرطانية تحوي مواد تنشط الجهاز المناعي في الجسم، بوصفه جهاز الدفاع ضد المرض.

وتسمى المواد التي تنشط الجهاز المناعي المستضدات. وينتج الجهاز المناعي مواد تدعى الأجسام المضادة، التي تتفاعل مع المستضدات فتجعلها غير مؤذية. وتكون هذه الاستجابات المناعية وسائل دفاع الجسم الرئيسية ضد البكتيريا. وقد بينت الأبحاث أن الاستجابات أيضاً وسائل دفاع ضد السرطان.

ومعظم الأشخاص الذين لم يصابوا بالسرطان لديهم، في الأغلب، جهاز مناعي يتفاعل بشدة مع مستضدات السرطان. ويعتقد أيضاً أن الاستجابات المناعية تكون مسؤولة عن الحالات النادرة، التي يتوقف فيها السرطان عن النمو ويختفي دون علاج. أما مرضى السرطان، فإنهم يصابون به، لأن جهازهم المناعي يتفاعل بضعف مع المستضدات.

في التغذية. ثبت أن الجرعات العالية من فيتامينات ¸أ· و¸ج· و¸هـ· تمنع حدوث بعض السرطانات في حيوانات المختبر. ويعتقد العديد من العلماء أن بعض الأطعمة تحوي مواد يمكن أن تُساعد على منع حدوث السرطان عند الناس. ومن هذه الأطعمة البركولي والقنبيط والكرنب والسبانخ والجزر والفواكه والخبز المصنوع من دقيق القمح والحبوب وبعض المأكولات البحرية. ويمكن أن يساعد التقليل من تناول الدهون أيضًا في منع تشكيل بعض السرطانات.

إنقاص الخطورة. أعلن الاتحاد الأوروبي لائحة الإرشادات التالية التي بموجبها يُمكن المساعدة في إنقاص خطورة السرطان. 1- المداومة على التمارين الرياضية 2- التقليل من الأطعمة الدسمة، مثل الزبدة ومشتقات الألبان 3- الوقاية من الأشعة فوق البنفسجية 4- الامتناع عن التدخين 5- الامتناع عن الكحول 6- إجراء فحص مسحات عنق الرحم للنساء كل ثلاث إلى خمس سنوات 7- فحص الثدي بحثاً عن وجود أورام أو دمامل، وتجعدات 8- تناول أطعمة صحية، مثل الفواكه، واللحم الخالي من الدهون، والخضراوات، وتناول كثير من الطعام المحتوي على الألياف.

أسئلة

  1. ما الطرق الرئيسية لمعالجة السرطان؟

  2. كيف يدخل التكاثر الخلوي في نشوء السرطان؟

  3. لماذا تصعُب مُعالجة السرطان إذا اكتشف متأخرًا.

  4. ما السرطانة ؟ وما الغرن ؟

  5. لماذا يكون لعديد من الأشخاص مناعة ضد السرطان؟

  6. ما مكونات الأورام؟

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الطَّلاق Divorce

الطَّلاق  Divorce

انفصال شرعي بين الزوج والزوجة وحرمة المعاشرة الزوجية بينهما وإنهاء عقد زواج على وجه مخصوص، بالكتابة أو باللفظ صراحة وكناية، أو بالإشارة المفيدة لذلك، ويقع في الحال، كما يمكن أن يقع في المآل، إذا أضيف إلى زمن المستقبل، أو عُلّق على حدوث أمر معين فيه.

وتفريق القاضي بين الزوجين يُقال له: تطليق، وهو يختلف عن إبطال الزواج، حيث يحكم القاضي بعدم صحة الزواج ابتداءٍ؛ لوجود مانع قبل عقد الزواج لا يصح معه عقد الزواج أساسًا، كزواج غير المسلم بالمسلمة. وقريب من هذا ما يقال له: فسخ الزواج.

شرع الإسلام الزواج لتحقيق الحاجات الفطرية والمطالب الإنسانية التي منها: الاستقرار النفسي والمودة الأسرية، قال تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ الروم:21 .

والمشاهد أن هذه الحاجات الفطرية والأمور التي من أجلها شرع الزواج لا تتحقق في بعض الأحيان، وتصير متعذرة أو متعسرة الاستمرار؛ حيث يكتشف الزوجان أو أحدهما أنه أخطأ في اختيار صاحبه، وأن هذا الزواج انقلب إلى مصدر للشقاء والتعاسة، بدلاً من أن يكون منهلاً للهناء والراحة، وأنه لا يمكن لأحدهما الاستمرار مع الآخر؛ لما فيه من طباع وسلوك لا تتغير، أو لكون مقومات الإنجاب مفقودة بينهما، أو للعجز عن القيام بالحقوق الزوجية، سواء منها الجنسية أو المالية أو غيرها. وهكذا يصبح الزواج لا معنى له لعدم توافر أسباب السعادة والاستقرار.

ولعلاج هذه الحالات التي تقع في الحياة الأسرية الإنسانية، أحاط الإسلام الطلاق بأحكام خاصة، وتدرَّج في اعتبار آثارها النهائية، وحدَّد الهيئات المشروعة في الطلاق، وحذر مما سواها واعتبر فعلها معصية وإثمًا. كل ذلك للحد من تفشي الطلاق، وتجنيب الزوجين والمجتمع الحد الأدنى من الضرر الذي قد يقع.

لقد سمح الإسلام بالطلاق للحاجة إليه، إلا أنه كرهه وعدّه من أبغض التصرفات الإنسانية المباحة، قال النبي ³: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر) رواه مسلم. والفرك: البغض أي لا يكن البغض لخلق من المرأة حاملاً على طلاقها فلعله في إطار ما يتغاضى عنه شرعًا، وعساه إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا أو أخلاقًا أخرى. ونظرًا لما قد يترتب عليه من أضرار اجتماعية وأسرية، يكون الأطفال بسببها أول الضحايا، فضلاً عما في الطلاق من تمزيق لعرى الأسرة التي هي الخلية الأساسية في بناء المجتمعات.

لكن ينبغي القول أيضًا بأن تشريع الإسلام للطلاق في الحالات الأسرية المستعصية، يدل على واقعيته ومرونته ومواكبته وقائع الحياة البشرية ومتطلباتها العادلة، في الوقت الذي لا يعتبر مسؤولاً عن حالات الطلاق الظالمة التي تقع من بعض الناس بسبب حماقاتهم وجهالاتهم؛ لأنهم استعملوا هذا العلاج في غير موضعه الذي ُشرع من أجله، وهو تصرف شاذ منهم يحتاج إلى تبصير وإرشاد. فقد ذُكر أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يستشيره في طلاق زوجته؛ لأنه ما عاد يحبها، ويميل إليها كما كان من قبل، وصارت نفسه تملها وتسأم منها، فقال له عمر مؤنبًا: وأين الرعاية والوفاء والعشرة في السراء والضراء؟

جعل الإسلام الطلاق ـ في الأصل ـ حقًا للزوج؛ لأنه أصبر على المشكلات والخلافات الزوجية، فلا يسارع إلى الطلاق لكل غضبة يغضبها؛ حيث يعلم أنه إن طلق زوجته فسيتحمل ما يترتب على ذلك من مهر مؤجل، ومن تأمين السكن لها والنفقة عليها في أثناء عدّتها، فضلاً عن نفقة الأطفال وحضانتهم، وهم تحت إشرافها ورعايتها، ونفقات أخرى ـ مثلها أو أكثر منها ـ إذا هو أراد الزواج بامرأة أخرى.

ومع أن الطلاق ـ في الأصل ـ للزوج، فقد منحه الإسلام أيضًا للزوجة وللقاضي. أما الزوجة، فتملكه إذا اشترطته في عقد الزواج، أو فوّضها الزوج به في العقد أو بعده، بحيث لا يمكنه الرجوع عنه بعدئذ إلا بتنازل الزوجة عنه، كما يمكن للزوجة أيضًا إنهاء عقد الزواج بالمخالعة، وذلك حين تبذل للزوج مقدارًا من المال مقابل إنهاء الحياة الزوجية المتعسر استمرارها بينهما، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ البقرة: 229 . وقد جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله ³ وقالت: (يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضًا، فسألها عما أخذت منه، فقالت: حديقة، فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال ³ لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) رواه البخاري والنسائي.

وأما القاضي، فقد منحه الإسلام سلطة تقديرية للتفريق بين الزوجين حين المساس بحقوق الشريعة التي هي بمثابة النظام العام، كأن يرتد أحد الزوجين عن الإسلام، أو حين المساس بالحقوق الزوجية وتضرُّر الزوجة بذلك وطلبها الطلاق، كما لو اكتشفت عجز الزوج عن المعاشرة الجنسية، أو أنها تتضرر بغيبته الطويلة عنها أو بسجنه، أو بإدمانه المخدرات والمسكرات، أو بضربه الظالم لها.

أهلية المطلِّق. يُشترط في المطلق أن يكون عاقلاً بالغًا مكلفًا، فلا يقع الطلاق من المجنون وغير البالغ ولا من المعتوه والنائم والمكره على الطلاق، كما لا يقع طلاق السكران بغير إرادته واختياره، ولا طلاق المدهوش ومثله المذعور الذي أصابته مصيبة أو كارثة تجاوز معها حدّ الوعي المطلوب في أمثاله.

حرص الإسلام على الحد من وقوع الطلاق، وذلك بتقسيمه إلى طلاق سُني مشروع، وإلى طلاق بِدْعي مذموم، فالطلاق السني المشروع الذي يرتضيه الإسلام هو أن يطلق الزوج زوجته طلقة واحدة في وقت الطُهْر (انعدام الحيض بغير الحمل) الذي لم يعاشرها فيه جنسيًا. ونظرًا لوجود التجاذب الفطري والجنسي المتجدد ـ غالبًا في هذه الفترة- بين الزوجين، فإنه يُستبعد ـ عادة ـ أن يكون عقب هذا التجاذب طلاق، إلا لسبب متمكن في النفس يسوغ الطلاق شرعًا، وبهذا تقل فرص وقوع الطلاق، وبخاصة عند حرص الزوجين المسلمْين على تجنب مخالفة الشرع.

أما الطلاق البدعي المذموم، فهو أن يطلق الزوج زوجته ثلاث طلقات مجتمعة معًا، أثناء الطهر الذي لم يعاشرها فيه جنسيًا، أو يطلقها طلقة واحدة مفردة أو أكثر أثناء الطهر الذي عاشرها فيه جنسيًا، أو يطلقها طلقة واحدة مفردة أو أكثر أثناء الحيض.

وقد نهى الإسلام عن الطلاق البدعي، وعدّ فاعله عاصيًا وآثمًا، ودعاه إلى الرجوع عنه إن أمكن ذلك، ولم يرتب على بعض صوره وحالاته ـ عند فريق من العلماء ـ أي أثر شرعي؛ لأن الهدف من ذلك تقليل حالات الطلاق، وتفادي الإضرار بالزوجة التي قد يطول عليها زمن العدة.

عمل الإسلام على منع وقوع الطلاق ابتداء، وذلك بتشريع الوسائل العلاجية المناسبة لذلك، كفسح المجال أمام الزوجين أو أهلهما وأصدقائهما لمراجعة أسباب الخلاف، والعمل على إزالتها، ومحاولة رأب الصدع والحفاظ على كيان الأسرة موحدًا.

يضاف إلى هذا أن الإسلام وضع في طريق الطلاق ما يمكن تسميته بالقيود والعراقيل ـ التي لا يتجاوزها إلا المصرّ عليه ـ وذلك للحد من وقوعه وانتشاره، والحيلولة دون تمزق الأسرة وتفككها، وجعل كل هذه الأحكام ضمن خطوات متدرجة، حتى إذا انتهت الحياة الزوجية بعدئذ، عُلم أن الطلاق هو العلاج الذي لا بد منه.

وأول الخطوات التي شرعها الإسلام في هذا المجال عند بروز الخلافات بين الزوجين، العمل على توسيط حَكَم يمثل الزوج وحَكَم يمثل الزوجة، فيستمعان إليهما ويبذلان النصح لهما في إمكانية إصلاح ما بينهما، والحفاظ على وحدة الأسرة، واستمرار العيش مع بعضهما. قال الله تعالى: ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرا﴾ النساء: 35 .

فإن فشلت محاولات التوفيق بينهما، وتحدد الطلاق ـ بحسب تقدير الزوجين أو الحَكَمين ـ كعلاج مطلوب، فإنه يُشرع للزوج أن يطلق طلقة رجعية واحدة في طُهْر لم يعاشر زوجته فيه جنسيًا بحسب ما تقدم آنفًا. فإن فعل هذا، فإن الإسلام ـ من منطلق حرصه على استمرار وجود الأسرة موحدة ـ يتابع الزوجين، ويمنحهما فرصة زمنية إضافية لاحقة تسمى العدَّة، يمكنهما فيها الرجوع إلى بعضهما ـ بغير مهر ولا عقد زواج جديدين ـ إن هما سكن غضبهما، وتعدّلت مواقفهما وتبين لهما أن الطلاق قام على أساس خاطئ.

فإن عادا إلى بعضهما، ثم وقع الطلاق ثانية على النحو السابق، فإن الإسلام لا يضيق بهذا ذرعًا، بل يفتح الباب للمرة الثانية والأخيرة أمام الزوجين للعودة إلى بعضهما بغير مهر ولا عقد زواج جديدين، ما دامت العدة قائمة، ويقال لهذا الطلاق الطلاق الرجعي، وهو يتكرر مرتين فقط.

أما إن أصر الزوجان على موقفيهما، ولم يستفيدا من وقت العدة في الرجوع إلى بعضهما، ثم بدا لهما بعده أن بإمكانهما التعايش الحميد مستقبلاً، فإن الإسلام يرحب بهذا أيضًا، ويطلب منهما إثبات صدق العزيمة وحسن النية، وذلك بعقد زواج جديد بينهما وتقديم مهر جديد للزوجة، إذا كانت قد طلقت طلقة واحدة بائنة أو طلقتين بائنتين لا أكثر، ويقال لهذا الطلاق الطلاق البائن بينونة صغرى، وهو يتكرر مرتين فقط إن وقع طلقة واحدة بائنة في كل مرة. أما حين يصل الأمر إلى ثلاث طلقات، وهو ما يسمى بالبينونة الكبرى، فهذا يدل على أن الخلاف عميق ومستحكم الجذور في نفسي الزوجين أو أحدهما، وأنه لا أمل يُرْجى منهما في المدى المنظور، فليذهب كل منهما وقتئذ حيث يشاء، وليكن له ما يريد، قال الله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ البقرة: 229 . ثم قال بعدئذ: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ البقرة: 230 . وفي آية أخرى ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته﴾ النساء:130 . وذلك بأن يرزقها الله خيرًا ممن طلقها، ويرزقه هو خيرًا من مطلقته.

هذا هو منهج الإسلام في تشريع الطلاق: حرص متكرر على بقاء كيان الأسرة موحدًا، وأحكام تشريعية متلاحقة في كافة مراحل الخلافات الزوجية ـ حتى بعد حالات معينة من الطلاق ـ لرأب الصدع بين الزوجين وإنقاذ هذه الخلية الاجتماعية الفطرية من التفكك والانهيار والتشتت. ولا شك أن هذا الأسلوب التشريعي هو خير ما عرفه الناس؛ لأنه يعطي الوسيلة الواقعية الصحيحة لإنهاء الحياة الزوجية حينما تصير مصدرًا للآلام والقلق والنزاع، كما أنه يعطي الفرصة المعقولة للذين يطلِّقون، ثم يندمون على تسرعهم وتعجلهم في إنهاء الحياة الزوجية وفصم عرى الأسرة.

لا يتوقف الطلاق في الإسلام على الكتابة أو التوثيق في الدوائر الحكومية، كما لا يتوقف على إشهاد الشهود عليه، حيث لم يُنقل عن النبي ³ ولا عن الصحابة ما يدل على وجوب ذلك، بل الذي ورد وقوع حالات من الطلاق لم يشهد عليها أصحابها، ولم يوثقوها رسميًا. غير أنه يُستحب شرعًا، بل يجب التوثيق والإشهاد إذا تعيَّنا كلاهما أو أحدهما وسيلة لحفظ الحقوق، وبخاصة عند التنازع والجحود، وهذا معنى الآية: ﴿أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ الطلاق:2 .

عمل الإسلام على ترتيب بعض أحكام الطلاق وآثاره، وترك ترتيب بعضها الآخر إلى ما يتفق عليه الزوجان، انطلاقًا من مرونة أحكامه ومراعاة منه للمصالح الفردية الخاصة.

وأول آثار الطلاق وأهمها تحريم الاتصال الجنسي بل مجرد الخلوة بين الزوجين السابقين، إذا وقع الطلاق بائنًا بينونة صغرى أو بينونة كبرى ـ بحسب ما تقدم ـ حتى يتم عقد زواج جديد بمهر جديد في البينونة الصغرى، وحتى تنكح الزوجة زوجًا آخر، ثم يطلقها وتنتهي عدتها، ثم يعقد عليها الزوج الأول صاحب البينونة الكبرى.

ومن آثار الطلاق أيضًا المستحقات المالية، حيث يجب على الزوج وفاء مطلقته البائن بينونة صغرى أو كبرى ما تبقى لها من مهر غير مستوف أو مؤجل، إضافة إلى مبالغ مالية أخرى، تناسب حالات مثيلاتها في المستوى الاجتماعي، مما يسمى بمتعة الطلاق ونفقة العدة، والنفقة على الأطفال الذين سيبقون في حضانتها. ا . أما المطلقة طلاقًا رجعيًا فتجب لها النفقة في العدة حتى يتبين حالها فيما بعد.

وأما ما يتعلق بالميراث أو التركة، فإن المطلقة طلاقًا رجعيًا أو بائنًا بينونة صغرى ترث حصتها المقررة لها شرعًا، إذا مات مطلقها أثناء العدة. وإن كان طلقها طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، ثم توفي أثناء عدة الطلاق فلا ترث شيئًا منه، نظرًا لزوال عقد الزوجية زوالاً باتًا، لا يمكنهما بعده الرجوع إلى بعضهما. أما المريض مرض الموت إذا طلق زوجته طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، ثم مات أثناء عدتها، فإنها ترث منه حصتها الشرعية، دفعًا لمضارته إياها، ومعاملة له بنقيض قصده حينما حاول حرمانها من الميراث بتطليقها في مرض موته.

ومن آثار الطلاق كذلك، تملك الزوجة المطلقة حق حضانة الأطفال تحت سن معينة وبشروط خاصة، إلا إذا تراضى الزوجان على غير هذا.

ويمكن للزوجين أن يتنازلا لبعضهما عن جميع حقوقهما أو جزء منها، كما يمكن للطرفين الاتفاق على الاشتراك في تحمل مسؤولية رعاية الأبناء وإعالتهم، بدون أن تكون هناك محظورات شرعية.

وكثيرًا ما يترتب على الطلاق آثار بعيدة المدى بالنسبة للأطفال الصغار ومستقبلهم، لكن من المسلّم به أن عيش هؤلاء الأطفال مع أحد والديهم أخف ضررًا من العيش مع والدين تحيط بهما أسباب الشقاق والنزاع باستمرار.

الطلاق في القوانين المعاصرة

تستمد قوانين الطلاق المعاصرة أحكامها من مفاهيم القواعد الدينية السائدة في كلِّ مجتمع. ففي دول مثل أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، تقوم قوانين الطلاق أساساً على التقاليد النصرانية. كان الطلاق في هذه الدول مسموحًا به، حتى منتصف القرن العشرين، للطرف البريء فقط. وتشمل أسباب التطليق الخطأ أو “الجريمة الزوجية” التي ارتكبها الطرف الآخر، وذلك مثل ارتكاب الزنا أو الهجر أو القسوة. وفي كثير من الحالات، يكون طلب التطليق محلاً للنزاع، إذ يدَّعي كلٌّ من الخصمين أن الخصم الآخر هو المذنب. وأدى هذا الضرب من إجراءات التقاضي إلى إطالة أمد النزاع، وتمسك كل من الزوجين بادعاءات سمجة، وتحمله لمصروفات باهظة.

وفي الستينيات من القرن العشرين، قام جمهور كبير من الناس بحملة نحو مدخل متحرر للطلاق، اعتقاداً منهم أن الخطأ قد لايقع بالضرورة من أحد الطرفين فحسب، وأنه لامعنى للحفاظ على زواج لن تتوافر له أسباب السعادة على الإطلاق. لذلك تقوم أسباب التطليق، في العصر الحديث، في كلِّ من أستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة، على مجرد ثبوت انهيار في العلاقة الزوجيّة تستحيل معه المعاشرة أو التوفيق بين الزوجين. ويمكن إثبات ذلك بأنَّ كلاًّ من الزوجين يعيش مستقلاً عن الآخر عددًا معينًا من السنين. ومع ذلك، لايزال من الممكن في المملكة المتحدة، تقديم أسباب مماثلة للأسباب المعروفة في القانون القديم، لإثبات انهيار الحياة الزوجية.

وفي بعض الأحيان، تُوجّه للزوجين ـ قبل السير في إجراءات طلب التطليق ـ نصائح للنظر في إمكانية إصلاح العلاقة الزوجيّة بينهما. وفي كثير من الدول، جرى تغيير اسم المحاكم التي كانت تنظر قضايا الطلاق، لتصبح محاكم العائلة التي تنظر أيضًا في المسائل المتعلقة بالزواج والحضانة وغيرها من مسائل الأسرة.

وفي الهند، تعتنق أكثرية السكان الديانة الهندوسية وغيرها من الديانات التي لاتسمح تقاليدها بالطلاق. ولكن في عام 1956م، صدر قانون ينظم أحكام الطلاق بين الهندوس. أمَّا الجماعات الأخرى، مثل المسلمين والنصارى والسيخ والزِرادِشْت والطوائف اليهودية، فهي تخضع للشرائع الدينية الشخصية التي ينتمون إليها.

تدابير الطلاق

في العالم الغربي، يجب على الزوجين اللذين يرغبان في التطليق، وضع ترتيبات لحضانة الأبناء وإعالتهم، وتقسيم الأموال بين الزوجين، وإنفاق أحدهما على الآخر، متى كان ذلك ضروريًا.

ويمكن للزوجين الوصول إلى اتفاق على كلِّ هذه الترتيبات عن طريق المحامين الموكلين من كلِّ طرف. ومتى اقتنع القاضي بعدالة الاتفاق، صدَّق عليه. وإذا لم يصل الزوجان إلى اتفاق في هذا الشأن، تولّى القاضي بيان الكيفية التي ينبغي أن تتمَّ بها الترتيبات.

الترتيبات المالية. كان القاضي في الزمن الماضي يُصدر أمرًا بأن يدفع الزوج المُطلِّق نفقة زوجية كافية لإعالة زوجته المطلّقة.

وكان على الزوج أيضًا التنازل عن جزء من أمواله للزوجة، وتحمل العبء الأكبر من مسؤولية إعالة الأبناء.

وقام هذا الوضع على سببين رئيسيين: الأول: أن عددًا كبيرًا من المطلّقات لم يكنَّ يعملن خارج المنزل، ومن ثَمّ يحتجْن لإعالة أنفسهنّ، فضلاً عن إعالة أطفالهن. والسبب الثاني: التقاليد التي بُنيت عليها النصوص القانونية بشأن افتراض خطأ أحد الزوجين فحسب، جرت على اعتبار أنه لايجوز للمخطئ أن يحصل على نفقة من الطرف الآخر.

وفي معظم الحالات، كان يُقضى بأنّ الزوج هو الطرف المخطئ، لأن الزوجة هي التي كانت تقوم عادة بطلب التطليق، حتى لو كان الواقع ينبئ عن رغبة كلٍّ من الزوجين في الحصول عليه.

أمّا في الوقت الحاضر، فإنَّ المحاكم تُصدر أحكامها فيما يتعلق بالترتيبات المالية بالنظر إلى الحالة المالية لكل من الزوجين، في الاعتبار الأول. ذلك أن القضاة يدركون أنَّ كثيرًا من النساء لديهن مؤهلات للعمل خارج المنزل، ولم يعدن في حاجة ماسة لإعالتهنّ إعالةً كاملةً من جانب الزوج السابق. لذلك، إذا كان لكلِّ من الزوجين دخل يكفي لإعالة نفسه، فإنه يجوز للمحكمة ألاّ تحكم بالنفقة على أي منهما. وإذا ثبت أنّ دخل الزوجة أعلى من دخل الزوج، يجوز أن يُحكم عليها بقدر من النفقة له. وفضلاً عن ذلك، يجوز للوالدين الاشتراك في تحمل مسؤولية إعالة الأبناء. ويجوز للمحكمة أن تقسّم الأموال المشتركة للزوجين، وفقًا للحالة المالية لكلِّ منهما.

الترتيبات الخاصة بحضانة الصغار. كان القضاة في الغرب في أوائل القرن العشرين ومنتصفه يصدرون عادة وتلقائيًا الحكم بحضانة الأطفال الصغار لصالح الزوجة في معظم قضايا الطلاق، اعتقادًا منهم أنه لايجوز فصل الصغار عن والدتهم.

أمّا في الوقت الحاضر، فقد تبين لكثير من القضاة أنه ربما يكون من مصلحة بعض الصغار العيش تحت رعاية الأب. لذلك يجوز الحكم، لأيٍّ من الوالدين، بالحق في حضانة الصغير. كما يجوز للقاضي أن يقرر لغير الحاضنة زيارة الصغير، ويُعرف هذا الحق بحق الزيارة.

ويجوز للقاضي أن يأخذ في اعتباره رغبة الطفل في تفضيل العيش مع أي من الوالدين، ويحرص عادة على أن يظلَّ كلُّ الأطفال من زواج واحد معًا

وقد يتردد الوالدان المطلقان على المحكمة لأن أحدهما يعترض على حكم حضانة الصغير. فإن غيرّت المحكمة حُكمَها، فربما ترتّب على ذلك انتقال الأطفال من حضانة أحد الوالدين إلى الآخر، الأمر الذي قد يؤدّي إلى إيذاء مشاعر الأطفال، لذلك تميل بعض المحاكم إلى الممانعة في نقل حضانة الصغار من أحد الوالدين إلى الآخر، مالم يكونوا عرضة للخطر.

ولقد تصاعدت نسبة الطلاق في الغرب بشكل مأساوي منذ الستينيات من القرن العشرين. وأبدى الخبراء أسبابًا لذلك، تتلخص فيما يلي: 1- أضحى الطلاق أمرًا مألوفًا من الناحية الاجتماعية أكثر مما كان عليه من قبل 2- كثير من الأزواج يتوقعون السعادة من الزواج أكثر مما كانت الأجيال السابقة تتوقع منه، لذلك كان التعرض للإحباط أيسر وأسرع 3- ازدياد فرص النساء في الحصول على أعمال ذات دخل مرتفع، وهذه الفرص جعلت الزوجة أقل اعتمادًا من الناحية الاقتصادية على الزوج مما اعتادت عليه المرأة من قبل 4- تغيير قوانين الطلاق جعل الحصول على الطلاق أمرًا ميسورًا.

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الطاقة النووية Nuclear energy

 

الطاقة النووية  Nuclear energy

تسمى أيضًا الطاقة الذرية. هي أشد أنواع الطاقة المعروفة فاعلية. فهي تولّد ضوء الشمس الشديد وحرارتها الهائلة. وقد وجد العلماء والمهندسون استعمالات كثيرة لهذه الطاقة ولاسيما في إنتاج الكهرباء، ولكنهم لم يستطيعوا حتى الآن الاستفادة من كامل قدرتها. ويمكن أن تزود الطاقة النووية العالم كله بالكهرباء لملايين السنين لو أمكن تطويرها تطويرًا كاملاً.

لم يعرف العلماء شيئًا عن الطاقة النووية حتى أوائل القرن العشرين، حين قاموا باكتشافات مهمة في المادة والطاقة. وكانوا يعرفون من قبل أن كل المواد تتكوّن من ذرات، لكنهم عَلِموا بعد ذلك أن معظم كتلة الذرة تعود إلى نواتها، وأن هذه النواة متماسكة بقوة هائلة جدًا، يحتشد فيها مقدار ضخم من الطاقة بفضل هذه القوة. وكانت الخطوة التالية جَعْل النواة تُطْلقُ تلك الطاقة.

استطاع العلماء إطلاق الطاقة النووية على نطاق واسع لأول مرة في جامعة شيكاغو عام 1942م بعد ثلاث سنوات من بداية الحرب العالمية الثانية. وأدى إنجازهم هذا إلى تطوير القنبلة الذرية التي فُجِّرت للمرة الأولى في الصحراء قرب ألاموجوردو بولاية نيومكسيكو بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1945م. وقد أسقطت طائرات الولايات المتحدة في أغسطس من العام نفسه قنبلتين نوويتين على كل من هيروشيما وناجازاكي، وهما مدينتان يابانيتان. وقد دمرت القنبلتان كلتا المدينتين تدميرًا كبيرًا. وفي عام 1949م أصبح الاتحاد السوفييتي (سابقًا) الدولة الثانية التي فجرت القنبلة الذرية. أما اليوم فهناك ستّ دول على الأقل تملك قنابل نووية.

بدأ تطوير الاستعمالات السلمية للطاقة النووية منذ عام 1945م؛ فالطاقة التي تطلقها النواة تولّد كميات كبيرة من الحرارة. ويمكن استخدام هذه الحرارة لتوليد البخار الذي يمكن استعماله لإنتاج الكهرباء. وقد اخترع المهندسون أجهزة تسمى المفاعلات النووية وذلك من أجل إنتاج الطاقة النووية والتحكم فيها.

ويعمل المفاعل النووي مثل الفرن إلى حدٍ ما، ولكن بدلاً من استعمال الفحم الحجري أو النِّفط وقودًا تستخدم المفاعلات في الغالب، اليورانيوم. وبدلاً من الاحتراق في المفاعل يحدث لليورانيوم انشطار، أي تنفلق نواته إلى قسمين مُطْلِقَة طاقةً معظمها طاقة حرارية. ويطلق 0,45كجم من اليورانيوم من الطاقة ما ينتج من احتراق ألف طن متري من الفحم الحجري.

وأهم استعمال سلمي للطاقة النووية هو إنتاج الطاقة الكهربائية. ويعتمد أكثر من نصف إنتاج الطاقة الكلي على الطاقة النووية في بعض البلدان مثل فرنسا وبلجيكا والسويد. وتُسَيِّر الطاقة النووية أيضًا بعض الغواصات والسفن التي يُولِّد فيها المفاعل حرارة لتكوين بخار يحرك دواسرها. وإضافة إلى ذلك فإن للانشطار الذي يُولِّد الطاقة النووية قيمةً كبيرة إذ إنه يطلق أشعة وجسيمات تسمى الإشعاع النووي، تُستعمل في الطب والصناعة. ولكن يمكن أن يكون الإشعاع النووي خطيرًا جدًا، إذ يمكن أن ينجم عن التعرض لكميات ضارة من الإشعاع حالة تدعى داء الإشعاع.  

وتعالج هذه المقالة بالدرجة الأولى الطاقة النووية كمصدر للكهرباء. ولمعرفة الاستعمالات الأخرى للطاقة النووية.  

دور الطاقة النووية في إنتاج القدرة

تنتُج كلُّ الطاقة الكهربائية في العالم تقريبًا من محطات القدرة الحرارية ومحطات القدرة الكهرومائية. فالمحطات الحرارية تستخدم قوة البخار الناتج من الماء المغلي لتوليد الكهرباء، في حين تستعمل المحطات الكهرومائية قوة اندفاع الماء الساقط من سَد أو شلال. وتعمل معظم المحطات الحرارية بوقودٍ أحفوري يتكون من الفحم الحجري والزيت في المقام الأول، وذلك لتوليد الحرارة اللازمة لغلي الماء. وقد نشأ الوقود الأحفوري وتطور من بقايا النباتات والحيوانات التي ماتت منذ ملايين السنين. أما باقي المحطات الحرارية فتستخدم انشطار اليورانيوم لتوليد الحرارة.

يُعَدُّ تشغيل المحطات الكهرومائية أرخص كثيرًا من محطات الوقود الأحفوري. وهي كذلك أنظف منها؛ لأن محطات الوقود الأحفوري تلوّث الهواء كثيرًا. ولكن القليل من البلدان يملك ما يكفي من الطاقة المائية القادرة على توليد مقادير كبيرة من الكهرباء. ولذلك تعتمد معظم البلدان ـ إلى حد بعيد ـ على محطات الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء.

وليس في الأرض سوى مخزون محدد من الوقود الأحفوري، في حين يزداد الطلب عالميًا على الكهرباء كل سنة. لذلك يمكن أن تتزايد أهمية المحطات النووية أكثر فأكثر، ولكنها لا تنتج في الوقت الحالي سوى ما يقرب من 16% من الكهرباء في العالم.

توزيع الطاقة النووية في العالم. في منتصف تسعينيات القرن العشرين كان هناك نحو 425 مفاعلاً نوويًا في 30 بلدًا. وتُخطِّط ستة أقطار أخرى لإقامة مفاعل واحد على الأقل في كل منها. ومعظم الدول يعجز عن الحصول على محطات طاقة نووية لأن هذه المحطات تتطلب معدات وأجهزة غالية الثمن.

وكان في الولايات المتحدة نحو 110 محطات قدرة نووية عاملة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وتُعَدُّ بذلك المنتج الأول للقدرة النووية. وتولد مفاعلاتها النووية نحو 20% من مجمل القدرة الكهربائية للولايات المتحدة. وأهم الدول المنتجة الأخرى: كندا وفرنسا وبريطانيا واليابان وروسيا والسويد وألمانيا؛ وفي كندا يوجد 20 مفاعلاً نوويًا تنتج نحو 15% من الكهرباء التي تحتاج إليها البلاد. وقد ساعدت الولايات المتحدة والدول المنتجة الأخرى في تطوير محطات القدرة النووية في بلاد كالهند وباكستان.

مزايا الطاقة النووية وعيوبها. تتميز محطات القدرة النووية عن محطات الوقود الأحفوري بميزتين رئيسيتين: 1- تستعمل المحطات النووية وقودًا أقل كثيرًا مما تستهلكه محطة الوقود الأحفوري. فانشطار طن متري من اليورانيوم مثلاً يعطي طاقة حرارية تعادل ما ينتج عن احتراق ثلاثة ملايين طن من الفحم الحجري أو 12 مليون برميل من النفَّط. 2- لا يطلق اليورانيوم إلى الجو مواد كيميائية ملوثة أو صلبة أثناء استعماله على عكس الوقود الأحفوري.

ولكن للطاقة النووية ـ على الرغم من مزاياها ـ ثلاثة عيوب رئيسية عملت على إبطاء تطور الطاقة النووية في العالم، وهي: 1- تكلفة إنشاء المحطة النووية تفوق كثيرًا تكلفة إنشاء محطة الوقود الأحفوري 2- أخطار المحطات النووية كبيرة، لدرجة لا تجعلها تخضع لقوانين حكومية معينة يمكن أن تخضع لها محطات الوقود الأحفوري، كأن تفي هذه المحطات بمطالب السلطات الحكومية بحيث تكون قادرة على معالجة أي حالة طارئة تلقائيًا وبسرعة كبيرة. أضف إلى ذلك معارضة الكثيرين لإقامة محطات جديدة منذ ما حدث عام 1979م في محطات القدرة النووية المقامة في ثِري مايِلْ آيْلاند بالقرب من هارِسْبورْج في بنسلفانيا، والحادث الذي جرى عام 1986م في تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي (سابقًا) 3- يستمر اليورانيوم في إطلاق إشعاعات خطيرة، ولفترة طويلة، بعد استعماله كوقود للطاقة النووية، كما أن مشكلة تخزين نفايات اليورانيوم لم تحل بعد.

التطوير الكامل للطاقة النووية. يعتقد كثير من الخبراء أن فوائد القدرة النووية تفوق أي مشكلات تنجم عن إنتاجها. ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن مخزون العالم من النِّفط يمكن أن يُستنفد في منتصف القرن الحادي والعشرين. وتمتلك روسيا والولايات المتحدة، والصين وبلاد أخرى ما يكفي من الفحم الحجري لسد حاجتها من الطاقة لمئات السنين. ولكن الفحم الحجري وقود غير نظيف، إذ يطلق، أثناء احتراقه، مقادير كبيرة من الكبريت وملوثات أخرى إلى الجو.  . ولو أمكن تطوير الطاقة النووية تطويرًا كاملاً فإنها يمكن أن تحل تمامًا محل الفحم الحجري والنفط، مصدرًا للطاقة الكهربائية.

ولكن يجب حل عدد من المشكلات قبل أن يتم تطوير الطاقة النووية تطويرًا كاملاً. فعلى سبيل المثال، يمكن القول إن كل المفاعلات النووية الموجودة حاليًا تتطلَّب نوعًا من اليورانيوم المعروف باليورانيوم ـ 235 (U-235)، وهذا النوع مخزونه في العالم محدود، فلو استمر استخدامه بالمعدّل الحالي فإنه سينقص باطّراد، ويُسْتَنْفَدُ قبل منتصف القرن الجاري. لذلك لا يمكن أن تحل القدرة النووية محل مصادر القدرة الأخرى إلا حين يستطيع العلماء تطوير طريقة لإنتاج الطاقة النووية التي لا تتطلب اليورانيوم ـ 235. وتتناول الفقرة الفرعية الطاقة النووية في الوقت الحاضر، الطرق الرئيسة في إنتاج الطاقة النووية التي هي قيد التطوير.

علم الطاقة النووية

يُطلَق على العملية التي تُطلق بها النواة طاقة اسم التفاعل النووي. وعلى المرء أن يعرف شيئًا عن طبيعة المادة كي يستطيع فهم مختلف أنواع التفاعلات النووية.


مصطلحات   الطاقة النووية


   

الإشعاع النووي

   

   

يتألف من جسيمات عالية الطاقة     وأشعة تنطلق أثناء تفاعل نووي.

   

   

الاندماج

   

   

نوع من التفاعل النووي يحدث     حينما تتحد نواتان خفيفتان لتكوِّنا نواة أثقل منهما. والاندماج هو الذي يولد طاقة الشمس.

   

   

الانشطار

   

   

نوع من التفاعل النووي المستخدم     لإطلاق طاقة في المفاعلات النووية. ويحدث عندما تنفلق نواة اليورانيوم أو نواة أي عنصر ثقيل آخر إلى     قسميْن متساويين تقريبًا.

   

   

البروتون

   

   

جسيم في نواة الذرة ذو شحنة     موجبة.

   

   

التفاعل المتسلسل

   

   

سلسلة تفاعلات انشطار مستديمة     ذاتيًا ومستمرة تتم في كتلة من اليورانيوم أو البلوتونيوم.

   

   

التفاعل النووي

   

   

تفاعل يتضمن تغيُّرًا في بنية     الذرة. وأهم أنواع التفاعلات النووية الانشطار والاندماج والتفكك (الاضمحلال) الإشعاعي.

   

   

الانحلال الإشعاعي

   

   

أو النشاط الإشعاعي هو تحول     نواة تلقائيًا (طبيعيًا) إلى نواة عنصر أو نظير آخر، ويصاحبه انطلاق طاقة في شكل إشعاع نووي.

   

   

العدد الكتلي

   

   

مجموع عدد النيترونات     والبروتونات في نواة ذرة ما.

   

   

المفاعل النووي

   

   

جهاز يولد طاقة نووية بوساطة     تفاعلات متسلسلة متحكم فيها.

   

   

نصف العمر

   

   

الزمن اللازم لتفكك نصف ذرات     مادة مشعة وتحوُّلها إلى مادة أخرى.

   

   

النظائر

   

   

أشكال مختلفة للعنصر نفسه تختلف     ذراته فى العدد الكتلي.

   

   

النواة

   

   

قلب الذرة، وشحنتها موجبة.     وتتكون نويات جميع العناصر من نيوترونات وبروتونات، باستثناء الهيدروجين العادي الذي تتألف نواته من بروتون     واحد فقط.

   

   

النيوترون

   

   

جسيم متعادل كهربائيًا (غير     مشحون) في نواة ما.

   

 

تركيب المادة. تتكون كل المواد من عناصر كيميائية تتألف بدورها من ذرات. ويتألف العنصر الكيميائي من مادة لا يمكن تحليلها كيميائيًا إلى مواد أقل منها. ويبلغ عدد العناصر الكيميائية المعروفة 109 عناصر، يوجد 93 منها في الطبيعة، أما الـ 16 الأخرى فيتم الحصول عليها اصطناعيًا. ويرتب العلماء العناصر حسب كتلها أو أوزانها. وأخف عنصر طبيعي هو الهيدروجين، واليورانيوم أثقلها. ومعظم العناصر الاصطناعية أثقل من اليورانيوم.

الذرات والنوى. تتكون الذَّرة من نواة شحنتها موجبة ومن شحنة كهربائية سالبة واحدة أو عدة شحنات منها تسمى إلكترونات. وتؤلف النواة كل كتلة الذرة تقريبًا، وتدور الإلكترونات التي تكاد تكون عديمة الكتلة، حول النواة. وهي التي تُحدِّد مختلف الاتحادات الكيميائية التي يمكن أن تقوم بها ذرة مع أنواع أخرى من الذرات.   ولا تقوم الإلكترونات بأي دور فَعَّال في التفاعلات النووية.

تحمل البروتونات شحنة موجبة، بينما تكون النيوترونات غير مشحونةكهربائيًا. ويمسك البروتونات والنيوترونات ببعضها في النواة قوى كبيرة جدًا تسمى القوى النووية؛ وتحدد هذه القوى في كل نواة مقدار الطاقة اللازمة لتحرير نيوتروناتها وبروتوناتها. وتعرف هذه الطاقة باسم طاقة الترابط.

النظائر.لا كون لمعظم العناصرالكيميائية أكثر من شكل واحد، وتسمى هذه الأشكال المختلفة نظائر العنصر. وللذرات التي تؤلف الاشكال المختلفة للعنصر أوزان مختلفة، وتسمى النظائر أيضًا.

ويعين العلماء النظير بالعدد الكتلي أي بالعدد الكلي للنيوترونات والبروتونات في كل نواة. ولكل نظائر عنصر ما العددُ نفسه من البروتونات في كل نواة. ففي نواة الهيدروجين مثلاً بروتون واحد، وتحتوي كل نواة من نوى اليورانيوم على92 بروتونًا، ولكن لكل نظير من نظائر عنصر ما عدد مختلف من النيوترونات في نواته، ولذلك كان له عدد كتلي مختلف. فعلى سبيل المثال، لنظير اليورانيوم الأكثر وفرة 146 نيوترونًا. وهذا يعني أن عدده الكتلي 238 (مجموع 92 مع 146). ويسمي العلماء هذا النظيرّ اليورانيوم 238. أما اليورانيوم الذي تستعمله المفاعلات النووية ففي نواته 143 نيوترونًا أي أن عدده الكتلي 235. ويُسمَّى هذا النظير اليورانيوم 235. وتُعَرَّف نظائر العناصرالكيميائية الأخرى بالطريقة نفسها.

ولا يمكن أن يكون لعنصرين العدد نفسه من البروتونات في ذَرّتيهْما. وإذا فقدت ذرة بروتونًا أو اكتسبته، فإنها تصبح ذرة لعنصر آخر مختلف. أما إذا فقدت ذرة ما نيوترونًا أو أكثر أو اكتسبته فإنها تصبح نظيرًا آخر للعنصر نفسه.

التفاعلات النووية. يتضمَّن التفاعل النووي تغيرات في بنية النواة يكون من نتيجتها أن تكتسب النواة واحدًا أو أكثر من النيوترونات أو البروتونات أو تفقده؛ فتتحول بذلك إلى نواة نظير أو عنصر آخر. وإذا تغيرت النواة وتحولت إلى نواة عنصر آخر فإن هذا التغير يسمى التحول.  

وهناك ثلاثة أنماط من التفاعلات النووية التي تنطلق منها مقادير مفيدة من الطاقة، وهذه التفاعلات هي: 1- التفكك الإشعاعي 2- الانشطار النووي 3- الاندماج النووي. ويقل وزن المادة المستخدمة بعد التفاعل وتتحول المادة المفقودة إلى طاقة.

الانحلال الإشعاعي أو النشاط الإشعاعي، هو العملية التي تتحوّل فيها نواة تلقائيًا (طبيعيًا) إلى نواة نظير آخر أو عنصر آخر. وتُصْدرُ هذه العملية طاقة يتضمن أكثرها جسيمات وأشعة تُسمَّى الإشعاع النووي. ويتفكك اليورانيوم والثوريوم وبضعة عناصر طبيعية أخرى تلقائيًا وبذلك يضاف ما تصدره إلى الإشعاع الطبيعي أو المخزون الموجود دائمًا على الأرض. أما الانحلال الإشعاعي الصّناعي فتحدثه المفاعلات النووية، ويؤلف الإشعاع النووي في هذا الانحلال نحو 10% من الطاقة التي ينتجها المفاعل النووي. ويتألف الإشعاع النووي بصورة عامة من جسيمات ألفا وبيتا، ومن أشعة جاما. وليس جسيم ألفا المكوَّن من بروتُونَيْن ونيُوتْرونين إلا نواة الهيليوم. أما جسيم بيتا فيتألف من شحنة كهربائية سالبة. وهو بذلك مماثل للإلكترون، وينتج من تحلل نيوترون في نواة مشعة. وينتج هذا التحلل أيضًا بروتونًا يبقى في النواة، وينطلق الجسيم بيتا في شكل طاقة. وتعرف جُسيمات ألفا وبيتا أحيانًا بأشعة ألفا وبيتا. أما أشعة جاما فهي موجات كهرومغنطيسية شبيهة بالأشعة السينية.  

يقيس العلماء التفكك الإشعاعي بوحدات زمنية تُسمَّى نصف العمر. وهذه الوحدة تساوي الزمن اللازم كي يتفكك نصف ذرات عنصر مشع معين أو نظير معين إلى عنصر أو نظير آخر. وتتراوح فترة نصف العمر للمواد المشعة بين جزء من الثانية وملايين السنين.  

الانشطار النووي. هو انفلاق نَوَى ثقيلة لإطلاق طاقاتها، وكل المفاعلات النووية تولِّد الطاقة بهذه الطريقة. ويتطلب المفاعل ـ كي يحدث الانشطار ـ جسيمًا قاذفًا كالنيوترون مثلاً ومادة هدف مثل اليورانيوم 235. ويحدث الانشطار النووي حين يَشْطُر الجسيم القاذف نواة مادة الهدف إلى قسمين متساويين تقريبًا تسمى شظايا الانشطار. وتتألف كل شظية من نواة تحتوي تقريبًا على نصف عدد النيوترونات والبروتونات في النّواة الأصلية المشطورة. ولا يُطلق تفاعل الانشطار إلاجزءًا من طاقة النواة. وتؤلف الحرارة معظم هذه الطاقة وما بقي منها يكون على صورة إشعاع.

يقيس العلماء الطاقة بوحدة تُسَّمى إلكترون فولت. ويولِّد احتراق ذَرّة من الكربون في الفحم الحجري أو النفط طاقة مقدارها نحو 3 إلكترون فولت، في حين يولّد انشطار نواة واحدة من اليورانيوم نحو 200 مليون إلكترون فولت.

الجُسيم القاذف يجب أولاً أن تأسره النواة كي يحدث الانشطار. وتستخدم المفاعلات النيوترونات الذرية الوحيدة التي تُؤسَر بسهولة. وتستطيع أيضًا أن تسبب الانشطار، كما يمكن للنيوترونات أن تمر خلال معظم أنواع المادة بما في ذلك اليورانيوم. ويمكن للبروتون أن يسبب الانشطار، لكن، نظرًا لأنه موجب الشحنة مثل النواة، لذلك يتنافران ويدفع أحدهما الآخر بعيدًا عنه، في حين تستطيع النواة أن تأسر النيوترونات بسهولة لأنها متعادلة كهربائيًا.

مادة الهدف تستعمل المفاعلات اليورانيوم بمثابة وقود أو مادة هدف. فنواة اليورانيوم هي أيسر كل النوى الطبيعية انشطارًا، لأن فيها عددًا كبيرًا من البروتونات التي تتنافر ويدفع أحدها الآخر بعيدًا عنه. لذلك تميل النواة كثيرة البروتونات لأن تتطاير فيمكن شطرها بسهولة.

ويصلح اليورانيوم وقوداً للمفاعل النووي، إذ يمكنه أن يولِّد سلسلة مستمرة من تفاعلات الانشطار، وبذلك يُعَدّ مخزونًا دائمًا للطاقة. ولكي تحدث سلسلة التفاعلات يجب أن تطلق كل نواة منشطرة نيوترونات حرة إضافة إلى النيوترونات المنطلقة مع شظيتي الانشطار. ويمكن أن يستمر النيوترون الحر في شطر نواة أخرى من اليورانيوم، فيطلق بذلك عددًا أكبر من النيوترونات الحرة. وتصبح هذه العملية تفاعلاً متسلسلاً مستديمًا ذاتيًا، حيث تتكرر باستمرار. ولا يصلح لإحداث التفاعل النووي المتسلسل إلا النوى التي يكون فيها عدد النيوترونات أكبر كثيرًا من عدد البروتونات.

ويُعَدُّ النظير اليورانيوم U-238 وقودًا مثاليًا في التفاعل النووي بسبب وفرته في الطبيعة. ولكن نواته تمْتَصُّ النيوترونات الحُرّة عادة دون أن تنشطر، ويصبح النيوترون الممتص مجرد جزء من النواة. وعلى هذا كان نظير اليورانيوم U-235 النادر، المادةَ الطبيعية الوحيدة التي يمكن أن تستعملها المفاعلات النووية لإحداث تفاعل متسلسل.

ويصعب جدًا فصل U-235 عن U-238 في خام اليورانيوم. لذلك، يحتوي الوقود المستعمل في المفاعلات التجارية عددًا من ذرات U-238 أكثر من ذرات U-235. ولضمان أَسْر النيوترونات بنواة U-235 إلى حد ما، أكثر من أسرها بنواة U-238، يجب أن يَستعمل المفاعل نيوترونات بطيئة بمثابة جسيمات قاذفة. وتقطع النيوترونات المحررة بالانشطار نحو 19,000كم في الثانية عادة أو أكثر من ذلك، وتمر هذه النيوترونات السريعة بنوى U-235 النادر في الوقود بسرعة كبيرة يصعب معها أسرها. أما النيوترون البطيء فيقطع 1,6كم في الثانية، ولذا فإن احتمال أسره من قبل نواة U-235 كبير. وتحتوي المفاعلات على الماء أو مواد أخرى تُسَمّى المهدئات لإبطاء النيوترونات السريعة.

وقد طور العلماء مفاعلات مولدة تُنْتِج النظيرْين الصناعيَّيْن، البلوتونيوم 239 واليورانيوم 233، وتشطرهما. ولا يتضمن هذان النوعان من الوقود اليورانيوم U-238 من أجل أسر النيوترونات الحرة، وتستطيع بذلك المفاعلات المولِّدة استعمال النيوترونات السريعة بمثابة جسيمات قاذفة. ولذلك تُسمى مثل هذه المفاعلات، المفاعلات المولدة السريعة. وتعالج الفقرة الفرعية الطاقة النووية في الوقت الحاضر المفاعلات المولدة بتفصيل أكثر.

الاندماج النووي ويطلق عليه أيضًا الالتحام الذري، يحدث عندما تندمج (تتحد) نواتان خفيفتان لتكوِّنا نواة عنصر أثقل منهما. ويكون وزن ناتج الاندماج أقل من مجموع وَزْن النواتين الأصليتين، وتتحول المادة المفقودة إلى طاقة.

ولا تحُدث تفاعلات الاندماج التي تُنتج مقادير كبيرة من الطاقة إلا بوساطة حرارة شديدة جدًا، وتسمى مثل هذه التفاعلات، التفاعلات النووية الحرارية، وهي التي تنتج طاقة الشمس وطاقة القنبلة الهيدروجينية.

ولا يحدث التفاعل النووي الحراري إلا في نوع خاص من المادة يسمى البلازما، وهو غاز مكون من إلكترونات حُرّة ونوىات حرة. ومن المعلوم أن النوى تتنافر مع بعضها البعض، غير أنه إذا سُخِّنت البلازما التي تحتوي على نوى ذرية خفيفة إلى درجة حرارة تبلغ عدة ملايين، فإن النوى تبدأ في حركة سريعة تُمكنِّها من أن تخترق إحداها الحواجز الكهربائية للأخرى ثم تندمجان.  

مشاكل ضبط الاندماج. لم يفلح العلماء حتى الآن في استخدام الطاقة الاندماجية لإنتاج الطاقة، حيث يستعملون في تجارب الاندماج عمومًا بلازما مكونة من نظير واحد أو نظيريْن للهيدروجين، أحدهما التريتيوم وهو نظير مُشِعّ، والنظير الآخر هو الديوتريوم أو الهيدروجين الثقيل. ويعد الديوتريوم وقودًا نوويًا حراريًا مثاليًا حيث يمكن الحصول عليه من الماء العادي. ويمكن أن يُنتِج وزنُُ معين منه طاقةً تبلغ أربعة أضعاف الطاقة التي ينتجها الوزن نفسه من اليورانيوم.

ولإنتاج تفاعل نووي حراري، يجب تسخين بلازما من الديوترويوم أو التريتيوم أو من كليهما إلى درجة حرارة تبلغ عدة ملايين. ولكن على العلماء أيضًا أن يطوروا حاوية يمكنها المحافظة على البلازما الفائقة السخونة. وتتمدد هذه البلازما بسرعة كبيرة، أضف إلى ذلك أنه ينبغي جعل درجة حرارة الحاوية منخفضة كي لا تنصهر. ولكن طالما أن البلازما تَمسّ جدران الحاوية فإن برودتها لا تسمح بإحداث الاندماج. لذلك ينبغي الحفاظ على البلازما بعيدة عن هذه الجدران مدة كافية لكي تندمج النويات وتنتج كميات كافية من الطاقة.

نبائط الاندماج. تُصمّم معظم مفاعلات الاندماج التجربيية بحيث تحوي البلازما فائقة السخونة في أوعية مغنطيسية معدة بأشكال مختلفة تشبه الملفات. وتُصنع جدران الأوعية من النحاس أو أي فلز آخر. وتحاط هذه الجدران بمغنطيس كهربائي يمر فيه تيار كهربائي يولَّد مجالاً مغنطيسيًا داخل الجدران يفيد في إبعاد البلازما عن الجدران نحو مراكز الملفات، وتسمى هذه التقنية الحصر المغنطيسي. ولكن كل أجهزة الاندماج التي طُوِّرت حتى الآن تستهلك من الطاقة أكثر مما تنتج. وتناقش الفقرة الفرعية الطاقة النووية في الوقت الحاضر المستقبل التجريبي للمفاعلات بتفصيل أكثر. وللاطلاع على معلومات إضافية عن الاندماج النووي.  

كيف يتم إنتاج الطاقة النووية

                                                                

 

إنتاج القدرة النووية

تنتج كل محطات القدرة النووية التجارية الكبيرة طاقتها بانشطار اليورانيوم 235 الذي يؤلف أقل من 1% من اليورانيوم الموجود في الطبيعة؛ بينما يؤلف اليورانيوم 238، 99 % من هذا اليورانيوم. ويوجد هذان النوعان معا في خام اليورانيوم مثل الكرنوتيت والبتشبلند. ويَصْعُب إلى حد كبير فصل اليورانيوم 235 عن اليورانيوم 238 في خامات اليورانيوم، ويكلف كثيرًا. لذلك يتكون معظم الوقود المستعمل في المفاعلات من اليورانيوم 238، ولكنه يتضمن ما يكفي من اليورانيوم 235 لإحداث التفاعل المتسلسل. ويتطلب الوقود النووي إجراءات خاصة قبل وبعد استعماله. وتبدأ هذه الإجراءات باستخراج خام اليورانيوم وتنتهي بالتخلص من النفايات. وتعرف هذه الإجراءات كاملة باسم دورة الوقود النووي.

وتعالج هذه الفقرة في المقام الأول الطرق التي طورتها صناعة الطاقة النووية في الولايات المتحدة، ولكنها تشبه تلك المستخدمة في بلدان أخرى.

تصميم محطة القدرة. تشغل معظم محطات القدرة النووية ما بين 80 و 120 هكتارًا، ويقام أكثرها بالقرب من نهر كبير أو بحيرة لأن المحطات النووية تتطلب كميات هائلة من الماء لأغراض التبريد.

وتتكون أي محطة نووية من بضعة مبان رئيسية. ويوجد في أحدها المفاعل والأجزاء المتصلة به. ويشتمل مبنى رئيسي آخر على عنفات (توربينات) المحطة والمولدات الكهربائية. وتوجد في كل محطة أماكن لخزن الوقود المستعمل وغير المستعمل. ويتم تشغيل كثير من المحطات أوتوماتيًا، ولكل محطة غرفة تحكّم مركزية يمكن أن تكون في مبنى مستقل أو في أحد المباني الرئيسية.

ويكون لمبنى المفاعل، أو بنية الاحتواء، أرضية خرسانية سميكة وجدران سميكة من الفولاذ أو من الخرسانة المكسوة بالفولاذ. ويمنع كل من الخرسانة والفولاذ هروب الإشعاع نتيجة تسرب طارئ من المفاعل النووي.

مفاعلات القدرة. تتألف بوجه عام من ثلاثة أقسام رئيسية وهي 1- وعاء المفاعل أو وعاء الضغط 2- القلب 3- قضبان التحكم.

وعاء المفاعل.بناء في شكل صهريج، يتضمن كل أجزاء المفاعل، ويوضع قرب قاعدة مبنى المفاعل. وتصنع جدران الوعاء من الفولاذ بحيث لا يقل سمكها عن 15سم، وتدخل إلى الوعاء وتخرج منه أنابيب من الفولاذ لنقل الماء والبخار.

القلب يحتوي على الوقود النووي، ولذا فهو يمثل الجزء الذي يحدث به الانشطار. ويقع القلب قرب قاع وعاء المفاعل، ويتألف بصورة رئيسية من الوقود النووي الذي يُثَبّت في مكانه بين صفيحتين، علوية وسفلية، تسندان الوقود.

قضبان التحكم. قضبان فلزية طويلة تحتوي على عناصر كالبورون والكادميوم التي تمتص النيوترونات الحرة، وتساعد بذلك على ضمان أمان التفاعل المتسلسل. وتتصل هذه القضبان برافعة آلية خارج وعاء المفاعل تمامًا. وتستطيع الرافعة إدخال القضبان إلى القلب أو سحبها لإبطاء التفاعل المتسلسل أو تسريعه.

وتتوقف عمليات المفاعل على مواد تسمى المهدئات والمبرّدات. والمهدئ مادة كالماء أو الكربون تبطئ النيوترونات التي تمر خلالها. وتتطلب المفاعلات مهدئًا، لأن النيوترونات التي يطلقها الانشطار تكون سريعة، في حين أن النيوترونات البطيئة هي اللازمة لإحداث تفاعل متسلسل في خليط اليورانيوم 238 واليورانيوم 235 الذي يستعمله المفاعل وقودًا. أما المبرِّد فهو مادة كالماء أو ثاني أكسيد الكربون تنقل الحرارة نقلاً جيدًا، ولكنها لا تمتص النيوترونات بسهولة. فهي تنقل الحرارة الناتجة من التفاعل المتسلسل وبذلك تعمل على منع انصهار قلب المفاعل وعلى توليد البخار.

وكثير من مفاعلات القدرة هي من نوع مفاعلات الماء الخفيف التي تستعمل ماءً خفيفًا عاديًا بمثابة مهدئ ومبِّرد معًا. يطلق الماء إلى داخل القلب حيث يستخدم مهدئًا للبدء بتفاعل متسلسل، وحالما يبدأ التفاعل يُستخدم الماء مبرّدًا. ويستخدم كثير من البلدان مواد أخرى في التهدئة والتبريد. فبعض مفاعلات القدرة، على سبيل المثال، مفاعلات ماء ثقيل ويُستعمل فيها أكسيد الديوتريوم أو الماء الثقيل مهدئًا ومبردًا على حد سواء.

تحضير الوقود. بعد أن يتم استخراج خام اليورانيوم، يمر الخام بعمليات طويلة من الطحن والتنقية لفصل اليورانيوم عن العناصر الأخرى. ولما كان الماء الخفيف يمتص النيوترونات الحرة أكثر من الأنواع الأخرى من المهدئات، فإن اليورانيوم يجب أن يخصب، ليزيد احتمال ارتطام النيوترونات الحرة بنواة اليورانيوم 235، أي يجب زيادة نسبة هذا اليورانيوم، ليزيد احتمال ارتطام النيوترونات الحرة بنواة اليورانيوم 235. ويرسل اليورانيوم الذي تم فصله من الخام إلى محطة الإخصاب.

وتنزع محطات الإخصاب من اليورانيوم مقادير مختلفة من اليورانيوم 238 اللازم للاستعمال. ويحتاج معظم مفاعلات الماء الخفيف وقودًا لا يحتوي على أكثر من 97,5% من اليورانيوم 238، و 2,5 إلى 3 % من اليورانيوم 235. ويُحتاج في الأسلحة النووية، وفي وقود السفن النووية، إلى كميات من اليورانيوم 235 نسبتها أعلى من ذلك كثيرًا. ويشحن اليورانيوم المخصب الذي يراد استعماله وقودًا في المفاعل إلى محطات إعداد الوقود.

 

وتحوِّل محطة إعداد الوقود اليورانيوم المخصب إلى مسحوق أسود يُسمّى ثاني أكسيد اليورانيوم، ثم تجعله بشكل حبُيَبْات قطرها نحو 8مم، وطولها نحو 13مم. وتدخل الحبيبات بعدئذ في أنابيب مصنوعة من الزركونيوم أو من فولاذ لا يصدأ. ويبلغ قطر كل أنبوبة نحو 13مم، وطولها يتراوح بين 3 و5 أمتار. وتستطيع النيوترونات الحرة أن تخترق جدران الأنابيب، في حين يعجز معظم الجسيمات النووية الأخرى عن ذلك.

ويُلحم طرفا الأنبوب بعد ملئه بحبيبات ثاني أكسيد اليورانيوم، ثم تثبت قضبان الوقود ببعضها بعضًا مكونة رزمة يتراوح عددها بين 30 و 300 رزمة. وتزن كل رزمة من 140 إلى 680كجم، وتكوّن مجمعة وقود أو عنصر وقود المفاعل. وتتطلب المفاعلات التجارية من 45 إلى 136 طنًا متريًا من ثاني أكسيد اليورانيوم، وتتوقف الكمية على حجم المفاعل. وعلى هذا يكون في قلب المفاعل مقدار كبير جدًا من مجمعات الوقود التي تُثَبَّت عمودية في القلب بين صفيحتين وتستند إليهما.

التفاعلات المتسلسلة. يحتاج المفاعل إلى كمية من الوقود مناسبة تمامًا للحفاظ على التفاعل المتسلسل، وتسمى هذه الكمية الكتلة الحرجة. وهي تختلف باختلاف حجم المفاعل وتصميمه. ويتوقف التفاعل المتسلسل إذا نقصت كمية الوقود في المفاعل عن الكتلة الحرجة. أما إذا تجاوز تزويد المفاعل بالوقود هذه الكتلة الحرجة فإن درجة حرارته ترتفع ارتفاعًا مفرطًا، ومن ثَمّ يمكن أن ينصهر القلب. ولكن المفاعلات تصمم بحيث يجعلها تحتفظ بكمية من الوقود أكثر من الكتلة الحرجة. وتستطيع قضبان الأمان أن تبطئ التفاعل المتسلسل إذا ازدادت سرعته ازديادًا كبيرًا.

وتتم تهيئة المفاعل للعمل بتزويد قلبه بمجمعات الوقود وإدخال قضبان التحكم إدخالاً كاملاً. وفي مفاعل الماء الخفيف يملأ الماء المستخدم مهدئًا لتخفيض سرعة النيوترونات، الفجوات بين مجمعات الوقود. وبعدئذ تُسحب قضبان التحكم ببطء ويبدأ التفاعل المتسلسل. وكلما أبُعدت القضبان بسحبها ازدادت شدة التفاعل إذ لا يُمتص حينئذ إلا القليل من النيوترونات، ويصبح الكثير منها حَّرًا لإحداث الانشطار. وينقل الماء، الذي في قلب المفاعل، الحرارة الهائلة التي يولِّدها التفاعل المتسلسل. ويمكن إيقاف هذا التفاعل بإنزال القضبان مرة أخرى إلى قلب المفاعل لامتصاص معظم النيوترونات الحرة.

توليد البخار. هناك نوعان من المفاعلات التي تستخدم الماء الخفيف: أحدهما، وهو مفاعل الماء المضغوط، يولد البخارخارج وعاء المفاعل. أما النوع الثاني، فهو مفاعل الماء المغلي، ويولّد البخار داخل وعاء المفاعل.

وتستخدم معظم المحطات النووية مفاعلات الماء المضغوط التي تسخن الماء المهدِّئ في قلب المفاعل تحت ضغط عال جدًا مما يتيح للماء أن يصل إلى درجة حرارة أعلى من درجة غليانه العادية التي تساوي 100°م دون أن يغلي فعلاً. ويسخِّن التفاعل الماء إلى درجة حرارة تبلغ نحو 320°م، وتنقل الأنابيب هذا الماء الحار جدًا والذي لا يغلي، إلى مولدات البخار خارج المفاعل.

وتستخدم حرارة الماء المضغوط في غليان الماء الموجود في مولد البخار فيتولد بذلك البخار. وفي مفاعلات الماء المغلي يولد التفاعل المتسلسل حرارة لغلي الماء المهدئ في قلب المفاعل، وتنقل الأنابيب البخار المتكون من المفاعل إلى عنفات (توربينات) المحطة.

ويتم تبريد معظم المفاعلات في المملكة المتحدة بالغاز، إذ يتدفق ثاني أكسيد الكربون على الوقود في قلب المفاعل وينقل الحرارة إلى مولدات البخار. وتُسمى هذه المفاعلات مَاغْنوكْس، لأن وقود اليورانيوم يوضع في علب مصنوعة من سبيكة المغنسيوم.

وعند إنتاج الكهرباء تعمل توربينات المحطة النووية ومولداتها الكهربائية، مثل تلك التي في محطات الوقود الأحفوري. فالبخار الذي يولّده المفاعل يدير ريش توربينات المحطة التي تسيِّر المولِّدات. ولكثير من المحطات مجموعة مؤتلفة من التوربينات والمولِّدات تُسمّى المولدات التوربينية.

ويُنْقل البخار بعد مروره خلال توربينات المحطة بأنابيب إلى مُكَثِّف يُحوّل البخار إلى ماء ثانية. ويستطيع المفاعل بذلك تكرار استعمال الماء نفسه، غير أن المكثِّف يتطلب تزويده بمقدار ثابت من ماء جديد لتبريد البخار. ويحصل معظم المحطات على هذا الماء من نهر أو بحيرة. ويصبح هذا الماء ساخنًا كلما مر عبر المكثف، ويُضخّ مرة أخرى إلى النهر أو البحيرة. ويمكن أن تسبب هذه البقايا من الماء الساخن نوعًا من تلوث الماء يُسمى التلوث الحراري، الذي يمكن أن يعرّض حياة النبات والحيوان للخطر في بعض الأنهار والبحيرات التي يحدث فيها مثل هذا التلوث.

وتوجد في معظم المحطات النووية الحديثة أبراج تبريد لحل مشكلة التلوث الحراري، حيث يُنقل الماء الساخن من مكثفات البخار إلى هذه الأبراج بطريقة تجعل حرارة الماء تنتقل إلى الجو بصورة بخار أو بخار ماء.

المخاطر وطرق الحماية. لا ينفجر مفاعل القدرة العادي مثل القنبلة الذرية، إذ أن انفجارًا كهذا يستدعي كتلة فائقة الحرجية من البلوتونيوم 239 أو من اليورانيوم 235 المخَصَّب. وتحتوي الكتلة فوق الحرجة مقدارًا من البلوتونيوم واليورانيوم أكثر مما يلزم لتعزيز التفاعل المتسلسل.

وتنجم المخاطر الرئيسية لإنتاج الطاقة النووية عن الكميات الكبيرة للمواد المشعة التي يولِّدها المفاعل، والتي تطلق إشعاعات ألفا وبيتا وجاما. ويحاط وعاء المفاعل بكتل سميكة من الخرسانة تسمى الدِّرع تمنع كل الإشعاعات تقريبا من التسرب.

وتحدد الأنظمة في الدول التي تنتج الطاقة النووية كمية ما يُسمح به من الإشعاع الذي تطلقه المحطات النووية. فلكل محطة معدات تقيس باستمرار النشاط الإشعاعي داخل المحطة وحولها. وهي تطلق إنذارًا بصورة تلقائية حين يرتفع النشاط الإشعاعي فوق مستوى قُدِّر سلفًا، وقد يُغلق المفاعل إذا دعت الضرورة ذلك.

وتقلل إجراءات السلامة الدورية في المحطة احتمال وقوع الحوادث البالغة الخطورة. غير أن لكل محطة أنظمة أمان للطوارئ تتدرج من ظهور تشقق في أنبوب ماء المفاعل إلى تسرب الإشعاع من وعائه. وحين يحدث طارئ كهذا ينشط نظام أوتوماتي لإيقاف المفاعل في الحال. ويسمى هذا الإجراء الإيقاف المفاجئ، ويتم عادة بالإسراع في إدخال قضبان التحكم إلى قلب المفاعل.

ويمكن أن يؤدي تشقق في أنبوب المفاعل أوتسرب منه إلى نتائج خطيرة إذا كان من نتيجته فقدان المبرد. فبعد إيقاف المفاعل، يمكن أن تصبح المواد المشعة الباقية في قلب المفاعل ساخنة جدًا إذا لم يكن تبريدها كافيًا، فينصهر قلب المفاعل. ويمكن أن ينتج عن هذه الحالة المسماة الانصهار التام انطلاق مقادير خطيرة من الإشعاع. ويمكن أن تحول دون تسربه إلى الجو، في معظم الحالات، بنية الاحتواء الضخمة التي تحيط بالمفاعل. ومع ذلك فهناك احتمال ضعيف أن تصبح حرارة القلب المنصهر كافية لأن تحرق أرضية بنية الاحتواء، وأن تنتشر في أعماق الأرض. ويسمِّي المهندسون النوويون مثل هذه الحالة متلازمة الصين. وتُزوَّد كل المفاعلات لمنع ذلك بنظام تبريد القلب في الطوارئ التي تغمر القلب تلقائيًا بالماء عند فقدان المبرِّد.

النفايات والتخلص منها. يولِّد انشطار اليورانيوم 235 نيوترونات حرة أكثر مما هو ضروري لاستمرار التفاعل المتسلسل. ويتحد بعضها مع نوى اليورانيوم 238 التي يفوق عددها في وقود المفاعل عدد نوى اليورانيوم 235 كثيرًا. وحين تأسر نواة اليورانيوم 238 نيوترونًا تتحول إلى يورانيوم 239 التي تتفكك إلى نبتونيوم 239 (Np-239)، والتي تتفكك إلى بلوتونيوم 239. وهذه العملية نفسها تكون بلوتونيوم 239 في المفاعل المولِّد. ويمكن للنيوترونات البطيئة أن تشطر البلوتونيوم 239 مثلما تشطر اليورانيوم 235 أيضًا. وهكذا ينشطر البلوتونيوم 239 المتكون أثناء انشطار اليورانيوم 235 ويبقى البلوتونيوم 239 في مجمعات الوقود.

ويُحْدث انشطار اليورانيوم 235 أيضًا كثيرًا من النظائر المشعة الأخرى مثل السترونتيوم 90، والسيزيوم 137 والباريوم 140. وتظل هذه النفايات مشعة وخطرة حتى نحو 600 سنة بسبب النظيرْين السترونتيوم والسيزيوم.ويتفكك مقدار كاف من هذين النظيرين بعد هذا الوقت إلى نظائر مستقرة ولايثيران بعدئذ أي مشكلة. غير أن نفايات البلوتونيوم وبعض العناصر الأخرى المتولدة اصطناعيًا تظل مشعة لآلاف السنين. ويمكن أن يسبب البلوتونيوم مهما صغر حجمه سرطانات أو أمراضًا وراثيةً للإنسان. أما إذا كان مقداره أكبر فقد يسبب داء الإشعاع كما يسبب الموت . ويمثل التخلص من هذه النفايات على نحو آمن إحدى مشكلات إنتاج الطاقة النووية.

وتحتاج معظم المحطات النووية إلى تبديل مجمعات الوقود مرة كل سنة. ولما كانت النفايات المشعة تصدر حرارة، فقد وجب تبريد ما استعمل من مجمعات الوقود بعد نقلها. ويتم تبريد هذا الوقود المستعمل بتخزينه تحت الماء في أحواض تخزين مصممة تصميمًا خاصًا.

وتعمل بعض الحكومات على وضع خطط رشيدة للتخلص من النفايات النووية بصورة دائمة وآمنة. وتقضي إحدى الخطط باستعمال محطات إعادة المعالجة التجارية على نطاق واسع للتقليل من مشكلة التخلص من النفايات. فعلى المحطات النووية ـ وفق هذه الخطة ـ أن تشحن ما استُعمل من مجمعات الوقود إلى محطات إعادة المعالجة لفصل البلوتونيوم 239، وما لم يُسْتعمل من اليورانيوم 235. ويمكن بعدئذ تكرار استعمال هذين النظيرين وقودًا في المفاعلات النووية. ولكن هذه الطريقة تترك نظائر مشعة في المحاليل الكيميائية المستعملة في محطة إعادة المعالجة، ولذا يجب تحويلها إلى شكل صلب كي يتم تخزينها بأمان، لمنع أي تسرب طارئ من السوائل.

وقد أوضح الخبراء أنه من الممكن عزل النفايات النووية المعمّرة عن البيئة، لآلاف السنين. ومازالت عدة طرق للتخزين الدائم في مواقع تحت الأرض قيد الدراسة. وقد استمر كثير من المحطات النووية، نتيجة لذلك، في تخزين ما تستعمله من مجمعات الوقود في بحيرات مائية أقامتها تحت الأرض في موقع المحطة.

صناعة الطاقة النووية

تقوم الحكومة في كل بلد يمتلك صناعة طاقة نووية بدور كبير في هذه الصناعة، لكن طبيعة دور الحكومة ومداه يختلفان كثيرًا باختلاف البلدان. ففي معظم البلاد الصناعية وعدة بلدان نامية، توفر المفاعلات النووية قسمًا من الإنتاج الكلي للطاقة الكهربائية. وفي بلدان قليلة مثل فرنسا وبلجيكا والسويد تنتج القدرة النووية معظم الطاقة الكهربائية. وأحد الأسباب الرئيسية لتحوُل هذه البلدان إلى القدرة النووية هو تجنب الاعتماد على النفط المستورد. وليس في بعض البلدان مثل أستراليا ونيوزيلندا، محطات قدرة نووية.

ويأتي نحو خُمس الطاقة الكهربائية في بريطانيا من 14محطة طاقة نووية. ويراقب مجلس إنتاج الكهرباء المركزي 12 محطة منها، بينما يراقب المحطتين الأخريَيْن مجلس كهرباء جنوبي أسكتلندا.

ويزود بريطانيا أيضًا مفاعلان نموذجيان بمقدار صغير من الكهرباء للاستعمال العام، تديرهما هيئة الطاقة الذرية في بريطانيا، ومفاعلان آخران تديرهما شركة الوقود النووي البريطانية المحدودة. ويمتلك معظم محطات القدرة النووية في الولايات المتحدة شركات خاصة للمرافق ذات المنفعة العامة. وتنتج نحو 280 محطة في 25 بلدًا ما يقارب 2% من إجمالي الطاقة في العالم، ولكن نمو الطاقة النووية تباطأ بسبب ارتفاع كلفة إنتاجها.

 

الصناعة والاقتصاد. الميزة الاقتصادية الرئيسية لمحطات القدرة النووية هي أن كلفة تشغيلها أقل من كلفة محطات الوقود الأحفوري. ولكن كلفة تشييد المحطة النووية أكبر كثيرًا من كلفة إنشاء محطة الوقود الأحفوري.

وما توفره محطة نووية من رخص الوقود في ظروف اقتصادية طبيعية، يعوّض ما تنفقه من مال كثير على تشييدها. ويضاف هذا الإنفاق إلى كلفة إنتاج الكهرباء في البداية، ولكن المحطة تستطيع بعد بضع سنين أن تستعيد كلفة تشييدها، ويمكنها أن تنتج الكهرباء بعدئذ بسعر أرخص من سعر محطة الوقود الأحفوري. غير أن ثمة مشكلتين رئيسيتين هما أن ارتفاع كلفة المحطة وإخفاق المعدات والأجهزة قَللتا من الميزة الاقتصادية لمحطات القدرة النووية في آخر المطاف. فكثير من المحطات النووية كان عليها أن تتوقف عن عملها عدة شهور في كل مرة بسبب تعطل أجهزتها، وتضاف مثل الخسارة الناجمة عن توقُّف العمل إلى كلفة إنتاج الكهرباء.

الصناعة والبيئة. تطلق المحطة النووية مقادير قليلة من الغازات المشعة في الجو. ويكتسب ماء التبريد المستعمل في ماء المحطة المضغوط مقدارًا صغيرًا من التريتيوم (الهيدروجين المشِعّ) أثناء مروره في مكثف البخار، ويبقى هذا التريتيوم في الماء عندما يُعاد إلى النهر أو البحيرة. ولكن لا يعتقد أن مقادير صغيرة كهذه من الإشعاعات المنطلقة إلى المحيط يمكن أن تكون مؤذية. ويظل التلوث الحراري مشكلة في بعض المحطات النووية، غير أن أبراج التبريد تساعد في معالجة هذه المشكلة وتصححها.

ولا تُلقي المحطات النووية ملوثات صلبة أو كيميائية في الجو كما تفعل محطات الوقود الأحفوري. ولكن حين يقع حادث خطير يمكن أن تُطلق إلى الجو إشعاعات نشطة تعرض الناس في المناطق المجاورة للخطر. وقد حدث مثل ذلك في الاتحاد السوفييتي (سابقًا) عام 1986م. ويعتقد منتقدو الطاقة النووية أن احتمال حدوث حادث خطير يزداد بازدياد عدد المحطات النووية. وقد سبق أن نوقشت الطرق الرئيسية للحماية من الحوادث في فقرة المخاطر وطرق الحماية من هذه المقالة. ويخشى معارضو استخدام الطاقة النووية أيضًَا خطرًا آخر يصيب البيئة. فكلما ازداد إنتاج الطاقة ازداد أيضًا إنتاج مقاديركبيرة من النفايات المشعة التي تظل مشعة نحو 600سنة، لأنها تحتوي على النظيريْن: السترونتيوم 90 والسيزيوم 137. وتحتوي النفايات أيضًا على البلوتونيوم وبعض العناصر الثقيلة الأخرى المتولدة اصطناعيًا، وهي لذلك تظل مشعة إشعاعًا قويًا لآلاف السنين. وقد سبق مناقشة مشكلة تخزين النفايات المشعة في الفقرة الفرعية النفايات والتخلص منها في هذه المقالة.

تطور الطاقة النووية

اكتشف العلماء عام 1972م، أن تفاعلاً متسلسلاً طبيعيًا حدث منذ بليوني سنة تقريبًا في بعض رواسب اليورانيوم في غربي وسط إفريقيا. ولكن التفكك الإشعاعي لم يتقدم كثيرًا منذ بليوني سنة مثلما تقدم في يومنا هذا. كان اليورانيوم الخام حينئذ يحوي من اليورانيوم 235 ما يكفي للبدء في تفاعل متسلسل، وأدت المياه الجوفية المتجمعة مهمة المهدئ كي يبدأ التفاعل. ونظرًا لأن الحرارة الناتجة عن التفاعل حولت الماء إلى بخار، فإن الماء نقص بالتدريج ولم يعد هناك ماء يكفي للقيام بمهمة المهدئ، فخمد التفاعل. وفيما عدا مثل هذه الحوادث الطبيعية النادرة، فإن الطاقة النووية لم تطلق بكميات كبيرة إلا بعد عام 1942م حين أنجز العلماء أول تفاعل متسلسل متولد اصطناعيًا. وقد مكنت اكتشافات العلماء التي تمت في المائة سنة الأخيرة من انتشار محطات القدرة النووية انتشارًا واسعًا.


التواريخ   المهمة فى تطور الطاقة النووية


   

1896

   

   

اكتشف الفيزيائي الفرنسي أنطوان     هنري بكويريل النشاط الإشعاعي الطبيعي.

   

   

1905

   

   

نشر الفيزيائي الشهير، الألماني     المولد ألبرت أينشتاين نظريته التي نصت على أن المادة شكل من أشكال الطاقة، وأن بينهما علاقة.

   

   

1911

   

   

أعلن الفيزيائي البريطاني إرنست     رذرفورد اكتشاف نواة الذرة.

   

   

1932

   

   

اكتشف الفيزيائي البريطاني جيمس     شادويك النيوترون.

   

   

1938

   

   

حصل العالمان الألمانيان في     الكيمياء الإشعاعية، أوتو هان وفريتز ستراسمان، على عنصري الباريوم والكريبتون بقذف اليورانيوم بالنيوترونات.

   

   

1939

   

   

بين الفيزيائىان النمساويان ليز     ميْتنر و أوتو فريش أن هان وشتراسمان كانا أول من أجرى تفاعل انشطار مولدًا اصطناعيًا.

   

   

1942

   

   

حققت مجموعة من العلماء يرأسهم     الفيزيائي الإيطالي المولد إنريكو فيرمي أول تفاعل متسلسل مولد اصطناعيًا في العالم في جامعة شيكاغو.     ومكَّن هذا الإنجاز من تطوير     القنبلة الذرية وصنعها.

   

   

1945

   

   

فَجّرت الولايات المتحدة أول     قنبلة ذرية بالقرب من ألاموجوردو في ولاية نيومكسيكو.

   

   

1952

   

   

أقامت هيئة الطاقة الذرية في     الولايات المتحدة أول مفاعل مولَّد ينتج البلوتونيوم وينتج في الوقت نفسه الطاقة من اليورانيوم.

   

   

1952

   

   

فجرت الولايات المتحدة أول     قنبلة هيدروجينية في إنيوتوك، وهي جزيرة صغيرة في المحيط الهادئ، وأنجزت بذلك أول تفاعل متسلسل على نطاق     واسع في العالم.

   

   

1956

   

   

بدأت أول محطة قدرة نووية كاملة     العمل في كالْدر هول بإنجلترا.

   

   

1957

   

   

أنشأت الأمم المتحدة وكالة الطاقة     الذرية العالمية لتعزيز الاستعمالات السلمية للطاقة النووية. وافتتحت أول محطة قدرة نووية كاملة فى     الولايات المتحدة في شيبينج بورت في     ولاية بنسلفانيا

   

   

1957

   

   

كونت كل من بلجيكا وفرنسا     وإيطاليا ولوكسمبرج، وهولندا وألمانيا الغربية جماعة الطاقة الذرية الأوروبية.

   

   

1973

   

   

انضمت بريطانيا وأيرلندا     والدنمارك إلى جماعة الطاقة الذرية الأوروبية.

   

التطورات الأولى. في عام 1896م وجد الفيزيائي الفرنسي أنطوان هنري بكويريل أن اليورانيوم يطلق طاقة في شكل أشعة غير مرئية، وأصبح بذلك مكتشف النشاط الإشعاعي الطبيعي. وسرعان ما بدأ علماء آخرون بإجراء تجارب كي يعرفوا المزيد عن هذا الشكل الغامض من الطاقة.

بداية الفيزياء النووية. وجد الفيزيائي البريطاني الشهير إرنست رذرفورد، بين عامي 1899م و 1903م، أن بعض الأشعة ذات النشاط الإشعاعي تتألف من جسيمات عالية الطاقة، واكتشف نوعين من الجُسيمات المشعة أسماهما جُسيْمات ألفا وبيتا. وأرشدته تجاربه على هذه الجُسيمات بعدئذ إلى اكتشاف نواة الذرة. ويُعدُّ هذا الإنجاز الذي أعلنه رذرفورد في عام1911م، بداية علم جديد هو علم الفيزياء النووية.

وبدأ العلماء نحو عام 1914م محاولة فلق نويات خفيفة بجسيمات ألفا الصادرة من مواد مشعة طبيعيًا. ذلك لأن النوىات الخفيفة لا تتنافر مع الجسيمات الموجبة الشحنة مثل جسيمات ألفا بنفس القوة التي تتنافر بها النويات الثقيلة. واستطاع رذرفورد عام 1919م أن يحوِّل النيتروجين إلى أكسجين باتباع هذه الطريقة، وأنجز بذلك أول تحول مولّد اصطناعيًا لعنصر إلى عنصر آخر. ولما كان الأكسجين يزن أكثر من النيتروجين فإن التفاعل يستهلك طاقة في شكل جسيمات ألفا، أكثر مما ينتج. ومع أن رذرفورد لم يفلح في إحداث انشطار، إلا أنه أوضح أنه يمكن تغيير بنية النواة.

أول تفاعل انشطاري مولد اصطناعيًا. يحتاج حدوث الانشطار إلى جسيم لا تتنافر معه نواة ثقيلة وتدفعه عنها. وقد اكتشف الفيزيائي البريطاني جيمس تشادويك عام 1932م جسيمًا كهذا الجسيم ـ أي النيوترون. وفي عام 1938م أفاد عالمان ألمانيان في الكيمياء الإشعاعية، وهما أوتو هان وفرتز ستراسمان، أنهما أنتجا الباريوم بقذف اليورانيوم بالنيوترونات.

ولم يستطع العلماء في البدء تفسير كيف أنتج اليورانيوم الباريوم الذي هو أخف كثيرًا من اليورانيوم، فقد تمت كل التحولات السابقة بإنتاج عنصر يكون وزنه قريبًا من وزن العنصر الأصلي. وفي عام 1939م بينت الفيزيائية النمساوية لِيز ميتْنر وابن أخيها أوتو فريتش أنَّ هان وستراسمان قاما فعلاً بأول تفاعل انشطار مولد اصطناعيًا انفلقت فيه نواة اليورانيوم إلى شظيتين متساويتين تقريبًا، تتألف إحداهما من نواة الباريوم، والثانية من نواة الكريبتون، وهو عنصر أخف من الباريوم، ورافق الانشطار أيضًا إصدار نيوترونين. ويقل إجمالي وزن الشظيتين والنيوترونين عن إجمالي وزن نواة اليورانيوم والنيوترون، مما يدل على أن التفاعل قد أنتج من الطاقة أكثر مما استهلك.

وسرعان ما تحقق العلماء أنه إذا كان اليورانيوم يحدث تفاعلاً متسلسلاً، فإنه يجب أن يطلق طاقة هائلة. واستخدم العلماء لمعرفة مقدار الطاقة، نظرية وضعها الفيزيائي الشهير الألماني المولد، ألبرت أينشتاين عام 1905م. وتنص النظرية على أن المادة شكل من الطاقة، وأنها ترتبط مع الطاقة بالمعادلة: ط = ك ث². وتنص هذه المعادلة على أن الطاقة (ط) في مادة تساوي كتلة هذه المادة (ك) مضروبة في مربع سرعة الضوء (ث²). وتبلغ سرعة الضوء في الفراغ 299,792كم في الثانية (نحو 300 ألف كم/ث). واستطاع العلماء باستخدام هذه المعادلة أن يحددوا نسبة الطاقة التي تنجم عن انشطار 0,45كجم من اليورانيوم بما يعادل 7,300 طن متري من ثلاثي نيترو التلوين (ت.ن.ت). لذا يمكن استخدام اليورانيوم في صنع قنبلة شديدة الانفجار.

بداية العصر النووي. بدأ العصر النووي من خلال مرحلتين هما 1- تطور الأسلحة النووية. 2- الاستعمالات السلمية الأولى. وفيما يلي تفصيل كل مرحلة على حدة.

تطور الأسلحة النووية. اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوروبا في سبتمبر عام 1939م. وكان أينشتاين قد كتب قبل شهر من ذلك إلى رئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت يستحثه على أن تشرع الولايات المتحدة في تطوير قنبلة ذرية. وهاجر أينشتاين إلى الولايات المتحدة من ألمانيا، وحذر روزفلت من أن العلماء الألمان ربما سبق لهم العمل لإنتاج قنبلة نووية. واستجاب روزفلت لما حثه عليه أينشتاين، وتسلم العلماء، في أوائل عام 1940م، أول اعتماد مالي لإجراء بحوث عن اليورانيوم في الولايات المتحدة. وكانوا ينشدون اكتشاف طريقة لتحضير ما يكفي من البلوتونيوم أو من اليورانيوم المخَصّب لصنع قنبلة. وحين دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية عام 1941م أمرت الحكومة باستخدام جميع الطاقات المتوفرة لصنع قنبلة ذرية صنعًا كاملاً، وأقامت مشروع مانهاتن البالغ السرية لإنجاز هذا الهدف.

وكُلّفت مجموعة من العلماء من جامعة شيكاغو بإنتاج البلوتونيوم من أجل مشروع مانهاتن. وقد ضمت المجموعة علماء ذائعي الصيت مثل إنريكو فيرمي وليو زيلارد وإيوجين ويجنر، وكلهم من مواليد أوروبا المقيمين في الولايات المتحدة. وترأس فيرمي المجموعة، وأنشأ العاملون بتوجيهات العلماء، مفاعلاً ذريًا تحت قواعد ساحة الألعاب الرياضية في الجامعة. وكان المفاعل يتألف من 45 طنًا متريا من اليورانيوم الطبيعي المطمور في450 طنًا متريا من الجرافيت الذي كان يُستخدم مهدئًا. وقد صُمِّم المفاعل كي يبدأ تفاعلاً متسلسلاً في اليورانيوم الذي ينتج بعدئذ البلوتونيوم بالتفكك الإشعاعي، وكانت قضبان الكادميوم تتحكم في التفاعل. واستطاع هذا المفاعل البدائي في 2 ديسمبر 1942م، أن يحدث أول تفاعل متسلسل مولد صناعيًا.

وأدى نجاح مشروع جامعة شيكاغو إلى أن تقيم حكومة الولايات المتحدة محطة لإنتاج البلوتونيوم في هانْفورد في ولاية واشنطن. وقد أقامت الحكومة أيضًا محطة في أوُك ريدْج في ولاية تنيسي لتخصيب اليورانيوم. وقد استُعمل البلوتونيوم واليورانيوم المخصَّب من هاتين المحطتين في القنبلتين الذريتين اللتين أُلقيتا على اليابان في أغسطس 1945م.

وبدأ العلماء بعد الحرب العالمية الثانية يعملون لتطوير قنبلة هيدروجينية. وفجرت الولايات المتحدة أول قنبلة هيدروجينية عام 1952م، وأنجزت بذلك أول تفاعل نووي حراري واسع النطاق في العالم. أما الاتحاد السوفييتي، فقد اختبر أول قنبلة ذرية له عام 1949م، وأول قنبلة هيدروجينية واسعة النطاق عام 1953م. كما فجرت كل من الصين وفرنسا وبريطانيا والهند أسلحة نووية.   

الاستعمالات السلمية الأولى. في حين استمر البحث في تصنيع الأسلحة النووية بدأت دول مختلفة في إجراء تجارب على المفاعلات النووية. فقد أقام كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي محطات لتخصيب اليورانيوم، وبدأت كلتا الدولتين بتطوير مفاعلات الماء الخفيف الذي يتطلب وقودًا من اليورانيوم المخصَّب. أما كندا وفرنسا وبريطانيا، فقد بدأت العمل بمفاعلات يُهدِّئها الجرافيت أو الماء الثقيل. وتكلف إقامة هذه المفاعلات أكثر من مفاعلات الماء الخفيف إلا أنها تستعمل اليورانيوم العادي غير المخصَّب.

وأنشأ الكونجرس في الولايات المتحدة هيئة الطاقة الذرية عام 1946م، كي تدير كل جوانب تطور الطاقة النووية وتنظمها وتراقبها في الولايات المتحدة. وسمح الكونجرس عام 1954م للقطاع الخاص الصناعي بأن يتولى معظم جوانب تطور الطاقة النووية التجارية، ولكن هيئة الطاقة الذرية الأمريكية ظلت مسؤولة عن تنظيم صناعة الطاقة النووية، وحافظت كذلك على المراقبة في مجالات مثل إخصاب اليورانيوم والتخلص من النفايات.

وأصبحت الولايات المتحدة عام 1954م، أول من استعمل طاقة نووية متحكمًا فيها على نطاق واسع. ففي تلك السنة دشّنت البحرية الأمريكية أول غواصة تعمل بالقدرة النووية وهي الغواصة نوتيلوس. أما أول محطة قدرة نووية واسعة النطاق فكانت في كالْدَر هُول شمال غربي بريطانيا والتي بدأ تشغيلها عام 1956م. وافتُتحت أول محطة نووية واسعة النطاق في الولايات المتحدة عام 1957م في شيبينج بورت، بولاية بنسلفانيا. وقد ظلت هذه المحطة تُزوِّد منطقة بتْسبِرْغ بالكهرباء حتى أُغلقت عام 1982م. كذلك افتتحت كندا أول محطة واسعة النطاق عام 1962م في رُلْفتون في أُنتارْيو.

وقد أقنعت هذه البداية الناجحة لصناعة الطاقة النووية قادة العالم بالحاجة إلى تعاون دولي في هذا المجال. فأسست منظمة الأمم المتحدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتعزيز الاستعمالات السلمية للطاقة النووية . وفي عام 1957م كوّنت بعض الدول الأوروبية، وهي بلجيكا وفرنسا وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا وألمانيا الغربية، جماعة الطاقة الذرية الأوروبية. وتشجِّع هذه المنظمة تطوير الطاقة النووية في هذه البلدان. وقد انضمت الدنمارك وبريطانيا وأيرلندا إلى الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية عام 1973م.

الطاقة النووية في الوقت الحاضر. تشمل انتشار الكفاءة النووية، والبحث عن أنواع جديدة من المفاعلات، وأجهزة الاندماج التجريبية، وهموم الأمان.

انتشار الكفاءة النووية.شيد عدد من الدول أثناء الستينيات وأوئل السبعينيات مفاعلات استُعلمت لبدء تطوير القدرة النووية. وحدث أيضًا أثناء هذه الفترة تقدُّمُ في تحديد تجارب الأسلحة النووية، والحد من انتشارها. ففي عام 1970م، على سبيل المثال، أصبحت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية سارية المفعول. وتحظر المعاهدة على الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (سابقًا) والقوى النووية الأخرى التي وقعت على وثيقة المعاهدة وصادقت عليها، أن تبيع أسلحة نووية للدول التي لم تكن تمتلك منها شيئًا. وتحظر هذه المعاهدة أيضًا على الدول التي ليس لديها أسلحة نووية أن تسعى للحصول عليها.

غير أن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية لا تحظر على الدول بيع المفاعلات النووية أو شراءها. ولكن المفاعل لا يستعمل لأغراض سلمية فحسب، بل يمكن استعماله لإنتاج البلوتونيوم اللازم للحصول على الأسلحة النووية. فالهند استعملت مفاعل بحوث لهذا الغرض، واستطاعت أن تفجر عام 1974م أول قنبلة ذرية لها. وكانت كندا قد زوّدت الهند بالمفاعل لاستعماله لأغراض سلمية فحسب. وإذا كانت كندا قد وقعّت على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، فإن الهند لم تكن قد وقّعت عليها. ويتساءل منتقدو ما فعلته الهند عن الحكمة في تزويد دول بمفاعلات لم تكن تمتلك شيئًا منها في السابق.

وكانت الولايات المتحدة أثناء ذلك قد زادت قدرة طاقتها النووية زيادة كبيرة، ولكن معارضة تطوير الطاقة النووية ازدادت أيضا في الولايات المتحدة وبلاد أخرى أثناء أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين. وبدأ النقاد يتساءلون عن كل جانب من جوانب إنتاج الطاقة النووية، مثل كلفة إخصاب اليورانيوم ومشكلات التخلص من النفايات.

ويتهم كثير من نقاد البرامج النووية الحكومات بالتغاضي عن مختلف أخطار السلامة في المحطات النووية لتعزير تطور الطاقة النووية.

البحث عن أنواع جديدة من المفاعلات نشط خوفًا من نقص اليورانيوم 235 وعجزه عن دعم مفاعلات الانشطار. ولكن ازدياد إنتاج الطاقة النووية أثناء السبعينيات كان أبطأ مما كان متوقعًا، غير أنه لم يحدث ما كان متوقعًا من نقص. ويسعى العلماء في الوقت الحاضر إلى تطوير مفاعلات أكثر سلامة وأعلى مردودًا. ويركز الباحثون جهودهم على تطوير مفاعل اندماج ومفاعل مولِّد تجاري.

نبائط الاندماج التجريبية. تركزت معظم الجهود التجريبية لإنتاج الطاقة من الاندماج النووي على استعمال بلازما فائقة الحرارة من الهيدروجين الثقيل كوقود. ويمكن أن يزودنا الهيدروجين الثقيل بمقادير لا حد لها من الطاقة تقريبًا، لأنه يمكن الحصول عليه من الماء العادي. وحاول بعض العلماء أن ينجزوا الاندماج النووي للهيدروجين الثقيل في درجات حرارة الغرفة. ولا شك أن كلفة استعمال وقود بارد في تفاعلات الاندماج أقل كثيرًا من تسخين بلازما إلى درجات حرارة فائقة. ولكن لا يعتقد معظم الخبراء أن أي نوع من أجهزة الاندماج العملية يمكن أن تُستكمل في القرن العشرين.

وقد صمم أكثر مفاعلات الاندماج نجاحًا أصلاً في الاتحاد السوفييتي (سابقًا) ويسمى توكاماك وتعني في الروسية التيار القوي. ويستعمل التوكاماك كغيره من مفاعلات الاندماج حقلاً مغنطيسيًا يدفع البلازما بعيدًا عن جدران الحاوية. كما يُرسلُ عبر البلازما تيارًا كهربائيًا شديدًا يعمل مع الحقل المغنطيسي لحصر البلازما في الحاوية.

وطوّر العلماء في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول توكاماكات أيضًا، ولكن لم ينتج أيٌ منها حتى الآن مقادير مفيدة من الطاقة، إذ يجب تسخين البلازما حتى درجة حرارة تبلغ مائة مليون درجة مئوية على الأقل كي تحدث تفاعلاً نوويًا حراريًا متحكمًا فيه، ومن الصعب حصر البلازما في درجات حرارة كهذه.

وتُستعمل طريقة تجريبية أخرى لإنجاز الاندماج، باستخدام حزمة من أشعة الليزر لضغط حبيبات دقيقة من الديوتريوم والتريتيوم المجمّديْن وتسخينهما. وتولِّد هذه العملية انفجارات نووية حرارية مصغرة تطلق طاقة قبل أن تصل إلى جدران الحاوية، غير أن كل تجارب هذه الطريقة لم تؤد إلى إنتاج مقادير مفيدة من الطاقة.  

المفاعلات المولَّدة التجريبية. يستعمل أهم نوع من المفاعلات المولِّدة التجريبية مقدارًا وافرًا من اليورانيوم 238 وقودًا أساسيًا، ويحوِّل المفاعل اليورانيوم 238 إلى البلوتونيوم 239 (Pu-239) بالتفكك الإشعاعي. ويستطيع البلوتونيوم 239، شأنه شأن اليورانيوم 235، أن يحدث تفاعلاً متسلسلاً وبذلك يمكن استخدامه في إنتاج الطاقة. ويستعمل مولِّد آخر عنصر الثوريوم الطبيعي وقودًا أساسيًا، ويحوله إلى اليورانيوم 233 الذي يمكنه أيضًا أن يحدث تفاعلاً متسلسلاً.

وقد أقامت كل من فرنسا وبريطانيا والهند واليابان والاتحاد السوفييتي (سابقًا) والولايات المتحدة مفاعلات مولِّدة تجريبية. وأنجح هذه المفاعلات هو المفاعل الفرنسي الذي يُسمى فينكْس، حيث يولّد بانتظام 250 ألف كيلوواط من الكهرباء. ولكن ليس لدى أي بلد حتى الأن مفاعل مولَّد صالح للاستعمال التجاري على نطاق واسع.

هموم الأمان. جرى عدد من الحوادث في محطات الطاقة النووية، ولم يكن معظمها خطيرًا. ولكن ازداد القلق حول إجراءات الأمان الخاصة بإنتاج القدرة النووية بعد الحادث الخطير عام 1979م بمحطة القدرة النووية المقامة في جزيرة ثري مايل آيلانْد بالقرب من هاريسبرج في ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة، إذ أدت أعطال آلية وبشرية إلى تعطيل نظام تبريد المفاعل وتدمير قلبه. وقد نجح العلماء والفنيون في منع انصهار القلب انصهارًا كليًا، الذي كان يمكن أن يؤدي إلى انطلاق مقادير كبيرة من النظائر المشعة إلى الجو المحيط بالمحطة. وقد استمر تنظيف المحطة حتى أواخر الثمانينيات.

وقد حدث أسوأ حادث نووي في التاريخ عام 1986م في محطة الطاقة النووية في تشيرنوبل بالقرب من كييف في أوكرانيا التي كانت حينذاك جزءًا من الاتحاد السوفييتي. فقد قضى الانفجار والنار على المفاعل وحطماه، وانطلقت مقادير كبيرة من النظائر المشعة إلى الجو. وكانت مفاعلات تشيرنوبل، بخلاف معظم المفاعلات الغربية، تفتقر إلى سياج يحول دون تسرب النظائر المشعة، فانساقت سحب من الحطام المشع عبر أوروبا. وقد لقي 31 شخصًا حتفهم بسبب الحروق أو مرض الإشعاع، وأصيب أكثر من 200 شخص آخرين بإصابات خطيرة. وقد انتشر الإشعاع فوق القسم الشرقي من الاتحاد السوفييتي السابق، وحملته الرياح إلى شمالي أوروبا ووسطها، وتوقع الخبراء ازديادًا كبيرًا في عدد الأموات بالسرطان بين الذين يقيمون بجوار المفاعل، ولكنهم تنبأوا بضآلة الآثار الصحية في المناطق التي تقع خارج تشيرنوبل وبعيدًا عنها.

وتزايدت المعارضة تجاه الطاقة النووية في كثير من البلدان في أواخر الثمانينيات نتيجة للحوادت التي جرت في ثري مايل أيلاند وتشيرنوبل. ويعتقد كثير من الخبراء أنه يمكن حل مشكلات الأمان، بل إن بعضهم خطط لتوسيع الطاقة النووية ونشرها.

واستمر البحث في تطوير مفاعلات أكثر أمانا. فالمهندسون ـ على سبيل المثال ـ يعملون على إنشاء مفاعل يستعمل الجرافيت مهدِّئًا وإحاطة قضبان الوقود بطبقات من الخزف والكربون بدلاً من الفلز، وهم يعتقدون أن مفاعلاً كهذا لا يمكن أن ينصهر قط. قضت التطورات السياسية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق بين عامي 1989م و1991م على الحرب الباردة. وتحول خوف أوروبا من الهجوم الشامل المتوقع إلى إرساء الاستقرار السياسي ومن ثم العسكري في المنطقة. ويتوقع المحللون العسكريون أن الاتفاق على خفض الترسانات النووية سيقلل من احتمال تطور التوترات السياسية إلى حرب شاملة.

أسئلة

  1. ما الميزتان اللتان تتفوق بهما محطة الطاقة النووية على محطة الوقود الأحفوري؟

  2. ما التفاعل المتسلسل؟

  3. كيف يحدث المفاعل النووي انشطارًا؟

  4. ما اليورانيوم 235؟ ولماذا يبحث العلماء عن بديل له؟

  5. ما الدور الذي قام به إرْ نسْت رذرفورد في تطوير الطاقة النووية؟

  6. ما التفكك الإشعاعي؟ وما الإشعاع النووي؟

  7. ما أنواع النفايات التي تكوّنها المفاعلات النووية؟

 

 

    

الحقوق   القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
  Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

يوسف عليه السلام Joseph

 

يوسف عليه السلام   Joseph

 يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام. نبي من أنبياء الله،، كان ليعقوب عليه السلام اثنا عشر ولدًا ذكرًا. وكان يوسف عليه السلام فتـًى جميل الصورة، أثيرًا عند أبيه، يخصُّه بقسم عـظيم من محبته. وكان ذلك سببًا في غيرة إخوته عليه، وسببا في محنته التي كانت خيرًا وبركة عليه، وعلى مصر، وعلى الأمم القريبة منها.

رأى يوسف يومًا في منامه ـ كما يحكي القرآن الكريم ـ وكان صغيرًا ـ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر يسجدون له. فمضى إلى أبيه يخبره بذلك، فطلب منه والده ـ يعقوب عليه السلام ـ ألا يقصَّ ذلك على إخوته لئلا يكيدوا له. أما إخوته الذين غاظهم إيثار أبيهم ليوسف وعطفه عليه، فكانوا يُضمرون له الشر، ويتحينون الفرصة لإيقاع الأذى به؛ لكـي يخلو لهم وجه أبيهم.

وفي أحد الأيام طلب الأبناء من أبيهم إرسال يوسف معهم يرتع ويلعب، وتعهدوا بالمحافظة عليه وحمايته من السوء. فوافق يعقوب عليه السلام بعد تردد. وهناك ألقوا به في بئر عميقة قليلة الماء، بعد أن جرَّدوه من قميصه ولطَّخوا القميص بدم كذب. ثم جاءوا أباهم عشاء ًيبكون، مدعين أن ذئبًا قد افترس يوسف حين كان يحرس لهم متاعهم، بينما كانوا يستبقون. لكن يعقوب أدرك مكيدتهم ففوض أمره إلى الله.

وجاءت سيارة (قافلة من المسافرين ليلاً) فأرسلوا واردهم، فأدلى دلوه في الجب (البئر)، فتعلق به يوسف، فصاح الرجل: يابشراي هذا غلام. فخرج يوسف سالمًا، فأخذوه معهم إلى مصر، واشتراه العزيز حاكم مصر، فصار أثيرًا عنده؛ إذ جعله صاحب أمره ونهيه، والمتصرف في كل شيء في بيته. وقد أعطى الله تعالى يوسف الهداية والتربية والتوفيق، وعلَّمه من لدنه علمًا عظيمًا.

وما كاد يوســف يخلد إلى حــياة هادئة في منزل العزيز حاكم مصر حتى جاءته محنة أخرى؛ ذلك أن امرأة العزيز نظرت إلى يوسف، فشغفها جمال صورته وجميل خَلْقِهِ. إلى أن جاء يوم دعته فيه إلى نفسها، وهي على ماهي عليه من الجمال والمال والمنصب والشباب، فأبى وامتنع عنها إيمانًا منه بالله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، من جهة، واعترافاً بنعمة سيده عليه وحفظًا لأمانته، من جهة أخرى. فأرادت به كيدًا، وأبلغت زوجها أن يوسف راودها عن نفسها. لكن تبيَّن لزوجها صدق يوسف وكذبها بعد أن شهد شاهد من أهلها عليها، فوجه إليها اللَّوْم، وأمرها بالاستغفار لذنبها، كما أمر يوسف بكتمان الخبر.

شاع في أرجاء المدينة نبأ حادثة امرأة العزيز وفتاها يوسف عليه السلام. فرأى العزيز أنه لايمحو العار، ويكف ألسنة الناس عنهم، إلا زج يوسف في غياهب السجن على غير جريمة أتاها، فاستقبل فيه محنة جديدة تلقاها بقلب الصابرين وعزم المؤمنين الموقنين. ودخل السجن مع يوسف فتيان: أحدهما كبير الخبازين عند الملك، والثاني رئيس سُقَاته. فلما رأيا يوسف أعجبهما صمْته وهدْيه، وقوله وفعله، وكثرة عبادته ربه. وحينما أصبحا يومًا على رؤيا قد أهمَّتهما أسرعا إليه يستفتيانه في أمرهما. وقد تحقق تأويل يوسف لرؤياهما فيما بعد، إذ إن تأويل الرؤيا جزءٌ مما هداه ربه إليه وعلَّمه إياه.

أمضى يوسف في سجنه بضع سنين، فلما أراد الله أن يُعجِّـل له بالفرج هيأ لذلك الأسباب. وذلك أن الملك رأى في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبعٌ عجاف، وسبع سنابل خضر يأكلهن سبع يابسات. فانزعج لما رأى، ودعا السحرة والعلماء يسألهم عن تأويل هذا الذي رآه، فلم يجد عند أحد منهم جواباً. ثم إن عزيز مصر علم بأمر يوسف عليه السلام من رئيس سقاته الذي كان معه في السجن. فأرسله إيه يستفتيه، فجاءه بالخبر اليقين، وهو أنه سيأتي على مصر سبع سنين مُخصبة يتبعها سبع سنين مجدبة تأتي على مخزون السنين السبع السابقة. لذلك فإن عليهم الاقتصاد في سنين الخصب والادخار من أيام الرخاء لأيام الشدة والشقاء.

سُرَّ الملك بتأويل يوسف لرؤياه، وأعجبته حكمته، فقرّبه منه وعيَّنه أميناً على مخازن الحبوب في مصر. وكان يوسف قد أصرَّ على عدم الخروج من السجن قبل أن تُعلن براءته مما اتهم به، بل وتثبت هذه التهمة على الجاني الحقيقي وهي امرأة العزيز. وقد تحقق له ذلك بظهور الحجج الدامغة على براءته من جهة، وإدانتها هي من جهة أخرى، وحصحص (ظهر) الحق باعترافها بعد ذلك اعترافًا شخصيًا لا لبس فيه ولا غموض حيث اعترفت بأنها هي التي راودته عن نفسه فاستعصم.

مرت السنوات السبع المُخْصبة وأعد يوسف عليه السلام فيها عدته، ثم جاءت السبع المجدبة فاشتد الجدب في أنحاء الأرض. ولما علم سكان بلاد كنعان بوجود الطعام في مصر، أرسل يعقوب أولاده إليها لشراء حاجتهم منه. فعرفهم يوسف دون أن يعرفوه، فجهزهم بالطعام، وأكرمهم واشترط عليهم إحضار أخيهم ـ شقيقه ـ بنيامين في المرة القادمة إن هم أرادوا الطعام. وأمر يوسف غلمانه أن يدسوا في رحال إخوته الفضة التي جاءوا يبتاعون بها، ليكون ذلك أدعى لعودتهم. ويبدو أن القحط كان شديدًا مما جعل يعقوب يسمح بسفر ابنه، لكنه فعل ذلك بشروط اشترطها على أولاده.

لكن بنيامين استُبْقي
عند يوسف في رحلتهم الثانية إلى مصر متهمًا بسرقة صواع الملك (وهو إناء يشرب فيه الملك). وكان هؤلاء الإخوة قد حاولوا تخليصه من الاحتجاز والعودة به إلى بلاد كنعان تنفيذًا لشروط أبيهم، وأبدوا من أجل ذلك استعدادهم أن يستبدلوا به واحدًا منهم. لكن محاولاتهم فشلت لتعهُّدهم السابق بأن من وُجد الصواع في رحله يؤخذ عبداً للملك. وكان الصواع قد دُسَّ في رحل بنيامين سببًا لاستبقائه. وهكذا عاد إخوة يوسف دون بنيامين، وأخبروا أباهم بما حدث، فلم يصدقهم وزاد به الحزن حتى ابيضت عيناه وفقد بصره.

رد يعقوب أولاده إلى مصر للمرة الثالثة، ليشتروا طعامًا، وليتحسسوا له شأن يوسف وأخيه. وفي هذه المرة كشف لهم يوسف عن نفسه. ولام إخوته على ماسبق أن فعلوه به، لكنه سأل الله أن يغفر لهم. أما يعقوب، وقد امتُحن حقبةً من الدهر، فقد أحس، بما لديه من بصيرة الإيمان، بقرب لقاء يوسف بعد أن غادرت العير أرض مصر.

وما لبث أن جاءه البشير يلقي عليه قميص يوسف، فارتد بصيرًا وقرّت عينه. ثم شد يعقوب وآله أجمعون رحالهم إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف سجد له أبواه وإخوته الأحد عشر. وكان ذلك مصداقـًـا لقوله تعالى : ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ¦ قال يابني لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ¦ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ يوسف: 4، 6 .

عند ذلك قال يوسف لأبيه ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم ¦ رب قد آتيتني من الملك وعلَّمْتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفَّني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾ يوسف: 100، 101 .  

 

                                                           
         

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية   محفوظة لأعمال الموسوعة.
  Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.