كتاب كامل ..أول ليلة في القبر. د.عائض بن عبد الله القرني.

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب كامل ..أول ليلة في القبر.
فضيلة الشيخ / عائض بن عبد الله القرني.


………………………………………
الحمد لله رب العالمين.
( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)
(الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا.
بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
فارقتُ موضعَ مرقدي يوماً ففارقني السكون…….القبرُ أولُ ليلةٍ بالله قلي ما يكون
ليلتانِ اثنتان يجعلها كلُ مسلمٍ في مخيلته.
ليلةٌ وهو في بيته مع أطفاله وأهله.
منعما سعيدا، في عيشٍ رغيد في صحة وعافية، يضاحكُ أطفاله ويضاحكونه.
والليلةُ التي تليها مباشرةً ليلةٌ أتاه الموت فوضع في القبر، أي ليلتين ؟
ليلةٌ ثانيةٌ وضع في القبر لأولِ مرة، وذاك الشاعرُ العربيُ يقول:
فارقتُ موضعَ مرقدي يوماً ففارقني السكون، يقول:
انتقلتُ من مكانٍ إلى مكان، وذهبتُ من موضع نومي في بيتي إلى بيتٍ آخر فما أتاني النوم.
فبالله كيف تكونُ الليلةُ الأولى في القبر ؟
يومَ يوضعُ الإنسانَ فريداً وحيداً مملقاً إلا من العمل، لا زوج ولا أطفال ولا أنيس:
(ثم ردو إلى اللهِ مولاهم الحق، ألا لهُ الحكمُ وهو أسرع الحاسبين).
أولُ ليلةٍ في القبر بكاء منها العلماء، وشكاء منها الحكماء، ورثاء إليها الشعراء، وصنفت فيها المصنفات.
أولُ ليلةٍ في القبر.
أُتيَ بأحد الصالحين وهو في سكراتِ الموت لدغته حيه.
وكان في سفر، نسي أن يودع أمه وأباه وأطفالهُ وإخوانه، فقال قصيدةً يلفظُها مع أنفاسه هيَ أم المراثي العربيةِ في الشعر العربي. يقولُ وهو يُزحفُ إلى القبر:
فلله دري يوم اُتركُ طائـعاً ……… بنيَ بأعلى الرقمتينِ وداريا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني …….و أين مكانُ البعد إلا مكانيا
يقول كيف أفارقُ أطفالي في لحظة ؟
لماذا لا أستأذنُ أبوي ؟
أهكذا تُختلسُ الحياة، اهكذا أذهب ؟
أهكذا أفقدُ كل ممتلكاتي ومقدراتي في لحظة ؟
ويقولُ عن نفسه:
يقولُ لي أصحابي واللذينَ يتولونَ دفني، لا تبعد أي لا أبعدك الله.
وأين مكانُ البعد إلا هذا المكان ؟
وأين الوحشةُ إلا هذا المنقلب ؟
وأين المكان المظلم إلا هذا المكان ؟
فهل تصورَ متصورٌ هذا.
(حتى إذا جاء أحدهم الموتُ قال ربي ارجعون لعلي أعمل صالحا في ماتركت، كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).
كلا‍، آلان تراجع حساب ‍‍‍‍‍‍‍‍، آلان تتوب، آلان تنتهي عن المعاصي.
يا مدبرا عن المساجد ماعرف الصلاة.
يا معرضا عن القرآن، يا متهتكا في حدود الله.
يا ناشئا في معاصي الله.
يا مقتحما لأسوار حرمها الله.
آلان تتوب، أين أنت قبل ذلك ؟
أو ليلية في القبر.
قال مؤرخوا الإسلام:
مات الحسنُ ابن الحسنِ من أولادِ علي ابنَ أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه.
كان عنده زوجةٌ و أطفال وكان في الشباب،
والموتُ لا يستأذنُ شاباً ولا غنياً ولا فقيراً ولا أميراً ولا ملكاً ولا وزيراً ولا سلطانا،
الموتُ يقصمُ الظهور ويخرجُ الناسَ الدور وينزلهم من القصور ويسكنهم القبور بلا استئذان.
الحسن ابنُ الحسن مات فجأة، نقلوه إلى المقبرةِ.
فوجدت علية امرأتُه وحزِنت حزناً لا يعلمه إلا الله.
أخذت أطفالها وضربت خيمةًَ حول القبر.
( وهذا ليس من عمل الإسلام ولولا أن مؤرخو الإسلام ذكروه ما ذكرته).
ضربت خيمةً حول القبر وأقسمت بالله لتبكينا هي و أطفالها على زوجِها سنةً كاملة.
هلعٌ عظيم وحزنٌ بائس.
وبقيت تبكي فلما وفت سنة أخذت إطناب الخيمةِ وحملتها و أخذت أطفالها في الليل.
فسمعت هاتفاً يقول لصاحبه في الليل:
هل وجدوا ما فقدوا ؟، هل وجدوا ما فقدوا ؟
فردَ عليه هاتفٌ أخر قال :
لا، بل يئِسوا فانقلبوا.
ما وجدوا ما فقدوا، ما وجدوا ضعيتهم، ولا وديعتهم:
كنزُ بحلاون عند الله نطلبُه…..خير الودائعِ من خير المؤدينا
(قال لا، بل يئِسوا فانقلبوا).
ما كلمَهم من القبر، ما خرج إليهم ولو في ليلةٍ واحدة، ما قبل أطفاله، ما راى فتاته، لا.
ولذلك هذه هي أولُ ليلةٍ ولكن لها لياليٍ أخرى إذا احسن العمل.
قل الله، جل الله :
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ).
أتى أبو العتاهية يقول لسلطانٍ من السلاطينِ غرتُه قصوره، وما تذكرَ أولَ ليلةٍ ينزل فيها القبر.
ونحن نقول لكل عظيم ولكل متكبر، متجبر أما تذكرت أو ليلة ؟
هذا السلطان بناء قصوراً في بغداد، فدخل عليه الشاعر يهنئه بالقصور يقول له:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقةِ القصور
عش ما بدا لك سالماً عش ألف سنه، عش مليون سنه سالماً معافاً مشافا.
يجري عليكَ بما أردتَ مع الغدوِ مع البكور
ما تريدُ من طعام، ما تريدُ من شراب هو عندك، ولكن أسمع ماذا يقول:
فإذا النفوسُ تغرغرت بزفيرِ حشرجةِ الصدور…….. فهناك تعلمُ موقناً ما كنت إلا في غُرور
فبكى السلطان حتى أغمي عليه: فهناك تعلمُ موقناً ما كنت إلا في غُرور.
أولُ ليلةٍ في القبر.
وأنا أطالبُ نفسي و إياكم آيامعاشر المسلمين أن نهياء لنا نوراً في القبر أولُ ليلة.
و ولله لا ينورُ لنا القبر إلا العملُ الصالحِ بعد الإيمان.
لنقدمَ لنا ما يؤنسُنا في القبر يوم ننقطعُ عن الأهل المال الولد والأصحاب.
خرج عليه الصلاة والسلام إلى تبوك:
وفي ليلةٍ من الليالي نامَ هوَ الصحابة، وكانوا في غزوةٍ في سبيل الله.
قال ابنُ مسعود رضي الله عنه و أرضاه:
قمتُ أخرَ الليل فنظرتُ إلى فراش الرسولِ (ص) فلم أجده في فراشه.
فوضعتُ كفي على فراشهِ فإذا هوَ بارد.
وذهبتُ إلى فراشِ أبي بكر فلم أجده على فراشه.
فألتفت إلى فراش عمر فما وجدته،
قال وإذا بنورٍ في أخر المخيم وفي طرف المعسكر، فذهبتُ إلى ذلك النور ونظرتُ.
فإذا قبرٌ محفور، والرسولُ عليه الصلاة والسلام قد نزلَ في القبر.
وإذا جنازةٌ معروضةٌ، وإذا ميتُ قد سجي في الأكفان.
وأبو بكرٍ وعمر حول الجنازة، والرسولُ(ص) يقول لأبي بكر وعمرَ دليا لي صاحَبكما.
فلما أنزلاهُ، نزلهُ (ص) في القبر، ثم دمعت عيناه عليه الصلاة والسلام ثم التفتَ إلى القبلةِ ورفع يديه وقال:
( الهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه)، ( الهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه)،
قال: قلت من هذا ؟
قالوا هذا أخوك عبد الله ذو البجادين مات في أولِ الليل.
قال ابنُ مسعود فوددت واللهِ أني أنا الميت : ( الهم إني أمسيتُ عنه راضٍ فأرضَ عنه).
وإذا رضي اللهُ عن العبدِ أسعده.
وإنما هي مسألةٌ لمن نسيَ اللهَ و أوامرَ الله وانتهكَ حدودَ الله.
نقولُ له هل تذكرتَ يا أخي أولُ ليلةٍ في القبر ؟
كان عمر بن عبد العزيز أميراَ من أمراء الدولةِ الأموية، يغيرُ الثوبَ من حرير في اليومِ اكثرَ من مرة، الذهبُ والفضةُ عنده.
الخدم القصور، المطاعم المشارب كلَ ما اشتهى وكل ما طلبَ وكلَ ما تمنى.
ولما تولى الخلافة، مُلك الأمة الإسلامية انسلخَ من ذلك كلِه لأنه تذكرَ أولَ ليلةِ في القبر.
وقف على المنبرِ يوم الجمعةِ فبكى وقد بايعتهُ الأمة.
وحولَه الأمراء الوزراء والشعراء والعلماء وقوادَ الجيش، فقال:
خذوا بيعتَكم.
قالوا ما نريدُ إلا أنت.
فتولاها فما مرَ عليه أسبوعٌ أو أقل إلا وقد هزُل، وضعف وتغير لونه ما عنده إلا ثوبٌ واحد.
قالوا لزوجتهِ مالِ عمرَ تغير ؟
قالت واللهِ ما ينامُ الليل، والله إنه يأوي إلى فراشه فيتقلبُ كأنه ينامُ على الجمر ويقول:
آه توليت أمر أمةِ محمد، يسألني يوم القيامةِ الفقير والمسكين والطفلُ والأرملة.
يقولُ له أحد العلماء يا أمير المؤمنين:
رأيناك قبل أن تتولى الملك وأنت في مكة في نعمةٍ وفي صحة وفي عافيه، فمالك تغيرت؟
فبكى رضي الله عنه حتى كادت أضلاعَه تختلف، ثم قال للعالم وهو أبن زياد:
كيف بك يا ابن زياد لو رأيتني في القبرِ بعد ثلاثةِ أيام.
يومَ اجرد عن الثياب، و أوسد التراب، وأفارقُ الأحباب وأترك الأصحاب.
كيف لو لرأيتني بعد ثلاث والله لرأيت منظراً يسوءك.
فنسأل اللهَ حسن العمل.
والله، والله لو عاش الفتى في عمرهِ …. أسمع
والله لو عاش الفتى في عمرهِ …….ألفاً من الأعوامِ مالكَ أمره
متنعماً فيها بكلِ لذيذةٍ ………….متلذذاً فيها بسكناَ قصره
لا يعتريه الهمُ طول حياته ………. كلا ولا تردٌ الهمومُ بصدره
ما كان ذلك كلُه في أن يفي……. فيها بأولِ ليلةٍ في قبره
واللهِ لو عاش ألف سنه، وما طرقَه همٌ ولا غم ولا حزن.
واللهِ لا يفي بأولِ ليلةٍ في القبر.
و واللهِ لننزلنَها جميعاً، أولُ ليله.
فيا عباد الله، أسألُ الله لي ولكم الثبات، ما ذا أعددنا لضيافةِ تلك الليلة ؟
يقول رسولُنا (ص) :
( القبرُ روضةٌ من رياض الجنةِ أو حفرةٌ من حُفرُ النا).
كان عثمانُ بنُ عفانُ الخليفةَ رضي الله عنه إذا شيعَ جنازةٍ بكى حتى يغمى عليه فيحملونَه إلى بيتهِ كالجنازة إلى بيته. قالوا مالك ؟ قال سمعتُ الرسولَ (ص):
( يقول القبرُ أولُ منازلِ الآخرة فإذا نجا العبدُ فيه أفلح وسعُد، وإذا خسرَ والعياذُ بالله خسرَ أخرتَه كلها).
والقبرُ روضةٌ من الجنانِ ………..أو حفرةٌ من حُفر النيرانِ
إن يكو خيراً فالذي من بعده…. أفضلُ عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعدُ أشد………….. ويلٌ لعبدٍ عن سبيلِ اللهِ صد.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين.
فأستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
……………………………………………

لحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدونا إلا على الظالمين.
والصلاة والسلام عل إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أتيتُ القبورَ فناديتُها ….. أين المعظمُ والمحتقر ؟
أتيتُ القبور. قبور الرؤساءِ و المرؤوسين.
قبور الملوك والمملوكين
قبور الأغنياءِ والفقراء فناديتُها أين المعظمُ والمحتقر ؟
تفانوا جميعاً فما مخبرٌ.. وماتُوا جميعاً ومات الخبر
فيا سائلي عن أناسٍ مضوا.. أما لك في ما مضى معتبر
تروحُ وتغدو بناتُ الثرى….. فتمحو محاسنَ تلك الصور.
أريت قبراً ميز عن قبر ؟
أ أنزل الملكُ في قبرٍ من ذهبٍ أو فضه ؟
والله لقد ترك ملكَهُ وقصوره وجيشهُ وكلَ ما يملك، ولبسَ قطعةً من القماش كما نلبس واُنزل التراب.
ولدتك أمك باكيا مستصرخا…….والناس حولك يضحكون سرورا
فأعما لنفسك أن تكون إذا بكوا…….في يوم موتك ضاحكا مسرورا
لكن كثيرا من الناس علموا بالقبر، وأول ليلة في القبر فأحسنوا العمل، ولذلك متهيئون دائما.
يريدون الله والدار الآخرة، ثبتهم الله في الليلِ والنهار.
يترقبون الموت كل طرفة عين.
خرج رجلُ من الصالحين وشيخُ من المشائخ أعرفه من مدينة الرياض.
خرج بزوجته وكانت صائمة قائمة وليّة من ولياء الله، خرج يريد العمرة، والغريب في تلك السفرة أنها ودعت أطفالها، وكتبت وصيتها، وقبلت أطفالها وهي تبكي. كأنها ألقي في خلدها أنها سوف تموت.
(ثم ردوا إلى لله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين).
ذهب وأعتمر بزوجته وهو وإياها في بيت أسس على التقوى، إيمان وقرآن وذكر وصيام وقيام وعبادة.
لا يعرفون الغيبة ولا الفاحشة ولا المعاصي.
عاد معها فلما كان في الطريق إلى الرياض، أتى الأجل المحتوم إلى زوجته.
(وعد الله الذي لا يخلف الله وعده، ولكن كثر الناس لا يعلمون…)
(.. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).
ذهب إطار السيارة فأنقلبت ووقعت المرأة على رأسها، لكنها إن شاء الله شهيدة.
(أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون).
خرج زوجها من الباب الآخر، ووقف عليها وهي في سكرات الموت تقول:
لا إله إلا الله محمد رسول الله، الله، الله، الله.
وتقول لزوجها: عفى الله عنك، اللقاء في الجنة، بلغ أهلي السلام.
(والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امريء بما كسب رهين). إي والله.
أسأل الله أن يجمع تلك الأسرة في الجنة، وأن يجمعنا وأحبابنا وأقاربنا في الجنة.
بنتم وبنا فما أبتلت جوانحنا….…شوقا إليكم ولا جفت ماقينا
تكادُ حين تناجيكم ضمائنا………….يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إن كان عز في الدنياء اللقاء ففي…..مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
عاد الرجل إلى الرياض و دفن زوجته، دخل بيته وحده بلا زوجة، دخل بيته واستقبله الأطفال، لكن حياة سهلة وبسيطة.، ولكن الموقف المرعب أن واحدة من الطفلات بنت، قامت تقول أين أمي؟
قال سوف تأتي.
قالت لا والله لا بد أن أرى أمي.
وإنهار الرجل.
ونقول لتلك الطفلة سوف ترينها بأذن الله في جنة عرضها السماوات والأرض.
يعمل لها العاملون، ليست كدنيانا الحقيرة، السخيفة التي يعمل لها الذين لا يريدون الله والدارالآخرة.
( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها الساوات والأرض أعدت للمتقين).
فاعمل لدار غدا رضوان خازنها……..الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها……والزعفران حشيش نابت فيها
يا أخوتي في الله:
يا شيخاً كبيراً احدودب ظهرُه ودنى أجلُه، هل أعدت لأولِ ليله ؟
يا شاباً مصطحاً متنعماً غره الشباب والمالُ والفراغ هل أعدت لأولِ ليله ؟
إنها أولُ الليالي:
و إنها إما أولُ ليلةٍ من ليالي الجنةِ.
أو أولُ ليلةٍ من ليالي النار.

عباد الله:
صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه.
وصلوا على أصحابه، وترضوا على أحبابه.
أسأل الله لي ولكم الضوان، والسعادة في الدنيا والآخرة.
أسال الله أن يصلح ولاة الأمر، وأن يهديهم سواء السبيل.
أسأل الله أن يصلح شباب الإسلام، وأن يخرجهم من الضلمات إلى النور، وأن يكفر عنهم سأيتهم.
وأن يهيئهم بعمل صالحا لأول ليلة من ليالي القبر
أسأل أن يثبتَنا و إياكم بالقول الثابت.
وولا يظلم ابصارنا وبصائرنا.
ولا يجعلنا قوماً انحرفوا عن منهجِ الله و اشتروا معاصِ الله، وغفلوا عن آياتِ الله، فعموا وصَموا وضلوا و ابتعدوا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
………………………………………………

كتاب كامل .. السمو ..الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني

كتاب كامل .. السمو .. الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني
المقدمة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله ومن والاه ، وبعد:
فإن علو الهمة وسمو الروح مطلب شرعي ومقصد إنساني، أجمع عليه العقلاء، واتفق عليه العارفون ، والمطالب العالية أمنيات الرواد، ولا يعشق النجوم إلا صفوة القوم ، أما الناكصون المتخاذلون فقد رضوا بالدون ، وألهتمهم الأماني حتى جاءهم المنون ، فليس لهم في سجل المكارم أسم ، ولا في لوح المعالي رسم. وقد أردت بكتابي هذا إلهاب الحماس، وبث روح العطاء ،وإنذار النائمين بفيالق الصباح، والصيحة في الغافلين ، وقد قلت لقلبي وأنا أرسله بكتابي: )اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إليهمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) (النمل:28) .
فيا أحفاد الفاتحين ، ويا سلالة الأبرار ، ويا بقية الأباة، حانت الانطلاقة الكبري والوثبة العظمي، وقد عرضت سفينة النجاح ، ونادي منادي الفلاح: ( ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)(هود: من الآية42).
فهل من سامع وهل من مجيب ؟‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‌

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله نبدأ

اللهم لك الحمد لكن أجله وأعظمه ، ولك الشكر لكن أحسنه وأجمله، ولك الثناء لكن أكمله وأتمه، ولك المدح لكن أبلغه وأحلاه، والصلاة والسلام على الصفوة المصطفي، والأسوة المرتضي، والسيف المنتضي، وأديت حقوق ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على نهجه، واقتفي أثره إلى يوم الدين.

لماذا السمو؟

اخترت لكم هذا العنوان ليوافق سموكم، ويناسب قدركم، ويحيي جهادكم ، ويهتف بسجاياكم، ولأنكم من أهل ( السمو) أحببت أن أحدو لكم حداء الأبطال، وأن أتحفكم يا صفوة الرجال، لتسافر الآمال ، الى أفاق الجلال، ولأنكم أبناء الفاتحين، وأحفاد المجدين، وسلالة القادة، وبقية الأبرار، حرصت على إلهاب هممكم الماضية، والاشادة بهاماتكم العالية، وعزائمكم السامية :
فتالله لو أن السماء صحيفة
بها الشكر يروي والثناء يرتب
وأشجارنا الأقلام والبحر حبرنا
ونحن طوال الدهر نملي ونكتب
لما بلغوا في كنه شكرك درة
ولو دبجوا فيك المديح وأغربوا!
* * *

تحية السمو

هذ مقطوعة ، المسك من أريجها فواح، والبلبل من نغمتها صداح، نهديها الى أهل الصلاح والفلاح والنجاح:
كل شهم منكموا رمز فتوة
السما تروي الى الأرض سموه
همم لو أن للدهـــر بها
معهداً لم يملك الدهر عتوه
غيركم في لهوه قد جمحت
نفسه يهوي بها سبعين هواة
وأراكم صفوة صادقة
فيكم الحق وآثار النبوة
دعوة بل صحوة بل وثبة
في صفاء ووفاء وأخوة
ولأنكم أهل الصلاح والفلاح، وأحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلى ، ومنكم خالد وعمرو وسعد والمقداد، ومنكم المجدون والمصلحون، قلنا لكم في بطاقة سلام:
حيث الشهامة مضروب سرداقها
بين النقضين من عفو ومن نقم
وللرسالة أنوار مقدسة
تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللأخوة آيات تنص لنا
على الخفين من حكم ومن حكم
وللمكارم أعلام تعلمنا
مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلا ألسن تثني محامدها
على الحميدين من فعل ومن شيم

برقيات عاجلة

يا أصحاب سمو المعالي إلى العزيز العالي جل في علاه، بإيمانهم وجهادهم وصبرهم ودعوتهم:
لما أنذر النمل وحذر ودعا بني جنسه سطرت في حقه سورة من سور القرآن ، فخذوا من النمل ثلاثاً: الدأب في العمل، ومحولة التجربة، وتصحيح الخطأ.
لما أكمل النحل طيباً ووضع طيباً، أوحي الله إليه وجعل له سورة باسمه في الذكر الحكيم ، فخذوا من النحل ثلاثاً: أكل الطيب، وكف الأذي، ونفع الآخريت •
لما تجلت همة الأسد وظهرت شجاعته سمته العرب مائة أسم، فخذوا من الأسد ثلاثاً: لا ترهب المواقف، ولا تاعاظم الخصوم، ولا ترض الحياة مع الذل.
لما سقطت همة الذباب ذكر في الكتاب على وجع الذم ، فاحذروا ثلاثاً في الذباب: الدناءة، والخسة، وسقوط المنزلة.
لمل هزت العنكبوت وأوهمت بيتها ضربها بيتها مثلاً للهشاشة، فاحذروا في العنكبوت ثلاثاً عدم الإتقان ، وضعف البنيان، وهشاشة الأركان.
ولما تبلد الحمار ضرب مثلاً لمن ترك العمل ولم ينفعه ، فاحذروا ثلاثاً في الحمار: البلادة، وسقوط الهمة وقبول الضيم.
ولما عاش الكلب دنيئاً لئيماً ضرب مثلاً للعالم الفاجر الغادر الكافر فاحذروا ثلاثة في الكلب:
كفر الجميل وخسة الطباع ، ونجاسة الآثار .
وحمل الهدهد رسالة التوحيد فتكلم عند سليمان، ونال الأمان ، وذكره الرحمن، فخذوا من الهدهد ثلاثة : الأمانة في النقل، وسمو الهمة، وحمل هم الدعوة :
والهدهد احتمل الرسالة ناطقاً *** أهلاً بمن حمل اليقين وسلما

قال أبو معاذ الرازي: مسكين من كان الهدهد خيراً من !!.
وإذا أتى جعفر الطيار بجناحين، ودعى أبوبكر من أبواب الجنة الثمانية: وكلم عبد الله بن عمرو الأنصاري ربه بلا ترجمان ، وتوكأ عبد الله بن أنيس على عصاه في الجنة ، ودخل بلال قصره..
فبماذا تأتي أنت ؟ وماذا أعددت؟ وما بضاعتك؟!:
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي..
نجيب به إذ ذاك والخطب أعظم؟!

نفوس سمت شوقاً إلى الله

تعال بنا نسافر مع أدب لكن صادق ، ومع شعر لكن مؤمن، ومع قافية لكن مسلمة:
وقف مجاهد مؤمن في عصر الصحابة على جبال الأفغان على مشارف كابل فقال:
أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت
على شرجع يعلو بحسن المطارف
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة
يصابون في فج من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى
وسروا الى موعود في الصحائف

يقول: يا رب ، لا تعدني الى غرفتي الضيقة ، الى سريري المشرجع بالمطارف ، الى زوجتي الجميلة، لكن قطعني في يبلك إرباً .. إرباً ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وهذه الجمل النادرة تجدها في أبجديات الموحدين، وفي دواوين المخلصين فقط، يقولها أحدهم مستلهماً جلال اللع وعظمته ، ثم تفيض دموعه، ثم يقول: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضي!!.
والبراء بن مالك سميت روحه الى الواحد القيوم فاضطجع على ظهره ووضع رجله اليمني على اليسرى، ورفع عقيرته بالنشيد، فقال له أنس: أتنشد وتغني أنت من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام؟ فقال له أسكت، فوالله الذي لا إله إلا هو ، لقد قالت من الكفار مائة مبازرة، ووالله الذي لا إله إلا هو لأموتن شهيداً!..
لماذا يقسم؟!..
لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال فيه وقد رآه بذ الهيئة، رث الثياب : (( رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك)).. فأقسم على الله يوم (تستر) أن يقتل شهيداً فقتل شهيداً!.
وعمر بن عبد العزيز سمت روحه يوم تولي الخلافة ، جلس على المنبر الدمشقي ليحكم ثنتين وعشرين دولة إسلامية ، ففاضت دموعه وبكي وأجهش الناس بالبكاء ، قال المحدث الرواية الثقة رجاء بن حيوه: والله لقد كنت أنظر الى جدران المسجد هل تبكي معنا!.
وفي حلية الأولياء عن سفيان قال : قال عمر بن عبد العزيز : كانت لي نفس تواقة، فكنت لا أنال منها شيئاً إلا تاقت الى ما هو أعظم ، فلما بلغت نفسي الغاية ، تاقت الى الآخرة !. هذا هو السمو..!
ومن أبجديات السالكين قولهم على لسان عبد اله بن رواحة وقد تمني الصحابة عودته سالماً، قال:
لكنني أسال الرحمن مغفرة
وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة
بحرية تنفذ الأحشاء والكبدا
حنى يقال إذا مروا على جدثي
أرشده الله من غاز وقد رشدا
فقتل في مؤتة، وقبره هناك ، ولكن سريره دخل الى جنات النعيم، ورآه رسول الهدي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعينه.
والعباد أيضاً يشاركون مع المجاهدين في سمو الهمة ، فأما أحدهم وهو عباد بن عبد الله بن الزبير ، فيقول : اللهم إني أسالك الميتة الحسنة، قالوا : ما هي؟ قال : أن يتوفاني ربي وأنا ساجد ، فقبض الله روحه وهو ساجد في آخر سجدة من صلاة المغرب‍، وقس على ذلك قوله صلي الله عليه وسلم في حديث حسن لعمر وقد رآه لبس ثوباً أبيض ، فقال له: (( ألبس جديداً وعش حميداً ، ومت شهيداً))، فرزقه الله سمواً في الدنيا : عدلاً في الرعية، رحمة بالأمة، زهداً في نفسه ، ثم توفاه شهيداً في المحراب، وعلى ذلك سار السلف، حتى إنه في ليلة من ليالي أهل السمو العلمي كان إسحاق بن منصور (تلميذ أحمد بن حنبل ) في خراسان، فرجع بعد ما روى الحديث سبع سنوات وكتبه في قراطيس ، فأمطرت السماء في الليل ، فوضع الكتب والدفاتر تحت بطنه واحتضنها والبرد يصب على ظهره ، والمطر البارد يغطي جسده، والريح تسف على وجهه، وهو يحتضن دفاتره لئلا تمسح بالماء بعد رحلة سبع سنوات ، عاش طويلاً ومات ، فرآه أحد الصالحين في الجنة ، قال : ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي بليلة المطر يوم انحنيت على الدفاتر وحضنت أوراقي ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.
وأنظر الى بعض الصالحين يرسل نشيده الى الواحد الأحد لكن ينظمه بحبات قلبه ، يبدأ بالنثر فيقول كلاماً معناه:
يا ربي ، إن أحب كثير عزة، وأحب غيلان مية، فاجعل حبي فيك يا ربي، وإن أحب عنترة عبلة، وأحب فلان ليلي، وأحب الآخر سلمي ، فاجعل حبي لك وحدك، ثم نظمها شعراً فقال:
إذا كان حب الهائمين من الورى
بليلي وسلمي يسلب اللب والعقلا
فماذا عسي أن يصنع الهائم الذي
سري قلبه شوقاً الى العالم الأعلى ؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
أف على الوتر‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!.. أف على الغناء‍‍‍ !. أف على الضياع ‍‍‍‍! أف على حياة اللهو والغرام والهيام إن لم تكن المحبة للواحد العلام ، الذي بني دار السلام ، فلماذا انتهي من بنائها قال : ( تكلمي وعزتي وجلالي ، قالت: )قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون:1،2) قال : (( وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل )) ‍‍‍‍‍!
هذه مسيرة الصالحين ، ولكن ينحرف بعض الناس الى هواه، الى العيون السود ، الى الخدود ؛ يقول ابن زريق في بغداد وهو هائم بامرأة:
لا تعذليه فإن العذل يوجعه
قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه
ثم يقول: آه ، ثم يموت ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!.. ولكن (مسلماً) صاحب الصحيح ، الذي قدم لنا ميراث محمد عليه الصلاة والسلام، العالم الرباني، بات ليلة كاملة يبحث عن حديث للرسول عليه الصلاة والسلام ، ولم ينم، فلما صلي الفجر: آه..آه..آه، ثم مات، فقيل : شهيد الحديث!، والنابلسي المحدث العالم الزاهد الذي أفتي بفتوي شجاعة في الفاطميين المنحرفين الكفرة ـ عند كثير من أهل العلم ـ قال: من عنده عشرة سهام فليرم الفاطميين بتسعة والنصارى بسهم، فطعنه يهودي بالخنجر ، قال الذهبي : كان دمه يتصبب في الأرض وهو يقول : الله .. الله .. الله..‍‍!.
سؤال نقدمه لأهل السمو ، وأهل العزائم والهمم:
قالوا : الهوي والحب هل تحنو له
أم أنت في أرض الهوي متجلد
قلت: المحبة للذي صنع الهدى
فحبيب قلبي في الحياة محمد
اللهم اجعله حبيبنا بعد حبنا لك ، يقول عمر بن عبد العزيز وروحه تسافر في مجمع من الناس وقد حدثته بالخلافة وهو زاهد عابد ، قال : قام فينا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في المدينة على المنبر ونحن جلوس أمامه ، وقد تولي الخلافة ، فقال: من أولي مني بالخلافة ، قال : فحللت حبوتي لأرد عليه وأقول : أولي منك المهاجرون والأنصار!، فتذكرت قوله سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً ) (القصص: الآية83)، فجلست مكاني!!.
* * *

التعالي عن الصغائر ، والترفع عن الرذائل

اسمع الى الوحي يخاطبك بأن ترتفع (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ)(آل عمران: الآية139) ، لا يصيبك إحباط ولا يأس ولا فشل ، وأنت تسجد لله ومعك القرآن ، وقد هديت الى تكبيرة الإحرام ، ومعك أخوة صالحون، ومعك دعاة وعلماء ، إن الله يحب معالي الأمور.
واسمع الى على بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه المحدث والقاضي الواعظ ، وهو يخبرك بعصارة حياته، وقد ترك الناس ،وأغلق الباب على نفسه في البيت ، لا يخالط كبيراً ولا صغيراً ، ويقول :
أنست بوحدتي ولزمت بيتي
فدام لي الهنا ونما السرور
وأدبني الزمان فلا أبالي هجرت
فـــلا أزار ولا أزور
فلست بسائل ما عشت يوماً
أسار الجيش أم ركب الأمير
وهو الذي يقول:
يقولون لي فيك انقباض وإنما
رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
وما زلت منحازاً بعرضي جانباً
من الذم أعتد الصيانة مغنماً
إذا قيل هذا مشرب قلت قد أري
ولكن نفس الحر تحتمل الظما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما
بدا مطمع صيرته لي سلما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي
لأخدم من لاقيت لكن لأخذما
أأشقى به غرساً وأجنبه ذلة
إذا فابتياع الجهل قد كان أحزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوا
محياه بالأطماع حتى تجهما
ومن سمو البخاري صاحب الصحيح رحمه الله يقول: رأيت في منامي الرسول صلي الله عليه وسلم وكأنه يرفع خطوة واضع رجلي أو قدمي مكان قدمه، فسألت أهل العلم وأنا شاب، قالوا: أنت تحفظ سنة الرسول عليه الصلاة والسلام! ويقول : ما اغتبت مسلماً منذ احتلمت!، فقل لي بالله يا من أكثر من الغيبة والوشاية والنميمة واستحلال الأعراض: كيف نقارن بينك وبين البخاري؟.
وقال الشافعي صاحب الهمة العالية : ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله!.. لا كذب في هزل ولا جد ، ولا ليل ولا نهار، ويقول وهو يحاسب نفسه : ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً !..،وكان يعيش على كسرة الخبز، وامتلأ بيته باللخاف والجريد والصحف حتى كاد هو وأمه يخرجان خارج البيت، وهو يطلب العلم ويقول ـ وقد عرضت له القناطير من الذهب من هارون الرشيد ـ:
أمطري لؤلؤاً سماء سرنديب
وفيضي آبار تكرور تبرا
أنا إن عشت لست أعدم خبزاً
وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي
نفس حر تري المذلة كفرا!
فما المجد إذاً ؟
قال اهل العلم : المجد والسمو في ثلاثة : أن تمرغ وجهك ساجداً لله ، وأن تأكل الحلال، وأن تكون سليم الصدر ، ثم لا يضرك ما فاتك من الدنيا من دورها وقصورها وذهبها.
جلس محدث من المحدثين الكبار ـ ذكره الذهبي وغيره ـ، فرأي ألف عمامة أمامه، كلهم يكلبون الحديث ، مع كل عمامة قلم، مع كل قلم محبرة، مع كل محبرة كتاب، مع كل كتاب دفتر، فدمعت عيناه وقال: هذا والله الملك لا ملك المأمون والأمين ، ثم أنشد فرحاً:
إني إذا احتوشتني ألف محبرة
يروون حدثني طوراً وأخبرني
ناديت في الجمع والأقلام مشرعة
تلك المكارم لا قعبان من لبن
وهذا تضمين رائع جميل ضمنه كثير من أهل العلم قصادئهم ، وأذكر على سبيل سمو أهل الهمم صلاح الدين ، فقد ذكروا أنه لم يمزح ولم يبتسم، فسأله أصحابه : مالك؟ قال: لا أمزح ولا أبتسم حتى أفتح بيت المقدس!.. وفتح بيت المقدس وصف معه الأمراء والعلماء والوزراء، وقام الخطيب شمس الدين الحلبي على المنبر فافتتح خطبته وأشار ـ بعد الحمد لله والحوقلة ـ لصلاح الدين قائلاً:
تلك المكارم لا قعبان من لبن
وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن
يقول: أنت السيف، أنت المنتصر ـ بإذن الله ـ، أنت فخر الإسلام لا سيف ابن ذي يزن الجاهلي المشرك.
وهنا يأتيك السمو من أهل الجاهلية، لكن يرشده الإسلام تحت مظلة التعالي على الصغائر والترفع عن الرذائل ، يقول الرسول صلي الله عليه وسلم لإبنة حاتم الطائي: (( لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه ))!، و(حاتم) قصة من البذل ، قصة من السمو ، قصة من الجود ، عندما تهب الرياح النجدية فتلعب بالبيوت، وينضوي البخيل كالكلب في بيته ، يخرج حاتم ويقول لغلامه: التمس لي ضيفاً فإن أتيت الليلة بضيف فأنت حر، ثم يقول له:
أوقد فإن الليل ليل قر
والبرد يا غلام برد صر
إذا أتي ضيف فأنت حر!
ويقول:
أما والذي لا يعلم الغيب غيره
ويحيي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أطوي البطن والزاد يشتهي
مخافة يوماً أن يقال لئيم
فهل طوينا بطوننا وآلاف الجائعين في أفغانستان وفلسطين وكشمير والبوسنة؟، هل اقتصدنا في نفقاتنا وهذا حاتم في الجاهلية يقول: والله إني أطوي بطني، والله إني أترك الخبز واللحم لئل يقال بخيل؟!، وهو لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً، فكيف بمن صلي الخمس، وصام الشهر، وحج البيت؟!
وهذه قصة السمو من مدرسة حاتم:
وما أنا بالساعي لفضل لجامها
لتشرب ماء القوم قبل الركائب
يقول حاتم في أخلاقياته الشريفة التي ذكره بها صلي الله عليه وسلم : أنا من صفاتي أني ما اسابق ، حتى بغلتي أعلمها الإيثار، بغلتي لا أقدمها تشرب الماء من الحوض قبل أصحابي، بغلتي أو حماري أو جوادي أعلمه الأذب لئل يشرب قبل حمار الناس وقبل جوادهم، فقل لي عن نفسي ونفسك ونحن في دائرة افسلام ودائرة السنة، هل آثرنا جيراننا، هل آثرنا الفقراء والمساكين؟
ثم يقول في أدب آخر ، أنثره ثم أنظمه ، يقول :
إذا مشيت مع قوم وأنت على ناقة، ومعك زميل يمشي على الأرض ، فاركبه ،أو أنزل معخ، لا تركب وهو يمشي!:
إذا كنت رباً للقلوص فلا تدع
رفيقك يمشي خلفها غير راكب
أنخها فأركبه فإن حملتكما
فذاك ، وإن كان العقاب فعاقب
وقد جاء بها محمد صلي الله عليه وسلم ناصعة مشرقة طاهرة زكية لوجه الله ، فقال في صحيح مسلم : (( من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)).
حدثني أستاذ في مكة قال: وجدت أن الثراء الفاجش مع قلة الدين والفسق إنما هو طغيان على الأمة ، وروي لي قصة طالب في مكة من ( تشاد)، معه سيارة مهلهلة لا تساوي خمسة آلاف ، قال: من حسن أدبه وسلامة صدره يوصل إخوانه وزملاءه إلي حاراتهم بهذه السيارة!.. قلت: فأين أهل الشبح ، وأهل الغناء والثراء، الذين يعيشون فحشاً وظلماً وغشاً في الضمائر؟.. إنها القلة مع الجود، وليست الكثرة مع البخل ، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول فيما يروي عنه : (( لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع)).
أما عروة بن الورد فيقول:
أوزع جسمي في جسوم كثيرة
واحسو قراح الماء والماء بارد
أتهزأ مني أن سمنت وأن تري
بوجهي شحوب الحق والحق جاحد
يقول : أنا نحيف وأنت سمين ، ومع ذلك فانا يحضر طعامي سبعة وثمانية، أما أنت فإنك وحدك!.
صنعوا للربيع بن خيثم العالم الزاهد طعاماً خبيصاً ـ والخبيص من أجود الأكل ـ وكان الربيع جائعاً، فلما قدمواله الجفنة، إذا بمسكين يطرق الباب!، قال فصنع له أهله خبيصاً مرة ثانية، ولما قدموه ليأكل إذا بمسكين يطرق الباب قال: أدخلوه فأكل ، وكان المسكين الثاني اعمي، فقال له أهله: والله ما يعلم هل هو خبيص أو لا …، قال : لكن الله سبحانه يعلم!. فقالوا له: كيف ذلك؟ قال: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)(الحشر: 9)، ثم قال ()لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )(آل عمران: 92).
يقول أحد الخطباء في العصر العباسي : إاذذ أعجبتك وجبة شهية فقدمها للفقير، فإنك سوف تأكلها في الجنة، ولا تأكلها أنت فإنك سوف تلقيها في بيت الخلاء. وهذا من فقهيات سمو الهمم.

تحدي المصاعب والانتصار على الأزمات

قيد أبو وردي بسبب روايته الحديث ، وصدعه بكلمة الحق ، لكنه صبر واحتسب في ذات الله عز وجل، وعد ذلك مكسباً عظيماً فقال:
انكر لي خصمي ولم يدر أنني
أعز ,احدث الزمان تهون
فبات يريني الخصم كيف أعتداؤه
وبت أريه الصبر كيف يكون!
تلوت هذين البيتين على فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله ، فصحح لي مساراً في البيتين ، حيث قال الشاعر في الأصل : (( تنكر لي دهري))، وصدق ابن عثيمن وأنا معه، وأنسخ من الآن البيتين وأرد كلمة (دهري) ، وأقول : تنكر لي خصمي، فرحم الله ابن عثيمين ، ورحم الله المظفر الأبي وردي الشاعر الكبير.
وابن رشيد الأندلسي وعظ النصاري في الأندلس فقيدوه ، ولطومه وجلدوه ، وحبسوه، فقال:
إن كان عندك يا زمان بقية
مما يهان بها الكرام فهاتها
يقول : بقي القتل، تعال بالقتل، حي الله القتل في سبيل الله!..
أم السؤال الذي يوجه لأصحاب السمو والمعالي من أهل الهمم العالية من العباد والزهاد وأهل الجهاد فهذا هو: قيل لابن عباس: كيف حصلت على هذا العلم؟ قال : بتوشد ردائي في القيلولة ، والريح تسف على وجهي من الرمل ومن وهج الصحراء ثلاثين سنة! وقالوا لعطاء : كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: بتوسد فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة !.. ثلاثون سنة لا يعرف بيته طلباً للعلم، أما طلبة العلم في هذا الزمان ـ إلا من رحم ربك ـ فإن أحدهم يدخل الى الجامعة أربع سنوات فأكثر ، ثم يخرج وهو جاهل، ثم يري أنه إمام الدنيا وحافظ العصر ، وخاتمة المجددين النبي صلي الله عليه وسلم يقول أخدهم في دخول للكلية:
ودخلت فيها جاهلاً متواضعاً
وخرجت منها جاهلاً دكتورا!
يقول : كنت قبل دخول الكلية جاهلاً لكني متواضع ؛ اسلم على رأس أبي، وأقبل كف أمي، وأجلس مع زملائي، فلما درست وتعلمت لسنوات خرجت فلا تواضع ولا احترام ولا أدب !..، وهذه صورة قبيحة لطالب العلم.
وقيل للشعبي: بم حصلت على هذا العلم؟ قال: بسهر طير النوم من عيني، وبسهاد، وبتبكير كتبكير الغراب.
نعم إن العظمة جهاد وسهاد وجلاد، ودموع واشلاء، قال المتنبي وهو على دنيا رخيصة ، ليس على تكبيرة إحرام ولا على عبادة:
أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر
وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر!
وأشجع مني كل يوم سلامتي
وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر
تمرست بالآفات حتى تركتها
تقول أمات الموت أم ذعر الذعر
وأقدمت إقدام الآتي كان لي
سوس مهجتي أو كان لي عندها وتر
الى أن يقول:
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
تداول سمع المرء أنملة العشر
لكن الموحدين لهم نظام في الأمنية غير نظام المتنبي وأبي مسلم الخرساني والحججاج، أمنيتهم أن يموتوا على لا إله إلا الله، ولو كانوا غرباء وحيدين معزولين، كما في دفتري الزبيري:
خذوا كل دنياكموا واتركوا
فوادي حراً طليقاً غريبا
فإنـي أعظمكـم ثـروة
وإن خلتموني وحيداً سليبا
ويقول المتنبي :
لا يدرك المجد إلا سيد فطن
لما يشق على السادات فعال
لولا المشقة ساد الناس كلهمو
الجود يفقر والأقدام قتـــال
إن طريق السمو(مشقة) ؛ فأول السمو عندنا يبدأ بصلاة الفجر ، ومن لا يحضر صلاة الفجر فليس من أهل السمو ولا المعالي ولا السعادة، ولو زفت له الدنيا، وصفقت له البنود، وهتفت له الجنود ، وارتفعت عليه العلام ، وسددت أمامه السهامز
أبداً .. أبداً!!
لأن انطلاقتتنا الكبري من صلاة الفجر، من تكبيرة الإحرام النبي صلي الله عليه وسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلي في مسلم: (( من صلي الفجر فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم من ذمته بشئ ، فإنه من طلبه أدركه كبة على وجهه في النار)).، ومن المحراب ننطلق إلي المعالي ، ومن لا يصلي الفجر والفروض الأخري جماعة ـ بلا عذر شرعي ـ فلا تظنه من أهل السعادة والسمو.

سمو في طلب العلم

سافر جابر بن عبد الله شهراً كاملاً على جمل إلى ( العريش) في مصر ، فلما وصل هناك طرق على عبد الله بن أنيس الباب، فخرج إليه عبد الله فسأله عن حديث الحوض فأخبره وطلب منه الدخول فأبي جابر وقال: رحلتي إلى الله ، والله لا أجلس أبداً، فمشي شهراً وعاد شهراً ، غدوة شهر ورواحة شهر!.. وللفت النظر فقط: فعبد الله بن أنيس هو الذي قتل خالد بن سفيان المشرك، فأعطاه صلي الله عليه وسلم عصاه وقال له : (( توكأ بها في الجنة))، والمتوكئون بالعصا في الجنة قليل ، فدخلت عصاه معه بره ، وسوف يبعث في العرصات وعصاه معه، وسوف يحضر الزحام عند الصحف والميزان والصراط وعصاه معه، وسيدخل الجنة وهو يتوكأ بها.
ونبي الله موسي عليه السلام ـ من قبل ـ ضرب أروع الأمثلة في طلب العلم ، وهو نبي معصوم يوحي اليه: ( لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً)(الكهف: 60).
والزمخشري يقول في قصيدة ماتعة:
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من ضرب غانية وطيب عناق
والمعني: سهري مع الكتب والدفاتر أحسن عندي من أن أعانق امرأة جميلة ، أو أخلو بجارية فاتة، هكذا سمت نفسه.
ولأهل السنة سمة في هذا الباب، فخلوتهم مع صحيح البخاري ومسلم أحسن من ملك الدنيا جميعاً، واليك بعض النماذج السامية: طلب( شريك) العلم أربعين سنة، قال: طلبت العلم والله ما كان زادي في الىوم إلا كسرة خبز!.. وحضر في مجلس فيه وزير عباسي قد غاص في الركايا وفي الطنافس، فحدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، فقال الوزير : ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون: 24) ، فقال له شريك ـ وكان سريع البديهة ـ: من اين تسمع بهاذ وأنت تأكل الخبيص وتجلس على الطنافس ، وتغنيك الجواري؟!. وعرض به أحد خلفاء بني العباس حين قال له : أنت تحب عليا ، فأجابه : احبه حتى الدماغ ، فقال له : أواه من يوم عليك أظنك زنديق !، فقال شريك : الزنديق له ثلاث علامات، قال : ما هي ؟ قال: يترك صلاة الجماعة، ويشرب النبيذ، ويسمع الجواري!، قال: كانك تعرض بي وتلمح!، قال: ما ألمح لكن أقصدك!!.
وابن عبد البر مكث مع كتاب التمهيد ثلاثين سنة ليلاً ونهاراً ، ثلاثون سنة مع الكتاب يفليه، يكتبه، ينسخه ، يشرحه، ثم يقول :
سمير فؤادي من ثلاثين حجة
وصقيل ذهني والمفرج عن همي
وقد نظمت أربعة أبيات من باب التشبه بابن عبد البر فقط لا غير:
ثلاثون عاماً والدفاتر صحبتي
وقد صانني عن كل لهو وغفلتي
ثلاثون عاماً كلما قلت قد كفي
لأرتاح في داري وأحسو معيشتي
أبت همتي إلا الصعود الى العلا
إذا أنهد جسمي صارفي القلب قوتي

صعود أبداً وتفوق دائماً

دريد بن الصمة جاهلي من أهل الطائف ، خرج مع أخيه عبد الله لمواجهة العدو، فلما حضرت المعركة اجتمع القوم على أخيه عبد الله فقتلوه ، فسمع أخاه وهو في النفس الأخير يناديه: يا دريد.. يا دريد.. يا دريد، فانبعث هذه الصرخات إلى دريد وهو في آخر المعسكر وبينه وبين أخيه سيوف ورماح، فأخذ دريد في يمينه سيفاً وفي يساره رمحاً فشق الصفوص ، ووصل غلي أخيه وطاعن عنه الخيل وضارب الأبطال حتى جرح، ثم حمل فإذا أخوه ميت وهو حى!، فقال فيه قصيدة وهو يبكي عند أمه، يخبرها وخبر أخيه ، وهي من أرق وأجمل القصائد ، وقد جعلها أو تمام في حماسته ، يقول :
دعاني أخي والخيل بيني وبينه
فلما دعاني لم يجدني بقعدد
فطاع عنه الخيل حتى تبددت
وحتى علاني حالك اللون أسود
طعان أمرئ آسي أخاه بنفسه
ويعلم أن المرء غير مخلد
وطيب نفسي أنني لم أقل له
كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدي
وهون وجدي أن ما هو فارط
أمامي وأني هامة اليوم أو غدا
وهذه من شيم أهل الجاهلية ، لكن الإسلام زكاها وسما بها الى أفق آخر. وفي سير الصالحينـ رضوان الله عليهم ـ مثال : في تسعة أسياف تكسرت في يد خالد بن الوليد ، وفي تسعة اسياف يطعن بها محمد بن حميد الطوسي فيقول له أبو تمام:
تردي ثياب الموت حمراً فما أتي
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
فتي كلما فاضت عيون قبيلة دماً
ضحكت عنه الأحاديث والذكر
وهذه قصة قصيرة في سمو الهمم، شخوصها ابن عمر رضي الله عنه ، وعمرو بن أبي ربيعة وابن أبي لهب.
قال ابن عبد البر: أمر معاوية ألا يدخل أحد مكة إلا بإذنه ، فمر ابن ربيعة فقال له الجنود والحراس:
من أنت : فقال لهم :
بينما يذكرنني أبصرنني
عند قيد الميل يسعي بالأعز
قال تعرفن الفتي؟ قلن نعم
قد عرفناه وهل يخفي القمر؟!
فاذنوا له بالدخول.
فأتي ابن ابي لهب ، فقالوا له : من أنت ؟ قال:
وأنا الأخضر من يعرفتي
أخضر الجلدة من نسل العرب
من يساجني يساجن ماجداً
يمل الدلو الى عقد الكرب
فأذنوا له.
فأتي ابن عمر وإذا الناس كنفتيه كالغمامتين، وإذا سائل يسأله : نحرت قبل أن أرمي؟!، قال: أفعل ولا حرج ، قال: حلقت قبل أن أنحر ؟! قال: افعل ولا حرج، فأخذ الناس يسألونه…، فقال معاوية:
هذا والله هو الملك لا ملكي!.. وأمر الحراس فأذنوا له.
لأن ابن عمر تخرج من مدرسة محمد صلي الله عليه وسلم الهادية ، الناضحة، أما مدرسة ابن أبي ربيعة وابن أبي لهب فمدرسةلاغية، تعتمد على الهيام والغرام، ومثلها مدارس الأغنيات والآهات والزفرات في القنوات، وفي كل زمان ومكان تضيع فيه الآيات البينات، والأحاديث الثابتات.

وبسم الله نختم

ربنا اسلك بنا طريق محمد، ربنا اهدنا سبيل الخلفاء الراشدين، ربنا احشرنا مع الصادقين، ربنا اجعلنا مع الخالدين ، ربنا ارحمنا، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا..، أخطأنا، أسأنان تجاوزنا ، لكنك رحيم ، لكنك كريم، لكنك عفو، لكنك منان، لكنك رحمن، لكنك ديان، فعفو منك يا الله النبي صلي الله عليه وسلم ورحماك يا رب ، اللهم أكرمنا برحمة منك، ومغفرة منك، ونوال طيب منك، لكل وافدٍ ضيافة، ولكل زائر رفادة ، ضيافتنا منك ربنا، فيا رب غفران، ووفادتنا رضوانن وأنت رحمن سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ َسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

كتاب كامل.. كيف تروض نفسك؟.. الشيخ المنجّد.

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب كامل.. كيف تروض نفسك؟.. الشيخ المنجّد.
……..
كيف تروض نفسك؟

الشيخ محمد صالح المنجد

 


النفس تحتاج إلى ترويض حتى يفلح صاحبها وينجح، وهي كالمرأة -كما قال ابن القيم رحمه الله- في المداراة والسياسية، فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ، فإذا لم تصلح فبالهجر، فإن لم تصلح فبالضرب، وليس في سياط التأديب أنفع من العزم والمجاهدة والمنع، فالإنسان لديه وسائل يستطيع من خلالها أن يروض نفسه.
الحديث عن موضوع ترويض النفس
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أيها الإخـوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . تحية عطرة تلك التحية التي حيّا بها أبونا آدم عليه السلام، وهي تحية أهل الجنة فيما بينهم، وهي التحية التي هي من أسباب المحبة فيما بيننا، فإذا أراد عباد الله أن يتحابوا فيما بينهم فليفشوا السلام. أيها الإخوة! نفوسنا ملك لله تعالى خلقها وسواها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10] نفسك التي بين جنبيك خلقها الله عز وجل، وهداها ودلها، وأرشدها إلى الخير والشر وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] هذه النفس إذا زكيتها بطاعة الله أفلحت ونجحت، وإذا دسيتها بمعصية الله خابت وخسرت. هذه النفس يمكن أن تكون أعدى الأعداء إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53] ويمكن أن تكون نفساً عزيزة كريمة مطمئنة يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30]. وإذا كانت تلومك على ما فعلت من الشر فهي نفس طيبة لوامة أقسم الله بها وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:2] هذه النفس تحتاج إلى ترويض لكي تزكو فتفلح أنت يا صاحبها وتنجح. قال ابن الجوزي : ” والنفس كالمرأة العاصية في المداراة والسياسة، فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ، فإذا لم تصلح فبالهجر، فإن لم تصلح فبالضرب، وليس في سياط التأديب أنفع من العزم والمجاهدة والمنع “…….

الوسائل التي تروض النفس
لوسائل التي تروض النفس فتجعلها من الناجين المفلحين كالآتي: ……
الوعظ
فالوعظ أول هذه الوسائل، أن نعظ أنفسنا ونذكرها بالله عز وجل، فنحن محتاجون إلى الوعظ جداً، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعظ أصحابه كما في الحديث: (وعظنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله ! كأنها موعظة مودع فأوصنا) وكل واحد من المؤمنين يعظ نفسه ويحاسبها، فنحن نحتاج إلى كتب وعظ نقرأها لنعظ أنفسنا، وأن نذهب إلى من نسمع منه كلاماً يرقق قلوبنا، والموعظة الطيبة قصيرة خفيفة مؤثرة بعيدة عن التعقيب، والواعظ إذا فرغ يقوم، كما أن موسى نبي الله ذكر الناس يوماً حتى إذا رقت القلوب، وفاضت العيون ولى؛ حتى تبقى الموعظة في النفوس. هنا مسألة: لماذا إذا سمعنا الموعظة تأثرنا، فإذا غاب الواعظ وانقطعت الموعظة، أو خرجنا من خطبة الجمعة زال التأثر؟ أكثر العامة إذا وعظوا تأثروا وتراهم يبكون في رمضان في دعاء القنوت إذا كان مؤثراً، فالمواعظ عندهم كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائها كما تؤلم وقت وقوعها، والموعوظ لا يحضر مجلس الوعظ في الغالب وهو جائع أو به حاجة، ولذلك يكون مقبلاً مستجمعاً نفسه، وإذا أتى المسجد يكون قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا، فإذا غادر وعاد إلى الشواغل عادت إليه الغفلة، فكيف يبقى على ما يكون؟ فإذا استمعنا الموعظة ينبغي أن يكون عندنا عزم بلا تردد ولا التفات، ولو أحسسنا نقصاً عادياً كما شعر حنظلة فلسنا بملومين، لكن أن نغادر فنعصي أو نترك الواجبات هذه هي المصيبة. وبعض الناس لا يتأثرون مطلقاً لا في حال الموعظة ولا بعدها، وبعضهم يتأثرون وقت الموعظة وينسى بعدها، وبعض الناس يريد الله بهم خيراً فيتأثرون وقت الموعظة ويستمر هذا التأثر بعد الموعظة. كيف تعظ نفسك؟ إذا أرادت نفسك أن تنشغل بالدنيا ذكرها بقول الله: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً [آل عمران:178]. إذا هوت نفسك متاعاً زائلاً عظها بقول الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35]. وقل لها: ألم يدخل عمر رضي الله عنه إلى رسول الله وهو يتقلب على رمال الحصير قد أثر في جنبه، وبكى عمر وقال: (كسرى وقيصر في الديباج والحرير وأنت يا رسول الله في هذا ! فقال: ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا). وذكرها بقول الله، وعظها بسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لو انشغلت نفسك في الدنيا فقل لها: ألم يقل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). وتقول: لقد ثبت الأجر من الله للمؤمن، وزمن التكليف قصير فاصبري، ولا ينبغي للعامل في الطين أن يلبس نظيف الثياب، لو أنك تعمل بالطين -تعمل في البناء- هل تلبس الثياب النظيفة؟ فأنت الآن في الدنيا وفي العمل فلا تنشغل بالدنيا – وليس المقصود أنك لا تلبس الملابس النظيفة – بل ينبغي على العبد أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ من العمل تنظف ولبس أجود ثيابه، ومن ترفه وقت العمل ندم وقت توزيع الأجرة، وعوقب على التواني. وتعظ نفسك فتقول:
وكيف تنام العين وهي قـريرة *****ولم تدر في أي المحلين تنزل
في الجنة أم في النار؛ ينبغي لمن رأى نفسه تنجر إلى الرذائل أن يعظها ويذكرها؛ تذكرها إذا دنت إلى الرذائل ومالت إليها بكرامتها عند الله، وكيف أن الله عز وجل خلق آدم بيده، وأسجد له الملائكة وارتضاه للخلافة في الأرض، وراسله بالكتب والرسل، فإذاً تقول: يا نفس! هذا الرب كرمك: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70] وهذه البهائم تمشي على أربع ورأسها إلى أسفل وأنتِ تمشين على رجلين ورأسك إلى الأعلى؛ كرمك خلقةً، وكرمك بإنزال الكتب وإرسال الرسل من أجلك، واقترض منك: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة:245] واشترى منك: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [التوبة:111]. فإذا رأيت نفسك تتكبر فروضها بموعظتها وبتذكيرها وبحقارة أصلها، وأنها خلقت من ماء مهين، وتقول لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة (بعوضة) وإذا رأيت تقصيراً من نفسك فعرفها بحق سيدها ومولاها وربها سبحانه وتعالى. وإن توانت عن العمل في الصلاة وفي غيرها فذكرها بحق سيدها وبقصر الأجل، وجزالة الثواب. وإن مالت إلى الهوى فخوفها الإثم وعاجل العقوبة كقول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ [الأنعام:46] هذه العقوبات المعنوية، والعقوبات الحسية: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:146] هذه العقوبة أن الله لا يمكن بعض الناس من أن يتدبروا في آياته: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:146]. ولو أن نفسك تاقت لما عليه بعض أهل الدنيا والمعصية من الزخارف والبهجة والنعيم فذكرها بأنه يزول قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] ماذا قال الذين أوتوا العلم؟ انظروا -أيها الإخوة- ماذا يفعل العلم: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [القصص:80] ولكن لا يلقاها إلا الصابرون. ذكرها أن بسط يد العاصي هو قبض في الحقيقة؛ لأن هذا البسط يوجب له عقاباً، وذكرها أن قبض يد الطائع -لو رأيت مسكيناً عابداً زاهداً متمسكاً بدينه لكنه ضعيف مستضعف مسكين- فذكرها أن قبض يد الطائع يوجب بسطاً في الحقيقة؛ لأن هذا القبض يوجب أجراً جزيلاً. فإذا دعتك نفسك لارتكاب المحرمات والمعاصي، وانجذبت إليها ففسر لها لماذا تنجذب إلى الممنوعات؟ ولماذا كل ممنوع مرغوب؟ إذا عرفنا السر سهل علينا الصمود، إذا عرفنا الحقيقة هانت المسألة، فالنفس تحب الممنوع، وتهفو إليه، ويزيد حرصها كلما زاد المنع، وتستلذ بالحرام ولا تستطيب المباح؛ لأنه يشق عليها أن تمنع ويحظر عليها، وتأمل حال أبينا آدم وأمنا عليهما السلام لما نهيا عن الشجرة حرصا عليها مع كثرة أشجار الجنة -سبحان الله!- كل هذه الجنة بأشجارها أصبحت متروكة واتجهت الهمة إلى هذه الشجرة بالذات، ولماذا أكلا من هذه الشجرة بالذات؟ لأنها ممنوعة فانجذبت النفس إليها، ولولا المنع ما أكلا منها، ولا سألا عنها، ولا انجذبا إليها، ولا حرصا على الأكل منها؛ لكن لأجل المنع. ولهذا فإن الله عز وجل يبتلي الناس بالممنوعات وبالمحرمات لينظر كيف تعملون؟ هل تمتنعون أو ترتكبون؟ هل ستتركون وتجتنبون أم ستلجون وترتكسون في أوحال هذه المعاصي؟ فماذا قال الشيطان لهما؟ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20] مؤكد أن فيها سراً، الشجرة فيها سر. مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20]. ولذلك قيل: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء، هناك سر فيرغبون في تفتيت البعر، مع أن البعر ما قيمته؟! وقد قيل: أحب شيء إلى الإنسان ما منع منه، فالمؤمن صاحب البصيرة إذا منع من شيء فإنه يعلم أن في منعه حكمة، مثل المنع من الزنا والمنع من النظر إلى المرأة الأجنبية؛ لأن النظر سيعقبه عذاب في الدنيا والآخرة؛ عذاب في الدنيا كأن تتعلق النفس بهذا الشخص أو بهذه المرأة وتنجذب إليها، فإن وصل إليها بالحرام كانت العقوبة بالحرام، وإن لم يستطع الوصول إليها؛ لأنها ذات زوج أو غير ذلك صار له عذاب بالعشق، ولذلك لا يوجد محرم حرمته الشريعة إلا وفيه ضرر علينا، فالله من رحمته بنا لم يحرم علينا أشياء مفيدة لنا وليس فيها ضرر، أي شيء: خمر، خنزير، ربا، ميتة، زنا، سرقة، رشوة، غصب، كذب ، فأي شيء محرم علينا فيه ضرر علينا، وإذا فسرت هذا لنفسك هانت المحرمات والممنوعات، وعرفت كيف تتعامل معها، وذكر نفسك أن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات. فالنفس تشتهي ما يؤدي إلى النار، وتكره القيود والتكاليف، ولكن من لاح له فجر الأجر هانت عليه مشقة التكليف، وهان عليه الليل؛ لأن الفجر قريب، فذكر نفسك بذلك يا عبد الله إذا دعتك إلى فعل ممنوع .

تسلية النفس بآيات الوعد
ومن الوسائل: تسلية النفس بآيات الوعد (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح). يقول ابن الجوزي رحمه الله: مر بي حمالان تحت جذع ثقيل وهما يتجاذبان بإنشاد الشعر، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيبه بمثله والآخر مثل ذلك، فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت مشقة الطريق وثقل الأمر، وكلما فعلا هذا هان الأمر، فتأملت السبب في ذلك فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بما يقوله الآخر، وانشغال فكره في الجواب على صاحبه فينقطع الطريق وينسى ثقل المحمول نحن كلفنا بأمور صعبة فيها مشقة مثل صلاة الفجر وإسباغ الوضوء، وإخراج المال -الزكاة والصدقة- والصيام فيه مشقة، وكذلك الحج، والصدق، والتعفف عن الحرام، وغض البصر، وعدم سماع الغناء؛ فالنفس تحب الألحان والطرب، ولتقطع الحياة -وهي الزمن والوقت- بتحمل المشاق لا بد أن يكون لك حادٍ، فإن الإبل في طريق السفر إذا كلت وملت ماذا يفعل سائق البعير -الراحلة-؟ ينشد لها، والعرب تسمي هذا النشيد حُداءً، والحادي يحدو بالإبل، فإذا حدا بها نشطت وأسرعت وذهب عنها الكلل والملل، نحن الآن نسير إلى الله، والعمر يمضي وفيه مشاق وتكاليف، وفيه صعوبات، وخاصة في هذا الزمان زمان الفتن، فتن الصور والمجلات وفتن التلفزيون، وفتن الملابس وفتن السوق وغيرها من الفتن الكثيرة. وأنت تمشي في هذا الطريق عليك صلوات، وعليك صيام، وعليك التزام بالأخلاق الإسلامية والصدق والأمانة .. إلى آخره، والنفس تدعو إلى الروغان والمحرمات والوقوع في الممنوعات والكذب والخيانة، وأخذ المال من أي طريق، وإطلاق البصر، وإطلاق العنان للأذن تسمع ما تشاء. لكي يمضي العمر وأنت تتحمل مشاق التكليف ماذا ينبغي عليك أن تفعل لتسوس نفسك وتروضها على قطع الطريق؟ تحدو بنفسك في مسيرها بآيات الله وذكره، وأحاديث رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ليست مثل ألحان الإبل، فالإبل لا تعقل ولا تفهم الكلام لكن تأنس بالصوت وتسرع لأجل الصوت، رغم أنها لا تفقه الكلمات. الله ضرب مثلاً للذين يسمعون ولا يفهمون: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [البقرة:171] لا يفهم الكلام، لكنه يسمع صوتاً بدون فهم كلام، مثل الدابة ومثل الشاة عندما يدعوها الراعي تستجيب لكن بدون فهم للكلام، فنحن نحدو بأنفسنا في سيرها إلى الله بآيات وأحاديث ترفع الهمة وتنشط العزيمة، وتكبت الحرام، وتثبط الرغبة إليه، وهكذا نندفع في الطاعات ونحجم عن المعاصي، ونحن نسير إلى الله تعالى. فتسلية النفس بآيات الوعد لتكون هذه الآيات والأحاديث في بيان الأجر والثواب مثل: الحادي (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح).

فطم النفس عن المألوفات
والنفس كالطفل إن تهمله شب علـى***** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ومن وسائل ترويض النفس فطمها عن المألوفات، مهم أن يكون لدينا انقطاع عن المألوفات أحياناً، ونحن لا نحتاج أن نتكلف ذلك؛ لأن عندنا من العبادات ما يفطم نفوسنا عن مألوفاتها. من أمثلتها: عبادة تعود النفس على ترك المألوفات: الصيام، وقيام الليل، والحج، إذاً: عندنا في الدين عبادات تساعد النفس على ترك المألوفات فتنفطم النفس وتتقي، وهذا يساعد على ترك الحرام؛ لأنك إذا تركت الحلال المتعود عليه كالنوم والطعام لله وهو حلال، فأحرى أن تترك الحرام.
إدراك إقبال النفس وإدبارها
كذلك من وسائل ترويض النفس العظيمة إدراك إقبالها وإدبارها فتلتمس إقبالها للزيادة من الطاعات، وإدبارها لإلزامها بالواجبات والامتناع عن المحرمات. قال عمر رضي الله عنه: [إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فألزموها بالفرائض] أقل شيء إذا انحدرت وانحدرت ألا تصل إلى مستوى تترك فيه واجباً أو تفعل فيه محرماً. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن لكل عمل شرة) نهاية عظمى علوية، وكل شرة وكل نهاية علوية وصعود لابد أن يقابله هبوط: (ولكل شرة فترة) النفس لا تستطيع أن تستمر على حالة واحدة: (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) من كان في حال فتوره لا يترك واجباً ولا يعمل محرماً فقد اهتدى. ولذلك كان من سياسة النفس: عدم إملالها، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلغه أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل ويصوم النهار، فأراد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبين له اتباع السنة، والتوسط في الأمور، فقال له: (ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك، قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك، وإن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك حقاً، فصم وأفطر، وقم ونم) رواه البخاري. معنى هجمت عينك أي: غارت وضعفت لكثرة السهر. ونفهت نفسك: كلَّت، وملَّت، وتعبت. إن لنفسك عليك حقاً: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة البشرية مما أباح الله من الأكل والشراب والراحة، الذي يقوم به بدنه ليكون أعون على عبادة ربه – هذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث.
منع النفس عن الصغائر
وكذلك فإن من سياسة النفس لجمها عن الذنوب الصغيرة واحتقار الذنوب، إياكم ومحقرات الذنوب، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) حديث صحيح. بعض الناس يتساهلون بنظرة محرمة، وكلمة غيبة في عرض مسلم، ودرهم من شبهة أو حرام، يذهب إلى وليمة لم يدع إليها، لا يرد كتاباً استعاره يقول: هذه أشياء بسيطة. فقد ضرب لنا مثلاً بالأعواد التي تجمع فتحرق. وهكذا الذنوب الصغيرة تجتمع فتحرق صاحبها، وقد تحرق الشرارة بلداً.
ومعظم النار من مستصغر الشرر
ويتبع هذا في وسائل ترويض النفس لجمها عن التساهل وعدم التحرج من المعاصي، مثلما يفعل بعض الناس الآن من التوسع في قضية الضرورة، فيجعلون أموالهم في بنوك ربا وهم يقدرون على استعمالها بغير ذلك. المرأة تتوسع في الكشف عند الطبيب، والطبيب يتوسع في الكشف على المريضة، والناس يتوسعون في التصوير، كذلك ما يحدث من التوسع في الخادمات، وليست متحجبة كما ينبغي، والسائقين، والتساهل في لباس البنات الصغيرات. والتساهل له صور كثيرة ولذلك سنخصه إن شاء الله بمحاضرة. لكن من وسائل ترويض النفس لجمها عن التساهل؛ لأن هذا انزلاق وتحته واد سحيق، وإذا انزلق في البداية فالجاذبية لن تساعده على التوقف، وإنما ستجذبه إلى الهاوية ولا شك.

إصلاح الخواطر
أيها الإخوة! إن من الوسائل العظيمة في ترويض النفس وجعلت هذا الجزء الأخير من الكلام وخصصته بتركيز معين، لأهميته وهو إصلاح الخواطر. فإن هذا الكلام فيه شيء من العمق يحتاج إلى تأمل خطورة الخواطر. أولاً: الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم السر وأخفى، يعلم الكلام الجهري والكلام السري، والكلام الذي في نفسك، والخواطر التي في عقلك وذهنك وقلبك، والشيء الذي لم يخطر بعد أو أنه سيخطر. فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، ملك السماوات والأرض، الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، العالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب، حيث لا يطلع عليها إلا الله -أورد هذا الكلام ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين .
وهو الرقيب على الخواطر ****واللواحظ كيف بالأفعال بالأركان
وهو الحفيظ عليهـم وهو ****** الكفيل بحفظهم من كل أمر عاني

فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، ولا بد من الخواطر، أي: هل تستطيع أن تمنع نفسك من الخواطر؟ هل تستطيع أن تغلق ذهنك وتبقى بدون خواطر؟ لا يمكن. حاول أن تقفل عقلك ولا يخطر في بالك أي شيء وأنت صاح، وقد خلق الله سبحانه وتعالى النفس شبيهة بالرحى الدائرة -الرحى: آلة الطحن- التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحَبِّ الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن حصىً ورملاً وتبناً ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه، ذكره ابن القيم في كتاب الفوائد. ومعلوم أنه لم يعط الإنسان إماتة الخواطر ولا القوة على قطعها، فإنها تهجم عليه هجوم النفس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه، كما قال الصحابة: (يا رسول الله ! إن أحدنا يجد في نفسه ما أن يحترق حتى يصير حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان) وفي لفظ: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة). أورده ابن القيم رحمه الله. ولذلك من رحمته تعالى -لما كانت الخواطر لا بد منها- أنه لا يؤاخذنا على ما حدثتنا به نفوسنا ما لم نتكلم أو نعمل، وما حدثنا به أنفسنا، وما كان من الخواطر والأفكار لا نؤاخذ عليه ولكن لو لم نصلح الأمر من بدايته فإن الخراب هو المصير. فمبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فالخاطرة: تتحول إلى فكرة، والفكرة إلى تصور، والتصور إلى إرادة، والإرادة إلى فعل، وكثرة الفعل يصير عادة. قال رحمه الله: واعلم أن الخاطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، فيأخذه الذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذه الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة، وهذه الخطورة الكبرى أن يصبح الشر عادة. وكلام ابن القيم في الخواطر لا يكاد يوجد له مثيل في كلام العلماء، فقد أبدع في كتبه في ذكرها. قال رحمه الله: الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية. الخواطر الرحمانية: في فعل الخير كأن تريد أن تذهب عمرة أو تتصدق أو تذهب إلى الجهاد. الخاطرة الشيطانية: أن تمشي إلى حرام وتفعل الحرام، وكأن تكون جالساً في غرفتك لوحدك ليس معك أحد فتأتيك خاطرة شيطانية فتقوم وتعمل عملاً محرماً. الخواطر النفسانية: مثل الرؤيا، والإنسان معه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت: (والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). والخواطر الباطلة: النوع الأول: منها في الحرام والفواحش، كم من الشباب لو قدر لنا أن نرى ما في أذهانهم وهم في حال الوحدة، شخص وحيد فماذا يدور في باله الآن؟ لربما ترى أكثرهم تدور في أذهانهم خواطر الفاحشة والحرام من كثرة الصور، ومن كثرة ما يرون وما يسمعون يخطر في بالهم الحرام والفواحش. النوع الثاني من الخواطر الباطلة: خيالات وهمية لا حقيقة لها، أو أشياء باطلة أو فيما لا سبيل في إدراكه من أنواع ما طوي عنا علمه، فإذا كان هذا مجال التفكير ومسرح الخواطر فالعاقبة وخيمة، ولذلك فإن التمني واحد قال: رأى أحدهم رجلاً عنده مال يذهب به إلى الحرام ويسافر في الحرام، فقال: لو أن لي مال فلان لعملت بعمله فهما في الإثم سواء كما في الحديث، ولذلك فإن تمني الخيانة وإشغال الفكر والقلب بها ربما يكون أضر على القلب من الخيانة نفسها، فإذا جعل الإنسان الخيانة هي تفكيره وهمه، وانشغل تفكيره بالخيانة، وكيف يستدرج امرأة أو يخرج إلى سوق أو مكان فيظفر بفريسة، وكيف يخون الأمانة ويعتدي على ما استؤمن عليه، فإن هذا عاقبته وخيمة فإذا علمت هذا -يا عبد الله!- فماذا ينبغي أن تفعل من أجل إصلاح الخواطر؟ إذا علمت الآن أن المشكلة تبدأ من الخواطر فكيف تعالج مسألة الخواطر؟ أن تشغل هذا البال بطاعة الله، وأن تفرغ قلبك لله بكليته، وتقيمه بين يدي ربه مقبلاً بكليته عليه، يصلي لله تعالى كأنه يراه، قد اجتمع همه كله على الله، وصار ذكره ومحبته والأنس به في محل الخواطر والوساوس. وهذا الكلام الذي قاله ابن القيم نفيس جداً جداً، إذا تأملته وطبقته سنجد عواقب حميدة وأنواراً وأبواباً من الخير تنفتح عليك؛ أن تجعل عقلك وذهنك وقلبك منشغلاً بالله وذكره، والتفكير في جنته وناره، وعذابه ونعيمه، وعقابه وحسابه، والموت وما بعده. أشغل نفسك بالله، إذا أشغلت فكرك بالله فإنك ستكون بمنأى عن هذه الترهات والمحرمات، وتستريح نفسياً وقلبياً وذهنياً وجسمياً.
علاج الخواطر
فعلاج الخواطر إشغالها بالله وحمايتها عن الحرام، قال رحمه الله: وهاهنا نكتة ينبغي التفطن لها: وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة، فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط، كما يثير الدواء أخلاط البدن، فإذا لم يقبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إشارته، وإن أزال منه شيئاً فمدار الأمر على شيئين: الحمية، واستعمال الأدوية إذاً: إذا تخلصنا من الخواطر الشريرة، وأسكنا الخواطر الخيرة في أذهاننا فهذا من أعظم الوسائل إن لم يكن هو أعظم الوسائل (ترويض النفس) ورد القضية من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها، وقد ضربنا مثلاً في التسلسل السابق، أولاً: خواطر؛ الخواطر تتحول إلى أفكار، والأفكار تتحول إلى إرادات، والإرادات تتحول إلى عمل، والعمل يتحول إلى عادة. ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد، كيف تقطع عادة؟ قد تنقل جبلاً ولا تستطيع أن تغير عادة، إلا من رحم الله. وأول ما يطرق القلب الخطرة، فإن دفعها استراح مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فأصبحت وسوسة وكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وأصبحت شهوة، فإن عالجها وإلا أصبحت إرادة -استعمل ابن القيم هنا اصطلاحات مشابهة للاصطلاحات الأولى ومقاربة لها- أصبحت إرادة، فإن عالجها وإلا أصبحت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذا الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد. وعند ذلك لا بد من العلاج الأقوى وهو التوبة النصوح. ……
دفع الخاطر من أوله
ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق، والدفع أولى وإن آلم النفس مفارقة المحبوب. إذاً: لماذا ننتظر حتى نوشك أن نقع في الحرام؟ لماذا لا نستدرك القضية ونصلح من البداية، إن مسايسة النفس وترويضها يقتضي أن تتدارك المسألة من أولها، وأول المسألة الخواطر، فاطرد الخواطر السيئة ولا تسمح لها بالاستقرار، واجعل مكانها خواطر طيبة. فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قبلته أصبح فكراً جوالاً، فاستخدم الإرادة فإنها تساعد الفكر على استخدام الجوارح، فإن تعذر استخدامها رجع إلى القلب بالمنى والشهوة، وتوجه إلى جهة مراده، ولأهمية هذا الموضوع فقد كان الصالحون يعتنون بالخواطر، ذكر ابن كثير في ترجمة أبي صالح قال: كنت أطوف وأطلب العُبَّاد، فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرق رأسه، فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ قال: أنظر وأرعى، فقلت له: لا أرى بين يديك شيئاً ولا ترعى إلا هذه العصاة والحجارة! فقال: بل أنظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربي، وبالذي أطلعك عليَّ إلا صرفت بصرك عني، فقلت له: نعم. ولكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضي عنك، فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم -إذا لزمت طاعة الله تعالى أثبتك الله في أوليائه- ومن أكثر ذكر الموت أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمن العدم، ثم تركني ومضى. والخواطر السيئة هي بذور يبذرها الشيطان في نفسك -يا عبد الله- فانتبه؛ بذر الشيطان في أرض القلب فإن تمكن من بذرها تعاهدها الشيطان بسقيها مرة بعد مرة حتى تصير إرادة. يقول: الخواطر السيئة إذا لم تدفعها من البداية فهي بذور تصبح في أرض قلبك مزروعة يتعاهدها الشيطان بالسقيا، ويغذيها مرة بعد مرة حتى تصير إرادات، ثم يسقيها (يعدك ويحفزك ويمنيك ويدفعك ويحثك) حتى تكون عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال، ولا ريب أن دفع الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم، فيجد العبد نفسه عاجزاً أو كالعاجز عن دفعها بعد أن صارت إرادة جازمة، وهو المفرط إذ لم يدفعها وهي خاطر ضعيف، كمن تهاون بشرارة من نار وقعت في حطب يابس، فلما تمكنت منه عجز عن إطفائها. لو قلت لي: إن الخواطر السيئة لذيذة وأنت تريد أن أترك هذه اللذة وهذا الشيء المحبوب إلى النفس، يعني: أتخيل في الإجازة أني أسافر إلى أماكن معصية، وأسكر وأفعل الفواحش، كيف تريديني أن أترك هذه الأشياء المحبوبة ولا أفكر فيها؟ الشخص لا يترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه وأقوى، ولذلك إذا كانت محبة الله فوق كل شيء هانت كل المحبوبات الأخرى، إذا كانت محبة الله أعلى من كل شيء ذهبت محبة الزنا والخمر والشهوات المحرمة، ومحبة صور النساء والمردان؛ لأن محبة الله أصبحت فوق كل هذه وهذا الكلام لأصحاب العقول -العناصر المفكرة العاقلة- فالعقل يمنع ويعقل ويحجز عن كل شيء ضار،. فهناك موازنات، فإذا وازنت اقتنعت، وإذا اقتنعت تركت، فخذ هذه الموازنة ووازن بين فوات المحبوب الأخس المنقطع النكد المشوب بالآلام والهموم، وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة لهذا المحبوب الخسيس إليه البتة؛ لا في قدره ولا في بقائه. فمحبوب المعصية إذا قارنتها بما سيفوتك، مثلاً: قارن الزنا بما يفوتك من الحور العين، وقارن شرب الخمر في الدنيا إذا فعلته بما سيفوتك من خمر لذة للشاربين، لا فيها غول (لا يذهب عقلك، ولا يصاب رأسك بالصداع، ولا بطنك بالمغص) ولا هم عنها ينزفون. قارن إذا شربت الخمر بين هذه الخمر الخسيسة النجسة التي يعقبها زوال العقل، والتي تسبب في النهاية النكد، وربما طلاق الزوجة واحتقار الناس، والسكران حتى عند الكفار يعتبر صورة مزرية، وحادث السيارة وما ترتب على السكر والمخدرات من الأشياء، وممكن أن يكون في أوله لذة ولكن في آخره حسرة وألم. إذا استعملته قارن بينه وبين ما سيفوتك في الآخرة؛ قارن ووازن واخرج بنتيجة. ثم قارن بين ألم فوت هذا المحبوب وبين ألم فوت المحبوب الأعظم والأكبر، فأنت تفوت محبوباً عظيماً من أجل محبوب خسيس، وليوازن بين لذة الإنابة والإقبال على الله تعالى، والتنعم بحبه وذكره وطاعته، ويقارن بين هذا ولذة الإقبال على الرذائل والإتيان بالقبائح، وليوازن لو انتصرت على نفسك والانتصار على الشيطان -الانتصار على الشيطان فيه لذة- وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو، وبين لذة الذنب ولذة العفة، المشكلة الآن أن العفة والصدق والأمانة فيها لذات، وليست اللذة فقط في الكذب والخيانة والزنا، لا. هناك لذة في المقابل، لكن المشكلة أن الناس لا يعيشون لذة الطهارة، والأمانة، والصدق، ويعيشون لذة الكذب ولذة الخيانة، كثيرٌ منهم هذا حالهم، قارن بين لذة الطاعة ولذة المعصية، قارن بين ما سيفوتك من ثناء الله وملائكته وبين لذة هذه المعصية، قال ذلك الكلام النفيس وهذا معناه واختصار له، قاله: ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن.

الجمع بين خواطر الخير وخواطر الشر
فموضوع الخواطر موضوع مهم جداً، فأنت الآن مدعو إلى التدبر في مسائل العلم، ومدعو إلى التدبر في معاني الآيات والأحاديث؛ كيف ترضى أن تجمع في عقلك بين معاني الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:2-5] وبين خواطر سيئة وخسيسة ودنيئة؟ كيف تجمع بين تدبر خواطر الخير وبين خواطر الشر؟ قال: فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخداع وأماني باطلة، وسراب لا حقيقة له، فأي حكم وعلم وهدى ينتقش مع هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان في منزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه لو أتيت بخنزير ووضعت في عنقه قلادة من الجواهر ما رأيك بهذا المنظر؟ هل ترى أن الجواهر تصلح أن تكون على الخنزير، إذا كان لا يصلح فكيف تجعل عقلك مستودعاً للخواطر الشيطانية الخسيسة والدنيئة، ومستودعاً للذنوب والمعاصي الحقيرة التافهة والسيئة، وتجمع معها خواطر القرآن والقيامة والجنة وصفات الله تعالى تدبراً؟! فإن كل واحد يطلب علماً لا بد أن يسأل نفسه هذا السؤال: كيف أطلب العلم وأفكر في مسائل الطهارة والصلاة والزكاة والحج، وقبلها مسائل العقيدة وأسماء الله وصفاته، واليوم الآخر والسيرة النبوية والأحاديث … إلى آخره. أفكر بهذا كله ثم أدخل عليها خواطر في الزنا والعشق، والأشياء المحرمة والصور العارية … الخ. فكيف ينطبق هذا على هذا، وإذا أراد أن ينتقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه، فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الرديئة لم تستقر فيه خواطر نافعة، فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ لتتمكن .
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
هذه قضية -يا إخوان- مهمة جداً أن يكون هناك تفريغ للقلب من الخواطر السيئة، نعم. لا يمكن أن نمنعها من الورود لكن إذا وردت لا نجعلها تعشعش، ولا نترك لها مجالاً للاستقرار في القلب، والإنسان إذا كان قريباً من الله أصبحت الخواطر التي ترد عليه خواطر رحمانية، كما قال ابن القيم رحمه الله: الخواطر التي مبعثها الملك -أي: أيُّ خاطر طيب فإن مبعثه الملك- إذا أصبحت الخواطر الطيبة تأتي إلى ذهنك باستمرار وتتزاحم حتى في العبادات، وهذا ما حصل لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تزاحمت عليه الخواطر في مرضاة الرب فربما استعملها في صلاته، فتزاحم عنده تجهيز الجيش في سبيل الله مع قراءة القرآن أو الذكر في الصلاة، انظر إلى أي درجة وصل الفاروق ، أصبحت تتدافع خواطر في الآيات وخواطر في الجهاد، وهو المسئول الأول في المسلمين والخليفة، وهو المنشغل جداً، فهو أول واحد يهمه الموضوع.
كيفية إصلاح الخواطر
فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها صاعدة إليه دائرة على مرضاته ومحبته، فإنه سبحانه عنده كل صلاح، ومن عنده كل هدى ومن توفيقه كل رشد، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن إعراضه كل ضلال وشقاء، فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلاء ربه ونعمه، وتوحيده وطرق معرفته وعبوديته، وهو يستحضر أنه مشاهد له، ناظر إليه، رقيب عليه، مطلع على خواطره وإرادته وهمه، فحينئذ يستحيي منه ويجله أن يطلع منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله. لو أنك فكرت بحرام أو فاحشة هل تستحي أن أباك يطلع عليها؟ أو يطلع عليها أستاذك أو إمام المسجد؟ فكيف والله مطلع على خواطرك، فما كنت مستحياً من مخلوق أن يطلع عليه فاطرده من ذلك؛ لأنك تعلم أن الله مطلع عليك، فمتى أنزل العبد ربه هذه المنزلة رفعه وقربه منه، وأكرمه واجتباه وتولاه، وبقدر ذلك يبتعد عن الأوساخ والدناءات والخواطر الرديئة والأفكار الدنيئة، كما أنه كلما بعد منه وأعرض عنه قرب من الأوساخ والدناءات والأقذار، ويقطع عن جميع الكمالات ويصل بجميع النقائص، فالإنسان خير المخلوقات إذا تقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه وعمل بمرضاته وآثره على هواه، وشر المخلوقات إذا تباعد منه ولم يتحرك قلبه لقربه وطاعته وابتغاء مرضاته، وكذلك فإن الإنسان ينبغي عليه أن يشتغل بمصلحته وما يعنيه، ويجعل الخواطر حول ما يصلحه وما يعنيه، فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك. فالفكر فيما لا يعنيك باب كله شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمة أحق شيء بإصلاحه من نفسك، فإن هذه خاصتك وحقيقتك التي تبتعد بها أو تقرب من إلهك ومعبودك الذي لا سعادة لك إلا في قربه ورضاه عنك، وكل الشقاء في بعدك عنه وسخطه عليك، ومن كان في خواطره ومجالات فكره دنيئاً خسيساً لم يكن في سائر أمره إلا كذلك. فإن قلت: وبماذا أشغل عقلي؟ اشغله في باب العلوم في معرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوق الله تعالى، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال والتحرز منها، وكيف تنفذ العبادات على الوجه المطلوب، وفكر في مصالح دنياك كيف تتزوج وما هي الطريقة للزواج؟ في معاشك وكسب مالك، فكر في هذا ولا بأس به على الإطلاق، إذا كان الذي يشغلك الله عز وجل والعلم به والشريعة، ومسائل العلم المفيد والتفكير فيما يعنيك وترك ما لا يعنيك، والتفكير في عيوب نفسك وكيف تتخلص منها، والتفكير بهموم المسلمين وما يصلح حالهم، والتفكير في معاشك وفيما يصلحك في الدنيا؛ إذا صار فكرك في هذا فإنك على حال طيب. وتصبح في حصن حصين وفي بيت السلطان عليك الحراس قال إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * < إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83] وقال تعالى له: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] وقال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100]. وقال في حق الصديق: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24] فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن الحصين، لقد أوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من أوى إليه، ولا مطمع للعدو من الدنو منه: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4] ذكره ابن القيم في بدائع الفوائد. فإذا كانت معاني القرآن مكان الخواطر من القلب وكانت على كرسي عرش القلب، وكان له التصرف، وكان هو الأمير المطاع، استقام أمر الإنسان وسيره، واتضح له الطريق فتراه ساكناً ولكنه يباري الريح: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]…….
خلاصة موضوع كيف تروض نفسك
فإذاً نلخص موضوع الخواطر وهو الموضوع الأساسي والكبير في سياسة النفس وترويضها: أن تعلم أن الله مطلع على خواطرك. أن تستحي منه. أن تجله أن يرى ويعلم هذه الخواطر أنها ما زالت عندك موجودة. أن تخاف أن يطردك من جنابه. أن تساكن محبته قلبك لا محبة غيره. أن تخشى من شرر الخـواطر. أن تعلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحَب الذي يلقى للطائر ليصاد به، فاعلم أن كل خاطر منها حبة في فخ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر، فالخاطرة حبة ألقاها الشيطان لصيدك. أن تعلم أن تلك الخواطر الرديئة لا تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي المحبة بل إنها تضادها من كل وجه. أن تعلم أن الخواطر بحر من بحور الخيال لا ساحل له، إذا دخل القلب في غمراته غرق فيه وتاه في ظلماته، فإذا أشغلت نفسك بالخواطر الطيبة كانت ساحل نجاة. أن الخواطر السيئة وادي الحمقاء وأماني الجاهلين لا تثمر إلا الندامة والخزي . أن تجعل مكان الخواطر السيئة خاطر الإيمان والمحبة والإنابة والتوكل والخشية، وأن تفرغ قلبك لها، وإذا أتاك الخاطر السيئ نفيته، لا تؤويه ولا تسكنه، لأنها أماني وهي رءوس أموال المفلسين، ومتى ساكن الخواطر صار مفلساً، وإياك إياك -يا أخي- أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك، فإنه يفسده عليك ويلقي بالوساوس الضارة. وأخيراً: فإن موضوع سياسة النفس ومعالجة النفس وترويضها وإصلاحها، والبداية من الخواطر التي جعلناها الجزء الثاني من الموضوع هي قضية جديرة بالاهتمام والعناية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن زكوا أنفسهم وممن طهروها وعمروها بذكر الله وعبادته. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. ……
الأسـئلة
شدة الوساوس في الصلاة
لسؤال: الشيطان يشتد علينا بالوساوس في الصلاة، فلماذا؟ الجواب: يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر قبل، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) هذا الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى يبين لنا أن الأذان ثقيل على الشيطان، وإذا أذن المؤذن هرب الشيطان خارجاً، فإذا انتهى الأذان رجع، فإذا أقيمت الصلاة هرب، وإذا انتهت الإقامة رجع يوسوس للمصلي، ويخطر بينه وبين نفسه ويذكره بأشياء لم تكن على باله. ولذلك أبو حنيفة لما جاءه رجل فقال له: إني أضعت مالاً قال: اذهب فصل ركعتين وجاهد نفسك ألا تأتي عليك الوساوس، فجاء الشيطان وذكره في الصلاة ومنها مكان المال المفقود. لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال إنه يقول: (اذكر كذا.. اذكر كذا، لما لم يكن يذكر) فيذكره به الشيطان حتى لا يعود الشخص يذكر كم صلى، هذه هيبة الأذان الإقامة، وكذلك فعل الشيطان . فإذا جاءك الشيطان يوسوس لك؛ لأنه يحرقه أن يراك منتصباً قائماً لربك، فاتفل عن يسارك ثلاثاً وتعوذ منه في الصلاة، فإنه يذهب عنك إن شاء الله.
معنى (لا) في قوله تعالى: (لا أقسم)
السؤال: لا أقسم بيوم القيامة ما معنى ” لا “؟ الجواب: لا هنا فيها أقوال للعلماء، ومن هذه الأقوال أنها للتأكيد، أي: في لغة العرب إذا جاءت (لا) هنا فإنها تفيد تأكيد القسم.
حب النساء والوقوع في الزنا
السؤال: أنا يا شيخ ممن يحب النساء حب شهوة، وقد زللت أكثر من مرة فوفقني الله بالتوبة، وأرى من نفسي حب الرجوع مرة أخرى فحاولت أن أدفع نفسي وأحاول أن أتزوج؟ الجواب: هذا الكلام ذكرناه في المحاضرة فلو أنك تتبع كلام ابن القيم في موضوع الخواطر، وجاهدت نفسك من الخواطر من بداية الأمر ألا يرد على نفسك، وتشغل نفسك بما يفيدك في الدنيا والآخرة، فلن تصل إلى مستوى الانزلاق إن شاء الله، ولذلك تتبع المسألة من بدايتها، هذه نصيحتي لك والله، تتبع القضية من بدايتها، وأشغل نفسك بالطاعة تنشغل عن المعصية.

الثقـة بالنفس
السؤال: هل يجوز الثقة بأنفسنا وما حكم الثقة بالنفس؟ الجواب: سئل الشيخ العلامة المفتي/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى هذا السؤال هل تجب الثقة بالنفس؟ فقال: لا تجب ولا تجوز، بل تجب الثقة بالله تعالى، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (ولا تكلني إلى نفسي) وقال ابن أبي مليكة : ” أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلهم يخاف النفاق على نفسه ” لا يوجد منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. فلا بد أن تخاف على نفسك ولا تثق بنفسك؛ بل ثق بالله عز وجل، فإذا وثقت بنفسك أوكلك الله إلى ضعف وعجز وعورة، وإذا وثقت بالله كفاك الله عز وجل وجعلك تأوي إلى ركن شديد.

الاستهزاء ببعض الأحاديث والتشريعات
السؤال: هناك بعض الزملاء يستهزئون ببعض الأحاديث النبوية وبعض التشريعات؛ ظناً منهم أنه ليس لذلك خطر كبير؟ الجواب: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] أظن الآية فيها موعظة بليغة وتجيب عن حال هؤلاء الذين يستهزئون بأحاديث وتشريعات ظناً منهم أن المسألة سهلة، الآية نزلت في من؟ قارن فيمن نزلت فيهم الآية وبين هؤلاء الشباب. الآية كما يروي ابن جرير رحمه الله -والحديث حسن- أن الآية نزلت في بعض الذين كانوا في جيش تبوك قالوا: ما رأينا مثل قرائنا -من يقصدون بالقراء؟ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة- أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء، بطونهم كبيرة أصحاب أكل، وإذا جاء الجد ولوا الأدبار. فنزلت الآيات فيهم: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] وهؤلاء يستهزئون بالآيات والأحاديث والتشريعات مباشرة، والاستهزاء بأي شيء علم المستهزئ أنه من الله ورسوله فهو كافر خارج عن الملة، يجب أن يجدد إسلامه ويتوب إلى الله تعالى.
زكاة الراتب
السؤال: هل يجب علي زكاة المال مع العلم أني لا أملك إلا راتبي؟ الجواب: إذا كنت لا توفر شيئاً من راتبك وتصرفه أولاً بأول فما عليك زكاة؛ لأنه لا يوجد عندك شيء يحول عليه الحول؛ لكن إذا كانت عندك مدخرات تجب فيها الزكاة، فإذا كانت عندك مدخرات فأسهل طريقة أن تنظر إلى أول راتب استلمته، لنقل: أول راتب استلمته في 1 محرم 1420هـ تنظر ماذا لديك من المال فتخرج في كل ألف خمسة وعشرون ريالاً وهذا فيه راحة نفس وفيه سماحة، وتكون قد عملت ما عليك وزيادة.
حكم سماع الأغاني في السفر
السؤال: أنا لا أحب سماع الأغاني والموسيقى، لكن في حالة السفر مع الأصحاب يجبرونني في رفقتهم مع طول الطريق والملل بأن أسمع الأغاني؟ الجواب: يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين في الحديث الحسن: (ماخلا راكب بذكر الله إلا ردفه ملك، وما خلا راكب بشعر ونحوه إلا ردفه شيطان) كيف إذا خلا بالأغاني؟! فلا تقطع الطريق بالأغاني وحاول أن تنصحهم، ومن شروط الرفقة في السفر أن تنتقي الرفقة قبل أن تسافر معهم، وليس أن تسافر معهم ثم تقول: تورطت، وإذا أكرهت وفوجئت، فمرهم بإغلاقه، فإذا لم يمتثلوا فاخل أنت بذكر الله بينك وبين نفسك.
المجاهرة بالمعصية
السؤال: بعض الإخوان يجاهرون بالمعصية؟ الجواب: هذه مصيبة عظيمة؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) من المجاهرة: أن الواحد يعمل العمل ثم يستره الله في الليل ثم يقول في النهار: يا فلان أنا عملت كذا وكذا! يا فلان أنا سافرت لكذا! يا فلان هذه صورة كانت معي ويريه إياها والعياذ بالله، هذا المجاهر يفضحه الله يوم القيامة، والفضيحة يوم القيامة ليست مثل فضيحة الدنيا؛ لأن الفضيحة أمام الناس من آدم إلى الراعي المزني (آخر واحد يصعق عندما تقوم الساعة) مع الجن والملائكة وكل الحاضرين يوم الدين أشد من فضيحة اليوم.
غسل الثوب من المني
السؤال: المني إذا بقي على الثوب يوجب غسل الثياب؟ الجواب: لا يوجب غسل الثياب، ولكن يفركه إذا كان جافاً، وينضحه بالماء إذا كان رطباً، والأفضل أن يغسله بالنسبة للثوب، أما البدن فلا بد إذا خرج المني من الغسل كاملاً، أن يعمم جسده كاملاً مع المضمضة والاستنشاق إذا أراد أن يصلي.
هجر صاحب الكبيرة
السؤال: جافيت أحد الزملاء عندما رأيته على كبيرة عظيمة ومن بعدها لم أسلم عليه. الجواب: إذا كان هذا الهجر يفيده ويشعره بالخطأ، ويندم ويعود إلى الصواب فيجب هجره، وإلا فارجع إليه وادعه بالحسنى. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، وأن يعمر قلوبنا بذكره إنه سميع مجيب قريب، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

كتاب كامل .. كيف تطلب العلم ؟

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب كامل .. كيف تطلب العلم ؟

مركز مصادر التعلم = سليم عاقل400

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد :
فسلام عليم يا طالب العلم ورحمة الله وبركاته وبلا مقدمات فالوقت أقصر من ذلك ، أقطف لك فوائد وأجلسك على موائد وبعض الفصول التي يحتاجها طالب العلم يجدها في مثل كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي ، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر ، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ، ونيل الأرب للشوكاني ، ونحوها ,غنما المقصود هنا كيف تطلب العلم .

 كتب مُرشحة للحفظ بعد حفظ كتاب الله غز وجل:
1. بلوغ المرام في متون أحاديث الأحكام ونحوه عمدة الأحكام .
2. رياض الصالحين أو ما تيسر منه للخطيب والواعظ والداعية .
3. العمدة في الفقه أو زاد المستقنع .
4. نُخبة الفكر والبيقونية في المصطلح .
5. مُلحة الإعراب أو ألفية ابن مالك ، أو قطر الندى في النحو .
6. اللُمع أو الورقات في أصول الفقه .

 مكتبة طالب العلم:
1. كتاب الله عز وجل .
2. الكتب الستة ويجمعها وغيرها جامع الأصول ومجمع الزوائد .
3. فتاوى ابن تيمية .
4. فتح الباري .
5. تفسير ابن كثير .
6. المُغني .
7. سُبل السلام .
8. نيل الأوطار .
9. البداية والنهاية .
10. زاد المعاد .
11. فتح المجيد ، بلوغ المرام ، رياض الصالحين ، جامع العلوم والحكم ، الآداب الشرعية ، والعبرة بالجودة والمطالعة والعمل ، وليس بالكثرة .

 برنامج عملي لطالب العلم المبتدئ:
بعد صلاة الفجر إلى طلوع الفجر وقت الحفظ ، ( حفظ خمس آيات يومياً من القرآن وحديث نبوي واحد وقطعة صغيرة من أحد المتون ) .
من طلوع الشمس إلى الظهر الدراسة المنهجية أو الوظيفة أو الكسب والتجارة .
بعد الظهر مُطالعة في التاريخ والأدب والغداء والقيلولة .
بعد العصر المطالعة في الأمهات في الكتب التي ذُكرت آنفاً .
بعد المغرب إلى العشاء مُراجعة المحفوظات من قرآن وحديث ومتون .
بعد العشاء مُطالعة النشرات الإسلامية والمجلات المفيدة والكتب الثقافية فالعَشاء فالنوم .
يوم الخميس للزيارات والاستجمام .
يوم الجمعة لتدبر القرآن والذكر والدعاء والتنفل وكثرة الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام ومحاسبة النفس والتأمل .

 كتب العقيدة:
اعلم أن كتب العقيدة ثلاثة مستويات :
الأول: كتاب التوحيد للشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى .
الثاني: معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى .
الثالث: الطحاوية .
وعليك يا طالب العلم بكتب ابن تيمية شيخ الإسلام وابن القيم خاصة الأول فإنه والله إمام قل أن تقرأ لمثله .

 المكتبة الصوتية والتسجيلات السمعية:
لا بد من سماع الشريط الإسلامي والاهتمام به فهو من أعظم الطرق الموصلة إلى للعلم ، وليكن لك مكتبة صوتية ودرج عامر بسيارتك تسمع ما لذَّ وطاب .

 الكتب المتعبة:
بعض الحواشي في فرعيات الفقه وأصول الفقه التي غصّت بالمنطق والتشقيقات والتكلف نفعُها قليل وتورث الدوخة وضياع الوقت وضعف البصر وإن أردت معرفة مقدار هذه الحواشي فقارن بينها وبين كتب ابن تيمية رحمه الله تعالى.

 طريق الحفظ:
قلل المحفوظ وكرر ما تريد أن تحفظه كثيراً خمسين مرة أو أكثر وليكن لك زميل تحفظ عليه إن تيسر لك ، وأشرف أوقات الحفظ بعد الفجر وبعد المغرب ولا تحفظ عند الكسل وغاية الهم والنوم وأكثر من الاستغفار .

 الصلوات تُرتب الأوقات:
بعض طلبة العلم يُرتب برنامجه وتحصيله بعد الصلوات فمثلاً الحفظ بعد الفجر ومُطالعة التاريخ والأدبيات بعد الظهر وتحقيق المسائل بعد العصر والمراجعة للمحفوظ بعد المغرب ومطالعة الأخبار والمجلات الإسلامية بعد العشاء ، وبعض طلبة العلم يجعل الفنون على الأيام ، فمثلاً الفقه يوم السبت والتفسير يوم الأحد والحديث يوم الاثنين وهكذا .

 كيف تفهم كتاباً مُطولاً:
بعض كتب العلم طويلة مسهبة كتفسير ابن كثير وفتح الباري والمغني وغيرها ، وطالب العلم إذا أراد فهم هذه المُطولات فأمامه طُرق :
منها أن يُكرر الكتب كل كتاب ثلاث أو أربع مرات .
ومنها أن يقرأها واحدة متأنية معه مذكرات أو دفتر يُسجل الشوارد والفوائد والنكات العلمية وما يصعب عليه ليُراجع أهل العلم .
ومنها أن يقرأ مع زميل على فترة طويلة مع المُناقشة والمساءلة .

 زيارة طالب العلم:
أوصي إخواني طلبة العلم بضبط وقت الزيارة بعضهم لبعض وعدم الإسراف فيها والتطويل لأنها غالباً مضيعة للوقت فإما أن يخصص يوم في الأسبوع أو وقت قصير كل يوم للزيارة وتكون هناك وفوائد وأسئلة وقت الزيارة .

 شكراً للمراكز الصيفية:
بادرةٌ طيبةٌ أن تقوم المراكز الصيفية بدروس علمية مفيدة فيها حفظ ومناقشة وتأمل وهذا أمر عظيم لمستقبل الأمة الإسلامية وقد رأيت كثيراً من المراكز عينت دروساً في الفقه والتفسير والحديث فشكر الله لها جهودها وزادها توفيقاً وبصيرة .

 أنفق يا طالب العلم يُنفق عليك:
وصيتي لنفسي وإخواني طلبة العلم بالإنفاق من العلم وتعليم الناس بالخطابة بالدروس بالندوات بالمحاضرات العامة بالكتابة ولا يحجم طالب العلم عن إفادة المسلمين فيضيع علمه ويُبادر الموت وما قدم شيئاً .

 همم طلبة العلم في المطالعة:
بعض طلبة العلم في هذا العصر مشهور بالصبر والجلد في المطالعة ، أحدهم قرأ المُحلى لابن حزم خمس مرات بفهم .وآخر قرأ وكرر بلوغ المرام أكثر من خمسين مرة ، وثالث قرأ سير أعلام النبلاء ثلاث مرات بتأمل ، ومنهم من يبدأ بمكتبته من أولها إلى آخرها قراءة .

 كثرة التأليف في هذا العصر:
امتلأ السوق بالمؤلفات وأصبح طالب العلم في حيرة ماذا يقرأ ويترك وكثرة هذه المؤلفات غثاء إما تكرير لمعلومات وإما سطحية وإما مواد لا فائدة فيها فعليك بمؤلفات السلف من أئمة الإسلام وكتب العلماء الذين عُرفوا بالسنة والأصالة وسعة العلم .

 ضياع العطلة الصيفية:
يظن كثير من الطلاب أن الإجازة الصيفية إنما وضعت للنزهة والاستجمام وهذا وارد بقدر لكن إما أن تضيّع وتذهب سُدى وتنسى فيها المُقررات الدراسية فهذا إسراف وتبذير إخوان الشياطين وسوف يعلم المُبذر رأى عمرٍ أضاع .

 كيف تحقق مسألة:
تحقيق المسائل يتم بأمور:
1. جمع النصوص في المسألة إن كانت شرعية فتؤخذ من الكتاب والسنة.
2. النظر في الحديث صحةً وضعفاً.
3. التأكد من النسخ في الآية أو الحديث.
4. حصر أقوال أهل العلم في المسألة.
5. النظر في الأقوال والترجيح وذلك بمسكة من أصول الفقه.
6. ذكر القول الراجح وسبب ترجيحه ولماذا أهملت الأقوال الأخرى.

 كيف تُخرّج حديثاً:
تخريج الحديث يتم بأمور:
1/ البحث عن مظانه ومن رواه وهذا يكون بأمور.
أ ـ إن عرفت مظانه بالاستقراء والنقل فحسن.
ب ـ وإن لم يحصل ذلك بمعرفة أول الحديث وينظر في الفهارس والمعاجم.
جـ ـ وإن لم يحصل ذلك فأخذ مادة من الحديث والعودة إلى المعجم المفهرس إن كان عند التسعة.
2/ ينظر في سند الحديث رجلاً رجلاً بواسطة علم الرجال.
3/ تجميع أقوال العلماء في الحديث لتخرج بحكم متأن للحديث.

 كتاب إحياء علوم الدين:
احذر من كتاب إحياء علوم الدين في ثلاث مسائل واستفد منه:
المسألة الأولى: الرجل ليس مُحدثاً وقد جمع الموضوعات في كتابه فأوعى.
المسألة الثانية: عقيدة الرجل أشعرية على منهج أهل الكلام ومناهج الفلسفة.
المسألة الثالثة: الغزالي مُعجب بالصوفية أيما عجب ، وقد ساق لهم خزعبلات ومدلهمات فانتبه له واجعل المعيار الكتاب والسنة.

 كيف تعد خطبة جمعة:
1. اختيار موضوع الخطبة من أول الأسبوع.
2. جمع النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف وأهل الأدب.
3. الصياغة صياغة أدبية راقية بأسلوب سهل.
4. إما حفظ الخطبة بعد كتابتها وارتجالها وإما قراءتها قراءة حية مؤثرة.
5. وقت الخطبة الأولى والثانية لا يزيد على نصف ساعة.
6. يحرص على سماع الأشرطة التي تحمل خطب الجمعة فإنها مُفيدة.
7. يُكثر قبل وبعد الخطبة من الدعاء والاستغفار والتهليل.

 كتب أدبية تُفيد طالب العلم:
1/ المختارات للبارودي.
2/ أنس المجالس لابن عبدالبر.
3/ روضة الفضلاء ونزهة العقلاء لابن حبان.
4/ ديوان أبي تمام والمتنبي وشوقي وحافظ إبراهيم ومحمد إقبال ، واحفظ ما تستطيع من أجود كلامهم ، فإن الشعر ترسانة للدعوة الإسلامية.

 من أمراض طلبة العلم:
ثلاثة أمراض تكثر في طلبة العلم ومن أصابه منها مرض فقد هوى على وجهه نسأل الله العافية والسلامة.
المرض الأول: الرياء في طلب العلم والوعظ والدعوة والتصدر ، وعلاجه الصدق والإخلاص.
المرض الثاني: الحسد وما أكثره في طلبة العلم وهو من كبائر الذنوب ، وعلاجه الإيمان بالقضاء والقدر والاستعاذة وتذكر فضل الله تعالى.
المرض الثالث: الكبر وهو طاغوت القلوب وفرعون الأرواح ونمرود المتعلمين جزاء صاحبه الحقارة والصغارة والخزي في الدنيا والآخرة التواضع ومعرفة النفس.

 كيف ترد الخطأ على صاحبه:
إذا سمعت أن أحداً أخطأ في مسألة فلا تعجل بالرد حتى تسأله إن أمكن ماذا قصد وماذا أراد هل صحيح ما نُسب إليه ، وذكر الصحيح له ، هل يعود عن الخطأ أم لا ، هذا إذا كانت المسألة مما أجمع عليها أو فيها نص صحيح صريح وإن كانت من مسائل النزاع فلا يُعنّف ولا يُثرّب عليه فالمسألة فيها سعة وقد سبق فيها الخلاف عند السلف.

 يا طالب العلم تثبت في الفُتيا:
الفتوى خطيرة ومُحرجة وهي توقيع عن رب العالمين ، فحذاري من التسرع والتهالك فيها ، وعليك بكلمة لا أدري فهي عند أهل التقوى والورع كالماء البارد.

 قراءة تراجم الصالحين تربية:
ما أحسن مطالعة تراجم الصالحين من علماء السلف وعُبّادهم وزُهادهم . إنها تربية إنها أُنس إنها تشحذ الهمم ، خيرهم وسيدهم وإمامهم محمد عليه الصلاة والسلام ثم الخلفاء ثم الصحابة ثم علماء أهل السنة ، مثل الحسن البصري وابن المسيب والزهري ومالك والشافعي وأبي حنفية وأحمد وأصحاب الحديث والأئمة المتأخرين وهلم جرا.

 أحسن كتاب في السيرة:
ما رأيت أحسن ولا أروع من كتاب زاد المعاد لابن القيم فما أفيَدَه وما أعذبه وما ألذه خاصة المحقق المنتشر ولو طالع معه دلائل النبوة للبيهقي لكان حسناً.

 لا يخلو كتاب من فائدة:
هذه الجملة لابن الجوزي في صيد الخاطر وهي من أحسن الجُمل فلا تحتقر أي كتاب لمسلم ، فإنك قد تجد الدر بين القش ، وكم من مسألة محققة منقحة قي كُتيّب لا تظفر بها في مجلدات.

 أصول كتب الأحكام:
ذكر الذهبي في ترجمة ابن حزم أربعة كتب هي بحق أصول كتب الأحكام وهي:
المغني لابن قدامة ، وسنن البيهقي ، والتمهيد لابن عبدالبر ، والمُحلّى لابن حزم . قلت: وخامسها فتاوى ابن تيمية رحمه الله تعالى . فعليك بمراجعتها يا طالب العلم دائماً وليت عندك صبر وجلد لتقرأها جميعاً ولو مرةً واحدة.

 كيف تحفظ القرآن الكريم:
1. أخلص قصدك في حفظه لوجه ربك تبارك وتعالى.
2. قلل المحفوظ يومياً.
3. راجع في آخر النهار كل يوم.
4. ليكن لك زميل يسمّع لك وتُسمّع له.
5. استمع لشريط القرآن المسجل كثيراً.
6. صلِّ بما تحفظ من الفرائض والنوافل وتهجد به من الليل.
7. إقرأ تفسير الآيات المحفوظة ليساعدك على الحفظ.

 القراءة المبعثرة:
القراءة المبعثرة تُخرج مثقفاً ولا تُخرج عالماً وهي قراءة التهويس في كل كتاب بلا ضابط فيحفظ القارئ جُملاً من كل مكان لا يربطها رابط وهذه القراءة ليست هي المطلوبة المنتجة.

 فِرَّ من الحزبية فِرارك من الأسد:
طالب العلم سليم الصدر طاهر الظاهر والباطن وما أتت أمراض النفوس والأحقاد والضغائن والطعن والغيبة إلا من آثار الحزبية المنبوذة البغيضة وهي التي تفرق بين المرء وزوجه وما يُعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.
فإياك يا طالب العلم أن تكون حزبياً فتمقتك القلوب وتفقد كثيراً من إخوانك المسلمين ، صاف جميع المسلمين ، وتعاون مع جميع المسلمين ، فلكل مسلم منك حظ و نصيب.
بالشام أهلي وببغداد الهوى وأنا بالرقمتين وبالفسطاط جيراني

 احذر الجدل العقيم:
اشتغال طالب العلم بمسائل لم تقع ولن تقع سفه منه ، وتشاغله بمسائل لا طائل من البحث فيها حمق وهوج ، وحدته وغضبه على مخالفه في مسائل يسع المسلم فيها السكوت من قِلة علمه والله المستعان.

 لا تكن سلبياً منقبضاً:
من صفات علماء السنة أنهم رجال عامة ينفعون المسلمين ويُخالطونهم فيما يقربهم من الله عز وجل وإن كنتَ في شك من ذلك فاقرأ سيرهم أما الانزواء وكتمان العلم والبخل بالفائدة وتقبيض الوجه والانزعاج والتبرم بالإفادة فيناسب علماء التتار ومتصوفة الهند.

 بعض الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الجرح:
هذه الجملة من أحسن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية نقلها ابن سعدي في كتابه طريق الوصول وهي أن بعض الناس لا تراه إلا منتقداً دائماً ينسى حسنات الطوائف والأجناس والأشخاص ويذكر مثالبهم فهو مثل الذباب يترك موضع البرء والسلامة ويقع على الجرح والأذى وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج وأحسن علاجه الكي أو الخنق ليذهب ما به من مس.

 عبادة طالب العلم الذكر:
من أعظم النوافل لطالب العلم ذكر الله عز وجل دائماً قائماً وقاعداً وعلى جنبه لأن طالب العلم كثير التنقل ربما شُغل عن نوافل الصلاة والصيام فالله الله في الذكر في كل طرفة ولمحة فإنه أعظم لك على طاعة الله تعالى وكاف لك عن المعاصي.

 الحكمة ضالة المؤمن:
ينبغي لطالب العلم أن يَقبل الحكمة ممن قالها مهما كان فإن الشيطان علّم أبا هريرة آية الكرسي فقبلها وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (صدقك وهو كذوب).

 طالب العلم المتأنق:
الإسلام لا يعترف بالدروشة فهو دين روعة وجمال ولماذا يتدروش بعض الناس في لباسهم يقبلون الغتر ويرتدون الثياب المتسخة ويهملون النظافة والأناقة وحسن الهندام.
علبة الصابون بريال واحد ، وكي الثوب بريالين والسواك بريال فلماذا نذهب إلى سيرة بعض الزهاد ونترك سيرة محمد عليه الصلاة والسلام.

 بشاشة طالب العلم:
طالب العلم بشوش طلق المُحيا ، بادي الثنايا ، يكاد يذوب رقة وخُلقاً أما الفضاضة والغلظة فمن أخلاق جفاة الأعراب وجنود البربر: [ فبما رحمت من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظاً القلب لا نفضوا من حولك ].

 المقصود من العلم العمل:
كيف يكون طالب العلم عالماً بعمله وقد خالف نصوصه ، أطالب علم من يستمع الغناء ويجالس اللاهين اللاغين.
أطالب من يتختم بالذهب أو يحلق لحيته أو يُسبل ثيابه أو يهمل حجاب أسرته وقس على ذلك أمثالها ، نسأل الله العمل بالعلم والعون على ذلك.

 أشرف العلوم:
أشرف العلوم بعد كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم علم الفقه بالدليل فكل الناس يحتاجون إلى هذا إنه شرف الدنيا والآخرة فتبحّر فيه يا طالب العلم لتكسب الأجر والذكر الحسن.

 خطأ يرتكبه بعض الطلاب:
بعض طلبة العلم يتشاغل بحفظ المتون والمنظومات وينسى حفظ كتاب الله تعالى وماذا تنفعه هذه المتون والمنظومات وقد نسي القرآن إنما من يحفظ القرآن كفاه وشفاه ومن يحفظ غير القرآن مهما كان لا يكفيه عن القرآن.

 لا عبرة بكثرة الكتب:
تجد عالماً من أكبر العلماء ليس في بيته سوى عشرة كتب هضمها وفهمها وتجد طالباً عريّاً من العلم في بيته مكتبة هائلة لا يعرف منها إلا عناوين الكتب فالعبرة بالمضمون لا المظاهر.

 مراحل طلب الحديث:
لطالب الحديث ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: قراءة المختصرات كمختصر البخاري للزبيدي ومختصر مسلم للمنذري وأمثالها ليشبع طالب العلم من المتون.
المرحلة الثانية: قراءة الأحاديث في أصولها كصحيح البخاري ومسلم والسنن والمسند.
المرحلة الثالثة: قراءة الشروح كفتح الباري وشرح النووي وتحفة الأحوذي وغيرها.

 الكنز الثمين:
إذا حضّرت موضوعاً أو بحثت بحثاً فاحتفظ بأوراقه فإنك تعود إليه أحوج ما تكون وحبذا أن يكون لك أدراج للبحث وللفوائد والفهارس.

 عزلة وقتية:
طالب العلم له عزلة وقتية يرتاح فيها جسمه وقلبه وفكره يخلو غيها بربه ويطالع فيها مكتبته لينشط على مخالطة الناس.

 لباس طالب العلم:
الأبيض النظيف أجمل لباس وإياك ولباس الميوعة والأنوثة أو لباس الشحاذين والسوقة وليكن لباسك وسطاً معتدلاً متأنقاً وعليك بالطيب والسواك وخصال الفطرة كإعفاء اللحية وقص الشارب وغيرها.

 لا تكن منبتّاً:
يُروى عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث: ( أن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى). فلا تكن يا طالب العلم منبتاً أي لا تجهد نفسك وتتعبها حتى تكل وتمل و الإتعاب يكون بكثرة الحفظ وبكثرة المطالعة ولكن بقصد القصد تبلغ.

 دواء يُعين على الحفظ:
قالوا مما يُعين على الحفظ أكل الزبيب وقالوا مما يضعف الحفظ أكل الباذنجان ، قلنا: دعونا من الزبيب والباذنجان أعظم ما يُعين على الحفظ تقوى الرحمن ، واتقوا الله ويعلمكم الله.
قال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعـلـم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي

 ليس كل قارئ مستفيد:
قد يوجد من يقرأ بفهم لكن في علوم لا تنفع أو في مواد غيرها أنفع منها كالذي يقرأ ليله ونهاره في المجلات والصحف فحسب أو في كتب فكرية ويجعلها عمدته ومصره وسيعلم هذا أنه ليس بيده شيء فالعلم شيء والكلام شيء آخر.

 طالب العلم يتخول الناس بالموعظة:
إملال الناس والإطالة عليهم في الكلام وتكثير الوعظ والدروس عليهم منفر ، قيا طالب العلم ليكن لك درس أو درسين كل أسبوع فحسب واحرص على التحضير وحُسن الإلقاء والعرض.

 احذر ذكر أسماء الناس في معرض الكلام والنقد:
من الحكمة إبهام أسماء العلماء في معرض الرد أو الانتقاد إطفاءً للفتنة , وإنهاءً للتشويش وسداً لباب التطفل على جلالة العلماء.

 لا تفضح عصاة المسلمين بذكر أسمائهم:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يُنبه على خطأ قال: (ما بال أقوام يصنعون كذا و كذا ).
فعلى الداعية وطالب العلم ألا يذكر أسماء عصاة المسلمين أمام الناس كأسماء المغنين والممثلين والرياضيين ، فلعل الله أن يتوب عليهم والستر الستر بلا توبيخ.

 إلى الذين ينتقصون الدراسة المنهجية:
سمعت شباباً لا يرضون بالدراسة المنهجية بحجة أنها قليلة البركة ضحلة العطاء مضيعة للوقت فطالعنا الواقع فوجدنا أذكياء الطلاب وأبطال الساحة وفرسان الميدان جلهم أو كلهم من أبناء الدراسة المنهجية وأهل الاطلاع إذن ليس بصحيح ما قال أولئك ، والجمع بين الدراسة والتحصيل الشخصي من أحسن ما يكون.

 لا تسمع كلام من يهون من شأن العلم:
قد تسمع من يسليك عن طلب العلم بحجة الدعوة ويقول لك: نحن بحاجة إلى دعاة لا إلى علماء فإن سمعت هذا فابرك على صدره و اقرأ عليه آيه الكرسي فإن معه القرين .

 أمهات الفنون:
أمهات الفنون ثلاثة: التفسير والفقه والحديث ، وما يتبعها فوسائل كالمصطلح وأصول الفقه وعلوم القرآن فعليك بالأمهات بحثاً ومطالعة ومرجعة.

 وخير جليس في الزمان كتاب:
إذا هجرك الإخوان وجفاك الخلان فكفى بالكتاب مؤنساً بعد الله عز وجل ما أحسن الجلوس مع الكتاب وما أصفى الوقت معه وما ألذَّ الحديث عنه فليكن لك مع الكتاب جلوس طويل لتقطف الثمار اليانعة والفوائد الحسان.

 اغتنم أنفاس عُمُرك:
الوقت هو الحياة وطالب العلم أحرص الناس على الوقت ومضيع الوقت قي القيل والقال اللغو وأخبار الناس لا يكون عالماً ومن أنذر أعذر.

 صبر ومثابرة:
يقول أحدهم وقد أحسن:
اصبر ولا تضجر من مطلب فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى ا لحبل بطول المدى على صليب الصخر قد أثّرا

 عند المفاجأة:
إذا طُلب من طالب العلم مفاجأة أن يتكلم في ملس أو مجتمع أو منتدى ولم يكن أعد للموقف عدته فعليه بعد طلب العون من الله تعالى أمرين:
الأول: مراعاة موقف الحديث ومُلابسات المقام وما يُناسب الحال والمكان والزمان.
الثاني: أن يتحدث عن موضوع سبق له أن قد تحدث فيه وهضمه وفهمه ولو كرره.

 لا تستأثر بالمجلس:
من قلة العلم وضحالة الفهم أن يستأثر طالب العلم بالحديث في المجلس مع زملائه وأقرانه ويمنعهم من الكلام إلا إذا سُئل أو طُلب منه أن يتحدث أما إذا تبرع هو بالثرثرة فهذه رعونة.

 طالب العلم إمام في الخير:
قال تعالى: [ واجعلنا للمتقين إماماً ] قيل في معناها: نأتم بغير ويأتم بنا غيرنا من الصالحين . ومن إمامة طالب العلم أن يكون مُسارعاً إلى الصف الأول في الصلاة مُحافظاً على السنن والنوافل سبّاقاً إلى الخيرات مُسارعاً إلى الصالحات.
كيف تكون مصيبة الناس بطالب العلم إذا صلى في بيته أو نام عن صلاة الفجر ؟ وقس على ذلك.

 أنظر بعينين:
يقولون من اكتفى بالحديث عن الفقه أو بالفقه عن الحديث كان كصاحب العين الواحدة لا يرى بالأخرى ، ومن جمع بينهما كان كصاحب العينين ومن فقدهما فهو أعمى.

 أمّن يُجيب المضطر إذا دعاه:
إذا صَعُبت عليك مسألة واستشكلت قضية فعليك بكثرة الدعاء والتضرع إلى الحي القيوم ، فلا يكشف الضر إلا هو ولا يحل العقد غيره: [ أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ].
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ضرعاً وعند الله منها المخرج

 دفتر الجيب لجمع الفوائد:
من طلبة العلم من يحمل بجيبه دفتراً للفوائد كلما سمع فائدة أو حكمة أو حديثاً أو بيتاً أو لطيفة سجلها واحتفظ بها وهذا سوف يكون ثري المعلومات واسع الإطلاع.

 لا تُحجم عن الإمامة والخطابة:
قد يُحجم البعض عن الإمامة بالناس وعن خُطبة الجمعة بحجة الخوف من الشهرة والظهور وهذه وسوسة ، وهل يستفيد طالب العلم ويحفظ وينتبه إلا إذا تصدر بالإخلاص ، إن الإمامة والخطابة تعين بعد الله تعالى على الحفظ والفهم وسعة الإطلاع والجرأة ثم هي من أشرف العبادات وهل كان محمد  إلا إماماً خطيباً .
تقدم فيهم شهماً إماماً ولولاه لما ركبوا وراءه

 أدب التصرف:
طالب العلم حكيم في تصرفاته أدبياً في إجراءاته فإذا زار إخوانه زارهم في وقت مناسب للزيارة وإذا اتصل بالهاتف اتصل في وقت مناسب للاتصال ، ما رأيك في طالب يتصل في ساعة متأخرة من الليل أو بعد الفجر أو عند القيلولة أهذا وقت كلام واتصال ؟!.

 الكامل من العلماء:
من فهم نصوص الشريعة كتاباً وسنة وأقوال سلف وعرف مع ذلك الواقع الذي يعيش فيه فأنزل النصوص منازلهم من الواقع فهو الكامل ومن عرف الواقع بلا علم كان كمن عرف المرض ولا علاج لديه ومن فهم النصوص ولم يعلم الواقع كان كمن عنده علاج وهو لا يعرف المرض.
فكن رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا

 لا تتقمص شخصية غيرك:
بعض الناس سريع الذوبان في غيره مغرم بالتقليد ينصهر بالحرارة وينكمش بالبرودة إذا أعجبه شخص قلده في كل شيء حتى في سعاله وعطاسه وتثاؤبه وضحكه وبكائه وهذا يدل على انهزام الإرادة وهزال الشخصية والرجل كل الرجل هو العصامي في شخصية يأخذ من الصالحين معاني الفضل التي فيهم كالكرم والصبر والحلم والشجاعة ويدع هذه الأمور الجبلية التي لا طائل لمحاكاتهم فيها.

 نظرة في كتاب المُحلى لابن حزم:
سمعت من يُحذّر طلبة العلم من القراءة في المحلى لابن حزم فحملت هذا التحذير على أحد سببين:
الأول:أن هذا المحذِّر مُقلّد تشبع بالتقليد لا يرى الخروج على المذهب طرفة عين وابن حزم في نظره عدو لهذا النهج أو لأن هذا المحذر ما قرأ المحلى وما مرَّ عليه.
صحيح أن المحلى فيه أمور لا يُوافق عليها كفيه القياس والتأويل في الصفات والنقد المرير للعلماء وبعض المسائل لكن أين الكنوز التي فيه من علم أصيل وتأصيل ودليل ونقل عجيب فاستفد يا طالب العلم منه ولا تسمع للمثبط.

 في ظلال القرآن لسيد قطب:
فيه مواضع كتأويل في بعض آيات الصفات وبعض الملاحظات ولكنه من أجمل ما كتب في موضوعه وهو يدل على صدق صاحبه وإخلاصه فطالعه يا طالب العلم وما أروع عباراته خاصة للخطيب والداعية.

 وسط بين طرفين:
لا أريدك أن تكون يا طالب العلم مُقلداً جامداً فالمقلد أعمى ولا أريدك أن تُهاجم العلماء وتستقل برأيك ، لا هذا ولا هذا والوسط الاعتصام بالدليل والاستفادة من كلام العلماء.

 قيد لا بُدَّ منه:
دعوى التمسك بالكتاب والسنة تدعيها كل طائفة حتى المبتدعة ولكن الفارق بينهم وبين أهل السنة في هذه الدعوى أن أهل السنة يدعون للتمسك بالكتاب والسنة على نهج الصحابة والسلف الصالح بمعنى أن نفهم الكتاب والسنة كما فهمها أولئك تماماً وهذا قيد لا بد منه.

 رأي طريف:
اشتغال طلبة العلم بكثرة التأليف تحصيل حاصل وتكثير للمكتبة الإسلامية ولو تفرغ طلبة العلم لتعليم الناس وتفهيمهم كتب السلف كان أجدى وأنفع ومن جرّب عرف.

 من أحسن كتب التفسير:
طفت في كثير من كتب التفسير فما رأيت مثل تفسيرين: تفسير ابن كثير وتفسير القرطبي وثالثها تفسير الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ، أما تفسير ابن جرير الطبري فطويل ولُبّه عند ابن كثير وأما فتح القدير فغالبه نحو وصرف وفيه فوائد وأما الخازن ففيه بدع ومخالفات وأما الرازي فطويل يسرح في أودية ويأتي بأوابد وزاد المسير من أجمع الكتب لأقوال المفسرين ولكن أين الأحاديث النبوية في التفسير.

 التصحيح والتضعيف أمر اجتهادي:
لا يلزم قول أحد في تصحيح حديث أو تضعيفه إذا خالفه إمام مثله إلا بمُرجحات وبعض الطلبة يُلزمون بعضهم بتصحيح أو تضعيف لأحد العلماء قد خالفهم قوم فلماذا يؤخذ بقول هذا ويُطرح قول ذلك.

 إذا سألك عامّي:
إن سألك عامي عن مسألة فاذكر الجواب الراجح الذي تطمئن إليه النفس ولا يلزمك أن تذكر له أقوال العلماء في المسألة فيقع في حيص بيص.

 الردود قسمان:
رد على كافر فهذا واجب ومن أحسن ما يكون [ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ] . ورد على مخالف في مسألة سبق فيها الخلاف عند السلف ولم يُجْمَع عليها فلا تُشغل نفسك بهذا الرد ، والله الموفق.

 إعارة الكتب:
لا تمنع مُسلماً من كتاب يُريد الاستفادة منه ولكن سجّل اسم المُستعير والكتاب ومُدّة الإعارة لتكون لك بينة فالبينة على المدعي واليمين على من أنكر.

 ترتيب المكتبة:
إما على الفنون أو على حروف المُعجم أو على المؤلفين وليكن لك فهرس إذا كثرت الكتب ودرج للمجلات الإسلامية والنشرات ليسهل مُراجعتها عند الحاجة.

 حبذا:
حبذا المُغني ولو خُرّجت أحاديثه ، وحبذا المجموع لو ترك وجوه الأصحاب من خرسانيين وعراقيين ، وحبذا المُحلى لو أثبت القياس وترك تجريح الناس ، وحبذا ابن كثير في التفسير لو أعرض عن بعض الإسرائيليات ، وحبذا التمهيد لو كان مُرتباً ، وحبذا زاد المعاد لو ترك الاستطراد ، وما سلم من النقص إلا كتاب الله عز وجل [ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا ].

 مع علماء الجرح والتعديل:
أبو حلتم والأزدي والجوزجاني مُتشددون ، والبخاري والنسائي والذهبي مُعتدلون ، وابن حبان والحاكم والترمذي مُتساهلون.

 عِلمان وإمامان:
إذا رأيت الرجل يضع من شأن أحمد بن حنبل فهو عدو للسنة وإذا رأيت الرجل يحط من قدر ابن تيمية فهو مخالف لمُعتقد السلف الصالح في الغالب.

 دعوة موفقة:
إنما نجحت دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى بعد توفيق الله لثلاثة أسباب:
1. إخلاص صاحبها.
2. لاعتصامه بالكتاب والسنة.
3. لمعرفته لواقعه ولانضمام من نصره بالسيف.

 أعوذ بالله من تغليظ المشايخ:
بعض الفضوليين همهم تغليظ العلماء وتعجيزهم بالأسئلة وليس المقصود الاستفادة وهؤلاء يُظهر الله للناس عوارهم وعثراتهم ، وعلمهم قليل البركة ضحل المنفعة نسأل الله التوفيق.

 الدعوة عند أهل السنة:
الدعوة عند أهل السنة على قسمين: دعوة العامة وهؤلاء يعلمون ما ينفعهم ولا يُشوّش أذهانهم.
دعوة الخاصة وهؤلاء يُناصحون سراً كولاة الأمر ولا تُذكر نصيحتهم على رؤوس العامة إذ لا مصلحة في ذلك.

 خير الخيرين وشر الشرين:
الفطن اللبق من يعرف خير الخيرين وشر الشرين ، أما معرفة الخير من الشر فكل الناش يعرفه ، وعلى طالب العلم عند دعوته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أن ينظر في المصلحة وتحقيقها ويبدأ بالكبار قبل الصغار من الأمور أي الأولويات. هل يصح أن تنكر تعليق صورة في مكان لا يُصلي أصحابه ، أو تُطالب قوماً يشربون الخمر بترك الإسبال.
ووضع الندى في موضع السيف في العُلا مضر كوضع السيف في موضع الندى

 ختاماً:
في الختام أزجي لك تحياتي يا طالب العلم ودعائي لك بالتوفيق ولعلك تدعو لي معك بالهداية والثبات ، أسأل الله تعالى أن يفغر لي ولك وأن يشرح صدري وصدرك للإسلام وسلام عليك ورحمة الله وبركاته وصلى الله على محمد وآله وصحبه ، وإلى لقاء.

محبكم: عائض بن عبدالله القرني

كتاب كامل .. 30 سبباً للسعادة .د . عائض القرني .

كتاب كامل .. 30 سبباً للسعادة .د . عائض القرني .

   

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه …. وبعد:
فهذه رسالة مختصرة , سَطَّرَ بنات أفكارها القلم وقضاهن في يومين بجوار بيت الله الحرام في مهبط الوحي . عصرت فيها عشرات الكتب في باب البحث عن السعادة، ولم أثقل عليك بالأسماء والأرقام والمراجع والنقولات، بل شذبتها وهذبتها جهدي عسى الله أن ينفعني وإياك بها في الدنيا والآخرة . إنها تدعوك إلى حياة طيبة آمنة مطمئنة .
ولك إن شئت أن تكرر قراءتها وأن تعيد جملها وأن تضع خطوطاً تحت كلماتها، وأن تطالب نفسك بتنفيذ قراراتها والعمل بإرشاداتها، ولعلها أن تقرأ على الأسرة في البيت وعلى المنبر في المسجد ، وفي درس الوعظ على الناس . إنها أشبه بغصن الريحان خفيف المحمل طيب الرائحة، توضع في درج المكتب وبجوار مخدة النوم .
واسأل نفسك عند قراءتك لها: هل تغير في ذهنك شيء؟ هل ترى أثرآ في روحك؟ لعل ذلك أن يكون وهذا الذي أريد ، والله من وراء القصد وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبت .

عائض القرني
الرياض
ت 014625398

السبب الأول
فكر واشكر
والمعنى أن تذكر نعم الله عليك , فإذا هي تغمرك من فوقك ومن تحت قدميك (( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها )) صحة في بدن، أمن في وطن، غذاء وكساء، وهواء وماء، لديك الدنيا وأنت ما تشعر، تملك الحياة وأنت لا تعلم (( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنةً )) عندك عينان، ولسان وشفتان، ويدان ورجلان (( فبأي آلاء ربكما تكذبان )) . هل هي مسألة سهلة أن تمشي على قدميك، وقد بترت أقدام, وأن تعتمد على ساقيك، وقد قطعت سوق، أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير، وأن تملاً معدتك من الطعام الشهي، وأن تكرع من الماء البارد وهناك من عكر عليه الطعام، ونغص عليه الشراب بأمراض وأسقام . تفكر في سمعك وقد عوفيت من الصمم، وتأمل في نظرك وقد سلمت من العمى، وانظر إلى جلدك وقد نجوت من البرص والجذام، والمح عقلك وقد أنعم عليك بحضوره ولم تفجع بالجنون والذهول.
أتريد في بصرك وحده كجبل أحد ذهباَ، أتحب بيع سمعك وزن ” ثهلان ” فضة، هل تشتري قصور الزهراء بلسانك فتكون أبكما، هل تقايض بيديك مقابل عقود اللؤلؤ والياقوت لتكون أقطع، إنك في نعم عميمة وأفضال جسيمة، ولكنك لا تدري . تعيش مهموماً مغموماً حزيناً كئيباً وعنك الخبز والدفء، والماء البارد، والنوم الهانىء، والعافية الوارفة، تتفكر في المفقود ولا تشكر الموجود، تنزعج من خسارة مالية وعندك مفتاح السعادة، وقناطير مقنطرة من الخير والمواهب والنعم والأشياء، فكر واشكر (( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )) فكر في نفسك، وأهلك، وبيتك، وعملك، وعافيتك، وأصدقائك، والدنيا من حولك (( يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها )) .

السبب الثاني
ما مضى فات
تذكر الماضي والتفاعل معه واستحضاه، والحزن لمآسيه حمقٌ وجنون، وقتل للإرادة وتبديد للحياة الحاضرة . إن ملف الماضي عند العقلاءً يطوى ولا يروى، يغلق عليه أبدا في زنزانة النسيان، يقيد بحبال قوية في سجن الإهمال فلا يخرج أبداً، ويوصد عليه فلا يرى النور، لأنه مضى وانتهى، لا الحزن يعيده، لا الهم يصلحه، لا الغم يصححه، لا الكدر يحيـيه لأنه عدم . لا تعش في كابوس الماضي وتحت مظلة الفائت، أنقذ نفسك من شبح الماضي، أتريد أن ترد النهر إلى مصبه والشمس إلى مطلعها، والطفل إلى بطن أمه، واللبن إلى الثدي، والدمعة إلى العين، إنك بتفاعلك مع الماضي، وقلقلك منه واحتراقك بناره، وانطراحك على أعتابه تعيش وضعاً مأساوياً رهيباً مخيفاً مفزعاً.
القراءة في دفتر الماضي ضياع للحاضر، وتمزيق للجهد، ونسف للساعة الراهنة، ذكر الله الأمم وما فعلت ثم قال: (( تلك أمةٌ قد خلت )) انتهى الأمر وقضي، ولا طائل من تشريح جثة الزمان، وإعادة عجلة التاريخ .
إن الذي يعود للماضي كالذي يطحن الطحين وهو مطحون أصلاً، وكالذي ينشر نشارة الخشب . وقديماً قالوا لمن يبكي على الماضي: لا تخرج الأموات من قبورهم، وقد ذكر من يتحدث على ألسنة البهائم أنهم قالوا للحمار لم لا تجتر ؟ قال: أكره الكذب .
إن بلاءنا أننا نعجز عن حاضرنا ونشتغل بماضينا , نهمل قصورنا الجميلة، ونندب الأطلال البالية، ولئن اجتمعت الإنس والجن على إعادة ما مضى لما استطاعوا لأن هذا هو المحال بعينه .
إن الناس لا ينظرون إلى الوراء ولا يلتفتون إلى الخلف؛ لأن الريح تتجه إلى الأمام والماء ينحدر إلى الأمام والقافلة تسير إلى الأمام، فلا تخالف سنة الحياة .

السبب الثالث
يومك يومك
إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، اليوم فحسب ستعيش، فلا أمس الذي ذهب بخيره وشره، ولا الغد الذي لم يأت إلى الآن . اليوم الذي أظـلتك شمسه، وأدركك نهاره هو يومك فحسب، عمرك يوم واحد، فاجعل في خلدك العيش لهذا اليوم وكأنك ولدت فيه وتموت فيه , حينها لا تتعثر حياتك بين هاجس الماضي وهمه وغمه، وبين توقع المستقبل وشبحه المخيف وزحفه المرعب، لليوم فقط اصرف تركيزك واهتمامك وإبداعك وكدك وجدك، فلهذا اليوم لا بد أن تقدم صلاة خاشعة وتلاوة بتدبر واطلاعاً بتأمل، وذكراً بحضور، واتزاناً في الأمور، وحسناً في خلق، ورضاً بالمقسوم، واهتماماً بالمظهر، واعتناءً بالجسم، ورضاَ بالمقسوم، واهتماماً بالمظهر، واعتناءً بالجسم، ونفعاً للآخرين .
لليوم هذا الذي أنت فيه فتقسم ساعاته وتجعل من دقائقه سنوات، ومن ثوانيه شهور، تزرع فيه الخير، تسدي فيه الجميل تستغفر فيه من الذنب، تذكر فيه الرب، تتهيأ للرحيل، تعيش هذا اليوم فرحاً وسروراً، وأمناَ وسكينة، ترضى فيه برزقك، بزوجتك، بأطفالك بوظيفتك، ببيتك، بعلمك، بمستواك (( فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين )) تعيش هذا اليوم بلا حزن ولا انزعاج، ولا سخط، ولا حقد، ولا حسد .
إن عليك أن تكتب على لوح قـلبك عبارة واحدة تجعلها أيضاَ على مكتبك , تقول العبارة: يومك يومك .
إذا أكلت خبزاً حاراً شهياً هذا اليوم فهل يضرك خبز الأمس الجاف الرديء، أو خبز غد الغائب المنتظر .
إذا شربت ماءً عذباَ زلالاً هذا اليوم، فلماذا تحزن من ماء أمس الملح الأجاج، أو ماء غدٍ الآسن الحار .
إنك لو صدقت مع نفسك بإرادة فولاذية صارمة عارمة لأخضعتها لنظرية: لن أعيش إلا هذا اليوم .
حينها تستغل كل لحظة في هذا اليوم في بناء كيانك وتنمية مواهبك، وتزكية عملك ، فتقول: لليوم فقط أهذب ألفاظي فلا أنطق هجراً أو فحشاً، أو سباً، أو غيبة، لليوم فقط سوف أرتب بيتي ومكتبتي، فلا ارتباك ولا بعثرة ، وإنما نظام ورتابة . لليوم فقط سوف أعيش فأعتني بنظافة جسمي ، وتحسين مظهري والاهتمام بهندامي ، والاتزان في مشيتي وكلامي وحركاتي .
لليوم فقط سأعيش فأجتهد في طاعة ربي، وتأدية صلاتي على أكمل وجه، والتزود بالنوافل، وتعاهد مصحفي، والنظر في كتبي، وحفظ فائدة، ومطالعة كتاب نافع .
لليوم فقط سأعيش فأغرس في قلبي الفضيلة وأجتث منه شجرة الشر بغصونها الشائكة من كبر وعجب ورياء وحسد وحقد وغل وسوء ظن .
لليوم فقط سوف أعيش فأنفع الآخرين , وأسدي الجميل إلى الغير، أعود مريضاً، أشيع جنازة، أدل حيران، أطعم جائعاً، أفرج عن مكروب، أقف مع مظلوم، أشفع لضعيف، أواسي منكوباً، أكرم عالماً، أرحم صغيراً، أجل كبيراً .
لليوم فقط سأعيش فيا ماضٍ ذهب وانتهى : اغرب كشمسك فلن أبكي عليك ولن تراني أقف لأتذكرك لحظة ؛ لأنك تركتنا وهجرتنا وارتحلت عنا ولن تعود إلينا أبد الآبدين .
ويا مستقبل أنت في عالم الغيب فلن أتعامل مع الأحلام، ولن أبيع نفسي مع الأوهام ولن أتعجل ميلاد مفقود ؛ لأن غداً لا شيء لأنه لم يخلق ولأنه لم يكن مذكوراً .
يومك يومك أيها الإنسان أروع كلمة في قاموس السعادة لمن أراد الحياة في أبهى صورها وأجمل حللها .

السبب الرابع
اترك المستقبل حتى يأتي
(( أتى أمر الله فلا تستعجلوه )) لا تستبق الأحداث، أتريد اجهاض الحمل قبل تمامه ، وقطف الثمرة قبل النضج ، إن غداً مفقود لا حقيقة له ، ليس له وجود ولا طعم ولا لون ، فلماذا نشغل أنفسنا به ونتوجس من مصائبه ونهتم لحوادثه ونتوقع كوارثه، ولا ندري هل يحال بيننا وبينه أو نلقاه فإذا هو سرور وحبور ، المهم أنه في عالم الغيب لم يصل إلى الأرض بعد . إن علينا أن لا نعبر جسراً حتى نأتيه، ومن يدري؟ لعلنا ننفق قبل وصول الجسر، أو لعل الجسر ينهار قبل وصولنا، وربما وصلنا الجسر ومررنا عليه بسلام .
إن إعطاء الذهن مساحة أوسع للتفكير في المستقبل وفتح كتاب الغيب ثم الاكتواء بالمزعجات المتوقعة ممقوتٌ شرعاً؛ لأنه طول أمل، ومذموم عقلاً ؛ لأنه مصارعة للظل. إن كثيراً من هذا العالم يتوقع في مستقبله الجوع والعري والمرض والفقر والمصائب، وهذا كله من مفردات مدارس الشيطان (( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ولله يعدكم مغفرةً منه وفضلاً )) .
كثيرٌ هم الذين يبكون ؛ لأنهم سوف يجوعون غداً، وسوف يمرضون بعد سنة، وسوف ينتهي العالم بعد مائة عام . إن الذي عمره في يد غيره لا ينبغي له أن يراهن على العدم ، والذي لا يدري متى يموت لا يجوز له الاشتغال بشيء مفقود لا حقيقة له .
اترك غداً حتى يأتيك ، لا تسأل عن أخباره ، لا تنتظر زحفه ؛ لأنك مشغول باليوم .
وإن تعجب فعجبٌ هؤلاء يقترضون الهم نقداً ليقضوه نسيئة في يوم لم تشرق شمسه ولم ير النور، فحذار من طول الأمل .

السبب الخامس
كيف تواجه النقد الآثم
الرقعاء السخفاء سبوا الخالق الرازق جل في علاه، وشتموا الواحد الأحد لا إله إلا هو، فماذا أتوقع أنا وأنت ونحن أهل الحيف والخطأ ، إنك سوف تواجه في حياتك حرباً ضروساً لا هوادة فيها من النقد الآثم المر، ومن التحطيم المدروس المقصود، ومن الإهانة المتعمدة ما دام أنك تعطي وتبني وتؤثر وتسطع وتلمع، ولن يسكن هؤلاء عنك حتى تتخذ نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتفر من هؤلاء، أما وأنت بين أظهرهم فانتظر منهم ما يسوؤك ويبكي عينك، ويدمي مقلتك، ويقض مضجعك .

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالناس أعداءٌ له وخصوم

إن الجالس على الأرض لا يسقط، والناس لا يرفسون كلباً ميتاً، لكنهم يغضبون عليك لأنك فقـتهم صلاحاً، أو علماً، أو أدباً، أو مالاً، فأنت عندهم مذنب لا توبة لك حتى تترك مواهبك ونعم الله عليك، وتنخلع من كل صفات الحمد، وتنسلخ من كل معاني النبل، وتبقى بليداً غبيًا، صفراً محطماً، مكدوداً , هذا ما يريدون بالضبط .
إذاَ فاصمد لكلام هؤلاء ونقدهم وتشويههم وتحقيرهم ” اثبت أحد” وكن كالصخرة الصامتة المهيبة تتـكسر عليها حبات البر لتثبت وجودها وقدرتها على البقاء . إنك إن أصغيت لكلام هؤلاء وتفاعلت معه حققت أمنيتهم الغالية في تعكير حياتك وتكدير عمرك ، ألا فاصفح الصفح الجميل، ألا فأعرض عنهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن نقدهم السخيف ترجمة محترمة لك ، وبقدر وزنك يكون النقد الآثم المفتعل .
إنك لن تستطيع أن تغلق أفواه هؤلاء ولن تستطيع أن تعتقل ألسنتهم لكنك تستطيع أن تدفن نقدهم وتجنيهم بتجافيك لهم، وإهمالك لشأنهم، وإطراحك لأقوالهم (( قل موتوا بغيظكم ))

ما أبالي أنب بالحزن تيس
أو لحني بظهر غيب لئيم

بل تستطيع أن تصب في أفواههم الخردل بزيادة فضائلك وتربية محاسنك وتقويم اعوجاجك .

إذا محاسني اللاتي أدل بها
كانت عيوبي فقل لي كيف أعتذر

إن كنت تريد أن تكون مقبولاً عند الجميع محبوباً لدى الكل سليماً من العيوب عند العالم فقد طلبت مستحيلاً وأملت أملاً بعيداً .
قال حاتم :

وكلمة حاسدٍ من غير جرم
سمعتُ فقلت مري فانفذيني
وعابوها علي ولم تعبني
ولم يند لها أبداً جبيني

السبب السادس
لا تنتظر شكراً من أحد
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
خلق الله العباد ليذكروه ورزق الله الخليقة ليشكروه، فبعد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه؛ لأن طبيعة الجحود والنكران والجفاء وكفران النعم غالبة على النفوس، فلا تصدم إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وأحرقوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء إلا لأنك أحسنت إليهم (( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله )) .
وطالع سجل العالم المشهود، فإذا في فصوله قصة أب ربى ابنه وغذاه وكساه وأطعمه وسقاه، وأدبه، وعلمه، سهر لينام، وجاع ليشبع، وتعب ليرتاح، فلما طر شاب هذا الابن وقوي ساعده، أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافاً، ازدراءً، مقتاً، عقوقاً، صراخاً، عذاباً وبيلا ً.
ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفطر، ومحطمي الإرادات، وليهنؤوا بعوض المثوبة عند من لا تنفذ خزائنه .
إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل، وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتـئس بما كانوا يصنعون .
اعمل الخير لوجه الله، لأنك الفائز على كل حال، ثم لا يضر غمط من غمطه، ولا جحود من جحده، واحمد الله لأنك المحسن، وهو المسيء، واليد العليا خير من اليد السفلى (( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً )) .
وقد ذهل كثير من العقلاء من جبلة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل وهو ينعي على الصنف عتوه وتمرده (( مر كأن لم يدعنا إلى ضرٍ مسه)) لا تفاجاً إذا أهديت بليداً قلماً فكتب به هجاءك، أو منحت جافياً عصاً يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جل في علاه، فكيف بها معي ومعك .

أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني

السبب السابع
الإحسان إلى الغير انشراح للصدر
الجميل كاسمه، والمعروف كرسمه، والخير كطعمه. أول المستفيدين من إسعاد الناس هم المتفضلون بهذا الإسعاد، يجنون ثمراته عاجلاً في نفوسهم، وأخلاقهم، وضمائرهم، فيجدون الانشراح، والانبساط، والهدوء والسكينة .
فإذا طاف بك طائف من هم أو ألم بك غم فامنح غيرك معروفاً وأسدِ لهم جميلاً تجد الفرج والراحة. أعط محروماً، انصر مظلوماً، أنقذ مكروباً، أطعم جائعاً، عد مريضاً، أعن منكوباً، تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك .
إن فعل الخير كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وعوائد الخير النفسية عقاقير مباركة تصرف في صيدلية الذين عمرت قلوبهم بالبر والإحسان .
إن توزيع البسمات المشرقة على فقراء الأخلاق صدقة جارية في عالم القيم ” ولو أن تلقى أخاك بوجه طـلق ” وإن عبوس الوجه إعلان حرب ضروس على الآخرين لا يعلم قيامها إلا علام الغيوب .
شربة ماء من كف بغي لكلب عقور أثمرت دخول جنة عرضها السماوات والأرض لأن صاحب الثواب غفور شكور جميل، يحب الجميل، غني حميد .
يا من تهددهم كوابيس الشقاء والفزع والخوف هلموا إلى بستان المعروف وتشاغلوا بالخير، عطاء وضيافة ومواساة وإعانة وخدمة وستجدون السعادة طعماً ولوناً وذوقاً (( وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى(19)إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى(20) ولسوف يرضى )) .

السبب الثامن
أطرد الفراغ بالعمل
الفارغون في الحياة هم أهل الأراجيف والشائعات لأن أذهانهم موزعة (( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف )).
إن أخطر حالات الذهن يوم يفرغ صاحبه من العمل فيبقى كالسيارة المسرعة في انحدار بلا سائق تجنح ذات اليمين وذات الشمال .
يوم تجد في حياتك فراغاً فتهيأ حينها للهم والغم والفزع؛ لأن هذا الفراغ يسحب لك كل ملفات الماضي والحاضر والمستقبل من أدراج الحياة فيجعلك في أمر مريج، ونصيحتي لك ولنفسي أن تقوم بأعمال مثمرة بدلاً من هذا الاسترخاء القاتل لأنه وأدٌ خفي، وانتحار بكبسول مسكن .
إن الفراغ أشبه بالتعذيب البطيء الذي يمارس في سجون الصين بوضع السجين تحت أنبوب يقطر كل دقيقة قطرة، وفي فترات انتظار هذه القطرات يصاب السجين بالجنون .
الراحة غفلة، والفارغ لص محترف، وعقلك هو فريسة ممزقة لهذه الحروب الوهمية .
إذاَ قم الآن صل أو اقرأ، أو سبح أو طالع، أو اكتب، أو رتب مكتبتك، أو اصلح بيتك، أو انفع غيرك حتى تقضي على الفراغ وإني لك من الناصحين .
اذبح الفراغ بسكين العمل، ويضمن لك أطباء العالم 50% من السعادة مقابل هذا الإجراء الطارئ فحسب، انظر إلى الفلاحين والخبازين والبناءين يغردون بالأناشيد كالعصافير في سعادة وراحة وأنت على فراشك تمسح دموعك وتضطرب كأنك ملدوغ .

السبب التاسع
لا تكن إمعة
لا تتقمص شخصية غيرك ولا تذب في الآخرين. إن هذا هو العذاب الدائم، وكثير هم الذين ينسون أنفسهم وأصواتهم وحركاتهم، وكلامهم، ومواهبهم، وظروفهم، لينصهروا في شخصيات الآخرين، فإذا التكلف والصلف، والاحتراق، والإعدام للكيان وللذات .
وآدم إلى آخر الخليقة لم يتفق اثنان في صورة واحدة، فلماذا يتفقون في المواهب والأخلاق .
أنت شيء آخر لم يسبق لك في التاريخ مثال ولن يأتي مثلك في الدنيا شبيه .
أنت مختلف تماماً عن زيد وعمرو فلا تحشر نفسك في سرداب التقليد والمحاكاة والذوبان .
انطلق على هيئتك وسجيتك (( قد علم كل أناسٍ مشربهم )) (( ولكلٍ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات )) عش كما خلقت لا تغير صوتك، لا تبدل نبرتك، لا تخلف مشيتك، هذب نفسك بالوحي، ولكن لا تلغي وجودك وتقتل استقلالك .
أنت لك طعم خاص ولون خاص ونريدك أنت بلونك هذا وطعمك هذا، لأنك خلفت هكذا وعرفناك هكذا ” لا يكن أحدكم إمعة ” .
إن الناس في طبائعهم أشبه بعالم الأشجار . حلو وحامض، وطويل وقصير، وهكذا فليكونوا . فإن كنت كالموز فلا تتحول إلى سفرجل ؛ لأن جمالك وقيمتك أن تكون موزاً ، إن اختلاف ألواننا وألسنتنا ومواهبنا وقدراتنا آية من آيات الباري فلا تجحد آياته .

السبب العاشر
قضاء وقدر
(( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها )) , جف القلم، رفعت الصحف، قضي الأمر، كتبت المقادير، لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ما أصابك لم يكن ليخطأك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك .
إن هذه العقيدة إذا رسخت في نفسك وقرت في ضميرك صارت البلية عطية، والمحنة منحة، وكل الوقائع جوائز وأوسمة ” من يرد الله به خيراً يصب منه ” فلا يصيبك قلق من مرض أو موت ابن، أو خسارة مالية، أو احتراق بيت، فإن الباري قد قدر والقضاء قد حل، والاختيار هكذا، والخيرة لله، والأجر حصل والذنب كُفِّرَ .
هنيئاً لأهل المصائب صبرهم ورضاهم عن الآخذ، المعطي، القابض، الباسط، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ولن تهدأ أعصابك وتسكن بلابل نفسك، وتذهب وساوس صدرك حتى تؤمن بالقضاء والقدر، جف القلم بما أنت لاق، فلا تذهب نفسك حسرات، لا تظن أنه كان بوسعك إيقاف الجدار أن ينهار، وحبس الماء أن ينسكب، ومنع الريح أن تهب، وحفظ الزجاج أن ينكسر، هذا ليس بصحيح على رغمي ورغمك، وسوف يقع المقدور، وينفذ القضاء، ويحل المكتوب (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) .
استسلم للقدر قبل أن تطوق بجيش السخط والتذمر والعويل، اعترف بالقضاء قبل أن يدهمك سيل الندم، إذاَ فليهدأ بالك إذا فعلت الأسباب، وبذلت الحيل، ثم وقع ما كنت تحذر، فهذا هو الذي كان ينبغي أن يقع، ولا تقل ” لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل”.

السبب الحادي عشر
إن مع العسر يسراً
يا إنسان بعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ري، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، سوف يصل الغائب ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام (( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده )) .
بشر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال، ومسارب الأودية، بشر المهموم بفرج مفاجئ يصل في سرعة الضوء ولمح البصر، بشر المنكوب بلطف خفي وكف حانية وادعة .
إذا رأيت الصحراء تمتد، فاعلم أن ورائها رياضاً خضراء وارفة الظلال .
إذا رأيت الحبل يشتد يشتد، فاعلم أنه سوف ينقطع .
أحسن كلمة قالها العرب في الجاهلية :
الغمرات ثم ينـلجنّه
ثم يذهبن ولا يجنّه
مع الدمعة بسمة، ومع الخوف أمناً، ومع الفزع سكينة، النار لا تحرق إبراهيم التوحيد؛ لأن الرعاية الربانية فتحت نافذة برداً وسلاماً .
البحر لا يغرق كليم الرحمن؛ لأن الصوت القوي الصادق نطق بكلا إن معي ربي سيهدين .
المعصوم في الغار بَشَّرَ صاحبه بأنه وحده معنا فـتـنـزل الأمن والفتح والسكينة .
إن عبيد ساعدتهم الراهنة وأرقاء ظروفهم القاتمة لا يرون إلا النكد والضيق والتعاسة، لأنهم لا ينظرون إلا إلى جدار الغرفة وباب الدار فحسب . ألا فليمدوا أبصارهم وراء الحجب وليطلقوا أعنة أفكارهم إلى ما وراء الأسوار .
إذاَ فلا تضق ذرعاَ فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج، الأيام دول، والدهر قلب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، وإن مع العسر يسراَ .

السبب الثاني عشر
اصنع من الليمون شراباً حلواً
الذكي الأريب يحول الخسائر إلى أرباح، والجاهل الرعديد يجعل المصيبة مصيبتين .
طرد الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة فأقام في المدينة دولة ملأت سمع التاريخ وبصره .
سجن أحمد بن حنبل وجلد، فصار إمام أهل السنة، وحبس ابن تيمية، فأخرج من حبسه علماً جماً، ووضع السرخسي في قعر بئر معطلة، فأخرج عشرين مجلداً في الفقه، وأقعد ابن الأثير فصنف جامع الأصول والنهاية من أشهر وأنفع كتب الحديث، ونفي ابن الجوزي من بغداد، فجود القراءات السبع، وأصابت حمى الموت مالك بن الريب، فأرسل للعالمين قصيدته الرائعة الذائعة التي تعدل دواوين شعراء الدولة العباسية، ومات أبناء أبي ذؤيب الهذلي فرثاهم بإلياذة أنصت لها الدهر، وذهل منها الجمهور، وصفق لها التاريخ .
إذا داهمتك داهية فانظر في الجانب المشرق منها، وإذا ناولك أحدهم كوب ليمون فأضف إليه حفنة من سكر، وإذا أهدى لك ثعباناً فخذ جلده الثمين واترك باقيه، وإذا لدغتك عقرب فاعلم أنه مصل واقي ومناعة حصينة صد سم الحيات .
تكيف في ظرفك القاسي لتخرج لنا منه زهراً وورداً وياسميناً، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً .
سجنت فرنسا قبل ثورتها العارمة شَاعِرَيْن مجيدين : متفائلاً ومتشائماً , فأخرجا رؤوسهما من نافذة السجن .
فأما المتفائل فنظر نظرة في النجوم فضحك . وأما المتشائم فنظر إلى الطين في الشارع المجاور فبكى .
انظر إلى الوجه الآخر للمأساة؛ لأن الشر المحض ليس موجوداً بل هناك خير ومكسب وفتح وأجر .

السبب الثالث عشر
أمن يجيب المضطر إذا دعاه
من الذي يفزع إليه المكروب، ويستغيث به المنكوب، وتصمد إليه الكائنات وتسأله المخلوقات وتلهج بذكره الألسن، وتألهه القلوب إنه الله لا إله إلا هو .
وحق علي وعليك أن ندعوه في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، ونفزع إليه في الملمات، ونتوسل إليه في الكربات، وننطرح على عتبات بابه سائلين باكين ضارعين منيـبـيـن، حينها يأتي مدده ويصل عونه ويسرع فرجه، ويحل فتحه (( أمن يجيب المضطر إذا دعاه )) فينجي الغريق ويرد الغائب، ويعافي المبتـلى، وينصر المظلوم، ويهدي الضال، ويشفي المريض، ويفرج عن المكروب (( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين )) .
ولن أسرد عليك هنا أدعية إزاحة الهم والغم والحزن والكرب، ولكن أحيلك إلى كتب السنة لتتعلم شريف الخطاب معه فتناجيه وتناديه وتدعوه وترجوه، فإن وجدته وجدت كل شيء، وإن فقدت الإيمان به فقدت كل شيء، إن دعاءك ربك عبادة أخرى، وطاعة عظمى ثانية فوق حصول المطلوب، وإن عبداَ يجيد فن الدعاء حري أن لا يهتم ولا يغتم ولا يقلق، كل الحبال تتصرم إلا حبله، كل الأبواب توصد إلا بابه، وهو قريب سميع مجيب، يجيب المضطر إذا دعاه . يأمرك وأنت الفقير الضعيف المحتاج، وهو الغني القوي الواحد الماجد، بأن تدعوه (( ادعوني أستجب لكم )) .
إذا نزلت بك النوازل وألمت بك الخطوب، فالهج بذكره، واهتف باسمه، واطلب مدده واسأله فتحه ونصره، مرغ الجبين لتقديس اسمه، لتحصل على تاج الحرية، وأرغم الأنف في طين عبوديته لتحوز وسام النجاة . مد يديك، أرفع كفيك، أطلق لسانك، أكثر من طلبه، بالغ في سؤاله، ألح عليه، الزم بابه، انتظر لطفه، ترقب فتحه، أشد باسمه، أحسن ظنك فيه، انقطع إليه، تبتل إليه تبتيلاً حتى تسعد وتفلح .

السبب الرابع عشر
وليسعك بيتك
العزلة الشرعية السنية: بعدك عن الشر وأهله، والفارغين واللاهين والفوضويين، فيجتمع عليك شملك، يهدأ بالك، ويرتاح خاطرك، ويجود ذهنك بدرر الحكم ويسرح طرفك في بستان المعادن .
إن العزلة عن كل ما يشغل عن الخير والطاعة دواء عزيز , جربه أطباء القلوب فنجح أيما نجاح ، وأنا أدلك عليه . في العزلة عن الشر واللغو وعن الدهماء تلقيح للفكر، وإقامة لناموس الخشية، واحتفال بمولد الإنابة والتذكر، وإنما كان الاجتماع المحمود والاختلاط الممدوح في الصلوات والجمع ومجالس العلم والتعاون على الخير، أما مجالس البطالة والعطالة فحذار حذار، اهرب بجلدك ، ابك على خطيئتك، وامسك عليك لسانك، وليسعك بيتك . الاختلاط الهمجي حرب شعواء على النفس ، وتهديد خطير لدنيا الأمن والاستقرار في نفسك ؛ لأنك تجالس أساطين الشائعات وأبطال الأراجيف ، وأساتذة التبشير بالفتن والكوارث والمحن ، حتى تموت كل يوم سبع مرات قبل أن يصلك الموت (( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً )) .

وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا

إذاً فرجائي الوحيد إقبالك على شأنك والانزواء في غرفتك إلا من قول خير أو فعل خير، حينها تجد قلبك عاد إليك، فسلم وقتك من الضياع، وعمرك من الإهدار، ولسانك من الغيبة، وقلبك من القلق، وأذنك من الخنا ونفسك من سوء الظن، ومن جرب عرف، ومن أركب نفسه مطايا الأوهام، واسترسل مع العوام فقل عليه السلام .

السبب الخامس عشر
العوض من الله
لا يسلبك الله شيئاً إلا عوضك خيراً منه، إذا صبرت واحتسبت ” من أخذت حبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة ” يعني عينيه , ” من سلبت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب عوضته من الجنة ” من فقد ابنه وصبر بني له بيت الحمد في الخلد، وقس على هذا المنوال فإن هذا مجرد مثال .
فلا تأسف على مصيبة فإن الذي قدرها عنده جنة وثواب وعوض وأجر عظيم .
إن أولياء الله المصابين المبتلين ينوه بهم في الفردوس (( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )) .
وحق علينا أن ننظر في عوض المصيبة وفي ثوابها وفي خلفها الخير (( أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون )) هنيئاَ للمصابين ، وبشرى للمنكوبين .
إن عمر الدنيا قصير وكنزها حقير ، والآخرة خير وأبقى فمن أصيب هنا كوفي هناك ، ومن تعب هنا ارتاح هناك، أما المتعـلقون بالدنيا العاشقون لها الراكنون إليها، فأشد ما على قلوبهم فوت حظوظهم منها وتنغيص راحتهم فيها لأنهم يريدونها وحدها فلذلك تعظم عليهم المصائب وتكبر عندهم النكبات لأنهم ينظرون تحت أقدامهم فلا يرون إلا الدنيا الفانية الزهيدة الرخيصة .
أيها المصابون ما فات شيء وأنتم الرابحون ، فقد بعث لكم برسالة بين أسطرها لطف وعطف وثواب وحسن اختيار إن على المصاب الذي ضرب عليه سرادق المصيبة أن ينظر ليرى أن النتيجة (( فضرب بينهم بسورٍ لهُ باب باطنهُ فيه الرحمة وظاهره من قبله العذابُ )) وما عند الله خير وأبقى وأهنأ وأمرأ وأجل وأعلى .

السبب السادس عشر
الإيمان هو الحياة
الأشقياء بكل معاني الشقاء هم المفلسون من كنوز الإيمان، ومن رصيد اليقين، فهم أبداً في تعاسة وغضب ومهانة وذلة (( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا )) .
لا يسعد النفس ويزكيها ويهزها ويفرحها ويذهب غمها وهمها وقلقها إلا الإيمان بالله رب العالمين، لا طعم للحياة أصلاً إلا بالإيمان .
إذا الإيمان ضاع فلا حياة
ولا دنيا لمن لم يحي دينا
إن الطريقة المثلى للملاحدة إن لم يؤمنوا أن ينتحروا ليريحوا أنفسهم من هذه الآصار والأغلال والظـلمات والدواهي ، يا لها من حياة تعيسة بلا إيمان، يالها من لعنة أبدية حاقت بالخارجين على منهج الله في الأرض (( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرةٍ ونذرهم في ظغيانهم يعمهون )) وقد آن الآوان للعالم أن يقتنع كل القناعة وأن يؤمن كل الإيمان بأن لا إله إلا الله بعد تجربة طويلة شاقة عبر قرون غابرة توصل بعدها العقل إلى أن الصنم خرافة والكفر لعنة، والإلحاد كذبة، وأن الرسل صادقون، وأن الله حق , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
وبقدر إيمانك قوة وضعفاً، حرارة وبرودة، تكون سعادتك وراحتك وطمأنينتك .
(( من عمل صلحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )) وهذه الحياة الطيبة هي استقرار نفوسهم لحسن موعد ربهم، وثبات قلوبهم بحب باريهم، وطهارة ضمائرهم من أوضاع الانحراف، وبرود أعصابهم أمام الحوادث، وسكينة قلوبهم عند وقع القضاء ورضاهم في مواطن القدر؛ لأنهم رضوا بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا .

السبب السابع عشر
اجن العسل ولا تكسر الخلية

الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، اللين في الخطاب, البسمة الرائقة على المحيا، الكلمة الطيبة عند اللقاء، هذه حلل منسوجة يرتديها السعداء، وهي صفات المؤمن كالنحلة تأكل طيباً وتصنع طيباً، وإذا وقعت على زهرة لا تكسرها لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف . إن من الناس من تشرأب لقدومهم الأعناق، وتشخص إلى طلعاتهم الأبصار، وتحييهم الأفئدة وتشيعهم الأرواح؛ لأنهم محبوبون في كلامهم , في أخذهم وعطائهم، في لقائهم ووداعهم .
إن اكتساب الأصدقاء فن مدروس يجيده النبلاء الأبرار، فهم محفوفون دائماً وأبداً بهالة من الناس , إن حضروا فالبشر والأنس، وإن غابوا فالسؤال والدعاء .
سهرنا ونام الركب والليل مسرف
وكنت حديث الركب في كل منزل
إن هؤلاء السعداء لهم دستور أخلاق عنوانه(( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميمٌ )) فهم يمتصون الأحقاد بعاطفتهم الجياشة، وحلمهم الدافيء، وصفحهم البريء، يتناسون الإساءة ويحفظون الإحسان، تمر بهم الكلمات النابية فلا تلج آذانهم بل تذهب بعيداً هناك إلى غير رجعة . هم في راحة والناس منهم في أمن والمسلمون منهم في سلام ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دماءهم وأموالهم ” , ” إن الله أمرني أن أصل من قطعني وأن أعفو عمن ظلمني وأن أعطي من حرمني ” , (( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس )) بشر هؤلاء بثواب عاجل من الطمأنينة والسكينة والهدوء .
من سالم الناس يسلم من عواذلهم
ونام وهو قرير العين جذلان
وبشرهم بثواب أخروي كبير في جوار رب غفور في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

السبب الثامن عشر
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
الصدق حبيب الله والصراحة صابون القلوب، والتجربة برهان، والرائد لا يكذب أهله، ولم يوجد عمل أشرح للصدر وأعظم للأجر كالذكر (( فاذكروني أذكركم )) , وذكره سبحانه جنته في أرضه من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة , وهو إنقاذ للنفس من أوصابها وأتعابها واضطرابها بل هو طريق ميسر مختصر إلى كل فوز وفلاح . طالع دواوين الوحي لتر فوائد الذكر، وجرب مع الأيام بلسمه لتنال الشفاء .
إذا مرضنا تداوينا بذكركم
ونترك الذكر أحياناً فننتكس
وبذكره سبحانه تنقشع سحب الخوف والفزع والهم والحزن . بذكره تزاح جبال الكرب والغم والأسى .
ولا عجب أن يرتاح الذاكرون فهذا هو الأصل الأصيل، لكن العجب العجاب كيف يعيش الغافلون عن ذكره (( أموات غير أحياءٍ وما يشعرون أيان يبعثون )) .
يا من شكى الأرق وبكى من الألم وتفجع من الحوادث، ورمته الخطوب , هيا اهتف باسمه المقدس، هل تعلم له سمياً .
الله أكبر كل هم ينجلي
عن قلب كل مكبر ومهلل
بقدر إكثارك من ذكره ينبسط خاطرك، يهدأ قلبك، تسعد نفسك، يرتاح ضميرك، لأن في ذكره جل في علاه معاني التوكل عليه والثقة به والاعتماد عليه والرجوع إليه، وحسن الظن فيه، وانتظار الفرج منه، فهو قريب إذا دعي، سميع إذا نودي، مجيب إذا سئل ، فاضرع واخضع واخشع ، وردد اسمه الطيب المبارك على لسانك ثناء ومدحاً ودعاءً وسؤالاً واستغفاراً ، وسوف تجد بحوله وقوته السعادة والأمن والسرور والنور والحبور (( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة )) .

السبب التاسع عشر
أم يحسدون الناس
على ما آتاهم الله من فضله
الحسد كالأكلة الملحة تنخر العظم نخراً، إن الحسد مرض مزمن يعيث في الجسم فسادا، وقد قيل: لا راحة لحسود فهو ظالم في ثوب مظلوم، وعدو في جلباب صديق . وقد قالوا:

لله در الحسد ما أعدله
بدأ بصاحبه فقتله

إنني أنهى نفسي ونفسك عن الحسد رحمة بي وبك، قبل أن نرحم الآخرين؛ لأننا بحسدنا لهم نطعم الهم لحومنا، ونسقي الغم دماءنا ونوزع نوم جفوننا على الآخرين .
إن الحاسد يشعل فرناً ساخناً ثم يقتحم فيه . التنغيص والكدر والهم الحاضر أمراض يولدها الحسد لتقضي على الراحة والحياة الطيبة الجميلة .
بلية الحاسد أنه خاصم القضاء واتهم الباري في العدل وأساء الأدب مع الشرع وخالف صاحب المنهج .
يا للحسد من مرض لا يؤجر عليه صاحبه، ومن بلاء لا يثاب عليه المبتلى به، وسوف يبقى هذا الحاسد في حرقة دائمة حتى يموت أو تذهب نعم الناس عنهم . كل يصالح إلا الحاسد فالصلح معه أن تتخلى عن نعم الله وتتنازل عن مواهبك، وتلغي خصائصك، ومناقبك، فإن فعلت ذلك فلعله يرضى على مضض، نعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد ، فإنه يصبح كالثعبان الأسود السام لا يقر قراره حتى يفرغ سمه في جسم بريء .
فأنهاك أنهاك عن الحسد واستعذ بالله من الحاسد فإنه لك بالمرصاد .

السبب العشرون
اقبل الحياة كما هي
طبعت على كدر وأنت تريدها
صفواً من الأقذاء والأكدار
هذا حال الدنيا منغصة اللذات، كثيرة التبعات، جاهمة المحيا، كثيرة التلون، مزجت بالكدر، وخلطت بالنكد، وأنت منها في كبد .
ولن تجد ولداً أو زوجة، أو صديقاً، أو نبيلاً، ولا مسكناً ولا وظيفة إلا وفيه ما يكدر وعنده ما يسوء أحياناً، فأطفيء حر شره ببرد خيره، لتنجو رأساً برأس والجروح قصاص .
أراد الله لهذه الدنيا أن تكون جامعة لضدين والنوعين والفريقين والرأيين خير وشر، صلاح وفساد، سرور وحزن، ثم يصفو الخير كله والصلاح والسرور في الجنة ويجمع الشر كله والفساد والحزن في النار .
وفي الحديث: ” الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم ” فعش واقعك ولا تسرح مع الخيال وحلق في عالم المثاليات، اقبل دنياك كما هي، وطوع نفسك لمعايشتها ومواطنتها، فسوف لا يصفو لك فيها صاحب ولا يكمل لك فيها أمر؛ لأن الصفو والكمال والتمام ليس من شأنها ولا من صفاتها .
لن تكمل لك زوجة وفي الحديث ” لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي آخر” .
فينبغي أن نسدد ونقارب ونعفو ونصفح ونأخذ ما تيسر ونذر ما تعسر ونغمض الطرف أحيانا ونسدد الخطى ، ونتغافل عن أمور .
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

السبب الحادي والعشرون
تعز بأهل البلاء
تلفت يمنة ويسرة فهل ترى إلا مبتلى وهل تشاهد إلا منكوباً، في كل دار نائحة، وعلى كل خد دمع وفي كل وادٍ بنو سعد .
أيها الشامت المعير بالدهر
أأنت المبرؤ الموفور
كم من المصائب وكم من الصابرين، فلست أنت وحدك المصاب بل مصابك أنت بالنسبة لغيرك قليل، كم من مريض على سريره من أعوام يتقلب ذات اليمين وذات الشمال يئن من الألم ويصيح من السقم .
كم من محبوس مر به سنوات ما رأى الشمس بعينه ، وما عرف غير زنزانته .
وكم من رجل وامرأة فقدا فلذات أكبادهما في ميعة الشباب وريعان العمر .
وكم من مكروب ومديون ومصاب ومنكوب .
آن لك أن تتعـزى بهؤلاء وأن تعلم علم اليقين أن هذه الحياة سجنٌ للمؤمن ودار للأحزان والنكبات، تصبح القصور حافلة بأهلها وتمسي خاوية على عروشها . بينما الشمل مجتمع والأبدان في عافية والأموال وافرة، والأولاد كثر، ثم ما هي إلا أيام فإذا الفقر والموت والفراق والأمراض (( وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال )) فعليك أن توطن نفسك كتوطين الجمل المحنك الذي يبرك على الصخرة ، وعليك أن توازن مصابك بمن حولك وبمن سبقك في مسيرة الدهر، ليظهر لك أنك معافى بالنسبة لهؤلاء وأنه لم يأتك إلا وخزات سهلة فاحمد الله على لطفه واشكره على ما أبقى ، واحتسب ما أخذ ، وتعز بمن حولك .
ولولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
ولك قدوة في رسول صلى الله عليه وسلم وقد وضع السلا على رأسه وأدميت قدماه وشج وجهه وحوصر في الشعب حتى أكل ورق الشجر، وطرد من مكة، وكسرت ثنيته، ورمي عرض زوجته الشريف، وقتل سبعون من أصحابه، وفقد ابنه، وأكثر بناته في حياته، وربط الحجر على بطنه من الجوع، واتهم بأنه شاعر ساحر كاهن مجنون كذاب، صانه الله من ذلك، وهذا بلاء لا بد منه ومحيص لا أعظم منه، وقد قتل قبل زكريا وذبح يحيى ، وهاجر موسى، ووضع الخليل في النار، وصار الأئمة على هذا الطريق فضرج عمر بدمه، واغتيل عثمان، وطعن علي ، وجلدت ظهور الأئمة وسجن الأخيار، ونكل بالأبرار (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا )) .

السبب الثاني والعشرون
الصلاة … الصلاة
(( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ))
إذا داهمك الخوف وطوقك الحزن، وأخذ الهم بتلابيبك، فقم حالاً إلى الصلاة، تثوب لك روحك وتطمئن نفسك، إن الصلاة كفيلة بإذن الله باجتياح مستعمرات الأحزان والغموم ومطاردة فلول الاكتئاب .
كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ قال : ” أرحنا بالصلاة يا بلال ” فكانت قرة عينه وسعادته وبهجته .
وقد طالعت سير قوم أفذاذ كانت إذا ضاقت بهم الضوائق وكشرت في وجوههم الخطوب، فزعوا إلى صلاة خاشعة فتعود لهم قواهم وإراداتهم وهممهم .
إن صلاة الخوف فرضت لتؤدى في ساعة الرعب، يوم تتطاير الجماجم، وتسيل النفوس على شفرات السيوف، فإذا أعظم تثبيت وأجل سكينة صلاة خاشعة .
إن على الجيل الذي عصفت به الأمراض النفسية أن يتعرف على المسجد ، وأن يمرغ جبيـنه ليرضي ربه أولا ولينقذ نفسه من هذا العذاب الواصب وإلا فإن الدمع سوف يحرق جفنه والحزن سوف يحطم أعصابه وليس لديه طاقة تمده بالسكينة والأمن إلا الصلاة.
من أعظم النعم لو كنا نعقل هذه الصلوات الخمس كل يوم وليلة كفارة لذنوبنا، رفع لدرجاتنا عند ربنا، ثم هي علاج عظيم لمآسينا ودواء ناجع لأمراضنا، تسكب في ضمائرنا مقادير زاكية من اليقين وتملؤ جوانحنا بالرضا. أما أولئك الذي جانبوا المسجد وتركوا الصلاة، فمن نكد إلى نكد، ومن حزن إلى حزن ومن شقاء إلى شقاء (( فتعساً لهم وأضل أعمالهم )) .

السبب الثالث والعشرون
حسبنا الله ونعم الوكيل
تفويض الأمر إلى الله ، والتوكل عليه، والثقة بوعده، والرضا بصنيعه، وحسن الظن به، وانتظار الفرج منه من أعظم ثمرات الإيمان، ومن أجل صفات المؤمنين، وحينما يطمئن العبد إلى حسن العاقبة ويعتمد على ربه في كل شأنه يجد الرعاية والولاية والكفاية والتأييد والنصرة .
وإذا الرعاية لاحظتك عيونها
نم فالحوادث كلهن أمان
لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعـلها الله عليه برداً وسلاماً، ورسولنا صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما هددوا بجيوش الكفار وكتائب الوثنية قالوا: (( حسبنا الله ونعم الوكيل(173) فانقـلبوا بنعمةٍ من الله وفضل لم يمسسهم سوّءٌ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضلٍ عظيم )) .
إن الإنسان وحده لا يستطيع أن يصارع الأحداث، ولا يقاوم الملمات، ولا ينازل الخطوب؛ لأنه خلق ضعيفاً عاجزاً، ولكنه حينما يتوكل على ربه ويثق بمولاه، ويفوض الأمر إليه، وإلا فما حيلة هذا العبد الفقير الحقير إذا احتوشته المصائب وأحاطت به النكبات (( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين )) .
فيا من أراد أن ينصح نفسه توكل على القوي الغني ذي القوة المتين، لينقذك من الويلات، ويخرجك من الكربات، واجعل شعارك ودثارك حسبنا الله ونعم الوكيل، فإن قل مالك، وكثر دَيْنك، وجفت مواردك وشحت مصادرك، فناد حسبنا الله ونعم الوكيل .
وإذا داهمك المرض، وألمح عليك السقم، وتضاعف عليك البلاء، فقل حسبنا الله ونعم الوكيل .
وإذا خفت من عدو، أو رعبت من ظالم، أو فزعت من خطب فاهتف حسبنا الله ونعم الوكيل .
(( وكفى بربك هادياً ونصيراً )) .

السبب الرابع والعشرون
قل سيروا في الأرض

مما يشرح الصدر ويزيح سحب الهم والغم ؛ السفر في الديار، وقطع القفار، والتقلب في الأرض الواسعة، والنظر في كتاب الكون المفتوح لتشاهد أقلام القدرة وهي تكتب على صفحات الوجود آيات الجمال، لترى حدائق ذات بهجة، ورياضاً أنيقة وجنات ألفافاً، أخرج من بيتك وتأمل ما حولك وما بين يديك وما خلفك، اصعد الجبال، اهبط الأودية، تسلق الأشجار، عب من الماء النمير، ضع أنفك على أغصان الياسمين، حينها تجد روحك حرة طليقة، كالطائر الغريد تسبح في فضاء السعادة، اخرج من بيتك، ألق الغطاء الأسود عن عينيك، ثم سر في فجاج الله الواسعة ذاكراً مسبحاً.
إن الانزواء في الغرفة الضيقة مع الفراغ القاتل طريق ناجح للانتحار، وليست غرفتك هي العالم ولست أنت كل الناس، فلم الاستسلام أمام كتائب الأحزان، ألا فاهتف ببصرك وسمعك وقلبك: انفروا خفافاً وثقالاً، تعال لتقرأ القرآن هنا بين الجداول والخمائل بين الطيور وهي تتلو خطب الحب، وبين الماء وهو يروي قصة وصوله من التل .
أيها ذا الشاكي وما بك داء
كن جميلاً ترى الوجود جميلاً
أترى الشوك في الورود وتعمى
أن ترى فوقه الندى إكليلا
إن الترحال في مسارب الأرض متعة يوصي بها الأطباء لمن ثقلت عليه نفسه، وأظلمت عليه غرفته الضيقة، فهيا بنا نسافر لنسعد ونفرح ونفكر ونتدبر (( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا بطلاً سبحانك )) .

السبب الخامس والعشرون
فصبر جميل
التحلي بالصبر من شيم الأفذاذ الذين يتلقون المكاره برحابة صدر وبقوة إرادة وبمناعة أبية. وإن لم أصبر أنا وأنت فماذا نصنع؟
هل عندك حل لنا غير الصبر؟ هل تعلم لنا زاداً غيره ؟
كان أحد العظماء مسرحاً تركض فيه المصائب وميداناً تتسابق فيه النكبات كلما خرج من كربة زارته كربة أخرى، وهو متترس بالصبر، متدرع بالثقة بالله، يقول عن حاله:
تنكر لي دهري ولم يدر أنني
أعز وأحداث الزمان تهون
فبات يريني الدهر كيف عتوه
وبت أريه الصبر كيف يكون
هكذا يفعل النبلاء، يصارعون الملمات ويطرحون النكبات أرضاً .
دخلوا على أبي بكر وهو مريض، قالوا: ألا ندعو لك طبيباً ؟ قال: الطبيب قد رآني . قالوا: فماذا قال ؟ قال : يقول: إني فعال لما أريد .
ومرض أحد الصالحين فقيل له: ماذا يؤلمك ؟
فقال:
تموت النفوس بأوصابها
ولم يدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي
أذاها إلى غير أحبابها
واصبر وما صبرك إلا بالله، اصبر صبر واثق بالفرج، عالم بحسن المصير، طالب للأجر، راغب في تكفير السيئات، اصبر مهما ادلهمت الخطوب، وأظلمت أمامك الدروب، فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً .
قرأت سير عظماء مروا في هذه الدنيا وذهلت لعظيم صبرهم وقوة احتمالهم، كانت المصائب تقع على رؤوسهم كأنها قطرات ماء باردة، وهم في ثبات الجبال، وفي رسوخ الحق، فما هو إلا وقت قصير فتشرق وجوههم على طلائع فجر الفرج، وفرحة الفتح، وعصر النصر. وأحدهم ما اكتفى بالصبر وحده، بل نازل الكوارث وتحدى المصائب وصاح في وجهها منشداً:
إن كان عندك يا زمان بقية
مما يهان به الكرام فهاتها

السبب السادس والعشرون
لا تحمل الكرة الأرضية على رأسك
نفر من الناس تدور في نفوسهم حرب عالمية، وهم على فرش النوم، فإذا وضعت الحرب أوزارها غنموا قرحة المعدة، وضغط الدم والسكري . يحترقون مع الأحداث، يغضبون من غلاء الأسعار، يثورون لتأخر الأمطار، يضجون لانخفاض سعر العملة، فهم في انزعاج دائم، وقلق واصب (( يحسبون كل صيحةٍ عليهم )) .
ونصيحتي لك أن لا تحمل الكرة الأرضية على رأسك، دع الأحداث على الأرض ولا تضعها في أمعاءك . إن البعض عنده قلب كالإسفنجة يتشرب الشائعات والأراجيف , ينزعج للتوافه، يهتز للواردات، يضطرب لكل شيء، وهذا القلب كفيل أن يحطم صاحبه وأن يهدم كيان حامله .
أهل المبدأ الحق تزيدهم العبر والعظات إيماناً إلى إيمانهم، وأهل الخور تزيدهم الزلازل خوفاً إلى خوفهم، وليس أنفع أمام الزوابع والدواهي من قلبٍ شجاع، فإن المقدام الباسل واسع البطان، ثابت الجأش، راسخ اليقين، بارد الأعصاب، منشرح الصدر، أما الجبان فهو يذبح نفسه كل يوم مرات بسيف التوقعات والأراجيف والأوهام والأحلام، فإن كنت تريد الحياة المستقرة فواجه الأمور بشجاعة وجلد ولا يستخفـنك الذين لا يوقنون، ولا تك في ضيق مما يمكرون، كن أصلب من الأحداث، وأعتى من رياح الأزمات، وأقوى من الأعاصير، وارحمتاه لأصحاب القلوب الضعيفة كم تهزهم الأيام هزاً (( لتجدنهم أحرص الناس على حياةٍ )) وأما الأباة فهم من الله في مدد، وعلى الوعد في ثقة (( فأنزل السكينة عليهم )) .

السبب السابع والعشرين
لا تحطمك التوافه
كم من مهموم سبب همه أمرٌ حقير تافه لا يذكر .
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
انظر إلى المنافقين، ما أسقط هممهم وما أبرد عزائمهم . هذه أقوالهم: لا تنفروا في الحر، إئذن لي ولا تفتني ، بيوتنا عورة ، نخشى أن تصيبنا دائرة ، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا . يا لخيبة هذه المعاطس , يا لتعاسة هذه النفوس .
همهم البطون والصحون والدور والقصور، لم يرفعوا أبصارهم إلى سماء المثل، لم ينظروا أبداً إلى نجوم الفضائل . هم أحدهم ومبلغ علمه: دابته وثوبه ونعمه ومأدبته، وانظر لقطاع هائل من الناس تراهم صباح مساء سبب همومهم خلاف مع الزوجة أو الابن أو القريب أو سماع كلمة نابية أو موقف تافه . هذه مصائب هؤلاء البشر، ليس عندهم من المقاصد العليا من يشغلهم، ليس عندهم من الاهتمامات الجليلة ما يملأ وقتهم، وقد قالوا: إذا خرج الماء من الإناء ملأه الهواء، إذاَ ففكر في الأمر الذي تهتم له وتغتم، هل يستحق هذا الجهد وهذا العناء، لأنك أعطيته من عقلك ولحمك ودمك وراحتك ووقتك، وهذا غبن في الصفقة وخسارة هائلة ثمنها بخس، وعلماء النفس يقولون أجعل لكل شيء حداً معقولاً، وأصدق من هذا قوله تعالى: (( قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً )) فأعط القضية حجمها ووزنها وقدرها وإياك والظلم والغلو .
هؤلاء الصحابة الأبرار همهم تحت الشجرة الوفاء بالبيعة ، فنالوا رضوان الله , ورجل معهم أهمه جمله حتى فاته البيع فكان جزاءه الحرمان والمقت .
فاطرح التوافه والاشتغال بها تجد أن أكثر همومك ذهبت عنك وعدت فرحاً مسروراً .

السبب الثامن والعشرون
ارض بما قسم الله لك
تكن أغنى الناس
مر فيما سبق بعض معاني هذا السبب لكنني أبسطه هنا ليفهم أكثر وهو أن عليك أن تقنع بما قسم لك من جسم ومال وولد سكن وموهبة، وهذا منطق القرآن (( فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين )) . إن غالب علماء السلف وأكثر الجيل الأول كانوا فقراء لم يكن لديهم أعطيات ولا مساكن بهية، ولا مراكب، ولا حشم، ومع ذلك أثروا الحياة وأسعدوا أنفسهم والإنسانية؛ لأنهم وجهوا ما آتاهم الله من خير في سبيله الصحيح , فبورك لهم في أعمارهم وأوقاتهم ومواهبهم، ويقابل هذا الصنف المبارك ملأٌ أعطوا من الأموال والأولاد والنعم، فكانت سبب شقائهم وتعاستهم؛ لأنهم انحرفوا عن الفطرة السوية والمنهج الحق وهذا برهان ساطع على أن هذه الأشياء ليست كل شيء، انظر إلى من حمل شهادات عالمية لكنه نكرة من النكرات في عطاءه وفهمه وأثره، بينما تجد آخرين عندهم علم محدود، وقد جعلوا منه نهراً دافقاً بالنفع والإصلاح والعمار .
إن كنت تريد السعادة فارض بصورتك التي ركبك الله فيها، وارض بوضعك الأسري وصوتك ومستوى فهمك، ودخلك، بل إن بعض المربين الزهاد يذهبون إلى أبعد من ذلك فيقولون لك: ارض بأقل مما أنت فيه وبدون ما أنت عليه وأنشدوا :
سعادتك العظمى إذا كنت عاقلاً
مناك بحال دون حال تعيشها
هاك قائمة رائعة مليئة باللامعين الذين بخسوا حظوظهم الدنيوية :
عطاء بن أبي رباح عالم الدنيا في عهده، مولى أسود أفطس أشل مفلفل الشعر .
الأحنف بن قيس، حليم العرب قاطبة، نحيف الجسم، أحدب الظهر، أحنى الساقين، ضعيف البنية .
الأعمش محدث الدنيا، من الموالي، ضعيف البصر، فقير ذات اليد، ممزق الثياب، رث الهيئة والمنزل .
بل الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، كل منهم رعى الغنم، وكان داود حداداً وزكريا نجاراً وإدريس خياطاً، وهم صفوة الناس وخير البشر .
إذاً فقيمتك مواهبك وعملك الصالح ونفعك وخلقك، فلا تأس على ما فات من جمال أو مال أو عيال، وارض بقسمة الله (( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا )) .

السبب التاسع والعشرون
ذكر نفسك بجنة عرضها السموات والأرض

إن جعت في هذه الدار أو افتقرت أو حزنت أو مرضت أو بخست حقاً أو ذقت ظلماً فذكر نفسك بالنعيم والراحة والسرور والحبور والأمن والخلد في جنات النعيم، إنك إن اعتقدت هذه العقيدة وعملت لهذا المصير تحولت خسائرك إلى أرباح، وبلاياك إلى عطايا . إن أعقل الناس هم الذين يعملون للآخرة لأنها خير وأبقى . وإن أحمق وأبله هذه الخـليقة هم الذين يرون أن هذه الدنيا هي قرارهم ودارهم ومنتهى أمانيهم، فتجدهم أجزع الناس عند المصائب، وأندمهم عند الحوادث؛ لأنهم لا يرون إلا حياتهم الزهيدة الحقيرة، لا ينظرون إلا إلى هذه الفانية، لا يتفكرون في غيرها ولا يعملون لسواها، فلا يريدون أن يعكر لهم سرورهم ولا يكدر عليهم فرحهم، ولو أنهم خلعوا حجاب الران عن قلوبهم، وغطاء الجهل عن عيونهم لحدثوا أنفسهم بدار الخلد ونعيمها ودورها وقصورها، ولسمعوا وأنصتوا لخطاب الوحي في وصفها، إنها والله الدار التي تستحق الاهتمام والكد والجهد .
هل تأملنا طويلاً وصف أهل الجنة بأنهم لا يمرضون ولا يحزنون ولا يموتون ، ولا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، في غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يسير الراكب في ظل شجرة من أشجارها مائة عام لا يقـطعها، طول الخيمة فيها ستون ميلاً، أنهارها مطردة، قصورها منيفة، قطوفها دانية، عيونها جارية، سررها مرفوعة، أكوابها موضوعة، نمارقها مصفوفة، زرابيها مبثوثة، تم سرورها، عظم حبورها، فاح عرفها، عظم وصفها، منتهى الأماني فيها، فأين عقولنا لا تفكر، ما لنا لا نتدبر .
إذا كان المصير إلى هذه الدار فلتخف المصائب على المصابين ولتقر عيون المنكوبين ولتفرح قلوب المعدمين .
فيا أيها المسحوقون بالفقر ، المنهكون بالفاقة المبتلون بالمصائب ، اعملوا صالحاً لتسكنوا جنة الله وتجاوروه تقدست أسماؤه (( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )) .

السبب الثلاثون
وكذلك جعلناكم أمة وسطا
العدل مطلب عقلي وشرعي، لا غلو ولا جفاء، لا إفراط ولا تفريط، ومن أراد السعادة فعليه أن يضبط عواطفه، واندفاعاته، وليكن عادلاً في رضاه وغضبه وسروره وحزنه؛ لأن الشطط والمبالغة في التعامل مع الأحداث ظلمٌ للنفس، وما أحسن الوسطية، فإن الشرع نزل بالميزان، والحياة قامت على القسط، ومن أتعب الناس من طاوع هواه واستسلم لعواطفه وميولاته حينها تتضخم عنده الحوادث وتظلـم لديه الزوايا وتقوم في قبله معارك ضارية من الأحقاد والدخائل والضغائن لأنه يعيش في أوهام وخيالات، حتى إن بعضهم يتصور أن الجميع ضده، وأن الآخرين يحبكون مؤامرة لإبادته، وتملي عليه وساوسه أن الدنيا له بالمرصاد، فلذلك يعيش في سحب سود من الخوف والهم والغم .
إن الإرجاف ممنوع شرعاً , رخيص طبعاً وما يمارسه إلا أناس مفـلسون من القيم الحية والمبادئ الربانية (( يحسبون كل صيحةٍ عليهم )) .
أجلس قلبك على كرسيه، فأكثر ما يخاف لا يكون، ولك قبل وقوع ما تخاف وقوعه أن تقدر أسوأ الاحتمالات ثم توطن نفسك على تقبل هذا الأسوأ، حينها تنجو من التكهنات الجائرة التي تمزق القلب قبل أن يقع الحدث فيبقى كقول الأول:
كأن قطاة علقت بجناحها
على كبدي من شدة الخفقان
فيا أيها العاقل النابه اعط كل شيء حجمه، ولا تضخم الأحداث والمواقف والقضايا بل اقـتصد واعـدل ولا تجور ولا تذهب مع الوهم الزائف والسراب الخادع , اسمع ميزان الحب والبغض في الحديث : ” أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما ” (( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم )) .
إن كثيراً من التخويفات والأراجيف لا حقيقة لها وقديماً قالوا :
وقلت لقلبي إن نزا بك نزوة
من الهم افرح أكثر الروع باطـلهُ

الخاتمة
هذا الكلام المكتوب لن تستفيد منه حتى تحاول تطبيقه في نفسك وبيتك وعملك وحياتك لتحصل على حياة أجمل بكثير من حياتك التي تعيشها , حياة سعيدة رغيدةً طيبة تصل منها إلى حياة دائمة مطمئنة في جنات النعيم (( ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار )) .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلاٌم على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

الفهرس
المقدمة …………………………………………………………………………….. 3
السبب الأول فكر واشكر…………………………………………………………………5
السبب الثاني ما مضى فات……………………………………………………………… 7
السبب الثالث يومك يومك……………………………………………………………….. 9
السبب الرابع اترك المستقبل حتى يأتي……………………………………………………13
السبب الخامس كيف تواجه النقد الآثم…………………………………………………….15
السبب السادس لا تنتظر شكر من أحد……………………………………………………. 18
السبب السابع الإحسان إلى الغير………………………………………………………… 21
السبب الثامن إطرد الفراغ بالعمل……………………………………………………….. 23
السبب التاسع لا تكن إمعة………………………………………………………………. 25
السبب العاشر قضاء وقدر………………………………………………………………. 27
السبب الحادي عشر إن مع العسر يسراً…………………………………………………… 29
السبب الثاني عشر اصنع من الليمون شراباً حلواً………………………………………….. 31
السبب الثالث عشر أمن يجيب المضطر إذا دعاه……………………………………………. 33
السبب الرابع عشر وليسعك بيتك………………………………………………………….. 35
السبب الخامس عشر العوض من الله………………………………………………………. 37
السبب السادس عشر الإيمان هو الحياة…………………………………………………….. 39
السبب السابع عشر إجن العسل ولا تكسر الخلية…………………………………………….. 41
السبب الثامن عشر ألا بذكر الله تطمئن القلوب………………………………………………. 43
السبب التاسع عشر أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله…………………………… 45
السبب العشرون إقبل الحياة كما هو………………………………………………………… 47
السبب الحادي والعشرون تعز بأهل المصائب………………………………………………… 49
السبب الثاني والعشرون الصلاة… الصلاة…………………………………………………… 52
السبب الثالث والعشرون حسبنا الله ونعم الوكيل…………………………………………….. 54
السبب الرابع والعشرون قل سيروا في الأرض………………………………………………. 56
السبب الخامس والعشرون فصبرٌ جميل…………………………………………………….. 58
السبب السادس والعشرون لا تحمل الكرة الأرضية على رأسك………………………………… 61
السبب السابع والعشرون لا تحطمك التوافه…………………………………………………. 63
السبب الثامن والعشرون أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس………………………………. 65
السبب التاسع والعشرون ذكر نفسك بجنة عرضها السموات والأرض………………………….. 68
السبب الثلاثون وكذلك جعلناكم أمة سطا……………………………………………………. 70
الخاتمــــــــــــــــــــــــــة…………………………………….. 72

لك في وسط قلبي شموخ

د. ميسرة طااهر رائعة جدا الرفقة الدافئة : اختر رفقة تصحبك العمر كله .. تعطيهم ويعطونك .. يأخذون منك وتأخذ منهم .. تتفقون ، تختلفون ، تتعاتبون . ثم تضحكون على ذلك معاً آخر كل نهار ! ( رفقة تسمع حكاياتهم للمرة الألف ولا تتذمر ) اختر رفقة لا تهجرك بعد سنوات ، رفقة دافئة تعايرها بالشيب وتعايرك بتجاعيد الزمان .. اختر رفقة يفرحون لفرحك ، ويحزنون لحزنك ، ويردون غيبتك و يسترون عيبك بلا خوف من أنك ستمضي وحيداً .. اختر من سيشيخون معك ، ومن سيجلسون بعزائك بعد عمر طويل ! وأهمهم من ( سيرافقونك إلى الجنة ).. ليس القروب مجموعة أسماء ومشاركات فقط وإنما هو : كتلة قلوب … تقودها ” قيم ” فما أحوجنا لتصافي القلوب لِتُعيننا على ” الدروب ” قال تعالى : {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً} يقول ابن القيم : ” يأبى الله تعالى ..أن يدخل الناس الجنة فرادى ، فكل صحبة يدخلون الجنة سوياً ” نسال الله ان يجعلنا وإياكم ووالدينا ومن نحبهم ندخل الجنة سويا..اللهم آمين….. فنقاء القلب ليس عيباً والتغافل ليس غباء والتسامح ليس ضعفاً والصمت ليس انطواءً هي تربية وعبادة اللهم أصلح قلوبنا،واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين أجمعين امين يارب العالمين ثلاثه إذا تكلموا أمامك فلا توقف حديثهم ،، الوالدان، والطفل، والمهموم؛ لأن قلبهم هو الناطق،،،،”” كلام راااااائع احرص على من يحبك من قلبه .. واجعله كالقلاده على صدرك .. وضعه كالتاج على راسك..فربما لو خسرته سيصعب عليك ان تجد روحاً كروحه صاحب الصالحين فإنهم إذا غبت عنهم (فقدوك) وإذا غفلت (نبهوك) وإذا دعوا لأنفسهم (لم ينسوك) هم كالنجوم : إذا ضلت سفينتك في بحر الحياة (أرشدوك) وغدا تحت عرش الرحمن (ينتظروك) ألا يكفيك أنهم في “الله” (أحبوك)