الحرب العالمية الثانية World War II

الحرب العالمية الثانية    World War II

(  1939 ـ 1945م) أزهقت أرواحًا كثيرة، وخربت كثيرًا من الثروات. ربما كان لها من النتائج أكثر مما فعلته أية حرب أخرى في التاريخ؛ لقد عملت على إنهاء دور غربي أوروبا مركزْ القوة العالمي، وأدت إلى ظهور الاتحاد السوفييتي كقوة عالمية كبرى منافسة للولايات المتحدة واليابان وألمانيا التي هزمت أخيرًا في هذه الحرب، وشهدت انتعاشًا اقتصاديًا مثيرًا. لقد جلبت الحرب تقنيات جديدة كان من شأنها أن تغير من عالم ما بعد الحرب. وكان تطوير القنبلة الذرية خلال الحرب إيذانًا ببدء عصر الذَّرَّة.

لن يعرف أبدًا العدد الحقيقي للقتلى من جراء الحرب العالمية الثانية، فربما يقترب عدد القتلى العسكريين من نحو 17 مليونًا. أما القتلى المدنيون فقد كانوا أكثر نتيجة المجاعة والغارات والقنابل والمذابح والأوبئة والأسباب الأخرى المرتبطة بالحرب. وامتدت أرض المعركة إلى كل جزء من العالم تقريبًا، لقد حاربت القوات في أدغال موحلة في جنوب شرقي آسيا وفي صحاري شمالي إفريقيا، وفي جزر المحيط الهادئ ، وأديرت معارك في مناطق متجمدة من الاتحاد السوفييتي، على سطح الماء وتحته في المحيط الأطلسي وفي شوارع كثير من المدن الأوروبية.

بدأت الحرب العالمية الثانية أول سبتمبر 1939م عندما غزت ألمانيا بولندا. لقد بنى دكتاتور ألمانيا أدولف هتلر ألمانيا لتصبح آلة حربية قوية، وسحقت هذه الآلة بولندا، والدنمارك ولوكسمبرج وهولندا وبلجيكا والنرويج وفرنسا. وفي يونيو 1940 م وقفت بريطانيا وحلفاؤها من دول الكومنولث منفردين أمام هتلر. وفي الشهر نفسه دخلت إيطاليا الحرب إلى صف ألمانيا، وسرعان ما امتدت الحرب إلى اليونان وشمالي إفريقيا. وفي يونيو 1941م غزت ألمانيا الاتحاد السوفييتي، وهاجمت اليابان القواعد العسكرية للولايات المتحدة في بيرل هاربر في هاواي في 7 ديسمبر 1941 م، الأمر الذي دخلت بسببه الولايات المتحدة الحرب. وبحلول منتصف عام 1942م تغلبت القوات اليابانية على معظم جنوب شرقي آسيا، واكتسحت كثيرًا من الجزر في المحيط الهادئ. وكونت ألمانيا وإيطاليا واليابان تحالفًا عرف بالمحور، وانضمت ست دول أخرى إلى هذا المحور، وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا والصين والاتحاد السوفييتي القوى الكبرى التي تحارب المحور، وكانت تسمى دول التحالف، وقد وصل عددها إلى نحو 50 قطرًا بنهاية الحرب.

استطاعت دول التحالف خلال سنة 1942 م أن توقف تقدم قوات المحور في شمالي إفريقيا، وفي الاتحاد السوفييتي والمحيط الهادئ . ونزلت قوات التحالف في إيطاليا سنة 1943م وفي فرنسا سنة 1944 م. وفي سنة 1945م اندفع الحلفاء في ألمانيا من الشرق والغرب، وجرت سلسلة من المعارك الدموية في المحيط الهادئ ، الأمر الذي وضع الحلفاء على أبواب اليابان خلال صيف 1945م واستسلمت ألمانيا في 7 مايو 1945م واليابان في 2 سبتمبر من العام نفسه.

أسباب الحرب

يعزو كثير من المؤرخين أسباب الحرب العالمية الثانية إلى مشاكل تُركت بغير حل بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م). لقد أوجدت الحرب العالمية الأولى والمعاهدات التي عقدت في نهايتها مشاكل سياسية واقتصادية جديدة، واستغل قادة أقوياء في عدد من الأقطار هذه المشاكل لكي يستولوا على السلطة. إن رغبة الحكام المستبدين في ألمانيا وإيطاليا واليابان في احتلال أقاليم أخرى أدى إلى وضع جديد، من شأنه أن يجعلهم في صراع مع الدول الديمقراطية.

المشاكل الاقتصادية. خربت الحرب العالمية الأولى اقتصاديات الأقطار الأوروبية بدرجة جسيمة وخرج الغانمون والغارمون من الحرب مدينين بدرجة كبيرة. وكانت القوى المهزومة تجد صعوبة في دفع تعويضات للقوى المنتصرة، وكان المنتصرون يجدون صعوبة في تسديد قروضهم من الولايات المتحدة، وكان التحول من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلم من شأنه أن يوجد مشاكل كثيرة، ولم يجد كثير من الجند وظائف لهم بعد الحرب.

كانت إيطاليا واليابان تعانيان بعد الحرب العالمية الأولى من كثرة في السكان وقلة في الموارد، وحاولتا حل مشاكلهما بالتوسع في الأراضي. وفي ألمانيا ضرب التضخم السريع قيمة العملة، واكتسح مدخرات الملايين من الناس، ووصل الاقتصاد الألماني في سنة 1923 م إلى حافة الانهيار، وساعدت قروض من الولايات المتحدة الحكومة الألمانية في أن تعيد التوازن. وفي أوائل العشرينيات بدا وكأن أوروبا تدخل فترة استقرار اقتصادي.

وفي سنة 1929م بدأ هبوط اقتصادي عرف باسم الكساد الكبير في الولايات المتحدة. وفي أوائل الثلاثينيات توقف انتعاش أوروبا الاقتصادي. لقد سبب الكساد العظيم بطالة كبرى، ونشر الفقر واليأس عبر العالم، وأضعف الحكومات الديمقراطية، وقوى الحركات السياسية المتطرفة التي وعدت بإنهاء المشاكل الاقتصادية. وقد قويت حركتان بصفة خاصة فنادت قوى الشيوعية العمال بالثورة وأيدت قوى الفاشية قيام حكومة قومية قوية. واصطدم الشيوعيون بالفاشيين على طول أوروبا، ولكن المتطرفين السياسيين لقوا أعظم تأييد في الأقطار التي كانت فيها مشاكل اقتصادية كبرى وتبرم عميق من مؤتمر باريس.

القومية. كانت القومية صورة متطرفة للوطنية التي اكتسحت أوروبا خلال القرن التاسع عشر. لقد وضع مؤيدو القومية أهداف أمتهم فوق أي ولاء عام آخر، ونظر كثير من القوميين إلى الأجانب وأعضاء الجماعات الأجنبية نظرة دونية، وساعد هذا الاعتقاد الأمم في تبرير غزوها لأرض غيرها، ومعاملتها المزرية للأقليات في داخل حدودها، وكان استعار المشاعر القومية السبب الرئيسي للحرب العالمية الأولى، وقد نمت وصارت أكثر قوة بعد الحرب.

ومضت القومية قُدُمًا مع مشاعر عدم الرضا بين القوميات. فكلما كان الناس محرومين من عزة قومية، رغبوا في أن يروا بلدهم قويًا وقادرًا على التمسك بحقوقه. أحس كثير من الألمان بالإهانة لهزيمة بلدهم في الحرب العالمية الأولى، وسوء المعاملة بموجب معاهدة فرساي. وفي الثلاثينيات أيدوا بحماس تنظيمًا قوميًا متطرفًا سمي الحزب النازي (الحزب القومي)، وأعلن هذا الحزب أن لألمانيا الحق في أن تصبح قوية مرة أخرى، كذلك قويت النزعة القومية في إيطاليا واليابان.

ظهور الدكتاتوريات. ساعد التذمر السياسي والظروف الاقتصادية السيئة التي نمت بعد الحرب العالمية الأولى إلى ظهور الحكومات الاستبدادية في أقطار عديدة خاصة في تلك الأقطار التي افتقدت تقاليد الحكم الديمقراطي. وخلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين وصلت الحكومات الاستبدادية إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي وإيطاليا، وصارت لها السلطة كلها، وحكمت دون مراعاة لقانون، واستخدمت ولجأت الدكتاتوريات للإرهاب والبوليس السري للقضاء على المعارضين لحكمها.

العدوان يمضي قدمًا. مضت إيطاليا واليابان في اتباع سياسة توسع إقليمي عدواني خلال ثلاثينيات القرن العشرين؛ فقد غزتا البلاد الضعيفة التي يمكن السيطرة عليها بسهولة. كانت الحكومات الدكتاتورية تعرف ما تريد وحصلت على مبتغاها، وتصدت الحكومات الديمقراطية برفق ولين للعدوان والاستبداد.

فقد كانت اليابان أول دولة تبدأ برنامج الغزو في سنة 1931م، حيث استولت القوات اليابانية على منشوريا، وهو إقليم في الصين غني بموارده الطبيعية. ويعد بعض المؤرخين أن غزو اليابان لمنشوريا هو البدء الحقيقي للحرب العالمية الثانية. لقد جعلت اليابان من منشوريا دولة تابعة سميت منشوكو. وفي سنة 1937م أقدمت اليابان على هجوم كبير ضد الصين، واحتلت معظم أراضي شرقي الصين في نهاية سنة 1938م رغم أن القطرين لم يكونا قد دخلا رسميا الحرب. وبدأ القادة العسكريون اليابانيون يتحدثون عن إخضاع كل شرقي آسيا تحت الحكم الياباني.

نظرت إيطاليا إلى إفريقيا لتشبع رغبتها في تكوين إمبراطورية. وفي سنة 1935م غزت القوات الإيطالية أثيوبيا، وكانت واحدة من الأقطار الإفريقية القليلة المستقلة، واستخدم الإيطاليون المدافع الآلية والدبابات والطائرات للتغلب على الجيش الأثيوبي الضعيف في عدته وعتاده، وغزوا البلاد في مايو 1936م.

بعد وصول هتلر للسلطة بدأ في بناء قوات ألمانيا المسلحة مخالفًا معاهدة فرساي. وفي 1936م أرسل هتلر قوات إلى أراضي الراينلاند، وهي منطقة من ألمانيا على طول شواطئ نهر الراين، وبموجب تلك المعاهدة كان المفروض أن يظل إقليم الراين خاليًا من القوات. وفي مارس 1938م توغلت القوات الألمانية في النمسا وضمتها إلى ألمانيا، ورحب كثير من الناس في ألمانيا والنمسا بهذا التحرك.

كانت أعمال العدوان انتصارات سهلة للدكتاتوريات، وبدت عصبة الأمم عاجزة عن وقفها. كان ينقصها الجيش والسلطة لوضع القانون الدولي موضع التنفيذ، ورفضت الولايات المتحدة أن تنضم إلى العصبة حتى لاتنشغل بالمنازعات الأوروبية، بينما كانت بريطانيا وفرنسا غير راغبتين في المخاطرة بحرب بعد فترة وجيزة من الحرب العالمية الأولى. كانت القوتان تعرفان أنهما ستتحملان عبء أي حرب.

كوّن المعتدون حلفًا؛ ففي سنة 1936م اتفقت ألمانيا وإيطاليا على أن تساند كل منهما الأخرى في سياستها الخارجية، وعرف التحالف بمحور برلين ـ روما، وانضمت اليابان إلى الحلف في سنة 1940م، وأصبح هناك محور برلين ـ روما ـ طوكيو.


الدول المتحاربة


الحلفـاء

الاتحاد السوفييتي

22 يونيو 1941

سوريا

26 فبراير 1945

أثيوبيا

1 ديسمبر 1942

تشيلي

14 فبراير 1945

الأرجنتين

27 مارس 1945

الصين

9 ديسمبر 1941

أروجواي

22 فبراير 1945

فنزويلا

16 فبراير 1945

أستراليا

3 سبتمبر 1939

العراق

16 يناير 1943

إكوادور

2 فبراير 1945

فرنسا

3 سبتمبر 1939

إلسلفادور

8 ديسمبر 1941

اليونان

28 أكتوبر 1940

إيران

9 سبتمبر 1943

كندا

10 سبتمبر1939

باراجواي

8 فبراير 1945

كوبا

9 ديسمبر 1941

البرازيل

22 أغسطس 1942

كوستاريكا

8 ديسمبر 1941

بريطانيا

3 سبتمبر 1939

كولومبيا

26 نوفمبر 1943

بلجيكا

10 مايو 1940

لبنان

27 فبراير 1945

بنما

7 ديسمبر 1941

لوكسمبرج

10 مايو 1940

بولندا

1 سبتمبر 1939

ليبيريا

26 يناير 1944

بوليفيا

7 أبريل 1943

مصر

24 فبراير 1945

بيرو

11 فبراير 1945

المكسيك

22 مايو 1942

تركيا

23 فبراير 1945

منغوليا الشعبية

9 أغسطس 1945

تشيكوسلوفاكيا

16 ديسمبر1941

النرويج

9 أبريل 1940

الجبل الأسود

8 ديسمبر 1941

نيوزيلندا

3 سبتمبر1939

جنوب إفريقيا

6 سبتمبر 1939

هاييتي

8 ديسمبر 1941

جواتيمالا

9 ديسمبر 1941

الهند

3 سبتمبر1939

الدنمارك

9 أبريل 1940

هندوراس

8 ديسمبر 1941

الدومينيكان

8 ديسمبر 1941

هولندا

10 مايو 1940

سان مارينو

24 سبتمبر 1944

الولايات المتحدة الأمريكية

8 ديسمبر 1941

السعودية

1 مارس1945

يوغوسلافيا

6 أبريل 1941

المحــور

ألبانيا

15 يونيو 1940

رومانيا

22 يونيو 1941

ألمانيا

1 سبتمبر 1939

فنلندا

25 يونيو 1941

إيطاليا

10 يونيو 1940

المجر

10 أبريل 1941

بلغاريا

6 أبريل 1941

اليابان

7 ديسمبر 1941

تايلاند

25 يناير 1942

 

 

الحرب الأهلية الأسبانية. مزقت الحرب الأهلية أسبانيا من 1936 إلى 1939م، حيث ثار عدد كبير من ضباط الجيش الأسباني على الحكومة، واختار المتمردون في الجيش الجنرال فرانسيسكو فرانكو قائدًا لهم، وعرفت قوات فرانكو بالقوميين أو المتمردين. أما القوات التي أيدت الحكومة الأسبانية المنتخبة فقد سميت الموالية أو الجمهورية، وجذبت الحرب الأهلية الأسبانية انتباه العالم. وخلال الحرب استعرضت الحكومات الاستبدادية قوتها، بينما بقيت الديمقراطيات عاجزة.

فشل الترضية. قرر هتلر أن يضرب ثانية بعد فترة قصيرة من ابتلاع ألمانيا للنمسا في مارس 1938 م، وكانت الأرض الألمانية تحيط بتشيكوسلوفاكيا من ثلاثة جوانب. لقد أصبحت تشيكوسلوفاكيا مستقلة بعد الحرب العالمية الأولى، وكان سكانها يتألفون من قوميات عدة تضم أكثر من 3 ملايين نسمة من أصل ألماني. تلهف هتلر للسيطرة على أراضي سدتنلاند (السوريت)، وهي منطقة تقع غربي تشيكوسلوفاكيا، حيث كان يعيش معظم الألمان، وبدعم من هتلر طالب ألمان سدتنلاند بالوحدة مع ألمانيا.

قررت تشيكوسلوفاكيا أن تدافع عن أراضيها، وأيدتها فرنسا والاتحاد السوفييتي، وعندما زاد التوتر حاول رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشمبرلين أن يعيد الهدوء. لقد رغب تشمبرلين في حفظ السلام بأي ثمن، وكان يظن أن الحرب يمكن أن تمنع بالاستجابة لمطالب هتلر، وعرفت هذه السياسة بالترضية.

كان لتشمبرلين لقاءات عدة مع هتلر خلال سبتمبر 1938م عندما كانت أوروبا تقترب من حافة الحرب، وزاد هتلر من طلباته في كل اجتماع. وفي 29 سبتمبر تقابل تشمبرلين وإدوارد دالادييه رئيس وزراء فرنسا مع هتلر وموسوليني في ميونيخ بألمانيا، ووافق تشمبرلين ودالادييه على أن يقتطع سدتنلاند لألمانيا، وأجبرا تشيكوسلوفاكيا على الموافقة، ووعد هتلر أنه ليس له طلبات إقليمية أكثر من ذلك. لقد كان اتفاق ميونيخ يمثل أعلى مراحل التسوية وكان تشمبرلين ودالادييه يأملان أن يرضي الاتفاق هتلر، ويمنع حربًا أو على الأقل يطيل من السلام حتى تصبح بريطانيا وفرنسا مستعدتين للحرب. لكن الزعيمين كانا مخطئين في حساباتهما.

بدا فشل سياسة الترضية واضحًا؛ فلقد نقض هتلر اتفاقية ميونيخ في مارس 1939 م واحتل باقي تشيكوسلوفاكيا، وبذلك أضاف قوات تشيكوسلوفاكيا المسلحة وصناعتها إلى قوة ألمانيا الحربية. وفي الشهور السابقة للحرب مضت استعدادات ألمانيا للحرب قدمًا بأسرع من بناء بريطانيا وفرنسا لقوتهما الحربية.

المراحل الأولى للحرب

حققت ألمانيا خلال السنة الأولى للحرب سلسلة من الانتصارات السريعة على بولندا والدنمارك ولوكسمبرج وهولندا وبلجيكا والنرويج وفرنسا، وحاولت أن تضرب بريطانيا لكي تستسلم، ولكنها فشلت.

غزو بولندا. بعد أن احتل هتلر تشيكوسلوفاكيا، بدأ يطالب بأراضٍ من بولندا وتعهدت بريطانيا وفرنسا بمساعدة بولندا إذا هاجمتها ألمانيا. ومع هذا فإنه كان بإمكان الدولتين مساعدة بولندا بغزوهما ألمانيا فقط. وهي خطوة لم يرد أي منهما اتخاذها. لقد أعدت فرنسا كلها للدفاع عن أراضيها لا للهجوم.

كانت بريطانيا وفرنسا تأملان أن يتمكن الاتحاد السوفييتي من مساعدة بولندا، ولكن العالم صُدم حين صار هتلر وستالين حليفين. وفي 23 أغسطس 1939 م وقعت ألمانيا والاتحاد السوفييتي ميثاق عدم اعتداء حيث اتفقتا ألا تعلن إحداهما الحرب على الأخرى، واتفقتا سرًا على تقسيم بولندا فيما بينهما.

في أول سبتمبر 1939م غزت ألمانيا بولندا، وبدأت الحرب العالمية الثانية. كان لبولندا جيش كبير إلى حد ما ولكن بمعدات حديثة قليلة، وتوقع الجيش البولندي أن يحارب على طول الحدود البولندية، ورغم ذلك، فإن الألمان أدخلوا طريقة جديدة في الحرب تسمى الحرب الخاطفة. ركزت الحرب الخاطفة على السرعة والمفاجأة، واقتحمت صفوف من الدبابات دفاعات بولندا، وتوغلت، في عمق البلاد قبل أن يكون لدى الجيش البولندي وقت للرد، وضربت الطائرات المقاتلة خطوط المواصلات وصفوف المعركة.

قاتل البولنديون بشجاعة ولكن خطة جيش الألمان (أي الحرب الخاطفة) أوقعت الجيش البولندي في فوضى، وفي 17 سبتمبر 1939م غزت القوات السوفييتية بولندا من الشرق، وفي آخر سبتمبر احتل الاتحاد السوفييتي الثلث الشرقي من بولندا وابتلعت ألمانيا الباقي.

الحرب الوهمية. أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا في 3 سبتمبر 1939م، أي بعد يومين من غزو بولندا، ولكن الدولتين لم تتحركا حتى سقطت بولندا. وحركت فرنسا قوات إلى خط ماجينو، وهو حزام من الصلب والقلاع الحصينة بُني بعد الحرب العالمية الأولى على طول حدودها مع ألمانيا. أرسلت بريطانيا قوة صغيرة إلى شمالي فرنسا، ووضعت ألمانيا قوات على خط سيجفريد، وهو شق من دفاعات بناه هتلر في الثلاثينيات مقابل خط ماجينو. وتحاشى الجانبان القتال في أواخر سنة 1939م وأوائل سنة 1940م. وقد سمى الصحفيون هذه الفترة بالحرب الوهمية.

غزو الدنمارك والنرويج. وصلت من السويد إلى ألمانيا شحنات ضخمة من الحديد الخام عن طريق ميناء نارفيك النرويجي. خاف هتلر أن تقطع الطائرات البريطانية هذه الشحنات بزراعة متفجرات في مياه النرويج الساحلية. وفي أبريل 1940م غزت القوات الألمانية النرويج وغزت الدنمارك في طريقها. وحاولت بريطانيا مساعدة النرويج، لكن القوة الجوية لألمانيا حالت بين السفن البريطانية العديدة والقوات وبين الوصول إلى هذا القطر، ووقعت الدنمارك في يد الألمان في يونيو 1940م، وأنقذ غزو النرويج الشحنات الألمانية من الحديد الخام، وتهيأت في النرويج قواعد للغواصات والطائرات الألمانية.

استقال تشمبرلين بطل الترضية بعد غزو النرويج، وحل محله ونستون تشرتشل رئيسًا للوزراء في 10 مايو 1940م وأخبر تشرتشل الشعب البريطاني أنه ليس لديه ما يقدمه سوى الدم والتعب والدموع والعرق.

غزو الأراضي المنخفضة. كانت دول الأراضي المنخفضة، بلجيكا ولوكسمبرج وهولندا تأمل أن تظل محايدة بعد بدء الحرب العالمية الثانية، ورغم ذلك فإن ألمانيا شنت حربًا خاطفة ضدها في 10 مايو 1940 م، والتمست هذه الأقطار مساعدة الحلفاء، لكن لوكسمبرج استسلمت في يوم واحد وهولندا في خمسة أيام، واندفعت القوات البريطانية والفرنسية إلى بلجيكا حيث سقطت في المصيدة الألمانية، وعندما كانت قوات الحلفاء تتسابق في اتجاه الشمال قطع الغزو الألماني عليها الطريق من الخلف عبر غابة أردينز البلجيكية إلى الجنوب، ووصل الألمان إلى القنال الإنجليزي يوم 21 مايو، وحاصروا قوات الحلفاء تقريبًا في بلجيكا.

استسلم الملك ليوبولد الثالث يوم 28 مايو 1940م، وترك استسلامه قوات الحلفاء المحاصرة في خطر كبير. كانت هذه القوات تنسحب تجاه الميناء الفرنسي دنكرك على القنال الإنجليزي، وأرسلت بريطانيا كل الطائرات المتاحة لديها لإنقاذ القوات. وقد تضمن أسطول الإنقاذ مدمرات ويخوتًا وعبّارات ومراكب صيد وقوارب آلية. وأمام القصف العنيف أجْلت نحو 338 ألفا من القوات في الفترة من 26 مايو إلى 4 يونيو، وأنقذ الجلاء عن دنكرك الجيش البريطاني. ولكن الجيش ترك وراءه دباباته ومعداته، واستسلمت بقية قوات الحلفاء في دنكرك في 4 يونيو 1940م.


التواريخ المهمة في أوروبا وشمال إفريقيا 1939 – 1942م


1939م

أول سبتمبر

غزت ألمانيا بولندا مبتدئة الحرب العالمية الثانية.

3 سبتمبر

أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا.

1940م

9 أبريل

غزت ألمانيا الدنمارك والنرويج

10 مايو

غزت ألمانيا بلجيكا وهولندا

10 يونيو

أعلنت إيطاليا الحرب على فرنسا وبريطانيا

22 يونيو

وقعت فرنسا هدنة مع ألمانيا

10 يوليو

بدأت معركة بريطانيا

1941م

6 أبريل

غزت ألمانيا اليونان ويوغوسلافيا

22 يونيو

غزت ألمانيا الاتحاد السوفييتي

8 سبتمبر

أكملت القوات الألمانية حصار لينينغراد الذي استمر حتى يناير 1944م.

1942م

25 أغسطس

أمر هتلر قواته بمحاصرة ستالينجراد

22 أكتوبر

هاجمت بريطانيا قوات المحور عند العلمين في مصر

8 نوفمبر

نزلت قوات الحلفاء في الجزائر والمغرب.

سقوط فرنسا. توقعت فرنسا أن تقاتل على طول جبهة ثابتة، ولذلك ثبتت خط ماجينو للدفاع عن نفسها، لكن الدبابات الألمانية والطائرات التفت حول خط ماجينو. لقد مر الألمان شمالي خط ماجينو عندما اندفعوا عبر لوكسمبرج وبلجيكا وفي شمالي فرنسا في مايو 1940م وشنوا هجومًا كبيرًا ضد فرنسا في 5 يونيو، وأرسلت حسب خطة الحرب الخاطفة قوات فرنسية إلى الخلف، وعندما كانت فرنسا على وشك السقوط أعلنت إيطاليا الحرب على فرنسا وبريطانيا في 10 يونيو.

دخلت القوات الألمانية باريس في 14 يونيو 1940م. وكانت الحكومة الفرنسية قد هربت من العاصمة من قبل. وأصبح بول رينو رئيسًا لوزراء فرنسا في مارس. أراد رينو أن يستمر في الحرب، لكن كثيرًا من جنرالاته وهيئة القيادة العسكرية اعتقدوا أن المعركة من أجل فرنسا قد خسرت واستقال رينو، ووافقت حكومة فرنسية جديدة على هدنة في 22 يونيو.

وبموجب شروط الهدنة احتلت ألمانيا ثلثي الشمال من فرنسا وشريطًا على طول المحيط الأطلسي غربي فرنسا، وظل جنوب فرنسا تحت الإدارة الفرنسية. وأصبحت فيشي عاصمة الأجزاء غير المحتلة من فرنسا. وترأس المارشال هنري بيتان، وهو بطل فرنسي في الحرب العالمية الأولى حكومة فيشي، وتعاون إلى حد كبير مع الألمان، وفي نوفمبر 1942 م احتلت القوات الألمانية فرنسا كلها.

هرب أحد ألوية الجيش الفرنسي إلى بريطانيا ذلك هو شارل ديجول الذي حث الشعب على أن يستمر في القتال ضد ألمانيا عبر الإذاعة الموجهة إلى فرنسا، وعرفت القوات التي تجمعت حول ديجول بقوات فرنسا الحرة.

معركة بريطانيا. اعتقد هتلر أن بريطانيا سوف تبحث عن السلام مع ألمانيا بعد سقوط فرنسا، لكن بريطانيا حاربت وحدها. وأعد هتلر الاستعدادات لعبور القنال الإنجليزي وغزو جنوب إنجلترا. وقبل أن يستطيع الألمان غزوها كان عليهم أن يهزموا القوات الجوية الملكية البريطانية. وكانت معركة بريطانيا التي بدأت في يوليو 1940م أول معركة غير مسبوقة للسيطرة على الجو. وفي أغسطس 1940م بدأت القوات الجوية الألمانية اللوفتوافه الهجوم على قواعد القوات الجوية الملكية، لكن محطات الرادار على طول ساحل إنجلترا أنذرت باقتراب الطائرات الألمانية، وساعدت القوات الجوية البريطانية في أن تعترضها.

كان كل جانب يبالغ في عدد طائرات العدو التي أسقطها. واعتقدت القوات الجوية الألمانية اللوفتوافه، خطأ أنها دمرت القوات الجوية الملكية، ثم شن الألمان ضرباتهم ضد قواعد القوات الجوية الملكية، وبدأوا في ضرب لندن وأهداف أخرى مدنية. كانوا يأملون أن يضعفوا الروح المعنوية عند المدنيين، ويجبروا بريطانيا على أن تستسلم. وكانت الغارات الجوية المعروفة باسم بليتز (الغارة الجوية الخاطفة) تشن كل ليلة تقريبًا طوال الخريف والشتاء. وفي مايو 1941م أوقفت ألمانيا نهائيًا محاولاتها لهزيمة بريطانيا من الجو.

وكان قرار هتلر بإنهاء هجومه على (القوات الجوية الملكية) قد ساعد بريطانيا على إعادة بناء قواتها الجوية. وكان إنقاذ بريطانيا مهما للغاية في الحرب فيما بعد؛ لأن هذا القطر استخدم قاعدة لتحرير الحلفاء في أوروبا من الحكم النازي.

انتشار الحرب

أصبحت الحرب العالمية الثانية حربًا عالمية في نهاية 1941م. وامتدت الحرب إلى إفريقيا وشبه جزيرة البلقان وشرقي أوروبا والاتحاد السوفييتي. كذلك قاتل الحلفاء والمحور كُلٌّ منهما الآخر في البحر. وفي ديسمبر 1941م دخلت الولايات المتحدة الحرب.

القتال في إفريقيا. فتح الإيطاليون جبهات في إفريقيا في أثناء معركة بريطانيا تقريبًا، وتوقع موسوليني انتصارات سهلة على القوات البريطانية الصغيرة في شمالي إفريقيا. وفي أغسطس 1940 م اندفع الإيطاليون شرقًا من أثيوبيا واكتسحوا القوات في الصومال البريطاني. وفي الشهر التالي قامت القوات الإيطالية التي كانت ترابط في ليبيا بغزو مصر.

وتراوح القتال طوال عامين كرًا وفرًا عبر ليبيا ومصر. وقاتلت قوات من أستراليا ونيوزيلندا والهند وجنوب إفريقيا مع القوات البريطانية كي تبقى قوات المحور بعيدة عن مصر. وكانت سيطرة المحور على مصر سوف تؤدي إلى حرمان بريطانيا من كل حقول النفط في الشرق الأوسط ومن قناة السويس، وهي أقصر طريق بحري إلى آسيا. وضربت بريطانيا الإيطاليين من الخلف في ديسمبر 1940م لتطردهم عن مصر إلى الخلف في ليبيا. وجذب غزو إيطاليا لليونان جزءًا من قوات بريطانيا في إفريقيا، وأوقف التقدم الذي كان في أوائل 1941م. أرسل هتلر وحدات دبابات مدربة على حرب الصحراء لتساعد الإيطاليين في شمال إفريقيا، وعرفت وحدات الدبابات باسم الفيلق الإفريقي الذي كان يقوده اللواء إيروين روميل. وكان من شأن ترتيبات روميل الماهرة أن أكسبته اسم ثعلب الصحراء الذي عرف به. وخلال الربيع استعاد روميل الأرض الليبية التي فقدها الإيطاليون، واندفع إلى مصر وعاد الإنجليز ليدفعوا قوات المحور إلى الخلف في ليبيا في مايو 1942م. واندفع روميل عبر الخطوط البريطانية، ووصل إلى العلمين على بعد 320كم من قناة السويس.

ورغم ذلك لم ينقذ الألمان إمبراطورية موسوليني في شرقي إفريقيا. وفي مايو 1941 م هزمت بريطانيا الإيطاليين في الصومال البريطاني وأثيوبيا.

القتال في البلقان. استخدم هتلر التهديدات ليجبر بلغاريا والمجر ورومانيا كي تنضم إلى المحور وكانت هذه الأقطار تمد ألمانيا بالطعام والنفط والمواد الأخرى. ووقعت حكومة يوغوسلافيا اتفاقا مع المحور في مارس 1941 م. ولكن القوات المسلحة اليوغوسلافية تمردت وقلبت الحكومة، فأمر هتلر وهو غاضب، أن تكتسح يوغوسلافيا. وبدأت القوات الألمانية تتدفق على يوغوسلافيا في 6 أبريل. استسلمت يوغوسلافيا بعد أحد عشر يومًا، وخلال ذلك الوقت كان هتلر ينقذ قوات موسوليني في أماكن أخرى من شبه جزيرة البلقان.

تعب موسوليني من لعبة الشريك الأصغر لهتلر وأراد إشباع غروره. وفي أكتوبر 1940م غزت القوات الإيطالية المتمركزة في ألبانيا اليونان، وتوقعت أن تهزم الجيش اليوناني الفقير في عدته بسهولة. وقاتل اليونانيون ببسالة رغم التفوق العددي الكبير الذي كان يواجههم. وفي ديسمبر طردوا الإيطاليين من اليونان واكتسحوا جزءًا من ألبانيا. أرسلت بريطانيا قوة صغيرة لمساعدة اليونان، ولكن في أبريل 1941م وصلت قوة ألمانية لمساعدة الإيطاليين. وفي أبريل سيطر المحور على اليونان، وانسحبت القوات البريطانية من اليونان إلى جزيرة كريت في البحر المتوسط. وفي 20 مايو سنة 1941م هبط آلاف من جنود المظلات الألمان على جزيرة كريت واستولوا على أحد المطارات، ثم هبط مزيد من الجنود الألمان. وكان هذا أول غزو محمول جوًا في التاريخ وقد منح ألمانيا قاعدة مهمة في البحر الأبيض المتوسط بنهاية شهر مايو.

كانت هزائم البلقان ضربات قاتلة لبريطانيا. ويعتقد بعض المؤرخين أن دوران هتلر تجاه يوغوسلافيا واليونان كان باهظًا لهتلر؛ لأنه أجل غزو الاتحاد السوفييتي. كان هتلر يتنبأ في ثقة بنصره على الاتحاد السوفييتي خلال ثمانية أسابيع ولكنه فشل في أن يعد لحرب الشتاء.

غزو الاتحاد السوفييتي. برهنت ألمانيا والاتحاد السوفييتي أنهما شريكان لا يطمئن أحدهما للآخر، ونظر هتلر إلى الاتحاد السوفييتي كعدو رئيسي لألمانيا، وخاف من الأطماع السوفييتية أن تمتد إلى شرقي أوروبا. وأراد هتلر أيضًا السيطرة على حقول قمح الاتحاد السوفييتي وحقول النفط وكان ميثاق عدم الاعتداء مع ستالين في سنة 1939م مستخدمًا فقط لإبعاد الاتحاد السوفييتي عن الحرب، بينما تكتسح ألمانيا شرقي أوروبا.

لم يثق ستالين بهتلر، وبحث عن قواعد بحرية أكثر لتقوية الحدود السوفييتية. وفي نوفمبر 1939م غزا الاتحاد السوفييتي فنلندا واستسلم الفنلنديون في مارس 1940م، بعد حرب وحشية. وفي الصيف استولى الاتحاد السوفييتي على إستونيا ولاتفيا ولتوانيا على طول بحر البلطيق. وبدأ غزو ألمانيا للاتحاد السوفييتي الذي رمز له بعملية بارباروسا في 22 يونيو 1941م. وأخذ الاتحاد السوفييتي على غرة، واندفعت الدبابات الألمانية عبر خطوط الاتحاد السوفييتي. وفي أثناء الأسابيع القليلة الأولى من المعركة أحاطت الجيوش الألمانية بالقوات السوفييتية وقتلت وأسرت مئات الآلاف.

ومع تقدم الألمان، ضرب الشعب السوفييتي المصانع والسدود وخطوط السكك الحديدية ومخازن الطعام وكل شيء آخر قد يكون مفيدًا للعدو. وبدا وكأن الألمان يمضون نحو النصر في أواخر يوليو لكنهم بدأوا يخطئون.

أرادت طلائع جيش هتلر أن تندفع نحو موسكو، لكن هتلر خطأهم، وبدلاً من ذلك فقد دعم الجيوش الألمانية المتجهة شمالاً نحو لينينغراد، وجنوبًا نحو شبه جزيرة القرم على البحر الأسود. وبينما كان الألمان يفقدون الوقت في نقل القوات، أحضر ستالين قوات جديدة. وتباطأ التقدم الألماني في سبتمبر رغم أن الألمان أخذوا مدينة كييف في الجنوب، وسقط مطر غزير في أكتوبر وأصبحت الدبابات والمدفعية الألمانية عالقة في الطين.

وفي نوفمبر 1941م أخضع الألمان لينينغراد وبدأوا يحاصرون موسكو، ووصلت القوات ضواحي موسكو في أوائل ديسمبر، وكانت درجة الحرارة قد هبطت إلى 40ْم تحت الصفر وبدأ شتاء قارس غير عادي مبكرًا. وكانت القوات الألمانية تعوزها الملابس الدافئة وتعاني من الصقيع. وتحطمت دباباتهم وأسلحتهم في ذلك البرد القارس، وأنقذ الشتاء الاتحاد السوفييتي.

معركة الأطلسي. بدا كأن ألمانيا سوف تكسب معركة الأطلسي منذ سنة 1940 إلى سنة 1942م وقد أغرقت قوارب اليو ( u) آلاف الأطنان من بضائع الحلفاء البحرية في كل شهر. ولكن الحلفاء تغلبوا تدريجيًا على خطر قوارب اليو (u) واستخدموا الرادار المسمى السونار (الصوتي) للكشف عن غواصات الألمان. وضربت الطائرات البعيدة المدى قوارب اليو (u) عندما كانت تظهر على السطح. وفي منتصف 1943م كان الحلفاء يغرقون تلك القوارب بأسرع مما يستطيع الألمان أن يعوضوا ما يفقدون، وبهذا تم تجاوز أزمة الأطلسي.

الحرب تصبح صراعًا عالميًا

دخلت أمم الكومنولث الحرب، إما مع دخول بريطانيا ونيوزيلندا والهند الحرب في 3 سبتمبر 1939م أو بعده. فعلت ذلك جنوب إفريقيا في 6 سبتمبر وكندا في الـعاشر من الشهر نفسه، وأرسلت مستعمرات كثيرة، من ضمنها جزر الهند الغربية والمستعمرات الإفريقية قوات لهذا الغرض.

أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية فرانكلين روزفلت حياد الولايات المتحدة. لقد اعتقدت غالبية الشعب في الولايات المتحدة أن بلدهم يجب أن يظل بعيدًا عن الحرب العالمية الثانية. لكن كثيرًا من الأمريكيين يأملون في انتصار الحلفاء، وبحث روزفلت وآخرون من مؤيدي التدخل الدولي كل مساعدة، إلا الحرب، للأمم التي تقاتل المحور، كانوا يرون أن انتصار المحور مهدد للديمقراطية في كل مكان، أما الذين يرون انعزالية أمريكا فقد عارضوا مساعدة الولايات المتحدة للأمم المتحاربة.

أعلنت كل أقطار أمريكا الشمالية وجنوبها تدريجيًا الحرب على المحور، لكن البرازيل وكندا والولايات المتحدة فقط هي التي أرسلت قوات. لقد أدت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في نصر الحلفاء.

قانون الإعارة والتأجير. كان الرئيس روزفلت يأمل في أن تهزم الولايات المتحدة المحور بأن تمد الدول التي تقاتلهم بالسفن والدبابات والطائرات والمواد الحربية الأخرى، وأهاب روزفلت بالولايات المتحدة أن تصبح ما أسماه موئل الديمقراطية.

ومع الحرب العالمية الثانية حالت قوانين الحياد دون بيع أسلحة للأمم المتحاربة. وسرعان ما غير مجلس النواب الأمريكي القوانين لكي يساعد بريطانيا وفرنسا. وسمح قانون جديد أن تشتري الأمم المتقاتلة أسلحة بالدفع نقدًا. وفي أواخر سنة 1940 م أصبحت بريطانيا تقريبًا لا تملك دعمًا ماليًًا لجيشها. واقترح روزفلت قانون الإعارة والتأجير، الذي يسمح للولايات المتحدة أن تؤجر أو تعير مواد خامًًا ومعدات وأسلحة لأي دولة تقاتل المحور. ووافق الكونجرس على القانون في مارس 1941م، وتسلمت 38 دولة ما مجموعه 50 بليون دولار مساعدة تحت بند قانون الإعارة والتأجير. وذهب أكثر من نصف المساعدة إلى الإمبراطورية البريطانية والربع تقريبًا إلى الاتحاد السوفييتي.

الهجوم الياباني. كانت اليابان وليست ألمانيا هي التي أقحمت الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. ففي 1940م كانت القوات اليابانية مرابطة في الصين، ولإرغام الصين على الاستسلام قررت اليابان أن تقطع كل المدد الذي يصل إلى الصين من جنوب شرقي آسيا. أرادت اليابان أن تكون لها المصادر الغنية في جنوب شرقي آسيا، وتحدث قادة اليابان العسكريون عن بناء إمبراطورية أسموها المجال الأعظم للرفاهية المشتركة في جنوب شرقي آسيا.

عارضت الولايات المتحدة توسع اليابان في جنوب شرقي آسيا في سنة 1940م، واحتلت القوات اليابانية شمال الهند الصينية (وهي اليوم جزء من لاوس وفيتنام). وفي مقابل ذلك قطعت الولايات المتحدة الصادرات من الحديد الخردة والنفط وفضلات المعادن وبعض المواد الصناعية الخام المهمة الأخرى عن اليابان، وازداد التوتر بعد أن أخذت اليابان باقي الهند الصينية في سنة 1941م، ثم منعت حكومة الولايات المتحدة سحب الأموال اليابانية من مصارف أمريكا.

وأصبح اللواء هيديكي توجو رئيسًا لوزراء اليابان في أكتوبر 1941م وقرر توجو وقادة عسكريون آخرون مهاجمة الأمريكيين والإنجليز والدنماركيين في المحيط الهادئ ، فقد تيقنوا من ضرورة تحطيم أسطول الولايات المتحدة القوي.

وفي 7 ديسمبر 1941م وبدون إنذار، ضربت الطائرات اليابانية أسطول الولايات المتحدة الراسي في بيرل هاربر في هاواي. لقد كان قذف بيرل هاربر نجاحًا كبيرًا في أول الأمر لليابان؛ فلقد أحدث عجزًا كبيرًا في الأسطول الأمريكي، ودمر كثيرًا من الطائرات، ولكنه على المدى البعيد ثبت أنه مميت لليابان فلقد جر الولايات المتحدة إلى الحرب.

أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا والحلفاء الآخرون الحرب على اليابان في 8 ديسمبر 1941م. وفي اليوم التالي أعلنت الصين الحرب على المحور، وأعلنت ألمانيا وإيطاليا الحرب على الولايات المتحدة في 11 ديسمبر، وأصبحت الحرب العالمية الثانية صراعًا شاملاً.

هجوم الحلفاء في أوروبا وشمال إفريقيا

انتهت هزائم الحلفاء في أوروبا في أواخر سنة 1941م. فلقد أوقفت القوات السوفييتية التقدم الألماني في شرقي أوروبا في 1942م، وكسبت انتصارًا أكبر عند ستالينجراد في سنة 1943،. وغزا الحلفاء شمالي إفريقيا سنة 1942م وأجبروا إيطاليا أن تستسلم في سنة 1943م وانتشرت قوات الحلفاء على شاطئ شمالي فرنسا سنة 1944 م في أكبر غزو في التاريخ، وأجبر هجوم الحلفاء في الشرق والغرب ألمانيا على أن تستسلم في سنة 1945م.

الإستراتيجية. عُرف تشرتشل وروزفلت وستالين قادة القوى الثلاث الكبرى خلال الحرب العالمية الثانية بالثلاثة الكبار. لقد خطط الثلاثة الكبار ومستشاروهم العسكريون الاستراتيجية التي هزمت المحور. عقد تشرتشل وروزفلت مؤتمرات كثيرة حول الاستراتيجية العامة، وأما ستالين فقد أدار وحده مجهود السوفييت في الحرب ونادرًا ما استشار الحلفاء.

في اجتماع في واشنطن العاصمة الأمريكية، في ديسمبر 1941م اتفق تشرتشل وروزفلت على أن الحرب الأوروبية يجب أن تكسب أولاً، وأن هذا يحتاج إلى غزو الحلفاء لغربي أوروبا. وكوّن القادة العسكريون للحليفتين الغربيتين هيئة أركان حرب مشتركة لتبادل الأفكار والمعلومات، واعتمد القادة السياسيون للحلفاء: تشرتشل وروزفلت وستالين إلى حد كبير على مستشاريهم العسكريين الكبار.

كان الخلاف الرئيسي بين الثلاثة الكبار أثناء الحرب يتعلق بغزو الحلفاء لغرب أوروبا. كان ستالين يحث روزفلت وتشرتشل دائمًا على أن يفتحا جبهة قتال ثانية في غربي أوروبا، ومن ثم يبعد القوات الألمانية عن الجبهة السوفييتية. وأيد كل من روزفلت وتشرتشل الفكرة، لكنهما اختلفا حول مكان الغزو ووقته. وكان الأمريكيون يريدون النزول في شمالي فرنسا بأسرع مايمكن، بينما رأى الإنجليز أن غزو فرنسا قبل أن يكون الحلفاء مستعدين أمر مميت، وبدلاً من ذلك حبذ تشرتشل غزو إيطاليا أولاً وأخذ بهذه الخطة.

تقابل روزفلت وتشرتشل أولاً في أغسطس 1941م على ظهر سفينة على ساحل نيوفاوندلاند، وأعلنا ميثاق الأطلسي وهو بيان عما تبتغيه الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الحرب. وبعد غزو اليابانيين لبيرل هاربر اتفق روزفلت وتشرتشل على أن ألمانيا أقرب وأكثر خطرًا من اليابان، ووافقا على فتح الجبهة الثانية للتخفيف من الضغط الشديد الواقع على القوات السوفييتية، وركزا على هزيمة ألمانيا.

وفي يناير 1943 م تقابل روزفلت وتشرتشل في الدار البيضاء في المغرب، ووافقا على غزو جزيرة صقلية في البحر المتوسط بعد طرد الألمان والإيطاليين من شمالي إفريقيا. وفي المؤتمر أعلن روزفلت أن الحلفاء يقبلون فقط استسلامًا غير مشروط (كاملاً) من قوى المحور، وأيده تشرتشل.

وتقابل تشرتشل ورزفلت مع ستالين أولاً في نوفمبر 1943م في طهران بإيران، حيث ناقش الثلاثة الكبار خططًا لغزو بريطاني وأمريكي مشترك لفرنسا في ربيع سنة 1944م، ولم يتقابلوا مرة ثانية إلا حين قاربت ألمانيا على الانهيار. وفي فبراير 1945م اجتمع روزفلت وتشرتشل وستالين في يالطا وهي مدينة سوفييتية في شبه جزيرة القرم، واتفقوا على أن يحتل كل بلد من بلادهم منطقة من ألمانيا بعد انتهاء الحرب، وكان على فرنسا أن تحتل منطقة رابعة. وفي مؤتمر يالطا ضمن ستالين أن يسمح بانتخابات حرة في بولندا والأقطار الأخرى في شرقي أوروبا بعد الحرب، ولكنه لم يف بوعده فيما بعد، ومات روزفلت في أبريل 1945م بعد شهرين من مؤتمر يالطا.


التواريخ المهمة في أوروبا وشمال إفريقيا 1943 – 1945


1943

2 فبراير

استسلم آخر القوات الألمانية في ستالينجراد.

13 مايو

استسلمت قوات المحور في شمال إفريقيا.

4 يوليو

فتحت ألمانيا هجومًا قرب المدينة السوفييتية كورسك.

10 يوليو

غزت قوات الحلفاء صقلية.

3 سبتمبر

استسلمت إيطاليا سرًا للحلفاء

9 سبتمبر

نزلت قوات الحلفاء عند ساليرنو، بإيطاليا

1944

6 يونيو

نزلت قوات الحلفاء في نورمنديا في اليوم المحدّد لغزو شمال فرنسا

20 يوليو

فشل محاولة لاغتيال هتلر

16 ديسمبر

ضرب الألمان قوات الولايات المتحدة في معركة البلغة

1945

30 أبريل

انتحر هتلر في برلين

7 مايو

استسلمت ألمانيا دون قيد أو شرط للحلفاء في ريمس، في فرنسا منهية الحرب العالمية الثانية في أوروبا.

الجبهة السوفييتية. ضربت القوات السوفييتية الألمان خارج موسكو في ديسمبر 1941م، ودفعت القوات السوفييتية الغزاة إلى الخلف نحو 160كم من موسكو خلال الشتاء، ولم يعد الألمان قريبين من موسكو مثلما كانوا في ديسمبر 1941م. ورغم ذلك فإن انتعاش السوفييت كان قصير الأمد؛ ففي ربيع 1942م عاود الألمان الهجوم واكتسحوا شبه جزيرة القرم، ومضوا قدمًا شرقًا تجاه حقول النفط السوفييتية في منطقة القوقاز، وأمر هتلر الجنرال فريدريش فون باولوس أن يمضي في ضغطه ويستولي على مدينة ستالينجراد (اسمها الآن فولجاجراد)، وبدأت معركة وحشية مدة خمسة أشهر حول ستالينجراد في أواخر أغسطس. وفي سبتمبر كان الجنود الألمان والسوفييت يشتبكون بالأيدي في قلب المدينة.

ومع قدوم الشتاء التمس باولوس الإذن أن ينسحب من ستالينجراد، لكن هتلر أمره أن يبقى وأن يقاتل، وعاودت القوات السوفييتية هجومًا مضادًا في منتصف نوفمبر. وفي أسبوع واحد حاصرت جيش باولوس، ووعدت اللوفتوافه (أي القوات الجوية الألمانية) أن تزود الجيش من الجو، ولكن إمدادات قليلة أنزلت، وفي كل يوم كان يتجمد الآلاف من الجنود الألمان أو يموتون جوعًا. وفي 2 فبراير 1943 م استسلمت القوات الألمانية في ستالينجراد.

كانت معركة ستالينجراد نقطة تحول في تاريخ الحرب العالمية الثانية؛ إذ أوقفت تقدم ألمانيا شرقًا، ومات وأسر نحو 300 ألف من القوات الألمانية، كما مات عدد كبير من الجنود السوفييت أيضًا.

في شمال إفريقيا. أصابت الألمان هزيمة في شمال إفريقيا في نفس وقت هزيمتهم عند ستالينجراد. في صيف 1942م واجهت القوات الألمانية والإيطالية بقيادة روميل البريطانيين وحلفاءهم عند العلمين في مصر. وكان اللواء هارولد ألكسندر والفريق بيرنارد لو. مونتجمري يقودان القوات البريطانية في شمال إفريقيا.

قام روميل بالهجوم في أواخر أغسطس 1942م على عَلَم الحَلْفا جنوب العلمين، وأوقف الإنجليز الهجوم لأنهم علموا سرًا ببعض تفاصيل خطة روميل في المعركة، وطلب تشرتشل هجومًا مضادًا عاجلاً لكن مونتجمري رفض أن يندفع إلى المعركة قبل أن يكون مستعدًا. وفي 23 أكتوبر اندفع مونتجمري إلى العلمين، واخترق خطوط العدو في أوائل نوفمبر، وانسحبت قوات المحور نحو تونس، والبريطانيون يتعقبونهم بقوة. وكانت معركة العلمين مثل معركة ستالينجراد نقطة تحول في الحرب، ففي كلتا المعركتين أنهى الحلفاء سلسلة انتصارات هتلر.

بعد معركة العلمين غزا الحلفاء المستعمرات الفرنسية في شمال إفريقيا، ونزلت قوات الحلفاء يقودها الجنرال دوايت آيزنهاور من الولايات المتحدة في الجزائر والمغرب في 8 نوفمبر 1942م، وقاتلت قوات فيشي في شمال إفريقيا لعدة أيام، ثم انضمت بعد ذلك إلى جانب الحلفاء.

كان الحلفاء يأملون في التقدم سريعًا إلى تونس ومن ثم يفصلون قوات المحور عن قواعدها في بلادها في إيطاليا وصقلية. لكن قوات المحور تحركت بشكل أسرع واحتلت تونس أولاً. وهناك استعد روميل للمعركة، واشتبكت القوات الأمريكية أولاً في معركة مع الألمان في فبراير 1943 م قرب ممر القصرين بتونس. وهزم روميل القوات الأمريكية عديمة الخبرة في قتال شرس، ولكن قوات الحلفاء تماسكت بعد ذلك، واستسلمت بقايا قوات المحور في شمال إفريقيا في مايو، وكان روميل قد عاد من قبل إلى ألمانيا. وبتطهير قوات المحور من شمال إفريقيا حصل الحلفاء على قواعد يمكن منها غزو جنوب أوروبا.

غزو إيطاليا. لقد خطط الحلفاء لغزو صقلية بعد طرد قوات المحور من شمال إفريقيا. وقذفت طائرات المحور سفن الحلفاء بالقنابل في البحر المتوسط من قواعد في صقلية؛ إذ أراد الحلفاء أن يكون البحر المتوسط آمنًا لسفنهم،كما كانوا يأملون أن يمكنهم غزو صقلية من هزيمة إيطاليا التي أنهكتها الحرب وإخراجها منها.

ونزلت قوات الحلفاء تحت قيادة آيزنهاور على طول ساحل صقلية الجنوبي في 10 يوليو 1943م، واشتبكت طوال 39 يومًا في قتال ضار مع القوات الألمانية، وغادرت آخر القوات الألمانية صقلية في 17 أغسطس.

وعزل موسوليني من السلطة في 25 يوليو 1943م بعد غزو صقلية، وسجنته الحكومة الإيطالية لكن المظليين الألمان أنقذوه أخيرًا، وبدأ رئيس وزراء إيطاليا الجديد المشير بييترو بادوجليو محادثات سرية مع الحلفاء، وكان بادوجليو يأمل أن يمنع إيطاليا أن تصبح أرض معركة واستسلمت إيطاليا في 3 سبتمبر.

يوم دي (ساعة الصفر). بعد الجلاء عن دنكرك في سنة 1940م بدأت بريطانيا خطة للعودة إلى فرنسا. وفي سنة 1942م بدأت بريطانيا والولايات المتحدة مناقشة غزو على مدى واسع عبر القنال الإنجليزي. وفي ذلك الصيف غزا الحلفاء ميناء دييب الفرنسي على القنال. وواجه الغزاة دفاعات مائية قوية وتكبدوا خسائر ثقيلة، وأقنع غزو دييب الحلفاء للإنزال في أحراش مفتوحة لأن فرصة النجاح أحسن من الإنزال في ميناء.

وتوقع الألمان غزوًا من الحلفاء في شمالي ساحل فرنسا في سنة 1944م، لكنهم لم يكونوا متأكدين في أي ناحية، فقد كانت هناك سلسلة من التحصينات سماها الألمان حائط الأطلسي على طول الساحل. وأوكل هتلر إلى روميل مهمة تقوية دفاعات الألمان على طول القنال الإنجليزي، وأحضر روميل مدفعية ولغم المياه والأحراش ومد الأسلاك الشائكة، وركز الألمان قواتهم قرب كاليه في أقرب جزء من القنال الإنجليزي، لكن الحلفاء خططوا أن ينزلوا بعيدًا إلى الغرب في منطقة شمالي فرنسا تسمى نورمنديا.

واختار الحلفاء يوم الاثنين الموافق 5 يونيو 1944م يوم الصفر للهجوم على نورمنديا، لكن الأمواج العالية أجبرتهم على تأجيله حتى 6 يونيو وأثناء الليل عبر نحو 2,700 سفينة و176 ألف جندي القناة، ومضت كاسحات الألغام إلى الأمام تطهر المياه من الألغام، ونزلت قوات المظليين خلف خطوط الألمان واستولت على الجسور وخطوط السكك الحديدية. وفي الفجر فتحت السفن الحربية النار على الشواطئ، وفي الساعة 6,5 صباحا اندفعت القوات المتحالفة على الشاطئ في جبهة طولها 100 كم في أكبر غزو بحري محمول في التاريخ. وتقدمت قوات الحلفاء ببطء أول الأمر، واتجه الأمريكيون غربًا لمحاصرة الميناء الذي كان في حالة سيئة وهو ميناء شيربورج يوم 27 يونيو. أما كايين التي كان الإنجليز يأملون إسقاطها يوم الصفر، فقد سقطت يوم 18 يوليو. وفي نهاية يوليو اندفع الحلفاء نهائيًا عبر خطوط الألمان في أرض فسيحة.

الاندفاع إلى الراين. في 25 يوليو 1944م فتحت قاذفات القنابل للحلفاء ثغرة في جبهة الألمان قرب سانت لوي جنوب شرقي شيربورج بنحو 80 كم. واندفع الجيش الثالث للولايات المتحدة تحت قيادة الجنرال جورج س. باتون عبر هذه الثغرة، وخلال أغسطس طرد الحلفاء الألمان من معظم شمال غربي فرنسا، وضربت قاذفات قنابل الحلفاء الألمان المنسحبين.

ومضى جيش باتون شرقًا نحو باريس. وفي 19 أغسطس 1944م ثار أهل باريس ضد القوات الألمانية فأمر هتلر بهدم المدينة. ولكن لواءات جيشه تأخروا في تنفيذ الأمر، وحررت قوات الحلفاء بما فيها قوات فرنسا الحرة باريس يوم 25 أغسطس.

في منتصف أغسطس 1944م نزلت قوات الحلفاء في جنوبي فرنسا، واندفعت بسرعة عبر وادي نهر الرون، وكان باتون يتجه في هذه الأثناء شرقًا تجاه الحدود الألمانية ونهر الراين. وفي آخر أغسطس نفد وقود دباباته. وفي الشمال كانت القوات الإنجليزية التي يقودها المشير بيرنارد لو. مونتجمري تكتسح بلجيكا وتحاصر أنتورب في 4سبتمبر. وخطط الحلفاء لعملية محمولة جوًا لنقلهم عبر الراين. وفي 17 سبتمبر تم إنزال 20 ألف مظلي خلف خطوط الألمان ليسيطروا على الجسور في هولندا، لكن سوء الأحوال الجوية والمشاكل الأخرى عطلت عملية إنزالهم وكان واضحًا أن النصر على ألمانيا لابد أن ينتظر حتى سنة 1945 م.

وعرف لواءات الجيش الألماني أنهم هزموا، لكن هتلر جمع موارده المتداعية لمعركة أخرى. وفي 16 ديسمبر 1944 م فاجأت القوات الألمانية الأمريكيين فاطبقوا عليهم في غابة أردينز في بلجيكا ولوكسمبرج. لكن الألمان كان ينقصهم القوات والوقود وخلال أسبوعين أوقف الأمريكيون تقدم الألمان قرب نهر المويز في بلجيكا، وعرف هجوم الأردينز باسم معركة البولج (الانبعاج) بسبب الشكل المنبعج لأرض المعركة على الخريطة.

التقدم السوفييتي. أنهى النصر السوفييتي في معركة ستالينجراد التقدم الألماني في شرقي أوروبا. وبعد يناير 1943م دفع الجنود السوفييت الألمان ببطء إلى الوراء، وتحسنت حال القوات السوفييتية في سنة 1943م، وتجاوز عددها الجيوش الألمانية المواجهة لها، وتدفقت الإمدادات على الاتحاد السوفييتي من بريطانيا والولايات المتحدة، وكيّفت المصانع السوفييتية أوضاعها للإنتاج الحربي.

ورغم ذلك فإن الألمان عاودوا الهجوم في يوليو 1943م، قرب المدينة السوفييتية كورسك، وجمعوا نحو ثلاثة آلاف دبابة في المعركة، وبقيت القوات السوفييتية تنتظرهم. وفي واحدة من أعظم المعارك في التاريخ دمّرت الألغام والدبابات والمدافع المضادة للدبابات والطائرات السوفييتية الدبابات الألمانية، وأوقف هتلر الهجوم لينقذ باقي دباباته. وتحركت القوات السوفييتية ببطء أثناء الصيف والخريف في سنة 1943م وفي يناير 1944م، أنهى هجوم سوفييتي حصار لينينغراد الذي بدأ في سبتمبر 1941م، وكان ذلك أطول حصار في التاريخ الحديث، ومات نحو مليون من أهالي لينينغراد خلال الحصار معظمهم بسبب النقص في الطعام والتدفئة ولكن المدينة لم تستسلم أبدًا.

وفي يونيو 1944م بعد غزو نورمنديا بقليل، هاجمت جيوش ستالين على جبهة طولها 720كم، وفي أواخر يوليو وصلت القوات السوفييتية ضواحي وارسو، وثار جيش بولندا الوطني ضد القوات الألمانية في وارسو في أول أغسطس، ولكن القوات السوفييتية رفضت أن تهب لمساعدة بولندا. وسمح ستالين للألمان أن يضربوا الجيش الوطني الذي ربما كان سيقاوم خططه لإقامة حكومة شيوعية في بولندا بعد الحرب، واستسلم الجيش الوطني بعد شهرين، ومات أكثر من 200 ألف بولندي أثناء ثورة وارسو، ودخلت القوات السوفييتية وارسو في يناير 1945م.

في أثناء ذلك اندفعت القوات السوفييتية إلى رومانيا وبلغاريا، وطرد الألمان من اليونان ويوغوسلافيا في خريف 1944م، لكنهم بقوا في بودابست عاصمة المجر حتى فبراير 1945م، وسقطت فيينا عاصمة النمسا في يد الجنود السوفييت في أبريل، وفي تلك الأثناء احتلت القوات السوفييتية كل شرقي أوروبا تقريبًا.

النصر في أوربا. لقد بدأ الحلفاء نصرهم النهائي على ألمانيا في أوائل سنة 1945م، حين وصل الجنود السوفييت نهر الأودر على بعد 65كم شرقي برلين في يناير، واحتلت قوات الحلفاء مواقع لها على طول نهر الراين في أوائل مارس.

طهرت القوات البريطانية والكندية هولندا من الألمان واندفعت في شمال ألمانيا، وتسابقت القوات الأمريكية والفرنسية نحو نهر ألبة في وسط ألمانيا، وأمر هتلر جنوده أن يقاتلوا حتى الموت، ولكن أعدادًا كبيرة من الجنود الألمان كانت تستسلم كل يوم.

تُرك حصار برلين، عاصمة ألمانيا، للقوات السوفييتية، وفي 25 أبريل 1945م سيطرت القوات السوفييتية على المدينة، ومن مخبأ عميق تحت الأرض أمر هتلر الجنود الألمان أن يستمروا في قتالها. ورغم ذلك وفي 30 أبريل انتحر هتلر، وظل يعتقد أن قضيته كانت على حق، وأن الشعب الألماني غير جدير بحكمه.

خلف الجنرال كارل دونيتز هتلر كقائد لألمانيا، ونظم دونيتز استسلام ألمانيا. وفي 7 مايو 1945م وقع الكولونيل جنرال ألفرد جودل رئيس أركان حرب القوات الألمانية وثيقة استسلام غير مشروط في مقر قيادة آيزنهاور في رانس بفرنسا، وانتهت الحرب العالمية الثانية في أوروبا، واعتبر الحلفاء يوم 8 مايو يوم النصر في أوروبا.

الحرب في آسيا والمحيط الهادئ

ترك الهجوم على بيرل هاربر أسطول الولايات المتحدة في المحيط الهادئ عاجزًا عن وقف التوسع الياباني. وخلال الستة شهور التالية مضت القوات اليابانية عبر جنوب شرقي آسيا وغربي المحيط الهادئ ، ووصلت الإمبراطورية اليابانية إلى أقصى حجمها في أغسطس 1942م، فامتدت في الشمال الشرقي إلى جزر ألوثيان في ألاسكا وغربًا إلى بورما وجنوبًا إلى إندونيسيا. وأوقف الحلفاء توسع اليابان في صيف 1942م وأخذوا يقتطعون من إمبراطوريتها حتى وافقت اليابان على أن تستسلم في أغسطس 1945م.

انتصارات اليابان المبكرة. في 8 ديسمبر 1941م خلال ساعات من الهجوم على بيرل هاربر ضربت قاذفات القنابل اليابانية المستعمرة البريطانية في هونج كونج في جنوب ساحل الصين وجزيرتين للولايات المتحدة في المحيط الهادئ هما غوام وويك، وغزا اليابانيون تايلاند في نفس اليوم واستسلمت تايلاند خلال ساعات، وانضمت إلى المحور، واستولت القوات اليابانية على هونج كونج وغوام وجزيرة ويك في عيد الميلاد.

ومن تايلاند تقدمت القوات اليابانية في الملايو (الآن هي جزء من ماليزيا) وبورما، وكانت بريطانيا تحكم هذه المنطقة.

وفي أواخر يناير 1942م دفع اليابانيون القوات البريطانية إلى الوراء في سنغافورة، وهي جزيرة محصنة في أعلى شبه جزيرة الملايو (ماليزيا)، وقذف اليابانيون الجزيرة في 8 فبراير، واستسلمت سنغافورة بعد أسبوع، وحاصرت اليابان حوالي 85 ألف جندي جاعلة من سقوط سنغافورة أسوأ هزيمة تحل ببريطانيا على الإطلاق.

ثم تحولت اليابان لتحقيق هدفها التالي وهو احتلال إندونيسيا الغنية بالبترول جنوبي الملايو. وكانت السفن الحربية تحمي هذه الجزر، وضربت البحرية اليابانية السفن في فبراير 1942م في معركة بحر جاوة، وسقطت إندونيسيا في أوائل مارس.

وفي تلك الأثناء تقدمت القوات اليابانية في جنوبي بورما، وأرسلت الصين قوات إلى بورما لمساعدة بريطانيا على البقاء في طريق بورما، وأرسلت أسلحة وأطعمة ومواد أخرى عبر هذا الطريق من الهند إلى الصين. وفي إبريل 1942م أخذت اليابان طريق بورما وأغلقته، واستطاع اليابانيون طرد قوات الحلفاء من معظم بورما في منتصف مايو.

كان غزو الفلبين هو الوحيد الذي استغرق أطول مما توقعت اليابان، بدأت اليابان إنزال قوات في الفلبين في 10 ديسمبر 1941م، وكانت القوات الأمريكية والفلبينية يقودها الجنرال الأمريكي ماك آرثر تدافع عن مانيلا. وفي أواخر ديسمبر سلمت قوات ماك آرثر مانيلا عاصمة الفلبين، وانسحبت إلى قرب شبه جزيرة باتان. ورغم ما كانوا يعانونه من نقص التغذية والمرض، فقد قاوموا الهجوم الياباني لمدة أكثر من ثلاثة شهور.

أمر الرئيس روزفلت ماك آرثر أن يتجه إلى أستراليا ويترك الفلبين في مارس 1942م، ووعد ماك آرثر الفلبينيين بقوله: “سوف أعود”. وفي 9 أبريل استسلم حوالي 75 ألف من قوات الولايات المتحدة المنهكة عند باتان لليابانيين، وقد اضطر معظمهم أن يسير حوالي 105كم إلى معسكرات اعتقال، ومات كثير من الأسرى من المرض، وسوء المعاملة أثناء ما عرف بمسيرة الموت في باتان، وبقي بعض الجنود يقاومون عند جزيرة كوريجدور قرب باتان حتى 6 مايو، ولكن اليابانيين كانوا حينذاك منتصرين في كل مكان.

أذهلت سلسلة انتصارات اليابان السريعة حتى اليابانيين، وأخافت الحلفاء، وكان سقوط إندونيسيا قد ترك أستراليا بدون حماية، وكان حصار بورما قد جاء باليابانيين إلى حدود الهند، وخافت أستراليا والهند من الغزو، وهاجمت الطائرات اليابانية داروين في شمال ساحل أستراليا في فبراير 1942م.


التواريخ المهمة في المحيط الهادئ (1941-1942م)


1941م

7 ديسمبر

قذفت اليابان القواعد العسكرية الأمريكية في بيرل هاربر

8 ديسمبر

أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا الحرب على اليابان

1942م

15 فبراير

سقطت سنغافورة في يد اليابانيين

26-28 فبراير

هزمت اليابان قوات الحلفاء البحرية في معركة بحر جاوة

9 أبريل

استسلمت قوات الولايات المتحدة والفلبين في جزيرة باتان

18 أبريل

ضربت قاذفات القنابل الأمريكية طوكيو في غارة دوليتل

4- 8 مايو

صد الحلفاء هجومًا يابانيًا في باتان في بحر المرجان

4- 6 يونيو

هزم الحلفاء اليابان في معركة ميدواي

7 أغسطس

أنزل مشاة البحرية الأمريكية في جزر غواد الكنال

تحول التيار. ساعدت ثلاثة أحداث في سنة 1942م على تحول التيار ضد اليابان وهي: 1- غارة دوليتل 2-معركة بحر المرجان 3- معركة ميدواي.

غارة دوليتل. شنت الولايات المتحدة غارة حربية على أرض اليابان في 18 أبريل 1942م لبيان أن اليابان يمكن أن تُضْرَب، فقد قاد المقدم جيمس هـ. دوليتل ست عشرة قاذفة قنابل من طراز (ب ـ 25) في هجوم مفاجئ على طوكيو وبعض المدن اليابانية.

معركة بحر المرجان. في مايو 1942م، أبحرت قوة غزو يابانية تجاه قاعدة أسترالية في ميناء مورسبي على الساحل الجنوبي لجزيرة غينيا الجديدة، ويقع ميناء مورسبي في واجهة أستراليا، وقابلت السفن الحربية الأمريكية القوة اليابانية في بحر المرجان شمال شرقي أستراليا، وكانت معركة بحر المرجان التي استمرت من 4 إلى 8 مايو لا نظير لها في المعارك البحرية السابقة، إذ كانت المعركة البحرية الأولى التي لم تكن السفن المتحاربة فيها يرى بعضها بعضًا، وتولت الطائرات المحمولة على حاملات الطائرات القتال، ولم يكسب أي جانب نصرًا حاسمًا، لكن المعركة أوقفت الهجوم على ميناء مورسبي وأوقفت الهجوم مؤقتًا على أستراليا.

معركة ميدواي. أرسلت اليابان أسطولاً كبيرًا لمحاصرة جزيرة ميدواي عند الطرف الغربي في أعلى سلسلة جزر هاواي، لقد فكّت الولايات المتحدة رموز الشفرة البحرية اليابانية، وعرفت بالغزو القادم، وجمع الأدميرال شيستر ف. نيميتز قائد أسطول الولايات المتحدة السفن التي نجت من الغارة على بيرل هاربر ومعركة بحر المرجان واستعد لوقف اليابانيين.

جنوب المحيط الهادئ. بعد معركة ميدواي كان الحلفاء مصممين على وقف التوسع الياباني في جنوب المحيط الهادئ.

قام الحلفاء بتنظيم حملتين كبيرتين ضد اليابان، إحداهما بقيادة الجنرال ماك آرثر وهي التي أوقفت اليابانيين عند غينيا الجديدة، والأخرى بقيادة الأدميرال نيميتز لمحاربة اليابان في جزر سليمان شمال شرقي أستراليا، وكان الحلفاء يهدفون إلى الاستيلاء على ميناء رابول في بريطانيا الجديدة، وكانت رابول قاعدة رئيسية لليابان في جنوب المحيط الهادئ. هجمت الطائرات والسفن الحربية اليابانية على سفن الحلفاء من رابول وأمدت اليابان الجزر الأخرى في جنوب المحيط الهادئ من تلك القاعدة.

القفز في جزر وسط المحيط الهادئ. منذ أواخر 1943م حتى خريف 1944م قفز الحلفاء من جزيرة إلى أخرى عبر وسط المحيط الهادئ تجاه الفلبين، وأثناء معركة القفز في الجزر صار الحلفاء خبراء في المعارك المحمولة بحرًا، وكانت كل جزيرة يحاصرونها تعطيهم قاعدة يتخذون منها هدفًا تاليًا لهم، ولكن بدلاً من محاصرة كل جزيرة ترك الحلفاء المواقع اليابانية المحصنة، وغزوا الجزر التي كانت السيطرة عليها ضعيفة، وعرفت هذه العملية باستراتيجية حفظ المال والأرواح، ونقل غزو السلحفاة الحلفاء عبر جزر جيلبرت ومارشال وكارولين وماريانا في وسط المحيط الهادئ.

في أغسطس 1944م احتلت القوات الأمريكية غوام وسايبان وتنيان، وهي أكبر ثلاث جزر في جزر ماريانا، وجاء احتلال جزر ماريانا ليجعل الحلفاء على مسافة تمكّنهم من قذف اليابان، واستقال توجو رئيس وزراء اليابان في يوليو 1944م بعد فقد سايبان، وفي نوفمبر بدأت قاذفات القنابل الأمريكية ب 29 تتخذ من جزر ماريانا قواعد للإغارة على اليابان.

تحرير الفلبين. جعلت المعارك في غينيا الجديدة ووسط المحيط الهادئ الحلفاء في مرمى مؤثر لجزر الفلبين. وجمع ماك آرثر ونيميتز قواتهما لتحرير الفلبين، وقرر القائدان المتحالفان غزو الجزيرة عند لايت في وسط الفلبين في خريف 1944م.

توقع الحلفاء أن يحارب اليابانيون بشراسة للإبقاء على الفلبين، ومن ثم جمعوا أكبر قوة بحرية لم يستخدم مثلها من قبل في معركة في المحيط الهادئ . واشترك حوالي 750 سفينة حربية في غزو لايت، وهي الحملة التي بدأت في 20 أكتوبر 1944م. لقد كلفت القائد الأمريكي ماك آرثر أكثر من سنتين ونصف ومعارك كثيرة قاسية كي يفي بوعده في العودة إلى الفلبين.

بينما كانت قوات الحلفاء تتدفق على الشاطئ عند لايت، كان الأسطول الياباني يحاول ثانية أن يسحق أسطول الولايات المتحدة الأمريكية في المحيط الهادئ. لقد كانت معركة خليج ليت التي استمرت من 23 إلى 26 أكتوبر 1944م أعظم معركة بحرية في التاريخ من حيث حجم حمولة السفن التي شاركت فيها؛ فقد اشتركت فيها 282 سفينة، وانتهت المعركة بنصر كبير للولايات المتحدة، وأصبح الأسطول الياباني سيئًا للغاية حتى لم يعد مصدر تهديد خطر في باقي الحرب.

خلال معركة خليج ليت استخدم اليابانيون سلاحًا جديدًا وهو الكامكازي أو الطيار الانتحاري. أسقط الطيارون الانتحاريون طائراتهم المحملة بالمتفجرات على سفن الحلفاء الحربية، وماتوا نتيجة لذلك. لقد تم إسقاط العديد من الكامكازي قبل أن ترتطم بالسفن الحليفة لكن آخرين سببوا خسارة كبيرة، وأصبح هؤلاء الكامكازي واحدًا من أكبر أسلحة اليابان خلال باقي الحرب. واستمرت معركة ليت حتى نهاية 1944م، وفي 9 يناير 1945م نزل الحلفاء على جزيرة لوزون وبدأوا عملهم في الطريق إلى مانيلا، وسقطت المدينة في أوائل مارس، وفر باقي قوات اليابانيين في لوزون إلى الجبال، واستمروا يقاتلون حتى انتهت الحرب.

قتل حوالي 350 ألف جندي ياباني خلال معركة الفلبين، واقترب عدد قتلى الأمريكيين من 14 ألفًا وحوالي 48 ألفًا من الجرحى أو المفقودين. لقد اتضح أنه كان مقدرًا لليابان أن تتجرع الهزيمة بعد أن فقدت الفلبين.

الحرب في الصين وبورما والهند. حينما كانت الحرب دائرة في المحيط الهادئ ، حارب الحلفاء اليابانيين أيضًا في القارة الآسيوية. كان المسرح الرئيسي للعمليات يشمل الصين وبورما والهند. وفي منتصف 1942م استولت اليابان على أكثر من شرق وجنوب الصين، وكانت الصين ينقصها العتاد والقوات المدربة، والاستعداد للاستمرار في القتال، لكن الحلفاء الغربيين أرادوا أن تبقى الصين في الحرب؛ لأن الصينيين أسروا آلافًا من القوات اليابانية، وطوال فترة ثلاث سنوات نقل الحلفاء جوًا مددًا عبر طريق جبلي شاهق من الهند إلى الصين، وكان الطريق يعرف باسم السَّنام.

الصين. خلال سنة 1942م؛ أي بعد خمس سنوات من غزو اليابان للصين، أصبحت الجيوش المتقاتلة على وشك الإنهاك؛ وشنت القوات اليابانية هجومًا للاستيلاء على الإمدادات، ولتجويع البلد كي يستسلم، ونتيجة لذلك مات ملايين من الشعب الصيني بسبب نقص الطعام أثناء الحرب.

دار صراع بين الحكومة الوطنية الصينية التي يرأسها تشانغ كاي شيك والشيوعيين الصينيين، الأمر الذي أضعف مجهود البلد الحربي. وفي أول الأمر اشتركت القوات الوطنية والشيوعية في مقاتلة الغزاة اليابانيين، لكن تحالفهم انهار، وأصبحوا على استعداد لقتال بعضهم بعضًا بعد الحرب. وأرسل الحلفاء المستشارين والمعدات إلى الصين، ودربت الولايات المتحدة الطيارين، وأنشأت قوة جوية في الصين. وفي نهاية 1943م سيطر طيارو الحلفاء على سماء الصين، لكنهم لم يقدروا على مساعدة القوات المنهكة على الأرض، وكان القائد الأمريكي اللواء جوزيف ستيلوِلْ يعمل رئيسَ أركان حرب لتشاينج ومدرّبا للجيش الصيني.

بورما. كانت معركة الحلفاء في بورما قريبة الصلة بالقتال في الصين، ومن سنة 1943م وحتى أوائل 1945م حارب الحلفاء لاستعادة بورما من اليابانيين وإعادة فتح طريق بري إلى الصين، وفتحوا طريقًا للمدد عبر شمالي بورما وسقطت رانجون عاصمة بورما في يد الحلفاء في مايو، واستعاد الحلفاء بورما كلها في نهاية الأمر.

الهند. أصبحت الهند قاعدة إمداد مهمة ومركز تدريب لقوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان غزو اليابان لبورما في سنة 1942م قد وضع الهند في خطر عظيم. وفي أوائل سنة 1944م غزت القوات اليابانية الهند وأحاطت بمدينتي إمبال وكوهيما داخل حدود الهند. وقام الإنجليز بإمداد المدن جوًا، وبدأ المهاجمون ينسحبون نهائيًا من الهند في أواخر يونيو، ومات آلاف من جنود اليابان بسبب المرض والجوع أثناء الانسحاب.

الإطباق على اليابان. أدى التفوق البري والجوي للحلفاء لمساعدتهم إلى تضييق الخناق على اليابان في أوائل 1945م، ومنذ ذلك الحين فقدت اليابان معظم إمبراطوريتها وطائراتها وسفن نقلها وكل سفنها الحربية تقريبًا، وظل مئات الآلاف من الجنود اليابانيين معطلين في جزر المحيط الهادئ التي التف حولها الحلفاء، وأخذت قاذفات القنابل الأمريكية ب 29 تقذف مصانع اليابان، وكانت غواصات الحلفاء تغرق الإمدادات الحيوية المتجهة إلى اليابان.

استمر القادة العسكريون اليابانيون في القتال رغم أنهم واجهوا هزيمة مؤكدة، واحتاج الحلفاء لقواعد أكثر ليتقدموا منها لقذف اليابان بالقنابل، واختاروا لذلك جزيرتي أيووجيما وأوكيناوا اليابانيتين.

تقع أيووجيما على بعد حوالي 1,210كم جنوب اليابان، وكان بهما حوالي 21 ألف جندي مرابطين هناك، استعدادًا للدفاع عن الجزر الضعيفة. نزل مشاة البحرية الأمريكية في 19 فبراير 1945م وتقدموا ببطء، وقاوم اليابانيون باستماتة حتى 16مارس، وجرح في المعركة حوالي 25 ألفًا من مشاة البحرية وحوالي 30% من القوات البرية.

أما أوكيناوا المحطة الثانية لطريق الحلفاء تجاه اليابان، فهي تقع على بعد 565 كم جنوب غربي اليابان، وبدأت قوات الحلفاء تنزل على شواطئها أول أبريل 1945م، وأرسل اليابانيون الكامكازي لمهاجمة القوات التي كانت تنزل على البر. وفي ذلك الحين انتهت المعركة في 21 يونيو، وأغرقت هذه الفرقة الانتحارية الكامكازي 30 سفينة على الأقل، وخربت أكثر من 350 أخرى، وكلف حصار أوكيناوا الحلفاء حوالي 50 ألفًا، وقتل حوالي 110 ألف ياباني بما فيهم المدنيون الذين فضلوا الانتحار على الهزيمة.

وفي صيف 1945م فضل بعض أعضاء الحكومة اليابانية الاستسلام، لكن آخرين أصروا على مواصلة القتال. وخطط الحلفاء لغزو اليابان في نوفمبر 1945م، وخشي المخططون العسكريون للحلفاء أن يكلفهم القتال حوالي مليون من الأرواح، واعتقد بعض القادة من الحلفاء أن مساعدة السوفييت مطلوبة لهزيمة اليابان، وشجعوا ستالين أن يغزو منشوريا، وعلى كل فقد توصل الحلفاء إلى طريقة أخرى لإنهاء الحرب.

القنبلة الذرية. في سنة 1939م أخبر العالم الألماني المولد أينشتاين الرئيس الأمريكي روزفلت عن إمكانية صنع قنبلة عظمى يمكن أن تنتج مقذوفًا قويًا للغاية بانشطار الذرة، وخاف أينشتاين والعلماء الآخرون أن تطور ألمانيا مثل هذه القنبلة أولاً. وفي سنة 1942م بدأ علماء أمريكيون وإنجليز وآخرون العمل في مشروع مانهاتن، وهو برنامج سري للغاية لتطوير قنبلة ذرية، وجرت أول تجربة على هذه القنبلة في الولايات المتحدة في يوليو 1945م.

مات الرئيس روزفلت في أبريل 1945م وأصبح نائب الرئيس هاري س. ترومان رئيسًا للولايات المتحدة، وتقابل ترومان مع تشرتشل وستالين في بوتسدام في ألمانيا في يوليو بعد فترة قصيرة من هزيمة ألمانيا، وفي مؤتمر بوتسدام علم ترومان بأخبار نجاح تجربة القنبلة الذرية، وأخبر القادة الآخرين به. وأصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا والصين بيانًا يهددون فيه بتدمير اليابان ما لم تستسلم بدون شروط. وبرغم الإنذار مضت اليابان في القتال.

وفي 6 أغسطس 1945م أسقطت قاذفة قنابل أمريكية ب ـ 29 تسمى إينولا جاي أول قنبلة ذرية استخدمت في الحرب على المدينة اليابانية هيروشيما، وقتل الانفجار عددًا يتراوح بين 70,000 و 100,000 من سكانها، ودمر مساحة تقدر بـ 13كم². وبعد رفض القادة اليابانيين الاستجابة لهذا القذف، أسقطت الولايات المتحدة قنبلة أكبر على ناجازاكي في 9 أغسطس فقتلت حوالي 40 ألفًا من السكان، ومات فيما بعد آلاف آخرون من الإصابات والإشعاع الناتج عن القنبلتين. وفي هذه الأثناء في 8 أغسطس أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان وغزا منشوريا، وتسابقت القوات السوفييتية جنوبًا تجاه كوريا.

النصر في المحيط الهادئ. رغم أن أباطرة اليابان كانوا ينأون عن السياسة حسب التقاليد، إلا أن هيروهيتو حث الحكومة على أن تستسلم. وفي 14 أغسطس وافقت اليابان على إنهاء الحرب، وانتحر بعض القادة العسكريين. وفي 2 سبتمبر 1945م وقع ممثلون لليابان بيانًا رسميًا للاستسلام على ظهر السفينة الحربية الأمريكية ميسوري التي كانت ترابط عند خليج طوكيو، وكان ممثلون لدول الحلفاء حاضرين، وأعلن الحلفاء يوم 2 سبتمبر يوم النصر على اليابان، وبذلك انتهت الحرب العالمية الثانية.

الحرب السرية

خلال الحرب العالمية الثانية كانت هناك حرب سرية تدور بين الحلفاء والمحور لحصول كل منهما على معلومات عن الآخر وعن نشاطاته الأخرى، ولإضعاف كل منهما المجهود الحربي للآخر. وحاول العاملون على فك الشفرة أن يكشفوا الاتصالات السرية، وسعى الجواسيس خلف خطوط العدو لجمع المعلومات. وحاول المخربون أن يشلوا النشاطات في الجبهة الداخلية، وانضم كثير من الناس في الأراضي التي تم استيلاء المحور عليها إلى جماعات المقاومة السرية التي تعارض قوات الاحتلال، واستخدمت كل الأمم المتحاربة الدعاية للتأثير على الرأي العام.

السري للغاية (الألتراسيكرت). بعد إعلان الحرب بقليل حصلت بريطانيا بمساعدة الجواسيس البولنديين على إحدى الآلات التي استخدمتها ألمانيا لفك رسائل الشفرة، وبمجهود متقدم نجح الرياضيون الإنجليز في فك الشفرة وعرفت قدرة بريطانيا على قراءة كثير من وسائل الاتصالات الألمانية أثناء الحرب عن طريق السري للغاية أو (الألتراسيكرت)، وساعدت هذه الطريقة الحلفاء على هزيمة ألمانيا. لقد أدت هذه العملية دورًا مهمًا في المعركة؛ فخلال عام 1940م في معركة بريطانيا مثلاً اعتبرت هذه العملية إنذارًا مبكرًا عن المكان الذي يخطط فيه الطيران الألماني للغزو، وساعدت الألتراسيكرت مونتجمري على أن يهزم الألمان في مصر سنة 1942م بمده بمعلومات عن خطط روميل للمعركة، وكان الإنجليز حريصين على حماية الألتراسيكرت؛ فقد كانوا حريصين للغاية في استخدام معلوماتهم حتى لا تقوم ألمانيا بتغيير رموز شفرتها، ولم يكتشف الألمان أبدًا أن بريطانيا قد فكّت رموز شفرتهم.

الجواسيس والمخربون. هؤلاء كانوا مدربين خصيصًا بوساطة الأمم المتحاربة. أعد الجواسيس تقارير عن تحركات القوات والتحصينات الدفاعية والتطورات الأخرى خلف خطوط العدو. وأَمَدّ جواسيس الحلفاء مجموعات المقاومة بالأسلحة والمتفجرات، وعطل المخربون مجهود العدو الحربي بكل الطرق: نسفوا المصانع والجسور، ونظموا شبه إضراب عن العمل في المصانع الحربية.

مجموعات المقاومة. نشطت هذه المجموعات في كل قطر احتله المحور. بدأت المقاومة بأعمال فردية ضد المحتلين، ثم انتظم الناس ذوو الفكر المتشابه تدريجيًا معًا، وعملوا في سرية لطرد الغزاة وانتشرت نشاطات مجموعات المقاومة كلما مضت الحرب، وتضمن عملهم طبع وتوزيع صحف غير مشروعة، وإنقاذ أطقم طيران الحلفاء التي تصاب خلف خطوط العدو، وجمع معلومات عن العدو وعن التخريب.

وفي أقطار مثل فرنسا ويوغوسلافيا وبورما اشتركت مجموعات المقاومة في حرب عصابات: نظموا مجموعات مقاتلة شنت غارات وكمائن وهجمات محددة أخرى ضد قوات الاحتلال، وحتى في ألمانيا نفسها عارضت حركة سرية صغيرة النازيين. وفي يوليو 1944م خططت مجموعة من ضباط الجيش الألماني لتفجير قنبلة لقتل هتلر، وعلى كل فقد نجا هتلر من الانفجار فيما عدا إصابات طفيفة وأمر بالقبض على المتآمرين وأعدموا.

كانت مخاطر الانضمام إلى المقاومة عظيمة؛ فقد واجه أعضاء المقاومة الذين كان يقبض عليهم النازيون الموت، وأحيانًا كان الألمان يعتقلون وينفذون الموت في مئات من المدنيين انتقامًا لعمل من أعمال التخريب ضد قوات الاحتلال.

الدعاية. استخدمت كل الدول المتحاربة الدعايات لكسب التأييد لسياساتها، ووجهت الحكومات الدعاية لشعوبها ولأعدائها على حد سواء، ووصلت رسائل الإذاعة إلى قطاع عريض من المستمعين، وكذلك استخدمت الأفلام والإعلانات والرسوم المجسمة.

استخدم الألمان الدعاية بمهارة لنشر عقائدهم، ووجه جوزيف جوبلز وزارة الدعاية الألمانية والتنوير، التي سيطرت على المطبوعات وبرامج الإذاعة والأفلام والفن في ألمانيا، وأراضي أوروبا التي أحتلتها ألمانيا، وعملت الوزارة لحث الناس على علو شأن الثقافة الألمانية وحق ألمانيا في أن تحكم العالم.

ودغدغ موسوليني أحلام الإيطاليين بعودة إيطاليا إلى مجدها التليد، كذلك حطت الدعاية الإيطالية من قدرة جنود الحلفاء القتالية.

كذلك اشتركت الأقطار المتحاربة في حرب نفسية استهدفت تدمير إرادة العدو على القتال، وأسقطت الطائرات التابعة للحلفاء منشورات فوق ألمانيا تنبئ بهزائم النازيين، واستخدمت أمم المحور بعض الناس الذين أذاعوا برامج لإضعاف الروح المعنوية لجنود الحلفاء.

الجبهة الداخلية

تأثر السكان في كل الدول المتحاربة بالحرب العالمية الثانية، لكن النتائج كانت متفاوتة للغاية. فتأثر كثير من دول أوروبا وأجزاء متفاوتة من آسيا من انتشار الخراب والمصاعب. أما الولايات المتحدة وكندا وأستراليا التي كانت بعيدة عن جبهات القتال، فقد استطاعت تجنب معظم مآسي الحرب.

مجهود الحلفاء الحربي. أيد معظم السكان الذين يعيشون في أقطار الحلفاء المجهود الحربي؛ فقد احتقر النازية معظم المواطنين تقريبًا في دول الحلفاء، ورغبوا في هزيمتها، ورغبوا كذلك في هزيمة العسكرية اليابانية.

الإنتاج من أجل الحرب. احتاج النصر في الحرب العالمية الثانية إنتاجًا ضخمًا من المواد الحربية شمل كميات كبيرة من أعداد السفن والدبابات والطائرات والأسلحة، وأقامت الولايات المتحدة بصفة خاصة كثيرًا من المصانع لتجهيز المواد الحربية، وحولت الحكومات المصانع القديمة إلى مصانع حربية، مثال ذلك بدأت مصانع السيارات تنتج الدبابات والطائرات.

تمويل الحرب. وضعت الحرب اقتصاديات الأمم المتحاربة في توتر شديد، فاستدانت الحكومات من الأفراد والمؤسسات ببيع سندات حربية وطوابع، وساعدت الضرائب في تغطية تكاليف الحرب.كانت هناك اتجاهات اقتصادية لزيادة الكفاءة والاستفادة من المواد التي يمكن استخدامها مرة أخرى كالحديد الخردة، وحتى أغنى دول التحالف وهي الولايات المتحدة أنفقت معظم أموالها لتغطي تكاليف الحرب.

الإشراف الحكومي. في معظم دول التحالف، عينت معظم الحكومات وكالات وزارات لتوجه المجهود الحربي، وتولت هذه الأجهزة إدارة إنتاج المصانع وزيادة الأسعار والرقابة على الصحف، ووضع مشروعات التموين لتوزيع البضائع النادرة بعدالة، تسلّمت كل أسرة بطاقة تموين لبعض المواد مثل السكر واللحوم والزبد والملابس.

التعبئة للحرب. أدخلت بريطانيا والولايات المتحدة وأمم التحالف الأخرى نظام التجنيد الإجباري في سنة 1940م للرجال من سن 5,18 إلى 51 وذلك للأعمال العسكرية والصناعية، وللنساء بين سن 20 و30 للأعمال الصناعية وللقوات النسائية الإضافية. وكان على الأولاد والبنات من سن 16 و 18 أن يسجلوا أنفسهم لإمكان إلحاقهم بتنظيمات الشباب، كما أدخلت أستراليا ونيوزيلندا وكندا وجنوب إفريقيا نظام التجنيد الإجباري، وكذلك طبقت أمم التحالف الأخرى نظم تعبئة مشابهة، وأدخلت الولايات المتحدة أول تجنيد إجباري لها في وقت السلم سنة 1940م مطالبة كل الرجال بين سن 21 و 35 أن يسجلوا أنفسهم للأعمال العسكرية، ثم اتسع نظام التجنيد في الولايات المتحدة أخيرًا ليشمل الرجال من سن 18 إلى سن 45. وفي كل أنحاء العالم استدعي ملايين من الرجال ليخدموا في سلاح المشاة والبحرية والقوات الجوية، كما تطوعت ملايين أخرى من الرجال.

معاملة رعايا العدو. تعرض الألمان والإيطاليون واليابانيون والمواطنون الآخرون من دول المحور الذين كانوا يعيشون في أقطار الحلفاء للحبس أو تحديد الإقامة كغرباء أعداء. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فكان المهاجرون اليابانيون الذين وصلوا حديثًا هم الوحيدون الذين عوملوا معاملة غير عادلة. وبعد قصف بيرل هاربر سنة 1941م وجه بعض الأمريكيين جامَ غضبهم إلى الرعايا الذين هم من أصل ياباني، وفي سنة 1942م قادت الهيستريا المعادية لليابانيين حكومة الولايات المتحدة لنقل أكثر من 110 آلاف من أصل ياباني من موطنهم في الساحل الغربي للولايات المتحدة إلى معسكرات إقامة في الداخل، وكان أكثر من ثلثي هؤلاء الناس مواطنين أمريكيين.

الدفاع المدني. اتحد السكان المدنيون في بريطانيا بكل قلوبهم خلف المجهود الحربي، وعمل الناس ساعات طوالاً في المصانع، وتقبلوا النقص الكبير في الطعام والملابس والمواد الأخرى. وعانى كثير من الناس من التدمير الذي أحدثه قصف القنابل ببيوتهم. لقد كانت الحرب العالمية الثانية حربًا عمل فيها المواطنون في خط الجبهة. توقع مخططو السياسة الحكومية في بريطانيا الغارات الجوية، ومن ثم وضعوا خططهم على أساس تجربة الحرب الأهلية الأسبانية؛ حيث سبق القصف الجوي بالقنابل خسارة كبرى في المدن، وأعدت خطط الدفاع بحيث شملت الشرطة والإسعاف وخدمات الإنقاذ وفرق المطافي. وعملت فرق الدفاع الجوي في كل الأحياء وأخذت تبلغ قيادتها المركزية عن كل حادثة ضرب بالقنابل أثناء الغارات الجوية، وعمل المدنيون لإنقاذ الناس في المخابئ. أما الرجال الذين كانوا أكبر سنًا فقد كان عليهم أن يخدموا في القوات المسلحة، وتطوعوا للخدمة في فرق إنقاذ محلية عرفت بالحرس الوطني.

في ألمانيا. لم يتحمس معظم الناس لبدء الحرب العالمية الثانية، لكن سلسلة الانتصارات السريعة من سنة 1939م وحتى منتصف سنة 1941م أثارت تأييدًا للحرب، وفي صيف 1941م لم يتوقع الألمان أن تستمر الحرب مدة أطول.

الحياة المدنية. ظل الطعام واللباس والمواد الاستهلاكية الأخرى متوفرة في ألمانيا طوال السنوات الأولى من الحرب، وتدفقت الإمدادات من الأقطار التي احتلها النازيون في أوروبا، وكان قصف الحلفاء لألمانيا بطيئًا في بدايته، وسبب خسارة قليلة أول الأمر.

لكن موقف ألمانيا تغير في أواخر سنة 1942م، حين وجدت القوات المسلحة الألمانية نفسها غارقة في مستنقع الاتحاد السوفييتي، وقلت التقارير التي تتحدث عن انتصارات ففتر الحماس لدى الناس، ونزل قصف الحلفاء كالمطر ليلاً ونهارًا فوق المدن الألمانية، وأصبحت البضائع الاستهلاكية نادرة، ومع ذلك استمّر الناس في العمل بجد لخدمة المجهود الحربي.

في الاتحاد السوفييتي. كانت الظروف بصفة خاصة صعبة؛ لأن القتال الشرس استمر حوالي أربع سنوات. أمر ستالين الجنود السوفييت المنسحبين أن يحرقوا في طريقهم الأخضر واليابس اللذين قد تستفيد منهما القوات الألمانية طعامًا أو مأوى، لكن سياسة الأرض المحروقة سببت مصاعب جمة للشعب السوفييتي، فمات ملايين من المواطنين السوفييت من الجوع ومن أسباب الحرب الأخرى. وفي أوكرانيا والمناطق التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي رحب كثير من الناس في أول الأمر بالقوات الألمانية الغازية، مصدقين أن الألمان قد يخلصونهم من حكم ستالين العنيف، لكن قسوة الاحتلال من جانب القوات النازية حولت الناس ضدهم. وخلال الحرب العالمية الثانية حارب المدنيون والجنود في الاتحاد السوفييتي ضد الألمان بكراهية وتصميم نادرًا ما نافسهم فيه أي شعب آخر في أوروبا.

نتائج الحرب

الموت والدمار. أزهقت الحرب العالمية الثانية من الأرواح، وسببت من الخسائر أكثر مما سببته أي حرب أخرى. فقد عمل في صفوف كل من دول المحور والحلفاء ما يقدّر بحوالي 70 مليون شخص. وقد فقد حوالي 17 مليون منهم حياته، وفقد الاتحاد السوفييتي حوالي 7,5 مليون قتيل في المعارك وهذا العدد أكثر مما فقده أي قطر آخر، وكان ضحايا القتال في الولايات المتحدة وبريطانيا أقل من أي دولة أخرى. فقد قتل حوالي 400 ألف أمريكي و350 ألف بريطاني في هذه الحرب، وحوالي 3,5 مليون من الجنود الألمان وحوالي مليون وربع المليون جندي ياباني. أما القذف الجوي فقد جر الخراب على أهداف مدنية وعسكرية على السواء، وترك كثيرًا من المدن في دمار بخاصة في ألمانيا واليابان. فقد خربت القنابل المنازل والمصانع ومعدات النقل ووسائل المواصلات، ونشرت المعارك البرية الخراب فوق مناطق شاسعة. وبعد الحرب تشرد ملايين من الجياع والذين لا مأوى لهم في المناطق الخربة.

لا يعرف أحد كم من المدنيين ماتوا نتيجة للحرب العالمية الثانية؛ فقد أتلف القصف كثيرًا من الوثائق التي كانت ستساعد في تقدير أعداد القتلى، وبالإضافة إلى ذلك مات ملايين من الناس في حرائق وأمراض وأسباب أخرى بعد قيامهم بخدمات ضرورية مثل إطفاء الحرائق والإسعافات في المناطق التي دمرتها الحرب.

عانى الاتحاد السوفييتي والصين أعلى نسب من ضحايا المدنيين خلال الحرب العالمية الثانية، ويمكن القول: إن ما يقرب من 20 مليون من المدنيين في الاتحاد السوفييتي و10 ملايين في الصين، قد ماتوا، وحدث كثير من الوفيات بسبب الجوع.

صراعات بين قوى جديدة. نشبت صراعات قوى جديدة بعد انتهاء الحرب. لقد أنهكت الحرب القوى الرئيسية التي كانت في أوروبا وآسيا قبل الحرب. انتهت الحرب بهزيمة كاملة لألمانيا واليابان، وأصيبت بريطانيا وفرنسا بخسارة شديدة، وبحثت الأمم الناشئة مثل الدول العربية والهند وغيرها عن الاستقلال عن مستعمريها القدامى. وخرجت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من الحرب كقوى قائدة عالمية، وانتهى تحالفهما بمجرد أن سعى الاتحاد السوفييتي لنشر الشيوعية في أوروبا وآسيا. وأدى الصراع بين العالم الشيوعي الذي يقوده الاتحاد السوفييتي وغير الشيوعي الذي تقوده الولايات المتحدة لما يعرف باسم الحرب  

العصر النووي. بدأ العصر النووي بتطوير القنبلة الذرية أثناء الحرب العالمية الثانية، واعتقد كثير من الناس أن الأسلحة القادرة على إحداث دمار كبير تجعل التفكير في حرب في المستقبل أمرًا مستحيلاً، وكانوا يأملون أن يعيش الناس في سلام، لكن سرعان ما بدأ سباق تطوير أسلحة أكثر قوة.

وفي نهاية الحرب العالمية الثانية عرفت الولايات المتحدة كيف تنشئ أسلحة ذرية. وفي سنة 1946م اقترحت الولايات المتحدة إنشاء وكالة دولية للسيطرة على الطاقة الذرية ومنع إنتاج أسلحة نووية، ولكن الاتحاد السوفييتي رفض إقامة نظام للتفتيش، وفشل الاقتراح، وأمر ستالين العلماء أن يطوروا القنبلة الذرية، ونجحوا في ذلك سنة 1949م. وفي أوائل الخمسينيات أجرت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تجارب على أسلحة أكثر دمارًا، تلك هي القنبلة الهيدروجينية.

وخاف الناس من قيام حرب نووية منذ بدأ العصر النووي، وفي بعض الأوقات كانت الحرب الباردة تهدد بالانغماس في حرب بين القوتين العظميين، لكن القوة التدميرية المخيفة للأسلحة النووية ربما كانت كفيلة بأن تحول بينهما وبين المجازفة بحرب كبرى.

آفاق السلام

مولد الأمم المتحدة. بدأت مجهودات لمنع إندلاع حرب تشمل العالم مرة ثانية، وذلك لما نتج من مخاطر الحرب العالمية الثانية. وفي سنة 1943م اجتمع ممثلون للولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي والصين في موسكو، واتفقوا على إقامة منظمة دولية تعمل على تطوير السلم، واجتمعت القوى الأربع الكبرى مرة ثانية في في سنة 1944م في دمبارتون أوكس قرب مدينة واشنطن. وقرر الممثلون الدعوة لمنظمة جديدة للأمم المتحدة. وفي أبريل 1945م اجتمع ممثلو 50 أمة في سان فرانسيسكو في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، لوضع مشروع ميثاق الأمم المتحدة، ووقع الميثاق في يونيو، وأصبح نافذ المفعول في 24 أكتوبر.

السلام مع ألمانيا. قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية قرر الحلفاء احتلالاً عسكريًا لألمانيا بعد هزيمتها، وقسموا ألمانيا إلى أربع مناطق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا، فيحتل كل منها منطقة، وأرادت القوى الأربع مجتمعة تقسيم برلين فيما بينها. وفي مؤتمر بوتسدام في يوليو 1945م حدد الحلفاء سياسة الاحتلال التي سينتهجونها، واتفقوا على إلغاء القوات المسلحة الألمانية وتجريم الحزب النازي، وفقدت ألمانيا أراضي شرقي نهري الأودر ونيس، وذهبت معظم المنطقة لبولندا. واستحوذ الاتحاد السوفييتي على الركن الشمالي الشرقي من المنطقة.

قدم الحلفاء القادة النازيين المتهمين بارتكاب جرائم حرب للمحاكمة وأماطت المحاكمات اللثام عن الآثام والفظائع التي ارتكبتها ألمانيا النازية، وأجريت أهم محاكمات الحرب في المدينة الألمانية نورمبرج من 1945 إلى 1949م.

وبعد أن بدأ الاحتلال مباشرة أوقف الاتحاد السوفييتي تعاونه مع الحلفاء الغربيين، وسدّ الطريق أمام كل الجهود لتوحيد ألمانيا، وبالتدريج ضم الحلفاء مناطقهم في منطقة اقتصادية واحدة، ولكن الاتحاد السوفييتي رفض ضم منطقته، وظلت مدينة برلين في عمق المنطقة السوفييتية في ألمانيا. وفي يونيو 1948م فكر الاتحاد السوفييتي في أن يطرد القوى الأوروبية من برلين وأن يسد كل الطرق والسكك الحديدية والطرق المائية المؤدية إلى المدينة، وظل الحلفاء لمدة أكثر من سنة يمدون بالجو برلين بالطعام والوقود والمواد الأخرى، وأخيرًا رفع الاتحاد السوفييتي حصار برلين في مايو 1949م وانتهى الحصار الجوي في سبتمبر.

أقام الحلفاء الغربيون أحزابًا سياسية في مناطقهم، وأجروا انتخابات. وفي سبتمبر 1949م انضمت المناطق الثلاث الغربية تحت اسم جمهورية ألمانيا الاتحادية، وأصبحت تعرف بألمانيا الغربية. وفي مايو 1955م وقع الحلفاء الغربيون معاهدة تنهي احتلال ألمانيا الغربية وتعطي البلد استقلالاً كاملاً، لكن المعاهدة لم تكن سلامًا كاملاً، لأن الاتحاد السوفييتي رفض توقيعها.

وأقام الاتحاد السوفييتي حكومة شيوعية في منطقته، وفي أكتوبر 1949م أصبحت المنطقة السوفييتية تعرف باسم جمهورية ألمانيا الديمقراطية وسميت أيضًا ألمانيا الشرقية، وظلت السيطرة السوفييتية على ألمانيا الشرقية قوية بعد أن أصبح البلد مستقلاً رسميًا في سنة 1955م، ولم تخف تلك السيطرة إلا في الثمانينيات قبل أن تتحد الألمانيتان بفترة قصيرة.  

السلام مع اليابان. بدأ الاحتلال العسكري لليابان في أغسطس 1945م، وكان عدد الأمريكيين يفوق القوات الأخرى في مناطق احتلال الحلفاء، بسبب الدور المهم الذي قامت به بلادهم في هزيمة اليابان. أدخل الجنرال ماك آرثر كقائد أعلى لأمم التحالف، إصلاحات استهدفت تخليص اليابان من نمو سياستها العسكرية، وتحويلها إلى بلد ديمقراطي. ووضع دستورًا في سنة 1947م نقل بموجبه كل الحقوق السياسية من إمبراطور اليابان إلى الشعب، كما أعطى الدستور حق التصويت للمرأة، وأنكر حق اليابان في أن تعلن حربًا.

وقدمت قوات الاحتلال الحليفة للمحاكمة 25 يابانيًا ممن كانوا قادة عسكريين أو مسؤولين حكوميين ممن اتهموا بارتكاب جرائم حرب، ونفذ الحكم بالإعدام في سبعة منهم، وأرسل الباقون إلى السجن.

في سبتمبر 1951م وقعت الولايات المتحدة ومعظم أمم التحالف معاهدة سلام مع اليابان، واقتطعت المعاهدة أراضي الإمبراطورية الواقعة خارج اليابان، لكنها سمحت لليابان بأن تعيد تسليح نفسها، وانتهى احتلال الحلفاء لليابان بعد أن وقعت الدول معاهدة الصلح. ورغم ذلك فإن معاهدة جديدة قد سمحت للولايات المتحدة أن تبقي قوات لها في اليابان، ووقعت حكومة الصين الشعبية معاهدة صلح مع اليابان سنة 1952م، ووقع الاتحاد السوفييتي واليابان معاهدة منفصلة في سنة 1956م.

السلام مع أقطار أخرى. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة، بدأ الحلفاء رسم معاهدات صلح مع إيطاليا وأربعة من الأقطار الأخرى التي قاتلت مع المحور، وهي بلغاريا وفنلندا والمجر ورومانيا، وحددت المعاهدات القوات المسلحة للأقطار المهزومة، وألزمتها بدفع تعويضات حرب، وألزمت المعاهدات بعمل تغييرات إقليمية، فتنازلت بلغاريا عن أراض لليونان ويوغوسلافيا، وحازت تشيكوسلوفاكيا أراضي من المجر، وفقدت فنلندا أراضي ضمها الاتحاد السوفييتي، وتنازلت إيطاليا عن أراض لفرنسا ويوغوسلافيا واليونان، وفقدت إمبراطوريتها في شرق إفريقيا، وحصلت رومانيا على أراض من المجر، ولكنها في المقابل أعطت أراضي لبلغاريا والاتحاد السوفييتي.

أسئلة

  1. لماذا قررت اليابان شل حركة الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ وهو في قاعدته في بيرل هاربر؟

  2. من القائد الذي أُطلق عليه لقب ثعلب الصحراء؟

  3. ما الترضية؟ ومتى اتضح فشلها؟

  4. ما السلاح الجديد الرهيب الذي استخدمته اليابان في عام 1944م أثناء معركة خليج ليت؟

  5. ما أكبر غزو بحري في التاريخ؟

  6. من القائدان اللذان صدما العالم بتحالفهما في عام 1939م؟

  7. كيف تغلب الحلفاء على خطر قوارب اليو (U)؟

  8. لماذا كانت معركة ستالينجراد نقطة تحول في الحرب؟

  9. كيف اختلفت حملات القصف بالقنابل التي كانت تشنها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا ضد ألمانيا؟

  10. ما السري للغاية؟ وكيف ساعد بريطانيا على الانتصار في معركة بريطانيا؟

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الحرب العالمـية الأولى World War

الحرب العالمـية الأولى   World War   

 (1914 – 1918)م). شملت الحرب العالمية الأولى أكثر الأقطار، وسببت أعظم الخسائر التي لم تسببها حرب أخرى فيما عدا الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م). لقد أشعلت طلقات حادثة الاغتيال التي وقعت في النمسا ـ المجر تلك الحرب، وجرت سلسلة من التحالفات بين القوى الأوروبية الرئيسة لخوض القتال، كان كل جانب يتوقع نصراً سريعاً، لكن الحرب استمرت أربع سنوات وأزهقت أرواح مايقرب من عشرة ملايين من القوات المتحاربة.

أدت تطورات عدة إلى إراقة دماء كثيرة في هذه الحرب. وأدى التجنيد الإجباري إلى أن تكون الجيوش أكبر مما كانت عليه من قبل، وكان التعصب الوطني سببا دفع كثيرا من الرجال إلى الموت، كما أدت الدعاية دورها في تأييد الحرب وإظهار كل طرف ـ في عيون الآخر ـ بمظهر الشرير.

في 28 يونيو 1914م، اغتيل، الأرشيدوق فرانسيس فرديناند ولي عهد النمسا ـ المجر في سراييفو وكان للقاتل جافريلو برنسيب ارتباط مع تنظيم إرهابي في الصرب، فاعتقدت النمسا ـ المجر أن حكومة الصرب وراء هذا الاغتيال، وانتهزت الفرصة لتعلن الحرب على الصرب وتأخذ بثأر قديم.

أشعل اغتيال فرانسيس فرديناند الحرب العالمية الأولى، لكن بعض المؤرخين يعتقدون أن الحرب كانت لها أسباب أعمق، وهي أنها نتجت أساسًا من نمو الاعتزاز الوطني بين الشعوب الأوروبية والزيادة الكبيرة في القوات المسلحة الأوروبية، والسباق من أجل المستعمرات، وتكوين تحالفات عسكرية أوروبية. وعندما بدأت الحرب ساندت كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا ـ وهي التي عرفت بدول التحالف ـ الصرب، ضد قوى الوسط المكونة من النمسا ـ المجر وألمانيا، ثم انضمت أمم أخرى لدول التحالف أو لقوى الوسط.

أحرزت ألمانيا انتصارات سريعة على الجبهات الأوروبية الرئيسية، وفي الجبهة الغربية أوقفت فرنسا وبريطانيا التقدم الألماني في سبتمبر 1914م، وحاربت الجيوش المعادية في خنادق امتدت عبر بلجيكا وشمال شرقي فرنسا، ولم يحدث تحول في الجبهة الغربية طوال ثلاث سنوات ونصف السنة رغم الحرب الضارية. وفي الجبهة الشرقية تقاتلت روسيا مع ألمانيا والنمسا ـ المجر. تأرجح القتال ما بين كرٍ وفرّ حتى سنة 1917م عندما اندلعت ثورة في روسيا، وسرعان ما طلبت روسيا عقد هدنة.

بقيت الولايات المتحدة على الحياد أول الأمر، لكن كثيرًا من الأمريكيين تحولوا ضد قوى الوسط بعد أن أغرقت الغواصات الألمانية السفن غير الحربية. وفي سنة 1917م انضمت الولايات المتحدة إلى الحلفاء، وأمدت الحلفاء بقوى بشرية كانوا في حاجة إليها لكسب الحرب، واستسلمت قوى الوسط في خريف 1918م.

كان للحرب العالمية الأولى نتائج لم تستطع الدول المتحاربة أن تتنبأ بها. فقد ساعدت الحرب على إسقاط أباطرة النمسا ـ المجر، وألمانيا وروسيا، وساعدت معاهدات الصلح دولاً جديدة في أن تخرج إلى حيز الوجود من نطاق قوى مهزومة. لقد تركت الحرب أوروبا متهالكة، لاتستطيع أن تعود لوضع قيادي في الشؤون العالمية مثلما كان لها من قبل، وأوجدت تسوية الصلح ظروفًا أدت إلى الحرب العالمية الثانية.

أسباب الحرب

تنحصر الأسباب الرئيسية للحرب العالمية الأولى في: 1- نمو النزعات القومية، 2- بناء قوة حربية، 3- التنافس على المستعمرات، 4- التحالفات العسكرية.


الأمم المتحاربة يبين الجدول التاريخ الذي دخلت فيه كل دولة من دول التحالف ودول الوسط الحرب العالمية الأولى


الحــلــفـــاء

البريـطانية الإمبراطورية

4 أغسطس 1914م

الصين

14أغسطس 1914م

البرازيل

26
أكتوبر 1917م

كوبــا

7 أبريل 1917م

البرتغال

9 مارس 1916م

كوستاريكا

23 مايو 1918م

بلجيكا

4 أغسطس
1914م

نيكاراجوا

8 مايو 1918م

بنما

7 أبريل 1917م

هاييتي

12 يوليو 1918م

الجبل الأسود

5 أغسطس 1914م

الولايات المتحدة

6 أبريل 1917م

جواتيمالا

23 أبريل 1918م

اليونان

2 يوليو 1917م

روسيا

1 أغسطس
1914م

 

 

دول الوسط

رومانيا

27 أغسطس 1916م

ألمانيا

1 أغسطس 1914م

سان مارينو

3 يونيو 1915

الدولة العثمانية

31 أكتوبر 1914م

سيام

22 يوليو 1917م

بلغاريا

14 أكتو بر 1915م

صربيا

28 يوليو 1914م

النمسا ـ المجر

28 يوليو 1914م

نمو القومية. تجنبَّت أوروبا حرباً كبرى في المائة عام السابقة على الحرب العالمية الأولى. ورغم أن حروبًا صغيرة اشتعلت، فإنها لم تضم دولا أخرى، لكن فكرة اكتسحت القارة في القرن التاسع عشر ساعدت على بدء الحرب الكبرى، تلك الفكرة كانت القومية وهي الاعتقاد أن الولاء لأمة بعينها ولأهدافها السياسية والاقتصادية يسبق أي ولاء آخر. وزاد هذا النزوع المبالغ فيه من الوطنية من احتمالات الحرب، لأن أهداف أمة ما لابد أن تتعارض مع أهداف أمة أو مجموعة أمم أخرى، بالإضافة إلى ذلك فإن الاعتزاز القومي كان من شأنه أن يجعل الأمم تضخم الخلافات البسيطة وتحولها قضايا كبرى، وأصبح من الممكن أن تؤدي شكوى صغيرة إلى تهديد بالحرب. لقد قويت القومية خلال سنوات القرن التاسع عشر بين أفراد الشعب الذين يشتركون في لغة واحدة، وتاريخ أو ثقافة. وقد أدى استعار المشاعر القومية إلى قيام دولتين جديدتين تأسّستا على أساس من مبادئ القومية هما: ألمانيا وإيطاليا اللتان كانتا نتاجًا لتوحد دول عديدة صغيرة، وكان للحرب دور كبير في تحقيق التوحيد القومي في إيطاليا وألمانيا.

ولقيت السياسات القومية تأييدًا عاطفيا عندما منحت دول كثيرة في غرب أوروبا حق التصويت لأناس أكثر، وأعطى حق التصويت المواطنين اهتماما أكبر وإعجابا أعظم بالأهداف القومية.

ومن ناحية أخرى، أضعفت القومية الإمبراطوريات الشرقية في النمسا ـ المجر، روسيا والدولة العثمانية. كانت هذه الإمبراطوريات تحكم مجموعات كثيرة تناضل من أجل الاستقلال، وكانت الصراعات بين المجموعات القومية متفجرة في دول شبه جزيرة البلقان في الجنوب الشرقي من أوروبا، وعُرفت شبه الجزيرة بأنها برميل البارود في أوروبا، لأن شعوبا كثيرة من البلقانيين كانوا جزءًا من الدولة العثمانية. حصلت اليونان والجبل الأسود والصرب ورومانيا وبلغاريا وألبانيا على الاستقلال في الفترة من 1821 إلى 1913م، لذلك فقد نشبت التوترات عندما احتكت كل دولة مع جيرانها بشأن الحدود، وانتهزت النمسا ـ المجر وروسيا ضعف الدولة العثمانية لتزيدا من نفوذهما في البلقان.

وجاء التنافس من أجل السيطرة على البلقان ليزيد من التوترات التي أدت إلى تفجر الحرب العالمية الأولى، وقادت صربيا حركة لتوحيد العنصر السلافي في المنطقة. أما روسيا وهي أقوى الدول السلافية فقد أيدت صربيا، لكن النمسا ـ المجر كانت تخشى القومية السلافية التي أدت إلى قلق في إمبراطوريتها، حيث كان هناك ملايين من السلاف يعيشون تحت حكم النمسا ـ المجر. وفي سنة 1908م أغضبت النمسا ـ المجر صربيا بإلحاق البوسنة والهرسك إلى إمبروطوريتها، وكانت صربيا تريد السيطرة على هذه الأراضي لأن كثيراً من الصرب يعيشون هناك.


التواريخ المهمة أثناء الحرب العالمية الأولى


1914م

28 يونيو

اغتيال الأرشيدوق فرديناند.

28 يوليو

أعلنت النمسا ـ المجر الحرب على الصرب وتتابعت عدة إعلانات أخرى حربية في الأسبوع التالي.

4 أغسطس

غزت ألمانيا بلجيكا وبدأت القتال.

10 أغسطس

غزت النمسا ـ المجر روسيا مبتدئة القتال في الجبهة الشرقية.

6-9 سبتمبر

أوقف الحلفاء الألمان في فرنسا في معركة المارن.

1915م

18 فبراير

بدأ الألمان حصار بريطانيا.

25 أبريل

أنزلت قوات الحلفاء في شبه جزيرة جاليبولي.

7 مايو

أغرقت غواصة ألمانية سفينة النقل البريطانية لوزيتانيا.

23 مايو

أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا ـ المجر وبدأ تطور في الجبهة الإيطالية.

1916م

21 فبراير

بدأ الألمان معركة فردان.

31 مايو

-1 يونيو حارب الأسطول البريطاني الأسطول الألماني في معركة جتلاند.

1 يوليو

بدأ الحلفاء معركة سوم.

1917م

1 فبراير

استأنفت ألمانيا حرب الغواصات غير المحدودة.

6 أبريل

أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا.

24 يونيو

بدأت القوات الأمريكية الإنزال في فرنسا.

15 ديسمبر

وقعت روسيا هدنة مع ألمانيا لإنهاء الحرب في الجبهة الشرقية.

1918م

8 يناير

أعلن الرئيس الأمريكي ولسون نقاطه الأربع عشرة أساساً للسلام.

3 مارس

وقعت روسيا معاهدة برست ـ ليتوفسك

21 مارس

شنت ألمانيا أول معركة من المعارك الثلاثة النهائية في الجبهة الغربية.

26 سبتمبر

بدأ الحلفاء هجومهم النهائي في الجبهة الغربية.

11 نوفمبر

وقعت ألمانيا هدنة نهاية الحرب العالمية الأولى.

بناء القوة الحربية. قبل أن تنفجر الحرب العالمية الأولى، وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان لدى ألمانيا أحسن جيش مدرب في العالم، اعتمدت فيه على تجنيد عسكري لكل القادرين من الشباب لتزيد من حجم جيشها وقت السلم. وسلكت أقطار أخرى نفس المسلك الذي سلكته ألمانيا وزادت من جيوشها المتحفزة، وظلت بريطانيا في أول الأمر غير مهتمة بشأن بناء ألمانيا لقوتها، حيث كانت دولة في جزيرة تعتمد على أسطولها للدفاع، وكان أقوى أسطول في العالم.

أدى التقدم التقني في الأدوات والمعدات وأساليب التصنيع إلى زيادة القوة التدميرية للقوات الحربية، وأصبحتالمدافع والأسلحة الحديثة الأخرى أكثر دقة وأسرع من الأسلحة السابقة، وأصبحت البواخر والسكك الحديدية قادرة على الإسراع في حركة القوات والإمدادات. وفي نهاية القرن التاسع عشر ساعدت التقنية الأقطار على أن تشن حروباً أطول وتتحمل خسائر أفدح من ذي قبل. ورغم ذلك فإن الخبراء العسكريين أصروا على أن الحروب القادمة سوف تكون أقصر.

أسلحة الحرب العالمية الاولى

 

التنافس على المستعمرات. في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حولت الأمم الأوروبية كل إفريقيا تقريبًا ومعظم آسيا إلى مستعمرات، كما ألهبت زيادة التصنيع التسابق نحو المستعمرات التي أمدت الأمم الأوروبية بالمواد الخام للمصانع وبالأسواق لبضائعها المصنعة وبفرص الاستثمار، لكن التسابق نحو المستعمرات أحدث توترًا بين الأقطار الأوروبية.

نظام التحالفات العسكرية. أعطت التحالفات القوى الأوروبية إحساسا بالأمن قبل الحرب العالمية الأولى، وكان كل قطر يسعى إلى عدم تشجيع أعدائه بالهجوم عليه بالدخول في اتفاقيات عسكرية مع بلد أو بلدان أخرى، فمثل هذه الاتفاقية تضمن مساعدة أعضاء التحالف لهذا القطر، لكن هذا النظام خلق أخطارًا معينة. إذ إن اندلاع الحرب يضطر أعضاء التحالف الأخرى إلى الدخول في الحرب، وهذا يعني أن عددا من الأمم سوف تشترك في القتال الذي لن يقتصر على الطرفين المتنازعين. وكان التحالف يعني أن يضطر بلد ما إلى أن يعلن الحرب ضد بلد آخر أو الدخول في شأن لايهمه. بالإضافة إلى ذلك فإن بنود كثير من التحالفات ظلت سرا، وكانت السرية من شأنها أن تزيد من فرص إساءة حكم البلد على نتائج أعماله.

التحالف الثلاثي. كانت ألمانيا في قلب السياسة الأوروبية الأجنبية منذ سنة 1870م وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى، حيث كون المستشار أوتو فون بسمارك رئيس وزراء ألمانيا سلسلة من التحالفات لتقوية أمن بلده، فبدأ بتحالف مع النسما ـ المجر. وفي سنة 1879م اتفقت ألمانيا والنمسا ـ المجر أن تشتركا في الحرب إذا ما هوجم أي بلد منهما من جانب روسيا، ثم انضمت إيطاليا إلى التحالف سنة 1882م، وأصبح هذا التحالف يعرف بالتحالف الثلاثي. اتفق أعضاء التحالف الثلاثي أن يساعد كل منهم الآخر في حال وقوع أي عدوان من بلدين أو أكثر.

ثم جعل بسمارك النمسا ـ المجر وألمانيا تدخلان في تحالف مع روسيا، وكان هذا التحالف الذي عرف بعصبة الأباطرة الثلاثة قد تكون سنة 1881م. اتفقت القوى الثلاث على أن تظل على الحياد إذا اشتركت واحدة منها في حرب مع قطر آخر. وحث بسمارك النمسا ـ المجر وروسيا المتنافستين حول النفوذ في البلقان بأن تعترف كل منهما بنفوذ الأخرى في المنطقة، ومن ثم قلل من شأن خطر الاحتكاك بين البلدين.

وساءت علاقات ألمانيا مع البلدان الأوروبية الأخرى بعد ترك بسمارك السلطة سنة 1890م. لقد عمل بسمارك على أن يَحُول بين فرنسا جارة ألمانيا في الغرب، وبين أن تتحالف مع دولة أخرى من جيران ألمانيا في الشرق أي مع روسيا والنمسا. وفي سنة 1894م اتفقت روسيا وفرنسا على تعبئة قواتهما إذا ما عبأت أمة أخرى من دول التحالف الثلاثي قواتها، كما اتفقت فرنسا وروسيا على أن تساعد كل منهما الأخرى إذا ما هوجمت إحداهما من جانب ألمانيا.

الوفاق الثلاثي. اتبعت بريطانيا سياسة خارجية خلال القرن التاسع عشر عرفت بالعزلة المجيدة. لكن بناء ألمانيا لقواتها البحرية جعل بريطانيا تشعر بالحاجة إلى حلفاء، وأنهت بذلك عزلتها. وفي سنة 1904م سوت كل من فرنسا وبريطانيا خلافاتهما الماضية حول المستعمرات ووقَّعتا الاتفاق الودي. وعلى الرغم من أن الاتفاق لم يتضمن أية التزامات بمساعدة حربية، إلا أنَّ البلدين بدءا مناقشة خططهما الحربية المشتركة. وفي سنة 1907م انضمت روسيا إلى الحلف الودي وأصبح يعرف بالوفاق الثلاثي، ولم يرغم الوفاق الثلاثي أعضاءه أن يشتركوا في الحرب مثلما تضمن التحالف الثلاثي، لكن التحالفات قسمت أوروبا إلى معسكرات متنازعة.

بداية الحرب

اغتيال الأرشيدوق. ظن الأرشيدوق فرانسيس فرديناند وريث عرش النمسا ـ المجر أن تعاطفه مع الصقالبة (السلافيين) سوف يقلل الاحتكاكات بين النمسا ـ المجر ودول البلقان. ولذلك قرر أن يطوف في البوسنة مع زوجته صوفي. وبينما الركب يطوف في سراييفو في 28 يونيو 1914م، قفز مسلح على سيارتهما وأطلق رصاصتين؛ على إثرهما مات فرديناند وزوجته في الحال، وكان القاتل جافريلو برنسيب ينتمي إلى عصابة صربية إرهابية تسمى اليد السوداء.

أعطى اغتيال فرانسيس فرديناند النمسا ـ المجر عذرًا لسحق صربيا عدوتها القديمة في البلقان. وحصلت النمسا على وعد من ألمانيا بمساعدتها في أي عمل تتخذه ضد صربيا، ثم أرسلت قائمة بطلبات مهمة لصربيا في 23 يوليو وقبلت صربيا معظم المطالب واقترحت أن تسوى المطالب الأخرى في مؤتمر دولي. ورغم ذلك رفضت النمسا ـ المجر العرض وأعلنت الحرب على صربيا في 28 يوليو وتوقعت نصراً سريعاً.

كيف انتشر الصراع. اندفعت القوى الأوروبية إلى الحرب العالمية الأولى خلال أسابيع من قتل الأرشيدوق، وبذلت محاولات قليلة لمنع الحرب. فقد اقترحت بريطانيا مثلا مؤتمرا دوليا لإنهاء الأزمة، لكن ألمانيا رفضت الفكرة مدَّعية أن النزاع يخص النمسا ـ المجر وصربيا. ورغم ذلك فإن ألمانيا حاولت إيقاف الحرب ومنع انتشارها، فحث القيصر الألماني ولهلم الثاني قريبه القيصر نقولا الثاني قيصر روسيا على عدم تعبئة قواته.

وكانت روسيا من قبل قد تقاعست عن مساندة حليفتها صربيا. ففي سنة 1908م كانت النمسا قد أغضبت صربيا بضمها البوسنة والهرسك ووقفت روسيا محايدة. وفي سنة 1914م تعهدت روسيا أن تقف خلف صربيا، وحصلت روسيا على وعد بدعم من فرنسا، ووافق القيصر الروسي على خطط لتعبئة قواته على طول حدود روسيا مع النمسا ـ المجر، لكن القادة العسكريين الروس حثوا القيصر على أن يحشد قواته على طول الحدود مع ألمانيا أيضا، وفي 30 يوليو عام 1914م أعلنت روسيا أنها ستعبئ قواتها كاملة.

أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا أول أغسطس 1914م رداً على التعبئة الروسية، وبعد يومين أعلنت ألمانيا الحرب على فرنسا، واكتسح الجيش الألماني بلجيكا في طريقه إلى فرنسا، وكان غزو بلجيكا المحايدة سببا في إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا في 4 أغسطس، ومنذ ذلك الحين وحتى نوفمبر 1918م حين انتهت الحرب، لم تبق سوى مناطق قليلة من العالم محايدة.

الجبهة الغربية. أعد ألفرد فون شليفن خطة ألمانيا الحربية سنة 1905م، وكان شليفن رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش الألماني، وهي المجموعة التي تعطي المشورة بشأن العمليات الحربية. كانت خطة شليفن تقضي أن تحارب ألمانيا كلا من فرنسا وروسيا، بهدف إلحاق هزيمة سريعة بفرنسا، بينما تكون روسيا في تعبئة بطيئة لقواتها، ثم تبدأ ألمانيا الضربة الأولى إذا ما بدأت الحرب. وإذا ما وضعت الخطة موضع التنفيذ، فإن نظام التحالفات العسكرية سوف يؤدي بالتأكيد إلى حرب أوروبية عامة.

كانت خطة فون شليفن ترى أن يكون لألمانيا جناحان يحاصران الجيش الفرنسي في شكل كَمَّاشة؛ فالجناح الأيسر الصغير سوف يدافع عن ألمانيا عبر حدودها مع فرنسا، أما الجناح الأيمن الأكبر فيغزو فرنسا عبر بلجيكا ثم يحاصر عاصمة فرنسا باريس، ثم يتحرك شرقاً. ومع تحرك الجناح الأيمن سوف تقع القوات الفرنسية في مصيدة الكمَّاشات. وكان نجاح هجوم ألمانيا يعتمد على جناح أيمن قوي، ورغم ذلك كان هلمون فون مولتكه، الذي أصبح رئيسا للأركان في سنة 1906م وأدار استراتيجية ألمانيا عند بدء الحرب العالمية الأولى، قد غير من خطة فون شليفن بتخفيض عدد قواته في الجناح الأيمن.

حارب الجيش البلجيكي بشجاعة، وقاوم الألمان لفترة قصيرة، وفي 16 أغسطس 1914م استطاع الجناح الأيمن أن يبدأ حركة كماشة وأرغم القوات الفرنسية وقوة صغيرة بريطانية على أن تتقهقر إلى جنوب بلجيكا، واكتسح فرنسا، لكن بدلا من أن يتجه غربا حول باريس طبقا للخطة فإن جزءًا من الجناح الأيمن اندفع لمطاردة القوات الفرنسية المنسحبة شرقا على نهر المارن، وكانت هذه المناورة من شأنها أن تترك الألمان معرضين لهجوم من الخلف.

وفي هذه الأثناء، فإن الجنرال جوزيف جوفر القائد العام لكل الجيوش الفرنسية ثبت قواته قرب نهر المارن شرقي باريس، واستعد للمعركة، وبدأ قتالاً شرسًا عرف بمعركة المارن الأولى في 6 سبتمبر، وفي 9 سبتمبر بدأت القوات الألمانية تنسحب.

كانت معركة المارن الأولى مفتاح النصر للحلفاء، لأنها أنهت آمال ألمانيا في هزيمة فرنسا سريعا، واستبدل بمولتكه إريخ فون فالكنهاين رئيسًا للأركان.

وتوقف انسحاب الجيش الألماني قرب نهر آين، حيث خاض الألمان والحلفاء سلسلة من المعارك التي أصبحت تعرف بالسباق نحو البحر. وسعت ألمانيا إلى السيطرة على موانئ على القنال الإنجليزي لتقطع خطوط المدد الحيوي بين فرنسا وبريطانيا، لكن الحلفاء أوقفوا تقدم الألمان نحو البحر في معركة إيبر الأولى في بلجيكا، واستمرت المعركة من منتصف أكتوبر حتى منتصف نوفمبر.

وفي أواخر نوفمبر 1914م وصلت الحرب إلى طريق مسدود على طول الجبهة الغربية لأن أحدا من الجانبين لم يمتلك أرضا أكثر، وامتدت جبهة القتال أكثر من 720كم عبر بلجيكا وشمال شرقي فرنسا إلى حدود سويسرا، واستمر التوقف في الجبهة الغربية نحو ثلاث سنوات ونصف.

الجبهة الشرقية. مضت تعبئة روسيا أسرع مما كانت تتوقع ألمانيا، وفي أواخر أغسطس 1914م اندفع جيشان روسيان بعمق في الأراضي الألمانية في شرقي بروسيا، وعرف الألمان أن الجيشين أصبحا منفصلين فأعدوا خطة حربية، تمكنوا بها من محاصرة جيش روسي في معركة تاننبرج في 31 أغسطس ثم طاردوا الجيش الروسي الثاني في شرق بروسيا في معركة البحيرات الماسورية، وكانت خسائر الروس نحو 25 ألفا، مابين قتيل وجريح ومفقود في المعركتين، وجعلت المعركتان من بول فون هندنبرج وإريخ لودندورف أبطالاً.

أما النمسا ـ المجر فكان نجاحها أقل من نجاح حليفتها ألمانيا في الجبهة الشرقية. ففي نهاية عام 1914م هاجمت القوات النمساوية ـ المجرية صربيا ثلاث مرات، وألحقت بها الهزيمة في كل مرة، وفي هذه الأثناء حاصرت روسيا معظم إقليم جاليسيا في النمسا ـ المجر (وهو الآن جزء من بولندا والاتحاد السوفييتي السابق). وفي أوائل أكتوبر انسحب الجيش النمساوي ـ المجري المهزوم إلى أراضيه.

القتال في الأماكن الأخرى. أعلن الحلفاء الحرب على الدولة العثمانية في نوفمبر 1914م بعد أن ضربت السفن التركية الموانئ الروسية على البحر الأسود، ثم غزت القوات التركية روسيا واندلع القتال بعد ذلك في الأراضي التابعة للدولة العثمانية في شبه الجزيرة العربية وأراضي الرافدين (العراق حاليا) وفلسطين وسوريا.

واستمرت بريطانيا مسيطرة على البحار بعد نصرين بحريين على ألمانيا في سنة 1914م، وجعل الإنجليز منذ ذلك الحين أسطول الألمان محصورا في مياههم معظم الحرب، ومن ثم اعتمدت ألمانيا على حرب الغواصات.

وسرعان ما امتدت الحرب العالمية الأولى إلى المستعمرات الألمانية فيما وراء البحار، وأعلنت اليابان الحرب على ألمانيا في آخر أغسطس 1914م وطردت الألمان من عدة جزر في المحيط الهادئ، أما قوات أستراليا ونيوزيلندا فقد سيطرت على المستعمرات الألمانية في المحيط الهادئ، وفي منتصف سنة 1915م سقطت معظم أملاك الإمبراطورية الألمانية في إفريقيا في يد القوات البريطانية. ورغم ذلك استمر القتال في الأملاك الألمانية في إفريقيا الشرقية (تنزانيا حاليا) لمدة عامين أو أكثر.

الجمود في الجبهة الغربية

في سنة 1915م حفر الجانبان المتصارعان سلسلة من الخنادق تعرجت على طول الجبهة الغربية، ومن الخنادق دافعا عن مواقعهما وابتدآ هجماتهما. وظلت الجبهة الغربية جامدة في حرب الخنادق حتى سنة 1918م.

حرب الخنادق. طور كل من الحلفاء وقوات الوسط أسلحة جديدة أرادوا بها أن يكسروا الجمود، وفي أبريل 1915م نشر الألمان الغاز السام على خطوط الحلفاء في معركة إيبر الثانية، وسبب ذلك دخانا وغثيانا واختناقا، ولكن القادة الألمان كانت لديهم ثقة قليلة في الغاز، وفشلوا في انتهاز هذه الفرصة لشن هجوم أكبر. كذلك استخدم الحلفاء الغاز السام بعد ذلك بقليل، وأصبحت كمامات الغاز أداة حربية في الخنادق، كذلك كان قاذف اللهب سلاحا جديدا يقذف نفثة من اللهب المحترق.

معركة فردان. لما كان فالكنهاين رئيس أركان حرب الجيش الألماني قد قرر في أبريل 1916م أن يركز على قتل جنود العدو فإنه كان يأمل أن الحلفاء سوف يحتاجون قوات لاستمرار الحرب، واختار فالكنهاين مدينة فردان الفرنسية، لكنه لم يكن يعتقد أن الفرنسيين سوف يدافعون عن فردان لآخر رجل. وبدأت الرماية في 21 فبراير، وشعر جوفر قائد الجيوش الفرنسية أن خسارة فردان سوف تضعف روح الفرنسيين المعنوية بقوة. وخلال الربيع والصيف صد الفرنسيون المهاجمين، وكما تنبأ فالكنهاين دفعت فرنسا بقوات إلى المعركة، ولم يتوقع فالكنهاين أن تكلف المعركة الألمان أرواحا كثيرة مثلما كلفت الفرنسيين، فأوقف الهجوم غير الناجح في 2 يوليو 1916م. وفي الشهر التالي حل هندنبرج ولودندورف بطلا الجبهة الشرقية محل فالكنهاين في الجبهة الغربية، وأصبح هندنبرج رئيس الأركان ولودندورف مساعده يخططان للاستراتيجية الألمانية.

أما الجنرال هنري بيتان فقد نظم الدفاع عن فردان. وعدته فرنسا بطلا، وأصبحت معركة فردان رمزا للتخريب المدمر في الحرب الحديثة، حيث ارتفعت خسائر الفرنسيين إلى نحو 315 ألف رجل وخسائر الألمان نحو 280 ألفا، وأما المدينة فقد دُمّرت تمامًا.

معركة السوم. أعد الحلفاء دفاعا قويًا سنة 1916م عند نهر السوم في فرنسا، لقد استنزفت معركة فردان فرنسا، وهكذا أصبح هجوم السوم مسؤولية البريطانيين الرئيسية تحت قيادة الجنرال إيرل هيج. بدأ هجوم الحلفاء في أول يوليو 1916م، وخلال ساعات خسرت بريطانيا حوالي 60 ألفا، وهي أسوأ خسارة لها في يوم واحد من القتال. ومضى القتال الشرس في الخريف، وفي سبتمبر أنتجت بريطانيا أول دبابة، لكن الدبابات لم يكن يُعوَّل عليها لأنها قليلة العدد بحيث لم تؤثر في مجرى المعركة، وأخيرا أوقف هيج هجومه الذي لاقيمة له في نوفمبر. وحصل الحلفاء على نحو أحد عشر كيلومترًا، وبتكلفة كبيرة بلغت أكثر من مليون من الإصابات؛ منها أكثر من 600,000بين صفوف الألمان 400 ألف بين صفوف البريطانيين وحوالي 200,000بين صفوف الفرنسيين، ورغم الخسارة الكبرى في فردان والسوم، فإن الجبهة الغربية ظلت متماسكة حتى نهاية عام 1916م.

القتال في الجبهات الأخرى

خلال عامي 1915م و 1916م امتدت الحرب العالمية الأولى إلى إيطاليا عبر البلقان، وازداد نشاطها على الجبهات الأخرى. واعتقد بعض القادة العسكريين أن خلق جبهات جديدة قد يكسر الجمود على الجبهة الغربية، ولكن انتشار الحرب كان له تأثير قليل على هذا الجمود.

الجبهة الإيطالية. ظلت إيطاليا خارج الحرب العالمية الأولى طوال عام 1914م رغم أنها كانت عضوا في التحالف الثلاثي مع النمسا ـ المجر وألمانيا، وادعت إيطاليا بأنها ليست ملتزمة بالانضمام للحرب لأن النمسا ـ المجر لم تدخل في حرب دفاعية. وفي مايو 1915م دخلت إيطاليا الحرب إلى جانب الحلفاء، وفي معاهدة سرية وعد الحلفاء بأن يعطوا إيطاليا بعض أراضي النمسا ـ المجر بعد الحرب، ووعدت إيطاليا أن تهاجم النمسا ـ المجر. كان الإيطاليون، ويقودهم الجنرال لويجي كادورنا، قد اندفعوا بعمق لمدة عامين في سلسلة من المعارك على طول نهر إيسونزو في النمسا ـ المجر، وتكبّدت إيطاليا خسائر عديدة، لكنها أخذت أراضي قليلة. كان الحلفاء يأملون أن تساعد الجبهة الإيطالية روسيا بأن تدفع النمسا ـ المجر إلى سحب بعض قواتها بعيدًا عن الجبهة الشرقية، وإن كان هذا السحب قد حدث فإنه لم يساعد روسيا.

الدردنيل. عندما بدأت الحرب العالمية الأولى، أعلنت الإمبراطورية العثمانية إغلاق الطريق المائي بين بحر إيجة والبحر الأسود، وبذلك سدت طريق البحر إلى جنوب روسيا. وفي فبراير ومارس 1915م، هاجمت السفن الحربية الروسية والفرنسية والإنجليزية مضيق الدردنيل، وكان الحلفاء يأملون في إيجاد طريق مدد إلى روسيا، ورغم ذلك فإن الألغام أوقفت الهجوم.

وفي أبريل 1915م أنزل الحلفاء قوات في شبه جزيرة جاليبولي على الشاطئ الغربي للدردنيل، وأدت قوات من أستراليا ونيوزيلندا دورا رئيسيا في هذا الإنزال، وسرعان ما أصبحت القوات العثمانية والحليفة متورطة في حرب خنادق، وفشل هجوم ثانٍ في أغسطس عند خليج سوفلا في الشمال في إنهاء الجمود. وفي ديسمبر بدأ الحلفاء في إجلاء قواتهم، بعد أن خسروا 250 ألفا من ضحاياهم في الدردنيل.

أوروبا الشرقية. اخترقت جيوش ألمانيا والنمسا ـ المجر في مايو 1915م، الخطوط الروسية في جاليسيا في النمسا ـ المجر، وهي المقاطعة التي غزتها روسيا سنة 1914م، وانسحب الروس نحو 480 كم قبل أن يكوِّنوا خط دفاع جديدًا. وعلى الرغم من هذا التقهقر فإن القيصر نيقولا الثاني شن هجومين لتخفيف الضغط على الحلفاء في الجبهة الغربية، وفشل الهجوم الروسي الأول في مارس 1916م في أن يدفع بالقوات الألمانية بعيدا عن فردان.

بدأ الهجوم الروسي الثاني في يونيو 1916م تحت قيادة الجنرال ألكسي بروسيلوف، وأجبر جيش بروسيلوف قوات النمسا ـ المجر على التقهقر 80كم. وخلال أسبوع أسر الروس 200 ألف جندي، ولإيقاف الهجوم كان على النمسا ـ المجر أن تسحب قواتها من الجبهة الإيطالية إلى الجبهة الشرقية، وهكذا أخرج الهجوم الروسي النمسا ـ المجر من الحرب، ولكنه أرهق روسيا، وأصيب كل جانب بنحو مليون إصابة.

دخلت بلغاريا الحرب العالمية الأولى في أكتوبر 1915م لمساعدة النمسا ـ المجر كي تهزم صربيا. وكانت بلغاريا تأمل أن تستعيد أرضا فقدتها في الحرب البلقانية الثانية. وفي محاولة لمساعدة صربيا أنزل الحلفاء قوات في سالونيك في اليونان، لكن القوات لم تصل أبدا إلى صربيا، وانسحب الجيش الصربي إلى ألبانيا. وانضمت رومانيا إلى الحلفاء في أغسطس 1916م، وكانت تأمل في أن تحصل على بعض الأراضي من النمسا ـ المجر إذا كسب الحلفاء الحرب، وفي نهاية 1916م خسرت رومانيا معظم جيشها وسيطرت ألمانيا على حقول القمح الغنية وحقول النفط.

الحرب في البحر. سببت سيطرة بريطانيا على البحار أثناء الحرب العالمية الأولى مشاكل جسيمة لألمانيا. فقد سد الأسطول البريطاني مياه ألمانيا، ومنع المدد من الوصول إلى الموانئ الألمانية. وبحلول سنة 1916م عانت ألمانيا من نقص الطعام والبضائع الأخرى. وحاربت ألمانيا القوة البحرية البريطانية بغواصاتها المسماة قوارب اليو (u). وفي فبراير 1915م أعلنت ألمانيا حصارًا بالغواصات على الجزر البريطانية، محذرة بأنها ستهاجم أية سفينة تحاول أن تخترق هذا الحصار، وبالفعل دمرت قوارب اليو (u) كميات ضخمة من البضائع المتجهة إلى بريطانيا.

وفي 7 مايو 1915م ضرب قارب طوربيد من قوارب اليو (u) وبدون إنذار سفينة الركاب البريطانية لوسيتانيا على ساحل أيرلندا، وقتل نتيجة لذلك 1198 راكباً منهم 128 أمريكيًا. وكان غرق لوسيتانيا دافعاً لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية الرئيس ودرو ولسون ليحث ألمانيا على أن تكف عن حرب الغواصات غير المحدودة. وفي سبتمبر وافقت ألمانيا على عدم مهاجمتها سفنا محايدة أو سفن ركاب.

وظلت السفن الحربية التي تسابقت بريطانيا وألمانيا لبنائها قبل الحرب العالمية الأولى في مياه وطنها خلال معظم سنوات الحرب، لكن كان لهذه السفن دورها في تثبيط العدو عن الغزو، وكانت المعركة الوحيدة الكبرى التي تقابل فيها الأسطولان هي معركة جتلاند التي دارت بعيدا عن ساحل الدنمارك في 21 مايو. وفي 31 مايو و1يونيو 1916م كان الأدميرال السير جون جليكو يقود الأسطول البريطاني المكون من 150 سفينة حربية، وتقابل مع أسطول ألماني مكون من 99 سفينة حربية تحت قيادة الأدميرال راينهارد شير. وعلى الرغم من تفوق بريطانيا فإن جليكو كان حذراً، فقد كان يخشى أن يخسر كل الحرب في يوم، وأن خسارة بريطانيا لأسطولها سوف تعطي ألمانيا السيطرة على البحار. ادعى كل طرف أنه المنتصر في معركة جتلاند، ورغم أن بريطانيا خسرت سفنا أكثر من ألمانيا، فقد ظلت مسيطرة على البحار.

الحرب الجوية. حدث تقدم كبير في الطيران من جانب الحلفاء والدول الوسطى خلال الحرب العالمية الأولى. كان كل جانب يسعى لصنع طائرات أحسن من الآخر. وقد استخدمت الطائرات بشكل رئيسي لمراقبة نشاط العدو. وكان الطيارون يحملون مدافع رشاشة لإسقاط الطائرات المعادية؛ ولكنهم كانوا بهذا يجازفون بقتل أنفسهم بأنفسهم إذا ما حدث أن ارتدت رصاصاتهم إلى نحورهم بفعل مراوح طائراتهم.

واستمر القصف الجوي في مراحله الأولى خلال الحرب العالمية الأولى، وفي سنة 1915م بدأت ألمانيا قذف لندن وبعض المدن البريطانية الأخرى من سفن زبِّلن الهوائية، لكن القذف كان قليل التأثير في الحرب.

 

المرحلة الأخيرة

هزائم الحلفاء. في مارس 1917م كان القادة العسكريون الفرنسيون والإنجليز ما يزالون يعتقدون أن هجوما ناجحا قد يكسب الحرب، لكن القادة الألمان استغلوا الجمود على الجبهة الفرنسية ليحسنوا دفاعاتهم. وفي مارس 1917م تقهقرت القوات الألمانية إلى خط معركة جديد محصن بقوة في شمال فرنسا سمي بخط سيجفريد لدى الألمان، وبخط هندنبرج لدى الحلفاء. لقد حاصر خط سيجفريد الجبهة الفرنسية ووضع المدفعية الألمانية والمدافع الآلية في وضع أفضل، وأدى إلى فشل هجوم دبره الفرنسيون.

حل الجنرال روبرت نيفيل في ديسمبر 1916م محل جوفر كقائد للقوات الفرنسية، وأعد نيفيل هجوما ضخما قرب نهر آين. وتنبأ بأنه سوف يخترق خط الألمان خلال يومين. وأنعش إحساس نيفيل القوات الفرنسية، ولم يزعزع ثبات الألمان في خط سيجفريد من ثقة نيفيل.

وبدأ هجوم نيفيل في 16 أبريل 1917م، وفي نهاية اليوم كان واضحا أن الهجوم قد فشل، لكن القتال استمر في مايو وانتشر التمرد بين القوات الفرنسية بعد فشل هجوم نيفيل. لقد نزفت القوات دماء كثيرة لاحد لها في الجبهة الفرنسية. ورفض الرجال الذين قاتلوا بشجاعة معظم السنوات الثلاث أن يستمروا في الحرب، وحل بيتان بطل فردان محل نيفيل في مايو 1917م، وحسن بيتان من الظروف المعيشية للجنود وأعاد النظام، ووعد أن تظل فرنسا في وضع دفاعي إلى أن تصبح مستعدة لكي تقاتل مرة أخرى. وظل دور الدفاعات الأخرى على الجبهة الغربية مسؤولية بريطانيا.

كان الجنرال هيج يأمل أن يؤدي الهجوم البريطاني قرب إيبرو إلى النصر، وبدأت المعركة الثالثة عند إيبرو وكانت تعرف بمعركة باشندال في 31 يوليو 1917م. واستمرت القوات البريطانية وقوة فرنسية صغيرة تضرب الألمان في معركة رهيبة لأكثر من ثلاثة أشهر، ولقد عمل قصف الحلفاء بالمدفعية الثقيلة، الذي تقدم هجوم المشاة على تدمير شبكات الصرف الصحي حول إيبرو، وحوَّل المطر الغزير الأرض المبللة إلى مستنقع غرق فيه آلاف من الجنود الإنجليز، ثم أوقف الثلج والبرد المعركة المدمرة نهائيا في 10 نوفمبر. وفي أواخر الشهر نفسه استخدمت بريطانيا الدبابات لاختراق خط سيجفريد، لكن الفشل عند إيبرو أنهك القوات التي كانت بريطانيا تحتاج إليها لمتابعة النجاح.

في سنة 1917م رأت بريطانيا وفرنسا آمالهما في النصر تتحطم، وأجلت النمسا ـ المجر الإيطاليين من أراضيها في معركة كابوريتو في الخريف، وانعدم أمل أكثر الحلفاء بعد قيام ثورة في روسيا.

الثورة الروسية. عانى الشعب الروسي كثيرًا خلال الحرب العالية الأولى، وخلال سنة 1917م لم يعد كثير منهم قادرًا على تحمل الخسائر العديدة، والنقص الخطير في الطعام، وأخذوا ينحون باللائمة على القيصر نيقولا الثاني ومستشاريه فيما يتعلق بمشكلات البلاد. وفي أوائل 1917م أطاحت ثورة في بتروغراد (حاليًا بيترسبيرج) بالعرش واستمرت الحكومة الجديدة في الحرب.

ولكي تضعف ألمانيا من مجهود روسيا الحربي فقد ساعدت ف. ل. لينين، وهو ثائر روسي كان يعيش آنذاك في سويسرا، في العودة إلى بلده في أبريل 1917م. وبعد سبعة أشهر قاد لينين ثورة تمكن بها من السيطرة على حكم روسيا، وطالب في الحال بمعاهدة سلام مع ألمانيا، وانتهت الحرب على الجبهة الشرقية.

وأمْلت ألمانيا شروط صلح قاسية على روسيا في معاهدة صلح وقِّعت في برست ـ ليتوفسك في 3 مارس 1918م، وأجبرت معاهدة برست ـ ليتوفسك روسيا على أن تتنازل عن مساحات كبيرة من الأرض تشمل فنلندا وبولندا وأوكرانيا وبسارابيا ودول البلطيق: أستونيا وليفونيا (لاتفيا حاليا) ولتوانيا، ومكن انتهاء القتال على الجبهة الشرقية القوات الألمانية من أن تنتقل إلى الجبهة الغربية. وبدا أن العقبة الوحيدة أمام إحراز الألمان للنصر هو دخول الولايات المتحدة الحرب.

الولايات المتحدة الأمريكية تدخل الحرب. أعلن الرئيس ولسون رئيس الولايات المتحدة حياد الولايات المتحدة في بداية الحرب؛ فقد عارض معظم الأمريكيين تورط الولايات المتحدة في حرب أوروبية، لكن غرق سفينة لوسيتانيا وبعض أعمال ألمانيا الأخرى ضد المدنيين أحدث تعاطفا مع الحلفاء.

في 2 أبريل دعا ولسون إلى الحرب قائلاً: “إن العالم لابد أن يصل آمنا إلى الديمقراطية”، وأعلن الكونجرس الحرب على ألمانيا في 6 أبريل. وتوقع قليل من الناس أن تفعل الولايات المتحدة الكثير من أجل إنهاء الحرب.

 

المعارك الأخيرة. أنعش انتهاء الحرب في الجبهة الشرقية أمل الألمان في النصر، وفي أوائل 1918م كانت القوات الألمانية تتفوق عل الحلفاء في الجبهة الغربية، وشنت ألمانيا ثلاث هجمات في الربيع. كان لودندورف قد خطط بأن يقوم بضربة ساحقة على الحلفاء قبل أن تصل القوات الأمريكية إلى الجبهة واعتمد على عنصر السرعة والمفاجأة.

ضربت ألمانيا ضربتها قرب سان كنتان، وهي مدينة في وادي نهر السوم، في 21 مارس 1918م وانسحبت القوات البريطانية نحو 25 كم. وفي آخر مارس بدأ الألمان ضرب باريس، وكانت مدفعيتهم الضخمة تقذف بالقذائف إلى مدى 120 كم. وبعد خسارتهم عند سان كنتان اجتمع قادة الحلفاء لوضع خطة دفاعية جديدة. وفي أبريل عينوا الجنرال فرديناند فوش من فرنسا قائداً أعلى للقوات المتحالفة في الجبهة، وبدأ هجوم ألماني ثان في 9 أبريل على طول نهر لي في بلجيكا، وناضلت القوات البريطانية ببسالة، وأوقف لودندورف الهجوم في 30 أبريل. وعانى الحلفاء من خسائر كبيرة في كلا الهجومين، لكن خسائر الألمان كانت فادحة هي الأخرى.

هجمت ألمانيا للمرة الثالثة في 27 مايو قرب نهر آين. وفي 30 مايو وصلت القوات الألمانية إلى نهر المارن، وساعدت القوات الأمريكية فرنسا لوقف التقدم الألماني عند مدينة شاتو تييري، وهي على بعد أقل من 80 كم شمال شرق باريس. وخلال يونيو طردت الولايات المتحدة الألمان من غابة بيلو قرب المارن. وعبرت القوات الألمانية المارن في 15 يوليو، وأمر فوش بشن هجوم مضاد قرب مدينة سواسون في 18 يوليو.

واستمرت المعركة الثانية في 15 يوليو إلى 6 أغسطس 1918م. ومثلت نقطة تحول في الحرب العالمية الأولى، وبعدها تقدم الحلفاء بثبات. وفي 8 أغسطس هاجمت بريطانيا وفرنسا الألمان قرب آميان.

بدأ الهجوم الأخير في الحرب العالمية الأولى في 26 سبتمبر 1918م. واشتركت قوات أمريكية مكونة من نحو 900 ألف في قتال شرس بين غابة أرجون ونهر الميوز. وتحقق لودندورف من أن ألمانيا لن تستطيع أن تتغلب على قوات الحلفاء الأكثر منها قوة.

نهاية القتال. كسب الحلفاء الانتصارات على طول الجبهات في خريف 1918م، واستسلمت بلغاريا في 29 سبتمبر، وانتصرت القوات البريطانية تحت قيادة الجنرال إدموند أللنبي على الجيش العثماني في فلسطين وسوريا. وفي 30 أكتوبر وقَّعت الإمبراطورية العثمانية هدنة، وبدأت المعركة الأخيرة بين إيطاليا والنمسا ـ المجر في آخر أكتوبر في إيطاليا. وهزمت إيطاليا النمسا ـ المجر بمساعدة من فرنسا وبريطانيا، ووقعت النمسا ـ المجر هدنة في 3 نوفمبر.

كانت ألمانيا تترنَّح على حافة الانهيار كلما تقدمت الحرب خلال أكتوبر، وكان حصار بريطانيا البحري قد أجاع الشعب الألماني ونشر تذمرًا أدى إلى تظاهرات تطالب بالصلح، وتخلى القيصر فيلهلم عن عرشه في 9 نوفمبر وطار إلى هولندا، وتقابل وفد الحلفاء بقيادة فوش مع ممثلين ألمان في عربة سكة حديدية في غابة كومبيين في شمال فرنسا. وفي صباح 11 نوفمبر 1918م قبل الألمان هدنة نهائية بشروط الحلفاء، ووافقت ألمانيا أن تجلو عن الأراضي التي احتلتها خلال الحرب، وأن تسلم أعدادا كبيرة من جيشها وسفنها، وأدوات حربية أخرى، وأن تسمح لقوى الحلفاء أن تحتل أرض ألمانيا على طول نهر الراين. وأمر فوش بوقف القتال على الجبهة الغربية الساعة 11 قبل الظهر، وانتهت الحرب العالمية الأولى.

نتائج الحرب

الدمار والإصابات. سببت الحرب العالمية الأولى دمارًا كبيرًا إذ مات نحو 10ملايين جندي نتيجة للحرب، وهو رقم يزيد عن عدد الذين ماتوا خلال المائة سنة السابقة للحرب، وجرح نحو 21 مليون رجل. أما الخسائر المالية فقد نجمت عن القوى التدميرية للأسلحة الجديدة خاصة المدافع الآلية. وساهم القادة العسكريون في هذه المذابح لفشلهم في التَّكيّف مع الظروف المتغيرة للحرب.

خسرت كل من ألمانيا وروسيا نحو مليون وثلاثة أرباع المليون قتيل خلال الحرب العالمية الأولى، وهو أكثر مما عاناه أي قطر آخر، وكانت نسبة الموتى في فرنسا أعلى بالمقارنة بعدد جنودها الكلي. فلقد خسرت نحو مليون وثلث المليون جندي؛ أي 16% من كل قواتها العاملة. ولا أحد يعرف كم عدد المدنيين الذين ماتوا من المرض والجوع والأسباب الأخرى المتعلقة بالحرب، ويعتقد بعض المؤرخين أن عدد المدنيين الذين ماتوا كان يساوي عدد الموتى من الجنود.

أما الخسائر المادية في الحرب العالمية الأولى فكانت أكثر في فرنسا وبلجيكا، فقد خربت الجيوش المزارع والقرى بمرورها فيها وحفر الخنادق للقتال، وخربت الحرب المصانع والجسور وقضبان السكك الحديدية. أما جرارات المدفعية والمواد الكيميائية فقد خربت الأرض على طول الجبهة الغربية.

النتائج الاقتصادية. كبدت الحرب العالمية الأولى الأمم المتقاتلة نحو 337 بليون دولار أمريكي. وفي سنة 1918م كانت الحرب تكلف 10 ملايين دولار كل ساعة. ورفعت الأمم ضرائب الدخل والضرائب الأخرى من أجل تمويل الحرب. ولكن معظم الأموال جاءت من القروض التي أوجدت ديونا ضخمة، واستدانت الحكومات من المواطنين ببيع سندات حربية، واستدان الحلفاء كثيراً من الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، طبعت معظم الحكومات أوراقاً مالية إضافية لمواجهة حاجاتها، ولكن الزيادة في النقود سببت تضخما ماليا قاسيا بعد الحرب.

سَخَّرت دول أوروبا مواردها في الحرب العالمية الأولى وخرجت من الحرب منهكة؛ ففرنسا على سبيل المثال، فقدت عُشْر قوتها العاملة، ولم يجد كثير من الجنود العائدين في معظم أقطار أوروبا وظائف لهم. وبالإضافة إلى ذلك خسرت أوروبا كثيرًا من منتجات أسواقها عندما كانت تنتج مواد للحرب، ورغم ذلك خرجت الولايات المتحدة بقوة اقتصادية متزايدة.

النتائج السياسية. هزت الحرب العالمية الأولى دعائم حكومات كثيرة. وتصدت الحكومات الديمقراطية في بريطانيا وفرنسا لضغط الحرب، لكن أربع ملكيات سقطت، وكانت أول ملكية تسقط هي ملكية القيصر نيقولا الثاني في روسيا عام 1917م، وتخلى القيصر ولهلم الثاني في ألمانيا، والإمبراطور شارل من النمسا – المجر عن عرشيهما في سنة 1918م، وسقط السلطان العثماني محمد السادس في عام 1922م.

أدى سقوط الإمبراطوريات القديمة إلى إيجاد أقطار جديدة في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وتكون من أرض النمسا ـ المجر قبل الحرب جمهوريات النمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وأجزاء من إيطاليا، وبولندا ورومانيا ويوغوسلافيا. وتنازلت روسيا وألمانيا عن أراضٍ لبولندا وفنلندا، وحصلت دول البلطيق: أستونيا ولاتفيا ولتوانيا على استقلالها من روسيا، ووضعت معظم الأراضي العربية في الإمبراطورية العثمانية تحت سيطرة فرنسا وبريطانيا. وتكونت تركيا من باقي الإمبراطورية العثمانية، ووضع قادة أوروبا في حسابهم المجموعات القومية لإعادة رسم خريطة أوروبا، وبذلك رسخوا دواعي قضية القومية، وأعطت الحرب العالمية الأولى الشيوعية الفرصة لتولي السلطة في أوروبا، وتوقع بعض الناس أن تقوم ثورات شيوعية في أماكن أخرى في أوروبا، وقويت الحكومات الثورية بعد الحرب لكن لم تقم حكومات شيوعية.

النتائج الاجتماعية. أحدثت الحرب العالمية الأولى تغييرات عدة في المجتمع. فقد أثر موت كثير من الشباب على فرنسا أكثر مما أثر على أي قطر آخر، وانخفض سكان فرنسا خلال العشرينيات من القرن العشرين بسبب انخفاض المواليد، واجتثت الحرب الملايين من أبناء الشعب، وهرب بعضهم من مناطق مزقتها الحرب ليجدوا بيوتهم ومزارعهم وقراهم خربة، وصار بعضهم الآخر لاجئين نتيجة للتغيرات في الحكومات والحدود السياسية خاصة وسط وشرق أوروبا.

فضَّل كثير من الناس أن يستأنفوا سيرتهم الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، ونمت المناطق الحضرية بسبب تفضيل الفلاحين الإقامة في المدن بدلا من العودة إلى مزارعهم. وملأت النساء الوظائف والمصانع بعد ذهاب الرجال للحرب، وكن حريصات على أن يرسخن استقلالهن الجديد، وأعطت أقطار كثيرة المرأة حق التصويت بعد الحرب، وبدأ التباين بين الطبقات الاجتماعية يظهر نتيجة للحرب العالمية الأولى، وأصبح المجتمع أكثر ديمقراطية، وفقدت الطبقات العليا الحاكمة بعضا من نفوذها وامتيازاتها بعد أن قادت العالم إلى حرب ضروس. وواجه الرجال بكل طبقاتهم نفس الخطر والفزع في الخنادق. وأخيرا صاغت الحرب العالمية الأولى اتجاهات جديدة، وفقدت الطبقات الوسطى والعليا الأوروبية الثقة والتفاؤل اللذين كانت تشعر بهما قبل الحرب، وبدأ كثيرٌ من الناس يعيدون النظر في بعض المفاهيم التي كانت راسخة لديهم. مثال ذلك تغيّر الفكرة القائلة بتفوق الثقافة والحضارة الأوروبية على العالم كله، وكل ذلك بسبب الخراب والدمار الذي أحدثته الحرب في هذه البلاد.

التسوية السلمية

النقاط الأربع عشرة. في يناير 1918م اقترح الرئيس ودرو ولسون رئيس الولايات المتحدة؛ أي قبل انتهاء الحرب بعشرة شهور، بعضا من أهداف الحرب سميت النقاط الأربع عشرة. اعتقد ولسون أن النقاط الأربع عشرة قد تحقق تسوية سلمية عادلة سماها سلام بلا نصر. وفي نوفمبر 1918م وافقت ألمانيا على هدنة. وتوقعت ألمانيا أن تتم التسوية على أساس النقاط الأربع عشرة، وعالجت ثماني نقاط منها تسويات خاصة سياسية وإقليمية. وأما باقيها فقد وُضِعَت كمبادئ عامة لمنع حروب مستقبلية، واقترحت آخر النقاط تنظيما دوليا سمي فيما بعد عصبة الأمم لتدعيم السلام.   

 

مؤتمر باريس للسلام. اجتمع ممثلو القوى المنتصرة في يناير 1919م في باريس لوضع أسس التسوية السلمية، جاءوا من 32 قطرًا. وأعدت اللجان مقترحات تفصيلية لمؤتمر باريس للسلام، لكن القرارات وضعها رؤساء أربع حكومات سموا الأربعة الكبار. كان الأربعة الكبار هم: ودرو ولسون رئيس الولايات المتحدة، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، ورئيس وزراء إيطاليا فيتوريو أورلاندو.

تجاهل مؤتمر الصلح إلى حد كبير المبادئ الرئيسية في النقاط الأربع عشرة؛ فقد ضحَّى الحلفاء الأوروبيون الكبار أكثر من الأمريكيين فأرادوا أن يحصلوا على تعويض. أما ولسون فقد ركز جهوده على إيجاد عصبة الأمم، واستجاب ولسون لفرنسا وبريطانيا حول كثير من القضايا. وفي مايو 1919م وافق مؤتمر الصلح على المعاهدة وقدمها إلى ألمانيا. ولم توافق ألمانيا عليها إلا بعد تهديد من الحلفاء بغزوها، وإثر شكوك كبيرة وقَّع ممثلو ألمانيا على معاهدة الصلح في قصر فرساي قرب باريس في 28 يونيو 1919م.

وبالإضافة إلى معاهدة فرساي مع ألمانيا، وقَّع صانعو السلام معاهدات منفصلة مع دول الوسط الأخرى. فوقَّعت معاهدة سان جرمان مع النمسا في سبتمبر 1919م، ومعاهدة نويي مع بلغاريا في يونيو 1920م، ومعاهدة تريانون مع المجر في يونيو 1920م، ومعاهدة سيفر مع الإمبراطورية العثمانية في أغسطس 1920م.

نصوص المعاهدات التي أنهت الحرب. حرمت المعاهدات دولاً من أراض وأسلحة وطالبتها بدفع تعويضات؛ أما ألمانيا فقد عوقبت بشدة. وتضمن بند في معاهدة فرساي إرغام ألمانيا على أن تقبل مسؤوليتها بوصفها المتسببة في الحرب.

وبموجب معاهدة فرساي تنازلت ألمانيا عن أراض في بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا والدنمارك وفرنسا وبولندا وخسرت مستعمراتها فيما وراء البحار، وحصلت فرنسا على حقول الفحم الحجري في وادي السار التابع لألمانيا لمدة خمس عشرة سنة، وكان على ألمانيا أن تدفع نفقات جيش للحلفاء يحتل الضفة الغربية من نهر الراين لمدة خمس عشرة سنة، وطلبت بعض البنود من ألمانيا أن تعيد إلى الحلفاء مواد حربية وسفنا وبضائع أخرى. ولم يستقر الرأي على مجموع التعويضات حتى سنة 1921م وتسلمت ألمانيا فاتورة تعويضات بنحو 33 مليار دولار أمريكي.

أما معاهدتا سان جرمان وتريانون فقد أنقصتا مساحة النمسا ـ المجر إلى أقل من ثلث مساحتها السابقة، واعترفت المعاهدات باستقلال تشيكوسلوفاكيا وبولندا ومملكة عرفت فيما بعد باسم يوغوسلافيا. وتسلمت هذه الدول الجديدة ومعها إيطاليا ورومانيا أراضي كانت تابعة للنمسا ـ المجر. أما معاهدة سيفر فقد انتزعت مصر ولبنان والعراق وفلسطين وسوريا وشرق الأردن من الإمبراطورية العثمانية، وتخلت بلغاريا عن أراض لليونان ورومانيا، وكان على ألمانيا كذلك أن تخفض قواتها المسلحة وأن تدفع تعويضات.

عالم مابعد الحرب. وجد صانعو السلام أنه من المستحيل أن يرضوا آمال كل أمة ورغبات كل مجموعة قومية. لقد أغضبت التسويات القوى المنتصرة والمهزومة على حد سواء. وأخذ صانعو السلام في اعتبارهم رغبات المجموعات القومية وهم يرسمون حدودا جديدة. ورغم ذلك فإن المطالب القومية لم تتحقق في كثير من القضايا، مثال ذلك أخذت رومانيا مجموعة مجرية كبيرة من السكان، كذلك كان في أجزاء من تشيكوسلوفاكيا وبولندا ألمان كثيرون، وكان من شأن هذه التسويات أن تزيد من الخلافات بين الأقطار. وبالإضافة إلى ذلك فإن الأقطار العربية كانت مستاءة لأنها لم تحصل على استقلالها.

لم تحقق الحدود التي أعادت رسمها تسويات الصلح الأمان الاقتصادي إلا قليلا، مثال ذلك أن الأقطار الجديدة في النمسا ـ المجر كانت صغيرة وضعيفة وغير قادرة على أن تدعم نفسها، لقد فقدت كثيرًا من سكانها، ومواردها وأسواقها، وطالب السكان الألمان في النمسا إلى حد كبير بالاتحاد مع ألمانيا، ولكن صانعي السلام لم يريدوا لألمانيا أن تكسب أراضي بعد الحرب.

دخلت بريطانيا عالم مابعد الحرب وهي أكثر دول الحلفاء رضى. فلقد حافظت على إمبراطوريتها وسيطرتها على البحار، لكنها كانت منزعجة من أن ميزان القوى الذي أرادته في أوروبا قد ينقلب رأسا على عقب بوجود ألمانيا ضعيفة للغاية وبنصر شيوعي في حرب أهلية في روسيا، وبنجاح فرنسا في فرض شروط قاسية على ألمانيا عدوها التقليدي. ولكنها لم تنجح في تأمين حدودها وفشلت في أن تحصل على ضمان بمساعدة بريطانيا والولايات المتحدة في حالة غزو ألماني. وأخيرًا حصلت إيطاليا على أراض أقل مما وعدت به وأحست أنها لم تأخذ ماتستحق.

في الولايات المتحدة خالف مجلس الشيوخ الرأي العام، ورفض الموافقة على معاهدة فرساي، وعارض بذلك الرئيس ولسون. كانت المعاهدة تجعل الولايات المتحدة عضوا في عصبة الأمم. ولم يكن كثير من الأمريكيين على استعداد لأن يتقبلوا المسؤوليات المترتبة على القوة الجديدة التي صارت لبلدهم. فلقد خشوا أن تقحم عصبة الأمم بلدهم في منازعات أوروبية.

لقد وضعت معاهدة فرساي شروطا قاسية أكثر مما توقعته ألمانيا. وكانت مسؤولية قبول هذه الشروط إضعافا لحكومة ألمانيا بعد الحرب. وخلال الثلاثينيات ظهرت حركة شديدة التعصب للقومية يقودها أدولف هتلر، الذي وعد بتجاهل معاهدة فرساي والانتقام لهزيمة ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. وفي سنة 1939م غزت ألمانيا بولندا وبدأت الحرب العالمية الثانية بالفعل.

أسئلة

  1. ما الأسباب الرئيسية للحرب العالمية الأولى؟

  2. ما أول قطر استخدم الغاز السام في الحرب العالمية الأولى؟ وما أول قطر استخدم الدبابات؟

  3. من رؤساء الحكومات في الحرب العالمية الأولى الذين سموا بالأربعة الكبار؟

  4. ما الأقطار التي كونت الوفاق الثلاثي؟ والتحالف الثلاثي؟ وما الاختلاف بين التحالفين؟

  5. كيف نافست ألمانيا البحرية الإنجليزية أثناء الحرب العالمية الأولى؟

  6. ما الإسهام الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى؟

  7. ما خطة فون شليفن في الحرب العالمية الأولى؟

  8. لماذا كانت معركة المارن الأولى مفتاح النصر للحلفاء؟

  9. ما أسباب تمرد القوات الفرنسية في سنة 1917م؟

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الجـيـْـش Army

الجـيـْـش  Army

أحد فروع القوات المسلحة للدولة، وهو مدرَّب خصيصًا للقتال على الأرض. ويتكون الجيش من القوات البرية، ومن أسلحتها ومعداتها وقواعدها العسكرية. وفي بعض الدول، تسمى وحدات الجيش الكبيرة جيوشًا، إذ إنها تتكون من مشاة ودبابات مدرعة ومدفعية، بالإضافة إلى قوات مساندة تضطلع بوظائف النقل، والعناية الطبية، ومسؤوليات أخرى.

يوجد في الغالب لدى كل دولة في العالم جيش. غير أن الجيوش تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا في البنية والقوة القتالية التي تعتمد بدورها على تقنية الدولة. تملك جميع الدول الصناعية تقريبًا جيوشًا تضمّ قوات مشاة جيدة التجهيز وأحدث أنواع الدبابات والمدفعية. وهذه الجيوش تملك مئات الطائرات المروحية وحاملات الأفراد، والقذائف الموجهة قصيرة المدى. وتجمع هذه الجيوش بين خفة الحركة العالية والقوة النارية الضاربة. ومن الناحية الأخرى تعتمد الدول الصناعية على قوات مشاة ذات تدريب خاص وعلى حرب العصابات والأساليب المشابهة من قبيل اضرب واهرب. وتملك معظم هذه الدول قاعدة صناعية محدودة لصناعة الأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى، لذلك تضطر إلى استيراد الأسلحة.

تختلف الدول أيضًا في الطريقة التي تبني بها جيوشها وتصونها. فبعض الدول تلجأ إلى التجنيد الإجباري الذي يتم فيه اختيار أشخاص معينين للعمل العسكري، وبعضها الآخر يعتمد على طريقة الخدمة العسكرية الدولية التي تجند كل المؤهلين من الرجال والنساء في معدل عمري معين. وهناك دول أخرى تبني جيوشها كليًا من المتطوعين.

تقسم معظم الدول جيشها إلى جيش نظامي واحتياطي الجيش. ويتكون الجيش النظامي من جنود محترفين، يتلقون تدريبهم باستمرار ويكونون دائمًا في الخدمة الفعـلية وعلى أهْبة الاستعداد للقتال. أما احتياطي الجيش، المسمى الحرس الوطني أو الميليشيا في بعض الدول، فيتكون من مدنيين يتلقون تدريبهم بصفة دورية. وعادة ما ينصرف أفراد احتياطي الجيش عن الخدمة إلا أثناء التدريب، ويتم استدعاؤهم إلى الخدمة في الحالات الطارئة.

ومنذ آلاف السنين لا تكاد الحرب، تخرج برمتها عن معارك بين الجيوش. وقد دار الكثير من المعارك البرية الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ. وظل الحال على ما هو عليه إلى أن جاء وقت استطاعت فيه البحرية ـ وفيما بعد الطائرات والصواريخ الموجهة ـ إنهاء هيمنة الجيوش. وبذلك لم يعد باستطاعة الجيش القتال بفعالية، إذا ما سيطر العدو على البحر والجو. كما كان من شأن تطوير الأسلحة النووية في أواسط القرن العشرين الميلادي إحداث مزيد من التغيير على دور الجيوش، وفي يومنا هذا تتكون القوة الضاربة الرئيسية لمعظم الدول القوية من طائرات قاذفة بعيدة المدى، وصواريخ موجهة. وتملك هذه الطائرات والصواريخ القدرة على حمل الأسلحة النووية. ومهما يكن من أمر، فإن الجيوش ستظل تؤدي دورًا فعالاً في كل من الحرب والسِّلم.

مهام الجيوش

في الحرب، تستخدم الدولة جيشها لغزو أرض العدو وللدفاع عن نفسها ضد الهجوم. أما في السلم فيساعد الجيش في منع وقوع الحرب، كما يمد يد العون للسكان المدنيين في الحالات الطارئة.

الغزو. ربما تحاول الدولة استرداد أرض من قبضة العدو، وفي هذه الحالة تقوم دبابات الطرف المهاجم وعرباته المدرعة الأخرى بغزو أرض العدو، تسندها في ذلك الطائرات والمدفعية، بينما تعمل الطائرات الأخرى على إسقاط القوات المحمولة جوًّا خلف العدو، وتأتي الطائرات المروحية بالكوماندوز للاستيلاء على مواقع رئيسية معينة. وفيما بعد تندفع قوات المشاة الآلية لإحكام قبضتها على الأرض المستردة.

الدفاع. يدرَّب الجيش على كل من العمليات الاعتراضية والدفاعية على السواء. غير أنه قد تناط ببعض الوحدات مهمة القتال فقط في حالة التعرض لهجوم معاد. وفي حالات من هذا القبيل، تمثل التحصينات على امتداد الحدود الخط الرئيسي للدفاع، وتتولى مهمة الدفاع عن تلك التحصينات بصفة رئيسية المشاة والمدفعية. وعادة ما يتم الاحتفاظ بوحدات متنقلة كاحتياط للقيام بهجوم مضاد.

منع وقوع الحرب. تحتفظ الدولة القوية في بعض الأحيان بقوات في مناطق الاضطرابات السياسية، أو في المناطق المهددة بهجوم محتمل، مما يمثل عرضًا للقوة يساعد في الحيلولة دون وقوع الحرب. ففي عام 1965م على سبيل المثال، أرسلت الولايات المتحدة قوات إلى جمهورية الدومينيكان، لحفظ النظام بعد أن حاول المتمردون الاستيلاء على السلطة في تلك الدولة.

وقد أدى تطوير الأسلحة النووية التكتيكية في الستينيات من القرن العشرين الميلادي إلى قيام الجيوش بوظيفة أخرى مهمة، هي حفظ السلام. وتشير كلمة تكتيكية إلى أسلحة نووية معينة تستخدم في المعارك فقط، بدلاً من المناطق البعيدة خلف خطوط العدو. وقد تشن الدولة المتعرضة للهجوم هجومًا مضادًّا بالأسلحة النووية التكتيكية، فيؤدي هجومها المضاد إلى توسيع نطاق استخدام تلك الأسلحة، بل حتى إلى حرب نووية شاملة. ولذلك فإن الخوف من وقوع كارثة مدمرة، قد يردع الدول عن غزو بعضها بعضًا.

مساعدة المدنيين. قد يوفر الجيش عونًا للمدنيين في مختلف الحالات الطارئة. فعلى سبيل المثال، قد يُرْسَل أطباء الجيش والاختصاصيون الآخرون في الجيش للعناية بضحايا كوارث معينة، مثل الزلازل والفيضانات. كما تساعد وحدات الجيش أيضًا الشرطة المحلية في السيطرة على القلاقل والاضطرابات الأخرى.

القمع. قد يُستخدم الجيش في إخماد العصيان المدني أو إطفاء جذوة المظاهرات الشعبية.

الجيوش الكبرى في العالم


الجيوش العربية


الأردن

104,050 فرد

600 دبابة

الإمارات

64,500 فرد

150 دبابة

البحرين

11,000 فرد

30 مدرعة

تونــس

35,000 فرد

100 دبابة

الجزائر

123,700 فرد

700 دبابة

جزر القمر

800 فرد

— —

جيبوتي

9,600 فرد

— —

السعودية

105,500 فرد

800 دبابة

السودان

89,000 فرد

300 دبابة

سوريـا

320,000 فرد

4000 دبابة

الصومال

60,000 فرد

150 دبابة

العراق

387,500 فرد

3000 دبابة

عُمـان

43,500 فرد

100 دبابة

قطــــر

11,800 فرد

25 دبابة

الكويت

15,300 فرد

300 دبابة

لبنـان

55,100 فرد

100 دبابة

ليبــيا

65,000 فرد

3000 دبابة

مصـر

450,000 فرد

2200 دبابة

المغرب

196,000 فرد

350 دبابة

موريتانيا

15,650 فرد

75 دبابة

اليمن

66,300 فرد

600 دبابة

يُعَدُّ الجيش واحدًا من جيوش العالم الكبرى بناء على مجمل قدرته القتالية. وبصفة عامة تعتمد القدرة القتالية على عدد الجنود الموجودين في الخدمة الفعلية. غير أن حجم الجيش لا يعكس بالضرورة قدرته الفعلية؛ على سبيل المثال، يمكن أن يكون لجيش صغير ذي أسلحة نووية تكتيكية قوة ضاربة أكبر من تلك التي يملكها جيش كبير ذو أسلحة عفى عليها الزمن. وفيما يلي وصف لبعض أقوى جيوش العالم.

الجيش الصيني. يتكون من مليون ونصف المليون جندي في الخدمة الفعلية. وللجيش الصيني مليون مجند في احتياطيه وجماعاته المسلحة (الميلشيات) للطوارئ. وتستخدم الصين نظام التجنيد الإجباري. وتتواجد معظم وحدات الجيش الصيني في مواقع دفاعية على امتداد حدود الصين مع روسيا في شمال شرقي البلاد.

الجيش الهندي. يتكون من 1,100,000 جندي، ونحو 300,000 مجند في الاحتياطي وحوالي 33,000 مجند في الوحدات العسكرية الإقليمية. ولا يعمل في الجيش الهندي سوى بضع مئات من المجندات معظمهن طبيبات وممرضات. وكل مجندي الجيش الهندي من المتطوعين.

جيش كوريا الشمالية. به نحو 950,000 مجند، بالإضافة إلى حوالي 600,000 مجند في الاحتياطي. يؤدي الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و25 سنة الخدمة العسكرية لفترة 5 – 8 سنوات. ويلتحق المجند، فور أدائه لهذه الخدمة، بالمليشيات المحلية بصفة متعاون إلى أن يبلغ الأربعين من عمره، ثم ينخرط في الحرس الأحمر إلى عمر الستين. وللنساء الالتحاق بالجيش الكوري على أسس طوعية.

الجيش الروسي. يطلق عليه اسم قوات الاتحاد الروسي البرية، ويضم نحو 320,000 مقاتل يتواجد معظمهم على حدود البلاد مع الصين. بدأت روسيا في تنظيم جيشها عام 1992م، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991م. وتحتفظ روسيا بوحدات من قواتها في جورجيا ومولدوفا وطاجكستان. يعمل المجندون الروس على أسس طوعية وإلزامية. وبعد أداء 18 شهرًا في الجيش يلتحق المجند بالجيش الاحتياطي إلى سن الخمسين.

الجيش الأمريكي. به حوالي 480,000 جندي في الخدمة الفعلية، وحوالي 560,000 مجند في الاحتياطي والحرس الوطني. وينتشر الجيش الأمريكي في قواعده في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية وأجزاء من أمريكا اللاتينية. وكل أعضاء الجيش الأمريكي من المتطوعين.

الجيش الفرنسي. به حوالي 150,000 جندي في الخدمة الفعلية، وحوالي 240,000 في الاحتياطي ويتمركز الجيش الفرنسي في أوروبا الغربية وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى والمناطق التابعة لفرنسا في ما وراء البحار. ويضم الجيش الفرنسي متطوعين ومجندين إجباريًّا.

الجيش البريطاني. به حوالي 115,000 جندي في الخدمة الفعلية، و 175,000 في الاحتياطي، وحوالي 60,000 في الجيش الإقليمي. وينتشر الجيش البريطاني في ألمانيا وأيرلندا الشمالية ومناطق أخرى من العالم. ويتألف كل جنود الجيش البريطاني من المتطوعين.

جيوش كبرى أخرى. تشمل جيوش مصر وإيران والعراق وباكستان وكوريا الجنوبية وتركيا وإسرائيل وفيتنام. ويملك كل من هذه الجيوش أكثر من 300,000 جندي في الخدمة الفعلية. وتشتري هذه الجيوش أسلحتها ومعداتها من الدول الكبرى في العالم، علمًا بأنها تفتقر جميعًا، عدا باكستان، إلى الأسلحة النووية التكتيكية. وبعض هذه الدول تقوم بتصنيع المعدات والمدرعات والأسلحة مثل مصر وإسرائيل. ويتألف جيش جنوب إفريقيا من 75,000 جندي، 55,000 منهم مجندون إجباريًّا. أما الجيش الأسترالي فصغير الحجم، به حوالي 32,000 رجل، مع 27,000 جندي احتياطي. والجيش النيوزيلندي هو الآخر صغير الحجم ويتكون من 6,000 جندي كلهم من المتطوعين.

الجيوش العربية. انظر: الجدول المدرج في هذه المقالة.

نبذة تاريخية


معارك برية شهيرة


490 ق.م – الماراثون.

استطاع مليتياديز الأثيني إلحاق الهزيمة بالفرس تحت قيادة داتيس وأرتفيرنيس لينقذ بذلك اليونان من الحكم الفارسي.

414-413 ق.م – سيراقوسة.

حاصر الأثينيون تحت قيادة نشياس مدينة سيراقوسة، حليفة إسبرطة، في الحرب البيلوبونيزية، فصد الأثينيون من قبل قوات يقودها هيرموقراط وجيليباس، وقد أدت تلك الهزيمة إلى سقوط أثينا كقوة عظمى.

331 ق.م – أربيل.

هزم الإسكندر الكبير ملك مقدونيا داريوس الثالث ملك الفرس بالقرب من قواقاميلا، شمال غرب أربيل، ومن ثم بسط الإسكندر الكبير حكمه على إمبراطورية الفرس.

207 ق.م – ميتاروس.

نجحت الجيوش الرومانية تحت قيادة ماركوس ليفياس سالينيتور وكلودياس نيرو في سحق قوات قرطاج تحت قيادة هاسدروبال في إيطاليا. وقد شكلت تلك المعركة نقطة تحول في الحروب البونية بين قرطاج وروما.

202 ق.م – زاما.

هزمت القوات الرومانية بقيادة ببليوس كورنيلياس سيبيو جيوش قرطاج بقيادة هانيبال، فقاد ذلك الانتصار إلى هيمنة الرومان على البحر الأبيض المتوسط.

9م – غابة تويتوبورغ.

جرد أرمينياس جيشًا من الألمان لتدمير قوة ألمانية تحت قيادة ببلياس فاروس مبددًا بذلك خططًا رومانية لفتح ألمانيا.

378م – أدريانوبل.

تمكنت جيوش القوطيين تحت قيادة فريتيجيرن من سحق فيالق الإمبراطور فالينس الرومانية في أدريانوبل (وتسمى اليوم أدرنة في تركيا) وقد أوهنت تلك المعركة الإمبراطورية الرومانية المتداعية سلفًا.

451م – تشالونز

في شمال شرق فرنسا، تمكنت الفيالق الرومانية بقيادة إيتيس والفرسان القوطية بقيادة ثيودور الأول من إنقاذ أوروبا من حملة جردها آتيلا وجيوشه الهونية.

624م، 2هـ ـ معركة بدر الكبرى.

أول انتصار للمسلمين وللإسلام خاضتها قلة مؤمنة ضد كثرة مشركة.

636م، 15هـ – القادسية

بلدة بالعراق دارت بقربها معركة فاصلة انتصر فيها المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص على الفرس، وفي نفس العام انتصروا في اليرموك على البيزنطيين. انظر: القادسية، معركة؛ اليرموك، معركة.

732م – بواتييه.

أوقف شارل مارتل ونصارى الفرنج محاربي عبد الرحمن الفافقي في الوسط الغربي من فرنسا،مانعين بذلك جيوش الفتح الإسلامي من اكتساح أوروبا وتسمى هذه المعركة أيضًا معركة تُوَر ومعركة بلاط الشهداء.

1066م – هيستنجز.

قام النورمنديون بقيادة دوق نورمنديا بغزو إنجلترا وألحقوا الهزيمة بالسكسونيين بقيادة ملكهم هارولد الثاني.

1071م، 464هـ – ملاذكرد.

هزم السلاجقة الأتراك بقيادة ألب أرسلان جيش الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع وقد كان هذا الانتصار بداية لنهاية الهيمنة البيزنطية على آسيا الصغرى (تركيا اليوم) كما قاد للحملات الصليبية.

1086، 479 ـ الزلاقة.

بين ملوك الأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين والفونسو ملك فشتالة وانتصر فيها المسلمون.

1187م، 583هـ – حطين

قرية بفلسطين هزم عندها القائد صلاح الدين الأيوبي الصليبيين واستعاد المسلمون بعدها بيت المقدس.

1260م، 659هـ – عين جالوت

بفلسطين- هزم فيها السلطان قطز والقائد بيبرس جيوش التتار (المغول) وأوقفا بذلك تقدمهم الهمجي لاجتياح العالم الإسلامي.

1346م – كريسي.

هزم رماة القوس الطويل الإنجليز بقيادة إدوارد الثالث جيشًا فرنسيًّا بقيادة فيليب الرابع، وأحالوا بذلك بريطانيا إلى قوة عسكرية كبرى. انظر: كريسي، معركة.

1429م – أورلييان.

أجبرت جان دارك بجيشها الفرنسي، الجيش الإنجليزي بقيادة إيرل السافوكي على فك حصار أورلييان بفرنسا.

1453م، 857هـ – القسطنطينية.

فتح محمد الثاني (الفاتح) القسطنطينية (المعروفة اليوم بإسطنبول) موطدًا بذلك أقدام الأتراك العثمانيين في أوروبا.

1704م – بلينهايم.

هزمت قوة متحالفة بقيادة دوق مارلبورو والأمير يوجين القوات البافارية والفرنسية تحت قيادة كونت تالارد.

1709م – بولتافا.

اكتسح بطرس الكبير ملك روسيا جيشًا بقيادة تشارلز السابع ملك السويد في بولتافا بأوكرانيا، وقد بسطت روسيا بهذا النصر هيمنتها على شرقي أوروبا.

1757م – بلاسي.

فتح روبرت كلايف وقواته الطريق لبسط الهيمنة البريطانية على الهند بهزيمة سراج الدولة وإحكام السيطرة على أرض البنغال.

1759م – كويبك.

هزمت قوات جيمس ولف النظامية البريطانية ماركواس دي مونتكالم قائد جنود الاستعمار الفرنسيين. وقد آلت كندا إثر هذه المعركة إلى بريطانيا. انظر: كويبك، معركة.

1777م – ساراتوجا.

استسلم الجيش البريطاني بقيادة جون بيرجوين للقوات الأمريكية بقيادة هوارشيو جيتس، ثم قرر الفرنسيون مد يد المساعدة إلى المُستَعْمَرين في الحصول على الاستقلال.

1781م – يوركتاون.

أجبرت الجيوش الأمريكية والفرنسية بقيادة جورج واشنطن، تشارلز كورنواليس وقواته البريطانية على الاستسلام. وقد أدى ذلك الاستسلام إلى وضع النهاية للثورة الأمريكية.

1792م – فالمي.

انسحب الجيش البروسي بقيادة دوق برانسويك من الجيش الفرنسي بقيادة تشارلز دومورييز، مما أدى إلى تقاعس البروسيين عن التقدم نحو باريس لإخماد الثورة الفرنسية.

1805م – أوسترليتز.

سحق نابليون الأول ملك فرنسا وجيشه قوة مؤلفة من النمساويين والروس بقيادة ميخائيل كتيوزوف. انظر: أوسترليتز، معركة.

1815م – واترلو.

تمكنت قوة متحالفة بقيادة دوق ولنجتون وقوة بروسية بقيادة جيبهارد فون بلوخر من إلحاق الهزيمة بنابليون الأول، فوضعت بذلك النهاية لحكمه. انظر: واترلو، معركة.

1863م – جتسبيرج وفكسبيرج.

أثناء الحرب الأهلية الأمريكية ألحقت قوات الاتحاد بقيادة جورج ميد الهزيمة بالقوات الكونفدرالية بقيادة روبرت لي في معركة جتسبيرج. وفي اليوم التالي استسلم الجيش الكونفدرالي بقيادة جون بمبرتون لقوات الاتحاد بقيادة يوليسيس جرانت في فكسبيرج. وقد أدت تلك الهزائم إلى تطويق الولايات الكونفدرالية. انظر: الحرب الأهلية الأمريكية.

1914م – تانينبيرج ومارن.

ألحق جيش ألماني بقيادة بول فون هيدينبيرج الهزيمة بجيشين روسيين غازيين بقيادة بافيل رانينكامف وألكسندر سامسونوف في معركة تانينبيرج. وفي معركة مارن أجبرت قوات جوزيف جوفر الفرنسي وجون فرينش البريطاني جيشين من القوات الغازية بقيادة ألكسندر فون كلاك وكارل فون بيولاو على التراجع عن طرق اقترابها نحو باريس.

1944م – نورمنديا.

غزت قوات الحلفاء التابعة لدوايت أيزنهاور نورمنديا التي كانت تحت حماية جنود المحور بقيادة جيرد فون رانديستيت.

1973م،1393هـ – أكتوبر المصرية السورية.

انطلقت القوات المصرية والسورية في أكتوبر 1973 لاستعادة أراضيهما التي احتلتها إسرائيل عام 1967م وتمكنت القوات المصرية من عبور أقوى مانع مائي وهو قناة السويس في عدة ساعات وتحطيم خط بارليف الإسرائيلي واختراقه.

الجيوش القديمة. نشأت تلك الجيوش مع نمو الحضارات في أودية نهري دجلة والفرات في آسيا وفي وادي النيل بإفريقيا. ففي عام 3200 ق.م كوّن البابليون جيشًا من حملة الرماح ورماة القوس والسهم. وفي حوالي عام 2500 ق.م، استخدم السومريون الذين استوطنوا الأراضي الواقعة جنوب بابل أول مركبة حربية ذات عجلات. في البداية كانت تلك المركبة تجرُّها حُمُر وحشية صغيرة الحجم، ثم استبدلت الخيول بها فيما بعد، عندما استخدمها أحمس الأول قائد الجيش المصري الذي طرد الهكسوس، وهو مؤسس الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة وحكم من (1560 إلى 1542ق.م). ثم تطورت هذه العربات في عهد رمسيس الثاني الذي حكم من (1301 إلى 1235ق.م) أثناء حربه ضد الحيثيين. وبحلول القرن الثامن قبل الميلاد، نظم الأشوريون جيوشًا مسلحة بالحراب والكباش (آلة حربية لدك أسوار المدن المحاصرة).

في القرن السابع قبل الميلاد، أدخل قدماء الإغريق الكردوسة التي قد تكون أول تشكيل تكتيكي مهم في التاريخ. وفي هذا التشكيل كان حملة الرماح الذين يرتدون الدروع الواقية يقفون في أربعة صفوف، طول الصف 50 رجلاً، مكونين بذلك مستطيلاً مترابطًا. وعلى الرغم من إمكان استخدامها في الهجوم، إلا أن الكردوسة ابتكرت في الأساس كتشكيل دفاعي.

كان أقوى الفاتحين في تلك الفترة قورش الكبير، ملك فارس. وفي القرن الرابع قبل الميلاد قام الإسكندر الأكبر، ملك مقدونيا وثاني الفاتحين في العالم، بابتكار أول نظام تموين عسكري عرفه العالم.

وقد قام الرومان بتطوير ثاني أعظم تشكيل تكتيكي. ففي بدايات القرن الرابع قبل الميلاد، ابتكر الرومان الفيلق. انظر: الفيلق الروماني. وقد كان هذا التشكيل المستطيل الشكل أكثر مرونة من الكردوسة، إذ كان يتكون من ثلاثة خطوط من الكراديس الصغيرة المسماة قطعًا أو فيما بعد كتائب. وقد غزا الرومان قرطاج عام 146ق.م وشيدوا إمبراطورية كبرى. وكان الرومان أيضًا مهندسين عسكريين بارعين، حيث قامت جيوش يوليوس قيصر بتعبيد الطرق وبناء الجسور والحصون في أماكن مختلفة من أوروبا.

وفي الصين نشأت حضارة أخرى بمعزل عن إمبراطوريات أوروبا وغرب آسيا. فقد اخترع الصينيون البارود عام 900م، أي قبل مئات السنين من اكتشافه في أوروبا. غير أن البارود لم يصبح للصينيين سلاحًا حربيًا ذا شأن، لأنهم لم يستخدموه في المدفعية، وإن كان محتملاً أنهم استخدموه في الأسهم النارية.

الجيوش في العصور الوسطى. بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية في حوالي عام 476م، لم تكن لأوروبا جيوش نظامية كبيرة لعدة مئات من السنين. فقد كان المحاربون هم أولئك الذين اكتسحوا الإمبراطورية من رجال القبائل الأحرار الأقوياء البنية. وفي هذه الفترة بدأ تقليد الميليشيا في الظهور.

وبدءًا من القرن الأول الهجري، السابع الميلادي، انطلقت الجيوش الإسلامية لتفتح البلدان شرقًا وغربًا مطورة أساليب الهجوم بالمشاة والجنود والخيَّالة (الفرسان)، ثم أصبحت أغلب القوات من الخيّالة، ويستخدم المحاربون السيوف والرماح والسهام. وابتكر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إبان فترة حكمه فكرة القوات الاحتياطية الراكبة، التي يدفع بها في المواقف الصعبة لحسم المعارك. وفي العصر الأموي استخدم العرب المنجنيق، وهي ذراع طويلة تلقي بلفافات اللهب على المناطق الحصينة، كما كانت لهم أساليب حربية متميزة تقوم على عناصر الخداع والمباغتة والدوران حول الخصم والاستدراج.

كما عرف العرب مبكرًا تقسيم الجيوش النظامية إلى مقدمة وميمنة وقلب وميسرة وظهر، ونفذوا عمليات التموين والإسعاف. وفي الوقت ذاته يؤدون الصلاة أثناء الحرب، فتقوم جماعة بالصلاة وجماعة تحرسهم حتى ينتهوا ويصلوا هم، وقد نص على ذلك القرآن الكريم وهي التي تسمى صلاة الخوف. انظر: الصلاة (صلاة الخوف). وكانت للخلفاء وصايا حكيمة لقواد الجيوش، تعلمهم أساليب الحرب الشريفة وترشدهم إلى طرق معاملة الجنود والأسرى وسكان البلاد المفتوحة.

وفي القرون الوسطى، في الغرب نشأ المجتمع على قاعدة من العلاقات العسكرية، حيث نظم ملاك الأراضي جيوشهم الشخصية الخاصة من عمالهم. وكان هؤلاء العمال غير المتفرغين يقاتلون في وقت الحرب لفترات محدودة، في مهام محدودة، في الدفاع الداخلي. غير أن الحكام وجدوا أنه من الصعوبة بمكان تنظيم الجيوش الإقطاعية على نحو فعال، فبدأوا يستأجرون المرتزقة من خلال بذل الوعود لهم بالغنائم أو الأجور. وكان هؤلاء الجنود المرتزقة يستخدمون القوس والنشاب والأسلحة الأخرى التي تدربوا عليها في ديارهم. وكانوا أحيانًا يهجرون مستخدميهم في ذروة المعركة، إذا ما عرض عليهم العدو أجرًا أفضل.

وفي أواخر العصور الوسطى كان الرماحون السويسريون، ورماة القوس والنشاب الجنويون هم أشهر المرتزقة. وفي تشكيل الكردوسة كان الرماحون يصدون هجمات الفرسان، بينما يقوم رماة الرمح والنشاب بإطلاق السهام على خطوط العدو. وفي القرن الرابع عشر الميلادي، جرى تشكيل المرتزقة في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا في أول سرايا عسكرية. وفيما بعد أصبحت السرية الوحدة الأساسية في العديد من الجيوش.

وفي القرن الرابع عشر الميلادي أصبح الأتراك العثمانيون أول شعب بعد الرومان ينشئ جيشًا من قوات محترفة ومتفرغة للعمل العسكري. وكانت القوات العثمانية المسماة الانكشارية تعمل في وقت السلم والحرب على السواء. وفي عام 1445م، استأجر الملك شارل السابع ملك فرنسا سرايا من المرتزقة للعمل بصفة دائمة. وأنشأ فيما بعد أول جيش نظامي تعرفه أوروبا منذ العهد الروماني.

إن الكثير من التنظيمات العسكرية الحديثة يرجع أصلها إلى المشاة والفرسان الألمانية في القرن الخامس عشر الميلادي. وقد بنى الألمان تنظيمهم على غرار الجيوش الإنجليزية المرتزقة المعروفة باسم السرايا الحرة والمرتزقة السويسرية. كما نظم الألمان أيضًا أول وحدات تموين لقواتهم القتالية. لقد كانت الجيوش البدائية تقتات من الأرض التي تقاتل فيها، ولم تكن تملك أية تنظيمات تموين منفصلة. وفي القرن السادس عشر الميلادي أنشأت الفرسان الألمانية مكتبًا للإمدادات والتموين لتأمين السكن والطعام.

ولقد عجل اختراع البارود بتطوير تنظيم الجيوش وتكتيكها. وقد بدأ استخدامه في المدافع في أوروبا أثناء القرن الرابع عشر الميلادي، حيث استخدم الجنود الإنجليز أول مدافع في معركة كريسي عام 1346م، وهي مدافع كانت ترمي بالحجارة، مما جعلها غير فعالة في الرماية وبطيئة الحركة. ومع اتساع نطاق استخدام البارود طورت الجيوش مدافع، لها من الفعالية ما يهد جدران الحصون السميكة.

ظهور الجيوش الحديثة. في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، كان المشاة المسلحون بحراب (السنكي) الحُق والمسكيت (بندقية قديمة) يدافعون عن أنفسهم ضد هجمات الفرسان، دون الاعتماد على الرمَّاحين. وكان الجنود يقفون في ثلاثة صفوف، حسب الصنف، في تشكيل يسمى الخط. وكان جنود المشاة يطلقون في آن واحد نيران بنادقهم ذات الجوف الأملس على مدى قصير.

وفي بدايات القرن السابع عشر، كان التزام كل الرجال بالعمل في الجيش أثناء الحرب، قد تلاشى في كل مكان تقريبًا. غير أن السويد احتفظت بهذا التقليد طوال العصور الوسطى، حيث استخدم الملك جستافس أدولفس التجنيد الإجباري لتجنيد قوات لحرب الثلاثين عامًا (1618 – 1648م). وقد منح جيشه قدرًا أعلى من خفة الحركة، إذ جهزه بأسلحة أخف وزنًا وأكثر فعالية في الرمي. ويشار إلى قواته بين حين وآخر باعتبار أنها أول جيش حديث. 

وفي القرن الثامن عشر الميلادي، استمرت معظم الدول في بناء جيوشها بالتجنيد التطوعي، لاسيما في أوساط الفقراء والمتعطلين عن العمل، فأصبحت الجيوش جماعات محترفة، قوامها جنود مشاة جيدو التدريب تسندهم المدفعية والفرسان. وقد اتبعت معظم الدول نظمًا معينة في الحرب، فلم تجرد الحملات إلا عندما يكون الطقس لطيفًا. وكان الجنود يأوون إلى سكنهم في الشتاء ولا يخرجون للقتال إلا في الربيع. وكانوا يحاولون الحصول على موقع مناسب قبل مهاجمة عدوهم، كما كان القادة الذين يفاجأون في مواقع غير مواتية كثيرًا ما يختارون الانسحاب بدلاً من القتال حتى النهاية.

وفي أوائل القرن الثامن عشر الميلادي (الثاني عشر الهجري) أنشأ محمد علي في مصر جيشًا زوده بالأعداد الغفيرة من المصريين والشركس وأمده بالأسلحة وجهزه بالأسطول ووفر له كل وسائل القوة، وبلغ بعد عدة سنوات درجة استطاع معها أن يحارب أكبر الدول، حتى انزعجت إنجلترا وروسيا من كثرة فتوحاته، فعقدوا معاهدة لندن سنة 1841م لوقف هذا التقدم وتحجيم حركته العسكرية.

وفي أواسط القرن الثامن عشر أدخل فريدريك الكبير البروسي مزيدًا من خفة الحركة على فن الحرب. فكان عندما يفوقه أعداؤه عددًا، ينقض عليهم بسرعة وعلى نحو غير متوقع. وقد وجد فريدريك نفسه مضطرًّا لخوض حروب على عدة جبهات في آن واحد، مما حمله على التحرك بسرعة لمهاجمة جيش واحد، قبل أن يتمكن هذا الجيش من الاتحاد مع جيوش أخرى لمهاجمته.

وقد تبنت الحكومة الفرنسية نوعًا من التجنيد الإجباري عام 1792م.   فقد جند نابليون بونابرت جيوشًا جرارة بصورة إلزامية لغزواته. وقد قسم نابليون جيوشه إلى فرق تتحرك كل منها بمعزل عن الأخرى، لكنها تتحد جميعًا للقتال. وكثيرًا ما كان نابليون يحشد كل مدافعه الثقيلة في بطارية ضخمة، ليصب حممًا من النيران على نقطة واحدة من خطوط العدو، ثم يدفع إلى الأمام بتشكيلاته الثقيلة من الفرسان والمشاة الموجودة عند تلك النقطة. وقد اضطر أعداء نابليون إلى أن يتبنوا أنظمة التجنيد الإجباري لتطوير جيوش وطنية لإلحاق الهزيمة به.

وكان من شأن نمو حجم الجيوش، أن جعل التنظيم ضروريًّا للسيطرة على القوات عن بعد. ولم يكن من السهل توجيه ذلك العدد من الوحدات العسكرية في الميدان بصورة شخصية إلا لعبقرية عسكرية كنابليون. ومن عام 1840م فصاعدًا، أخذت السكك الحديدية في الانتشار في مختلف أرجاء أوروبا، وأيقن البروسيون أنهم يستطيعون نقل الجيوش بسرعة أكبر بالسكك الحديدية، مما جعل من الممكن إجراء تخطيط أكثر دقة في المدى البعيد. وقد تمكن جيرهارد فون شارنهورست في الجيش البروسي من تطوير أركان عامة حديثة اضطلعت بواجبات التخطيط للعمليات العسكرية في المستقبل.

وفي القرن التاسع عشر، أدت الثورة الفرنسية إلى إنتاج الأسلحة والذخائر على نطاق واسع، ثم جاءت فيما بعد باختراع الطائرة والعربات المزودة بالمحركات. وقد استطاع القادة توجيه جيوشهم في مناطق متباعدة من جبهات المعركة بأجهزة اللاسلكي ووسائل الاتصالات الأخرى.

الجيوش في الحربين العالميتين. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، أصبح المدفع الرشاش السلاح المهيمن على ميدان المعركة. وقد جعل استخدام المدافع الرشاشة من حرية الحركة أمرًا مستحيلاً على الجبهة الغربية، مما اضطر كلا الطرفين إلى حرب الخنادق. فعندما تجد قوات المشاة التقدم نحو العدو مستحيلاً، كانت تتخندق للتمسك بمواقعها. وكانت السكك الحديدية تنقل ملايين الجنود إلى جبهات القتال، كما تحمل الشاحنات المؤن من نقاط التفريغ على السكك الحديدية إلى الخطوط الأمامية.  حاول القادة الميدانيون وضع نهاية لحرب الخنادق، وتحقيق خفة الحركة التكتيكية. فكانوا يرجمون ويقصفون خطوط العدو، ويتبعون ذلك بهجمات مكثفة بالحراب. غير أن هذه الهجمات التي استمرت لثلاث سنوات باءت بالفشل في النهاية، إذ بقيت خنادق الجبهة الغربية صامدة تمامًا. ولم يمض وقت طويل حتى عثر قادة الجيش على حل، وإن كانوا قد استخدموه على نحو خاطئ وفي وقت متأخر، فلقد طور الإنجليز عربة مدرعة مجنزرة ذات محرك يعمل بالبنزين، كما صنعوا أول دبابة عسكرية. انظر: الدبابة. حلت الدبابات في النهاية محل فرسان الخيالة. وفي تلك الحرب استخدمت الطائرات لأول مرة لمساندة القتال على الأرض. 

وفي الحرب العالمية الثانية استطاعت الدبابات والطائرات أن تعيد خفة الحركة إلى الحرب. وقد طور الألمان الحرب الخاطفة. كانت الدبابات والقاذفات تبدأ بقصف دفاعات العدو لتصـنع بـذلك ثغرات كبيرة، ومن ثم يتدفق المشاة من خلال الفجوات لتنقـل الحرب إلى عمق أرض العدو. 

وقد شهدت الحرب أيضًا أول استخدام للجيوش المحمولة جوًّا في عمليات واسعة النطاق، فقد نفذ الألمان أول غزو مظلي في مايو عام 1941م، عندما استولوا على جزيرة كريت. وقد حدثت أكبر عملية محمولة جوًّا في سبتمبر عام 1944م عندما قامت ثلاث فرق من مظليي الحلفاء بالهبوط خلف الخطوط الألمانية في محاولة ناجحة جزئيًّا للاستيلاء على جسور نهر الراين. أما أكبر هجوم برمائي في التاريخ فقد حدث في 6 يونيو من عام 1944م عندما نزلت جيوش الحلفاء على أرض نورمنديا في شمال فرنسا.

وفي الحرب العالمية الثانية طورت الجيوش فن التجهيزات العسكرية (المؤن والخدمات) العسكرية إلى مستوى رفيع. فقد تمكنت من تنظيم قيادات ضخمة مهمتها توفير الأطعمة والألبسة والأسلحة والمؤن والنقل للقوات المقاتلة.  ويعزى نصر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية جزئيًا إلى تفوقهم في التجهيزات العسكرية وفي الإنتاج الصناعي المدني.

 

الجيوش في العصر النووي. وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بعد وقت وجيز من إسقاط الطائرات الحربية الأمريكية قنابل نووية على المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناجازاكي. ولم يؤد ذلك القصف إلى استسلام اليابان فحسب، بل شكل خط البدء للعصر النووي.

لقد أحدثت الأسلحة النووية تغيرات كاسحة في الحرب. ومع ذلك شك بعض الخبراء العسكريين في البداية في أهمية تلك الأسلحة في ميدان المعركة. فقد كانت الأنواع البدائية من الرؤوس الحربية النووية تُرمى فقط من قاذفات تطير على ارتفاعات عالية. وهذا النوع من الرمي لم يكن من السهل استخدامه في ميدان المعركة، بل اعتبر وقفًا على الأهداف الاستراتيجية فحسب. وفي بدايات الستينيات من القرن العشرين، طورت الجيوش مدافع نووية وصواريخ موجهة قصيرة المدى وصواريخ بالستية. وقد غيرت هذه الأسلحة من تفكير العديد من الخبراء حول الاستخدام التكتيكي للأسلحة النووية. وكان باستطاعة مدافع وصواريخ من هذا القبيل إطلاق رؤوس حربية نووية على حشود كبيرة من القوات أو مستودعات التموين أو أي هدف آخر يقع ضمن مداها.

وقد تعرضت الجيوش الكبرى في العالم إلى الكثير من التغيرات التي تجعلها أقل تعرضًا لهجمات بالأسلحة النووية، فعلى سبيل المثال، جرى إعادة تنظيم التشكيلات القتالية الكبيرة في وحدات صغيرة ذات قابلية عالية للتنقل، بحيث يمكن توزيع هذه الوحدات على مواقع مخفية جيدًا بالقرب من موقع العدو في حالة اندلاع حرب نووية، وبهذه الطريقة يمكن أن تتحد في وقت وجيز للاستيلاء على الهدف ثم تتفرق مرة أخرى. كما تعرضت إمدادات الجيش إلى التغيرات نفسها. ففي حالة اندلاع حرب نووية تخزن المؤن بعيدًا عن مناطق القتال، ليتم نقلها إلى الجبهة بوساطة طائرات الشحن والمروحيات الضخمة.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظل الخوف من انفجار حرب نووية حائلاً، يمنع الجيوش الكبرى من استخدام الأسلحة النووية. ونتيجة لذلك لم تخرج الحرب عن طبيعتها التقليدية في العصر النووي. وكانت الحرب الكورية التي اندلعت عام 1950م أول صراع رئيسي. وكان معظم القتال في هذه الحرب من نصيب الجيوش الكبرى. 

وفي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ازداد عدد الأسلحة النووية وأنواعها وقدرتها ازديادًا لافتًا للأنظار، ومع ذلك استمرت الجيوش في استخدام التكتيكات والأسلحة التقليدية في الحرب. على سبيل المثال، اعتمد جيش الولايات المتحدة اعتمادًا كبيرًا على تكتيك الحرب التقليدية، أثناء تورطه في حرب فيتنام من 1965م وحتى 1973م. وقد كان هذا التكتيك أكثر الطرق فعالية في مواجهة حرب العصابات في أحراش فيتنام. 

خاض العرب والصهاينة حروبًا تقليدية في الأعوام 1956، 1967 و1973م. كما خاضت الجيوش الإيرانية والعراقية حربًا تقليدية طويلة، استمرت بين عامي 1980 و1988م، وشهدت في بعض مراحلها استخدام الغاز السام. وكانت التكتيكات المستخدمة من قبل الطرفين شبيهة بتكتيكات الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الطائرات والدبابات تتقدم الهجوم، ثم تتبعها المشاة في المعركة، إلا في حرب أكتوبر 1973م بين مصر وإسرائيل، حيث تقدم المشاة المصريون أولاً، فعبروا قناة السويس واجتاحوا خط بارليف الحصين وانتشروا على طول الجبهة التي تزيد على 200كم، إلى أن مُدت الجسور عبر القناة وعبرت الدبابات والمدرعات.

بدأت جيوش الدول الكبرى بمنتصف سبعينيات القرن العشرين في حسم الصراعات بوساطة حروب قصيرة الأمد كثيفة العمليات. وكان للتطور الكبير في صناعة الحواسيب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية أثر كبير على الجيوش الحديثة. ونجد الآن أن كثيرًا من الجيوش تستعين لإنجاز مهامها بصور الأقمار الصناعية، والأجهزة التي تلتقط الصور حية من ميادين المعارك، كما أنها تستعين بوسائل الاتصالات المتطورة التي تعينها على تلقي الأوامر من الزعماء السياسيين والعسكريين. واهتمت الجيوش كذلك بالتعبئة الاستراتيجية أي القدرة على نقل الجنود والعدد والعتاد إلى أي بقعة وفي وقت قصير مستخدمة السفن السريعة وطائرات النقل العملاقة. ففي عام 1990م، استطاعت الولايات المتحدة نقل 200,000 جندي أمريكي بكامل عتادهم إلى منطقة الخليج العربي للمشاركة في معارك عاصفة الصحراء التي حررت الكويت من قوات النظام العراقي في ما عرف بحرب الخليج الثانية.

أسئلة

  1. ما أول دولة استخدمت التجنيد الإجباري؟

  2. من نظم أول جيش حديث؟

  3. كيف يختلف الجيش النظامي عن احتياطي الجيش؟

  4. لماذا بدأ الحكام في استئجار المرتزقة في القرن الحادي عشر الميلادي؟

  5. هل عرف العرب بعض أساليب الحرب الحديثة؟ وضح ذلك.

  6. ما الاتفاقية التي أوقفت جيوش محمد علي؟

  7. كيف حاول القادة استعادة خفة الحركة في الحرب البرية أثناء الحرب العالمية الأولى؟

  8. ما المهام الرئيسية الأربع للجيوش؟

  9. ما بعض الطرق التي غير بها تطوير الأسلحة النووية دور الجيوش؟

  10. اذكر معلومات عن قوة الجيوش العربية.

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الخـُصْـيـة Testicle

الخـُصْـيـة  Testicle

 إحدى اثنتين من الغدد البيضية في الجهاز التكاثري الذكري. وتتعلق الخصيتان في كيس يسمى الصَّفَن، خلف القضيب. وللخصيتين وظيفتان رئيستان هما: 1- إنتاج المنيّ، و 2- إفراز الهورمونات الذكرية، وبخاصة التستوسترون.

يبلغ طول كل خصية في الذكر البالغ حوالي 4سم، وعرضها حوالي 3 سم، بينما تزن الخصية العادية للرجل البالغ حوالي 20جم. وتُغطى الخصية عادة بمادة ليفية كثيفة. وتدخل هذه المادة الليفية من الطرف الخلفي للغدة، ثم تتفرق إلى صفائح تقسم الخصية إلى حوالي 250 قسمًا. ويحتوي كل قسم على واحد إلى أربعة أنابيب مفتولة تسمى النبيبات ناقلة المني يتم فيها إنتاج السائل المنوي. وأما الأنابيب الكبيرة داخل الخصية فتنقل السائل المنوي إلى أنبوب شديد الالتفاف يسمى البربخ، يقع في مؤخرة كل خصية. وتتطور الحيوانات المنوية في البربخ قبل تحريرها من الجسم خلال الاستثارة الجنسية.

وهورمون التستوسترون ينتجه النسيج الواقع بين النبيبات ناقلة المني. ويتحكم التستوسترون في نمو بعض صفات الذكورة أثناء فترة البلوغ كاللِّحية وتضخُّم العضلات وخشونة الصوت وازدياد حجم الأعضاء التناسلية. كما يقوي هذا الهورمون السلوك الجنسي لدى الذكور.

 

فرنسـا France

فرنسـا France

أكبر قطر في أوروبا الغربية مساحة، وباريس، الواقعة على نهر السِّين، عاصمة فرنسا وأكبر مدنها وتُعد من كبريات المدن في العالم، احتفظت بمركزها عاصمة للعلوم والفنون عبر مئات السنين. ويعود تاريخ جامعتها السوربون، وهي من أكبر الجامعات، إلى ما قبل ثمانية قرون. تجتذب باريس الفنانين والأدباء من جميع الأجناس، وقد وصل كثير من الفنانين الكبار إلى قمة إبداعهم هناك. واشتهرت باريس بجمالها وعمارتها الرائعة، ويزورها سنويًا ملايين السائحين.

لا تقتصر المعالم الشهيرة في فرنسا على باريس، فهناك جبال الألب التي تغطي قممها الثلوج والشواطئ المشمسة، الممتدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقرى الصيادين المنتشرة على ساحل المحيط الأطلسي والقلاع التاريخية وبساتين التفاح الغنية بالألوان ومزارع الكروم المترامية في أنحاء الريف الفرنسي وحقول الحبوب المنتشرة في العديد من الأقاليم.

يُعرف الفرنسيون بأنهم يحبون التمتع بالحياة ويهتمون بالمأكل والمشرب ويقلد الخبز الفرنسي والمشهيات والمتبلات وأنواع الحساء والحلويات الفرنسية، كثير من الطباخين في معظم أنحاء العالم.

لفرنسا تاريخ طويل، فقد غزاها يوليوس قيصر بجيشه الروماني قبل ميلاد المسيح عليه السلام. وبعد سقوط روما اجتاحها الفرانكيون والقبائل الجرمانية الأخرى وقد أخذت اسمها من الفرانكيين (الفرنجة).

وكان شارلمان ملك الفرنجة قد أسس هناك مملكة قوية. خلال الثورة الفرنسية سنة 1792م تحولت فرنسا إلى النظام الجمهوري وبعد سنوات قليلة استولى نابليون على السلطة وتغلب على كثير من البلدان الأوروبية قبل سقوطه النهائي. أصبحت فرنسا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ساحة قتال دموي، حيث حاربت جيوش الحلفاء على أرضها الجيش الألماني الذي كان يحتل فرنسا.

إن المركز السياسي المهم الذي تتبوأه فرنسا اليوم، يعود أحد أسبابه إلى قيادة شارل ديجول الذي شغل رئاسة الجمهورية من سنة 1958م إلى سنة 1969م وأسس جمهورية فرنسية قوية وجعل من فرنسا قوة عالمية، واتَّـبع سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية وعن العالم الشيوعي.

 

نظام الحكم

الحكومة. فرنسا جمهورية نيابية ديمقراطية، تسمى حاليًا الجمهورية الخامسة التي بدأت عام 1958م ويتكون نظام الحكم فيها من ثلاث شعب: الهيئة التنفيذية التي يرأسها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، والهيئة التشريعية المؤلفة من الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، والهيئة القضائية المؤلفة من المحاكم.

تتألف الجمعية الوطنية من 577 عضوًا، يجري انتخابهم لفترة خمس سنوات ويضم مجلس الشيوخ 319 عضوًا ينتخبون لمدة خمس سنوات. وسلطة الجمعية الوطنية تفوق سلطة مجلس الشيوخ في بعض النواحي.

تقوم الحكومة في المدن والأرياف على تأسيس وحدات إدارية صغيرة، يبلغ مجموعها نحو 36500 وحدة، تختلف في الحجم حسب القرى والمدن ويدير كل وحدة المحافظ أو المجلس المحلي.

كذلك تقسم فرنسا ومعها كورسيكا إلى 96 مكتبًا للحواضر، يدير كل مكتب مجلس منتخب محليًا يرأسه شخص تعينه الحكومة. ويوجد في كل إقليم من الأقاليم البالغ عددها 22 إقليماً، مجلس إقليمي، يقوم بدوره بانتخاب الرئيس. ويتمتع إقليم كورسيكا بشكل أوسع من الاستقلال المحلي. ولفرنسا تسعة توابع في أعالي البحار تقع في مناطق الهند الغربية والمحيط الهندي والمحيط الهادئ وتعتبر هذه التوابع جزءًا من فرنسا ويصوت الناخبون فيها في الانتخابات الرئاسية، كما أنهم يرسلون ممثليهم إلى مجلسي البرلمان الفرنسي.

الأحزاب السياسية. في فرنسا أحزاب سياسية متعددة، مثل: الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، ومن المعروف أن لهما توجهات متحررة ومتطرفة. ورغم أن الحزبين يدعوان من الناحية النظرية إلى امتلاك الدولة للمصانع ووسائل الإنتاج، إلا أن الحزب الاشتراكي كان يتعاون من الناحية العملية مع القطاع الخاص منذ ثلاثينيات القرن العشرين ويسعى الحزبان إلى حث الحكومة على تمويل الضمان الاجتماعي والخدمات الطبية. أما الأحزاب المحافظة الرئيسية فهي: اتحاد الديمقراطية الفرنسية، الذي يدعو إلى رفع القيود الحكومية التي تعوق حرية حركة الأفراد والشركات في التعامل الاقتصادي وحزب التجمع من أجل الجمهورية الذي يؤيد سياسات الرئيس الراحل شارل ديجول واتِّباع سياسة خارجية حازمة، كما أن حزب الجبهة الوطنية وهو حزب يميني متطرف، يعارض الهجرة إلى فرنسا ويؤيد تطبيق عقوبة الإعدام.

المحاكم. توجد المحاكم بدرجاتها المختلفة في المدن الرئيسية، ولمحكمة النقض، وهي أعلى المحاكم في فرنسا، أن تعيد النظر في الدعاوى، أو إعادة القضايا إلى المحاكم الأدنى درجة لإعادة النظر فيها.

القوات المسلحة. يُفرض التجنيد الإجباري على كل شخص بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر، ويبلغ مجموع القوات المسلحة 400,000 رجل وامرأة يخدمون في القوات البرية والبحرية والجوية.

السكان

توجد اختلافات واضحة في اللغة والتقاليد السائدة في مختلف الأقاليم ويتمسك الناس بشدة بعاداتهم وبتقاليدهم المحلية. وقد وجد في بعض الأقاليم من يدعو إلى الانفصال عن فرنسا.

مجموع سكان فرنسا 59,024,000 يعيش سدسهم في مدينة باريس وضواحيها. وفي فرنسا 36 مدينة تضم الواحدة منها أكثر من 100 ألف نسمة خمس منها يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة. ويتألف حوالي 7% من سكان فرنسا من المقيمين الأجانب ومعظمهم من شمالي إفريقيا.

جاء الغاليُّون إلى فرنسا في الأزمان القديمة وكان هؤلاء قومًا سلْتيين ينتمون إلى الغزاة الويلزيين والأيرلنديين والرومان والجرمانيين والإسكندينافيين القدماء، الذين جاءوا من الجنوب والشرق والشمال. وقد جاء الرومان بالسلام إلى القبائل الغالبة المحاربة وأصبح القانون الروماني القاعدة الأساسية للقانون الفرنسي الحديث، وقد أُخِذ اسم فرنسا من اسم الغزاة الجرمانيين، الذين كانوا يسمون بالفرانكيين. وأجداد الكثير من الفرنسيين في شمال شرقي البلاد هم من الجرمانيين، كما يَرُدُّ بعض النورمنديين أصولهم إلى الاسكندينافيين القدماء الذين استقروا هناك.

 

كانت اللغة الفرنسية الحالية في القرن السادس عشر الميلادي، تقتصر فقط على المقيمين في باريس والمنطقة المحيطة بها. أما بقية أهل فرنسا، فكانوا يتكلمون اللغات الباسكية والبريتونية والهولندية والألمانية أو لهجات تنتمي إلى الفرنسية الحالية، مثل: اللغات اللوادنية والبيكاردية والبروفانسية وكان أهل كورسيكا يتكلمون لهجة قريبة إلى اللغة الإيطالية.

 

أنماط المعيشة

الحياة في المدينة. يعيش ثلاثة أرباع الفرنسيين (74%) في المدن والأحياء، التي يزيد سكانها عن ألفي شخص ويسكن باريس وضواحيها حوالي 9 مليون نسمة ويسكن الناس في البنايات الكبيرة، كما يفضل بعض سكان باريس والمدن الأخرى أبنية قديمة، يقل فيها الاهتمام بوسائل المعيشة الحديثة، ويتمتعون فيها بوسائل الراحة التقليدية، كمواقد الفحم وما أشبه ذلك. هناك تعليمات مشددة تمنع إنشاء مبان مرتفعة في مراكز بعض المدن، لمنع الازدحام وتأمين الهدوء لسكان المنطقة. وقد أُنشئت مناطق سكنية خاصة بالطبقة الوسطى في ضواحي المدن مع تأمين وسائل النقل الكافية، لانتقال السكان إلى مراكز أعمالهم وإلى المناطق الأخرى المهمة في المدن.

الحياة في الريف. يعيش ربع سكان فرنسا فقط (26%) في مناطق ريفية غير أن فرنسا كانت تضم عادة مجتمعًا زراعيًا، لذلك فإن سكان الأرياف أكثر اطلاعًا وتمسكًا بالأنشطة الزراعية وبالصيد من سكان المدن. ويتمتع معظم أهل الريف بوسائل الراحة والرفاهية التي تتوفَّر لأهل المدن، إذ يعيش الكثيرون في بيوت أسرية منفردة في القرى والمزارع ويمتلكون سيارة وجهاز تلفاز وأجهزة حديثة أخرى كالثلاجات والغسالات.

ورغم أن أهل الريف الفرنسي يمتلكون مزارعهم الخاصة، إلا أن المأخذ الوحيد هو صغر حجم المزارع، مقارنة بمزارع الأقطار الأوروبية الأخرى. لذلك فإنها لا تكفي لتأمين قوت الأشخاص الذين يعتمدون عليها وقد أدّى ذلك إلى التناقص التدريجي لأعداد الساكنين في الأرياف.

الطعام. يعتبر الفرنسي الطبخ فنًا من الفنون. وقد ابتكر الطهاة الفرنسيون أنواعًا عديدة من الصلصات ومشهيات الطعام والوجبات الخفيفة. وتشمل الوجبة الفرنسية الكاملة المشهيات والحساء، ومادة الوجبة الرئيسية قد تتبعها البطاطس المقلية وسلطة الخضراوات، فالجبن والفواكه الطازجة، ثم الحلوى.

 

الترويح. يُعَدُّ سباق الدراجات السنوي من المسابقات الرياضية الوطنية المهمة التي يشترك فيها مائة من راكبي الدراجات المحترفين، وتستغرق شهرًا واحدًا وينتهي السباق في باريس. أما أهم فريق شعبي رياضي فهو فريق كرة القدم، كما يحب الفرنسيون لعبة البولينج وصيد الأسماك والسباحة والتزلج على الجليد والرجبي والتنس. ويتمتع كل عامل فرنسي بعطلة سنوية، مدتها خمسة أسابيع، يقضيها خارج بيته على السواحل الجنوبية أو على الجبال، كما توجد مصايف ذات أسعار ملائمة تقوم بتنظيم فعاليات خاصة بالكبار والصغار.

الدين. يدين حوالي 75% من الفرنسيين بالمذهب الكاثوليكي ويوجد 3% مسلمون و2% بروتستانت واليهود 1%. أما الملحدون والذين هم بلا دين فمجموع نسبتهم 19%.

التعليم. التعليم في فرنسا إلزاميّ بين سن السادسة والسابعة عشرة. ويدرس حوالي 85% منهم في المدارس الحكومية والباقون يدرسون في مدارس خاصة، تدير كنائس الروم الكاثوليك معظمها. ويستطيع الأطفال من سن الثانية إلى السادسة أن يذهبوا إلى رياض الأطفال المجانية، وتبدأ الدراسة الابتدائية في سن السادسة وتستغرق خمس سنوات. تليها المرحلة المتوسِّطة، لمدة أربع سنوات السنتان الأوليان منها عامّة للطلاب، وهي فترة مراقبة والسنتان الأخيرتان فترة توجيه. والمرحلة الثانوية ثلاث سنوات تنتهي بامتحان البكالوريا (الثانوية العامة). بعض المدارس الثانوية تقنية ـ مهنية، وبعضها الآخر أكاديمية تعدّ الطلبة لدخول الجامعات.

في فرنسا 75 جامعة وتختار كل جامعة مناهجها وأساليب تدريسها الخاصة وتزود الحكومة الطلبة بالدعم المالي. كذلك توجد معاهد عالية للتخصص في مختلف الفروع المهنية والخدمة المدنية والعسكرية والتجارة والتعليم والصناعة والحقول الأخرى.

المتاحف والمكتبات. توجد في فرنسا متاحف ممتازة، أشهرها متحف اللوفر في باريس وهو من أكبر متاحف الفن. ويمثل كثير من القصور والقلاع متاحف تاريخية وطنية للفن مثل قصر فرساي، الذي بناه الملك لويس الرابع عشر. وهناك متحف أورساي في باريس ومركز جورج بومبيدو الوطني للفن والثقافة ومكتبة مازارين ومكتبات جامعة باريس وغيرها، كما أن مكتبة فرنسا الوطنية تعتبر إحدى أكبر المكتبات في أوروبا الغربية.

الفنون

كان الفنانون الفرنسيون منذ العصور الوسطى ومنهم المعماريون ومؤلفو الموسيقى والأدباء من بين قادة الثقافة في أوروبا. وخلال حقب التاريخ المختلفة استخدم الطراز الفرنسي في الرسم و الموسيقى والمسرح وأشكال فنية أخرى نموذجًا في البلاد الأوروبية الأخرى.

تظهر أشهر الأعمال الفنية للقرون الوسطى في الكاتدرائيات القوطية التي بنيت في الفترة بين أواسط القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر الميلاديين وأكبر مثال لذلك كاتدرائية نوتردام في باريس وكاتدرائيات أخرى في مدن فرنسية عديدة، كما نجد الشعر من الفنون المهمة للأدب في تلك الفترة وكان هناك شعراء موسيقيون كتبوا أغاني الغزل باللهجة البروفانسية لجنوبي فرنسا. أما عصر النهضة فكان من أكثر المراحل الثقافية أهمية وقد وصلت حركة الثقافة إلى ذروتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث ظهر فرانسوا رابيليه أكبر كاتب قصصي فرنسي في عصر النهضة الفرنسية وحاول سبعة من الشعراء الفرنسيين وضع نمط جديد من الشعر الفرنسي على غرار النماذج اليونانية والرومانية القديمة وكان مونتان آخر الأدباء الكبار لتلك المرحلة، وقد ظهر أسلوب المقالة الشخصية بوصفه شكلاً من أشكال الأدب. وظهر فنانون ابتدعوا أسلوبي الباروكي والروكوكو في الفن أمثال: جين بابتست لولي وجين فيليب رامو اللذين اشتهرا في فن الأوبرا ونبغ فرانسوا كوبرين و غيره في التأليف الموسيقي وساهم شعراء كلاسيكيون وأدباء كثيرون في المأساة (التراجيديا) والملهاة (الكوميديا) من أهمهم موليير وراسين وظهرفي الفلسفة رينيه ديكارت.

ذاعت في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين مرحلة ما يسمى بعصر العقل أو التنوير التي اتسمت بإنجازات فكريــة وسـاد خلالهما الأدب الفلسفي وركز أدبـاء هـذه الفترة على العقل والملاحظة المباشرة بوصفهما أسلوبين لمعرفة الحقائق، وكان من أبرز هؤلاء الأدباء: فولتير وجان جاك روسو ودينيس ديدرو . أما الرومانسية التي ظهرت رد فعل على العقلانية والكلاسيكية، فقد بدأت خلال القرن الثامن عشر الميلادي وكان فيكتور هوجو أكبر شاعر روائي ومسرحي رومانسي.

ومن المذاهب والحركات الأدبية الأخرى التي ظهرت: الواقعية النقدية والمذهب الطبيعي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي والانطباعية في أوائل القرن العشرين وتركزت على التصوير التشكيلي بشكل خاص.

ومن أشهر الأدباء الذين كتبوا رواياتهم ومسرحياتهم في منتصف القرن العشرين جان بول سارتر وألبير كامو. ومن أدباء أواخر القرن العشرين المعروفين آلان روب جرييه ولود كلود سايمون ومارجريت دورا. ومن أشهر الرسامين بابلو بيكاسو، الذي وُلد في أسبانيا، وجورج براك. كما ظهر فنانون كثيرون في النحت والعمارة والتأليف الموسيقي.

السَّــطح

تختلف المناطق الفرنسية بعضها عن بعض من الناحية الجغرافية ويتألف الإقليمان الشمالي والغربي أساسًا من سهول منبسطة ومتموجة وترتفع التلال والجبال في الأقاليم الشرقية والوسطى والجنوبية من البلاد. والأرض الفرنسية تقسم إلى عشرة أقاليم هي: تلال بريتاني ـ نورمنديا، وسهول فرنسا الشمالية، والهضبة الشمالية الشرقية ووادي الراين، والأراضي المنخفضة الأكويتانية، والمرتفعات الوسطى، ومنطقة الألب الفرنسية وجبال جورا وجبال البرانس، والمنطقة المنخفضة على البحر الأبيض المتوسط ووادي الرون ـ السون وأخيرًا جزيرة كورسيكا.

تلال بريتاني ـ نورمنديا تتألف من تلال مدورة وسهول متدرجة والأرض صخور موغلة في القدم تغطيها تربة فقيرة مع أجزاء خصبة على امتداد الساحل وفيها بساتين التفاح ومزارع الألبان ومساحات معشوشبة. وتوجد خلجان كثيرة تشق السواحل الوعرة التي فيها عدد من الموانئ المهمة لصيد الأسماك.

 

سهول فرنسا الشمالية. تتميز هذه السهول بتربة خصبة وصناعات وافرة الإنتاج. وهذه السهول مستوية ومتدرجة تتخللها تلال وهضاب مغطاة بالغابات. تقع باريس في هذا الإقليم المتميز بالكثافة السكانية. وحوض باريس مساحة مستديرة واسعة يجري فيها نهر السين وأنهار أخرى رئيسية، كما توجد مناجم الفحم الحجري قرب الحدود البلجيكية.

الهضاب الشمالية الشرقية تقع فيها جبال الأردينز التي تمتد داخل الحدود البلجيكية. وهذا الإقليم المغطى بالغابات يزداد وعورة في الجهة الجنوبية الشرقية عند جبال فوسجز، الذي يحوي كميات كبيرة من خام الحديد الذي يستخدم في عملية تصنيع الحديد والفولاذ، ويقوم المزارعون بتربية الماشية، كما يزرعون أنواعًا عديدة من المحاصيل المتنوعة.

وادي نهر الراين إقليم يتميز بمنحدرات شديدة وأرض مستوية في الوديان ومزارع خصبة على امتداد النهر. وهذا النهر الذي يشكل حدود فرنسا مع ألمانيا، هو الطريق النهري الرئيسي في أوروبا وتمتد الطرق وخطوط السكك الحديدية المهمة بموازاته.

الأراضي المنخفضة الأكويتانية يجري فيها نهر جارون والجداول التي تصب فيها، وتمتد الشواطئ الرملية على امتداد الساحل. تكثر غابات الصنوبر في الجزء الأوسط من الإقليم، كما توجد فيه سهول منحدرة وكثبان من الرمال وتكثر فيه بساتين العنب. وبالقرب من لانديز توجد حقول النفط والغاز. وتوجد منطقة غابات على بعد 100كم جنوب ميناء بوردو.

الأراضي المرتفعة الوسطى قليلة السكان وذات تربة فقيرة عدا مناطق الوديان، حيث يزرع فيها الجاودار ومحاصيل أخرى وترعى الأغنام في الأراضي المعشوشبة السفلى، كما تغطي الغابات السفوح. وينبع نهر اللوار أطول أنهار فرنسا من جبال سيفيني.

 

منطقة جبال الألب الفرنسية وجبال جورا تشكل الحدود مع إيطاليا وسويسرا وترتفع قمة جبل مون بلان 4,807م كأعلى قمة في فرنسا. ويأتي السائحون إلى شاموني القريبة منها وإلى المصايف الأخرى. وتزود النهيرات الجبلية المنطقة بمقادير كبيرة من الطاقة الكهربائية.

جبال البرانس. تقع على امتداد حدود فرنسا مع أسبانيا وفيها قمم ترتفع إلى أكثر من 3,000م وهذه المناطق الوعرة ضعيفة التربة.

منخفضات البحر الأبيض المتوسط ووادي الرون ـ السون. فيها مناطق زراعية خصبة تنتج الفواكه والخضراوات والعنب، الذي يستخدم في صناعة النبيذ ويستخدم أسلوب الري في المنطقة بكثرة. ويقع ميناء مارسيليا في الريفييرا الفرنسية على البحر الأبيض المتوسط وهو من موانئ فرنسا الرئيسية.

كورسيكا جزيرة فرنسية تقع على البحر الأبيض المتوسط على بعد 160كم جنوب شرقي البر الفرنسي الرئيسي. وجبال كورسيكا وتلالها مشابهة لجبال وتلال المرتفعات الوسطى وهي ذات تربة فقيرة بصورة عامة وسواحلها الصخرية شديدة الانحدار وتزرع المحاصيل في الوديان وترعى الأغنام على سفوح الجبال.

المنــاخ

يختلف المناخ كثيرًا باختلاف الأقاليم. واختلاف الجو له علاقة وطيدة بِبُعد الإقليم أو قربه من المحيط الأطلسي أو البحر الأبيض المتوسط. تؤثر الرياح الغربية التي تهب من الأطلسي بشكل كبير على مناخ المناطق الغربية من فرنسا التي تتميز بغزارة الأمطار وبرودة الشتاء واعتدال الصيف.

وكلما اتجهنا نحو الشرق بعيدًا عن المحيط الأطلسي نجد المناخ يتغير بشكل واضح بين الفصول، فتكون المنطقة الوسطى ذات جو حار صيفًا وبارد شتاءً مع أمطار معتدلة على امتداد العام. تسقط على الأقاليم الجبلية الأمطار الغزيرة والثلوج الذائبة ولا سيما في أشهر الصيف وتسقط الثلوج بغزارة على جبال الألب وجورا، وتتكون أنهار جليدية واسعة في جبال الألب، أما الجو في الأراضي المنخفضة على امتداد البحر الأبيض المتوسط، فيكون حارًا وجافًا في الصيف ومعتدلاً شتاء مع هطول بعض الأمطار، وقد تهب رياح شمالية شديدة البرودة تسمى المسترال على جنوبي فرنسا وتتسبب في إصابة الزراعة أحيانًا بأضرار بالغة وتحمي جبال الألب منطقة الريفييرا المشمسة من الرياح الشمالية الباردة معظم أيام السنة.

 

الاقتصاد

                                                                

 

الاقتصاد الفرنسي

فرنسا من الدول الغنية ويتمتع شعبها بمستوى مرتفع للمعيشة ناتج عن التغييرات الاقتصادية الناجحة التي طبقت منذ أربعينيات القرن العشرين. كان الاقتصاد الفرنسي قبل الحرب العالمية الثانية، يعتمد بشكل رئيسي على المزارع والمتاجر الصغيرة. وبعد انتهاء الحرب بدأت الحكومة بتحديث الاقتصاد بتطبيق أساليب حديثة في الإنتاج والتجارة من خلال مجموعة من الخطط الوطنية وقد جاءت هذه التحسينات بإنتاج متزايد ومستمر.

الموارد الطبيعية. أدت دورًا كبيرًا في تحقيق الرفاهية لفرنسا. وتُعَدُّ التربة الخصبة من الموارد الطبيعية المهمة ويعتبر أكثر من 90% من الأرض الفرنسية من أخصب الأراضي الزراعية. وتقع أغنى الأراضي الزراعية في شمالي البلاد والشمال الشرقي، وتمتلك فرنسا ترسبات طبيعية كثيرة من خام الحديد والبوكسيت والفحم الحجري والنفط والغاز الطبيعي.

يمتلك القطاع الخاص معظم مؤسسات الأعمال، غير أن الحكومة كانت تهيمن ولمدة طويلة على بعض الأعمال بصورة جزئية أو شاملة، وكمثال على ذلك: امتلاك الحكومة الكامل لثلاثة من أكبر المصارف الفرنسية ولشركة رينو أكبر شركة لصناعة السيارات. كذلك كانت الحكومة تمتلك جزئىًا شركتين للفولاذ. وعندما تسلَّم الاشتراكيون مقاليد السلطة في سنة 1981م زادوا من عدد المؤسَّسات المملوكة للحكومة. وقامت الحكومة الاشتراكية بشراء حصص تهيمن بوساطتها على العديد من صناعات المعدات الفنية والعسكرية وعلى بعض المصارف والمؤسسات المالية. وعلى أثر حصول المحافظين على الأكثرية في البرلمان سنة 1986م بدأوا أسلوب الخصخصة، وذلك ببيع بعض المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص ولكن بعد الانتخابات التي جرت سنة 1988م أصبحت الحكومة أكثر اشتراكية من ذي قبل وفقد المحافظون كثيرًا من نفوذهم في نقض سياسة الاشتراكيين. ثم جاءت حكومة غير اشتراكية للحكم في الانتخابات التي أجريت عام 1994م، ولم يبق في الحكم من الاشتراكيين سوى رئيس الدولة فرانسوا ميتران إلى أن خلفه جاك شيراك عن الحزب الديمقراطي في يونيو 1995م.

الصناعات الخدمية. تؤلف الصناعات الخدمية الحكومية والخاصة أهم القطاعات الاقتصادية وتوظف حوالي 60% من القوى العاملة، وهي تشمل التعليم والرعاية الصحية والوظائف الحكومية والجيش. وتُشكِّل التجارة والخدمات الفندقية والمطاعم صناعات خدمية ذات أهمية قصوى، وتعتبر باريس مركزًا لسوق الجملة العالمي للسيارات والكيميائيات وتُمثِّل مارسيليا، الميناء الرئيسي، مركزًا لتجارة فرنسا الخارجية. أما تجارة التجزئة والخدمات الفندقية، فإنها مزدهرة بسبب العدد الكبير من السائحين الذين يزورون فرنسا.

التصنيع. تأتي فرنسا في مقدمة الدول الصناعية وهي أحد مراكز الصناعة العالمية الرئيسية، وباريس مركز الصناعات الفرنسية المهمة، غير أن الصناعات تنتشر كذلك في المدن والبلدان في أنحاء فرنسا كافة. وتعتبر فرنسا رابع دولة في إنتاج السيارات. وتنتج قاطرات السكك الحديدية وتمتلك أسرع القطارات في العالم وتنتج طائرات حربية ومدنية متطورة وآلات صناعية وتأتي في مقدمة مصممي الآلات الجديدة وتستوعب صناعة الأغذية أعدادًا كبيرة من الفرنسيين.

 

تنقسم السيارات الفرنسية إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: رينو وبيجو وستروين وتقع مصانعها في منطقة باريس وقرب ليون ورينيه ودوواي، كما تصنع فرنسا أنواعًا متقدمة من الطائرات الحربية والتجارية، وتولوز هي مركز صناعة الطائرات، وأهم ما يميزها وجود برنامج فضائي ناجح. وقد نجحت في إطلاق صواريخ وأقمار صناعية للاتصالات. وهي تنتج كذلك معدات فضائية وأنظمة دفاع إلكترونية وأنواعًا عديدة من الأسلحة ولديها صناعة إلكترونية تتطور بسرعة. وتنتج الحواسيب وأجهزة المذياع والتلفاز ومعدات الهاتف وتمتلك صناعات كيميائية متطورة، وصناعات خاصة بالأدوية، ومستحضرات التجميل وتصنع أنواعًا ممتازة من الزجاج وإطارات السيارات.

الزراعة. فرنسا أوسع مراكز الإنتاج الزراعي في غربي أوروبا، وهي إحدى أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم ويأتي ثلثا دخل المزارع الفرنسية من اللحوم وماشية الألبان. وربع الأراضي الفرنسية أراضٍ معشوشبة صالحة للرعي. وتنمو محاصيل الحبوب بكثرة وخاصة القمح وكذلك الفواكه والعنب بالدرجة الأولى والتفاح والخضراوات بأنواعها.

تنبت المحاصيل الزراعية على أكثر من ثلث أراضي فرنسا. وتنتج المزارع الواسعة في منطقة حوض باريس وفي الشمال معظم محصول القمح الذي يعتبر المحصول الزراعي الرئيسي لفرنسا. وتشمل المحاصيل الزراعية المهمة الأخرى في فرنسا الفاصوليا والجزر والقرنبيط والكرز والأزهار والبازلاء والخوخ والكمثري والطماطم وبذور دوَّار الشمس.

الغابات. تغطي الغابات حوالي ربع الأراضي الفرنسية، وتشمل مناطق الغابات الكثيفة الهضاب الشمالية الشرقية والمرتفعات الوسطى ومناطق السواحل الجنوبية الغربية وسفوح جبال الألب وجورا برينيه وفوسجو وتتألف من أشجار البلوط والصنوبر والزيتون وغيرها.

التعدين. خام الحديد من أهم الموارد المعدنية ويأتي أكثره من منطقة اللورين ويستخدم في صناعة الفولاذ الموجودة في الإقليم. وتوجد خامات البوكسيت التي يصنع منها الألومنيوم في جنوب شرقي البلاد. ويوجد البوتاس وهو مادة تستخدم في صنع الأسمدة في منطقة الألزاس. واكتشفت مصادر الغاز الطبيعي في لاك جنوبي فرنسا كما توجد في فرنسا، مناجم تنتج الجبس والملح والكبريت والتنجستن واليورانيوم.

صيد الأسماك. تنتج صناعة صيد الأسماك في فرنسا حوالي 680 ألف طن من الأسماك سنويًا وتعمل مجموعات الصيادين على السواحل الفرنسية أو تذهب بعيدًا إلى مياه أيسلندا ونيوفاوندلاند. وينطلق كثير من سفن الصيد من منطقة بريتاني وتشتمل أنواع الأحياء المائية التي يصطادونها على سمك القد وسرطان البحر والكركند وبلح البحر والمحار والبولوك والسردين والتونة والمحار المروحي وغيرها.

مصادر الطاقة. تنتج محطات القدرة النووية الفرنسية أكثر من نصف القدرة الكهربائية المستهلكة وتعتبر فرنسا من الأقطار الرائدة عالميًا في تقنية الطاقة النووية وفي إنتاج الوقود النووي. ويُستخدم الفحم الحجري والقدرة المائية في إنتاج معظم النصف المتبقي من القدرة الكهربائية التي تحتاجها البلاد.

بدأت الحكومة في سنة 1966م بتشغيل أول محطة قدرة في العالم، تعمل بقوة المد والجزر وذلك في مصب نهر رانس في إقليم بريتاني، حيث يحدث هناك أعلى مستوى للمد في العالم وقد يصل إلى ارتفاع 13م. كما أن هناك محطة للقدرة الشمسية في منطقة جبال البرانس.

التجارة الخارجية. تُعَدُّ فرنسا خامس دولة في حقل التجارة الخارجية في العالم وقيمة الواردات عندها تزيد قليلاً على قيمة الصادرات وتشكل المنتجات النفطية أهم وارداتها. أما أهم صادراتها فإنها تشمل المنتجات الكيميائية والآلات والمعدات الكهربائية والسيارات ويتم تبادل حوالي نصف تجارة فرنسا مع بلدان السوق المشتركة (الاتحاد الأوروبي) وكذلك مع المملكة العربية السعودية واليابان وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية.

النقل والاتصالات. تمتلك فرنسا أسرع القطارات في العالم، فالقطار الذي يسير بين باريس وليون تصل سرعته إلى 300كم/ساعة. كما أن مطاري أورلي وشارل ديجول من أكثر المطارات ازدحامًا وهناك عدة مطارات في مدن أخرى، كما تعمل سفن عديدة للنقل في بعض الأنهار والقنوات.

تصدر في فرنسا 85 صحيفة يومية، أوسعها انتشارًا صحيفة أوست فرانس (غرب فرنسا) وتصدر في مدينة رين في 45 طبعة مختلفة. ومن الصحف الرئيسية الأخرى صحيفة: الفيجارو وفرنس سوار ولوموند وليبراسيون. ومن الصحف الأسبوعية الإخبارية المهمة: صحيفة لي إكسبريس ولي نوفيل أوبزرفاتور، ويوجد في فرنسا العديد من شبكات الإذاعة والتلفاز تدير معظمها وكالات حكومية مستقلة. وتفرض ضرائب سنوية على أجهزة التلفاز والمذياع لتأمين التمويل اللازم للبث الإذاعي والتلفازي. وتشرف وكالة حكومية على صناعة الأفلام الفرنسية.

نبذة تاريخية


ملوك وأباطرة فرنسا


   

الحاكم

   

   

فترة الحكم

   

   

هيو كابيه

   

   

987 – 996م    

   

   

روبرت الثاني

   

   

996 – 1031م    

   

   

هنري الأول

   

   

1031 – 1060م    

   

   

فيليب الأول

   

   

1060 – 1108م    

   

   

لويس السادس

   

   

1108 – 1137م    

   

   

لويس السابع

   

   

1137 – 1180م    

   

   

فيليب الثاني

   

   

1180 – 1223م    

   

   

لويس الثامن

   

   

1223 – 1226م    

   

   

لويس التاسع

   

   

1226 – 1270م    

   

   

فيليب الثالث

   

   

1270 – 1285م    

   

   

فيليب الرابع

   

   

1285 – 1314م    

   

   

لويس العاشر

   

   

1314 – 1316م    

   

   

جون الأول

   

   

1316م    

   

   

فيليب الخامس

   

   

1316 – 1322م    

   

   

تشارلز الرابع

   

   

1322 – 1328م    

   

   

فيليب السادس

   

   

1328 – 1350م    

   

   

جون الثاني

   

   

1350 – 1364م    

   

   

تشارلز الخامس

   

   

1364 – 1380م    

   

   

تشارلز السادس

   

   

1380 – 1422م    

   

   

تشارلز السابع

   

   

1422 – 1461م    

   

   

لويس الحادي عشر

   

   

1461 – 1483م    

   

   

تشارلز الثامن

   

   

1483 – 1498م    

   

   

لويس الثاني عشر

   

   

1498 – 1515م    

   

   

فرانسيس الأول

   

   

1515 – 1547م    

   

   

هنري الثاني

   

   

1547 – 1559م    

   

   

فرانسيس الثاني

   

   

1559 – 1560م    

   

   

تشارلز التاسع

   

   

1560 – 1574م    

   

   

هنري الثالث

   

   

1574 – 1589م    

   

   

هنري الرابع

   

   

1589 – 1610م    

   

   

لويس الثالث عشر

   

   

1610 – 1643م    

   

   

لويس الرابع عشر

   

   

1643 – 1715م    

   

   

لويس الخامس عشر

   

   

1715 – 1774م    

   

   

لويس السادس عشر

   

   

1774 – 1792م    

   

   

نابليون الأول

   

   

1804 – 1814م    

   

   

لويس الثامن عشر

   

   

1814 – 1815م    

   

   

نابليون الأول

   

   

1815م    

   

   

لويس الثامن عشر

   

   

1815 – 1824م    

   

   

تشارلز العاشر

   

   

1824 – 1830م    

   

   

لويس فيليب

   

   

1830 – 1848م    

   

   

نابليون الثالث

   

   

1852 – 1870م    

   

البدايات. كانت قبائل السِّلْت في العصور القديمة تعيش فيما يسمى حاليًا بفرنسا. وكان الرومان يطلقون اسم غاليا أو بلاد الغال على هذا الإقليم. وقد بدأت الجيوش الرومانية اجتياح الإقليم في القرن الثالث قبل الميلاد. واستولى يوليوس قيصر على المنطقة كلها بين عامي 58 و51ق.م. واتخذ الغاليون الأسلوب الروماني في الحياة بسرعة مستخدمين لغة الغزاة. وشهدت بلاد الغال ازدهارًا رغم اجتياح البرابرة لها في القرنين الثالث والرابع الميلاديين، غير أنه بحلول القرن الخامس الميلادي تهاوت دفاعات مراكز الحدود الرومانية أمام غزوات القبائل الجرمانية من الشرق بمن فيهم البرغنديون والفرانكيون (الفرنجة) والقوط الغربيون الذين عبروا نهر الراين ودخلوا بلاد الغال وقتلوا منهم الكثيرين واندفع غيرهم نحو الغرب إلى منطقة بريتاني (حاليًا) وقد أوقع كلوفيس ملك الفرنجة الهزيمة بالحاكم الروماني لإقليم الغال ومن ثم تغلب على القبائل الجرمانية الأخرى في الإقليم ووسَّع ملكه وأسس الأسرة الحاكمة الميروفنجية.

في العصور الوسطى. ظهر النظام الإقطاعي بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين. وفي فترة اتسمت بالاضطراب ظهر أصحاب الإقطاعات الواسعة في معظم الأراضي الفرنسية. والنظام الإقطاعي نوع من التنظيم السياسي والعسكري، يمنح الإقطاعي الأرض للفلاحين مقابل الخدمة في الجيش وغيرها من الخدمات.

ضعف حكم الملوك الميروفنجيين بسبب انغماسهم في الملذات الشخصية وكان كبير المستشارين ببين هرستال، قد حاز معظم سلطات الملك ثم جاء ابنه شارل مارتل الذي وسع تلك السلطات. وعندما جاء ابنه ببين القصير قضى على آخر الملوك الميروفنجيين وأصبح ملكًا على الفرانكيين سنة 751م تحت اسم الأسرة الكارولنجية.

جاء بعد ببين القصير ابنه شارلمان الذي كان أحد الملوك الكبار المنتصرين، حيث قاد أكثر من خمسين حملة عسكرية ووسع ملكه إلى ما وراء الحدود الفرنسية الحالية وقد توّجه البابا إمبراطورًا للرومان. وخلفه بعد موته ثلاثة أحفاد، تقاتلوا فيما بينهم للسيطرة على الإمبراطورية التي خلفها جدهم واقتسموها فيما بينهم.

الأسرة الكابتية. في أواخر القرن العاشر الميلادي كان الملوك الكارولنجيون، قد فقدوا معظم نفوذهم السابق وتعاظم نفوذ النبلاء الإقطاعيين الذين أصبحوا يعيِّنون الملوك، وكانت سلطة هؤلاء الملوك لا تتجاوز حدود المقاطعة التي يسكنونها. وأخيرًا أنهى النبلاء حكم الأسرة الكارولنجية ونصبوا هيو كابيه ملكًا جديدًا. وقد ظل ملوك الأسرة الكابتية فترة طويلة لا حول لهم ولا قوة وقد أخذ النبلاء يستقلون بمقاطعاتهم. وكان دوقات نورمنديا أقوى هؤلاء النبلاء وأفضلهم إدارة بين الأقاليم الإقطاعية. وفي سنة 1066م قام الدوق وليم الذي سمي فيما بعد وليم الفاتح بغزو إنجلترا وأصبح ملكًا.  

أضاف الملوك الكابتيون مناطق جديدة إلى أملاكهم الشخصية وأصبحوا أقوى من جميع منافسيهم وقد أنجب هؤلاء الملوك أولادًا يرثون ملكهم بعدهم على امتداد ثلاثة قرون مما أوقف تدخل النبلاء في اختيار من يجلس على العرش وزاد ضعفهم عندما ترك معظمهم فرنسا للاشتراك في الحروب الصليبية بين القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر الميلاديين.

تطورت الأوضاع الاجتماعية أثناء حكم الملوك الكابتيين وظهرت بوادر التحسن في الأوضاع الاقتصادية في أوروبا، والمدن التي كانت قد فقدت أهميتها استعادت نشاطها وبرز فيها أصحاب الحرف الذين كونوا اتحادات أدت دورًا كبيرًا في إدارة الحكومات المحلية. وبنمو الحكم الملكي، شكلت المدن مركز الثقل الإداري والتشريعي.

ورغم انتقال الكثيرين إلى مراكز المدن فقد ظل كثيرون منهم أيضًا في الريف، لكن الأساليب الزراعية القديمة لم تكن تسمح بإنتاج محاصيل تكفي لاحتياجات الناس.

وتوفي آخر ملوك الأسرة الكابتية تشارل الرابع سنة 1328م دون أن يخلف وريثًا للعرش من الأولاد الذكور وخلفه أحد أبناء عمومته، كما طالب إدوراد الثالث ملك إنجلترا بعرش فرنسا وغزا بجيشه إقليم نورمنديا مما تسبب في حرب المائة عام (1337 – 1453م). ورغم انتصار الجيش الإنجليزي في معظم تلك المعارك استطاع الفرنسيون إخراج الإنجليز من معظم الأقاليم الرئيسية على إثر انتصارهم في معركة أورلييان بقيادة جان دارك.

حكم الملوك المطلق. وضع لويس الحادي عشر أسس الحكم المطلق واستطاع أن يستعيد هيبة الملوك الفرنسيين، التي كانت قد ضعفت بسبب تدخل النبلاء في أمور الحكم. وكان غريمه الوحيد هو شارل الشجاع الذي قتل فيما بعد أثناء القتال وكان على وشك أن يحتل مدينة نانسي وقد استطاع لويس أن يستولى على معظم الأراضي التي كانت بحوزة شارل.

اندلعت الحروب الدينية خلال القرن السادس عشر الميلادي على إثر ظهور المذهب البروتستانتي واستمرت سلسلة الحروب الأهلية بين الكاثوليك والبروتستانت أكثر من ثلاثين عامًا.

تعاظمت سلطة الملوك ووزرائهم باطراد بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين ومن بين أهم الوزراء ماكسيمليان دي بيثون الذي خدم الملك هنري الرابع وقام ببعض الإصلاحات في حقل التنمية الزراعية وأشغال الطرق وفتح القنوات وخفض الضرائب. أما الحاكم الحقيقي الذي كان يقف خلف لويس الثالث عشر فهو الكاردينال ريشيلو الذي بذل جهودًا كبيرة لتقوية سلطة الملك.

وكان لويس الرابع عشر مثلاً بارزًا للسلطة الواسعة التي يتمتع بها ملوك فرنسا. ومما يروى عنه أنه قال “أنا الدولة” وحين مات رئيس وزرائه، أعلن أنه سيكون بنفسه رئيسًا لوزرائه وبدأ بمعاملة الهجنوت (البروتستانت) بقسوة مما ألجأ حوالي مائتي ألف منهم إلى ترك فرنسا.

سوء الأحوال في القرن 18. بحلول القرن الثامن عشر الميلادي كانت هناك بيروقراطية حكومية تقوم بإدارة جيش ملكي كبير وتجمع الضرائب، ومحاكم تقوم بتطبيق القانون والنظام. وكان المحامون والقضاة يبتاعون مكاتب من الملك بأسعار عالية جدًا وسمح لهم الملك بأن يسموا أنفسهم نبلاء وأعفاهم من الضرائب. وكان لهذا النظام المكلف أثره في نمو واسع للاقتصاد والسكان خلال القرن الثامن عشر، غير أن الزيادة السكانية فاقت مقادير الإنتاج الزراعي. أصبح نقص الطعام وحالات القحط من الأمور الشائعة، كما أن هذا الوضع ألقى بظله على الاتحادات المهنية التي كانت تدير أمور التجار والحرفيين في المدن واضطرت الحكومة تحت وطأة نفقات الجيش وعدم إمكان جباية الضرائب من النبلاء ومن الكنيسة إلى اقتراض مبالغ طائلة، كما اقترحت الحكومة زيادة الضرائب خشية الإفلاس. وقد عارضت معظم طبقات الشعب فرض المزيد من الضرائب مما مهد للثورة الفرنسية.

الثورة الفرنسية. دعا الملك لويس السادس عشر رؤساء مجالس المقاطعات إلى اجتماع لكسب تأييدهم لفرض ضرائب جديدة لإنقاذ ميزانية الدولة من الإفلاس. وكانت هذه المجالس تضم ممثلين عن الكنيسة والنبلاء والعامة وعقدت الجلسة في الخامس من مايو 1789م وفي شهر يونيو أعلنت الجماعة الثالثة، وهم العامة، أنها شكلت جمعية وطنية لديها السلطة المطلقة في سن دستور جديد لفرنسا وكان عدد هؤلاء يساوي مجموع الجماعتين الأخريين.

لم يتخذ الملك في البداية أيّ إجراءات على أمل أن يجمع فصائل الجيش حول باريس للقضاء على الجمعية. غير أن الفرنسيين قاموا بتنظيم حركة مقاومة مسلحة واستولى جمع من أهالي باريس على سجن الباستيل، فاضطر الملك إلى الإذعان، وتمكنت الجمعية من إعداد دستور جديد جعل فرنسا دولة دستورية ذات ملكية مقيدة ومجلس تشريعي واحد. وفي أبريل 1792م دخلت فرنسا الحرب ضد النمسا وبروسيا اللتين أرادتا أن تعيدا للملك سلطانه السابق، فقامت الجمعية الوطنية بعزل الملك بعد إلقاء القبض عليه وعلى أسرته وإعلان فرنسا جمهورية في شهر سبتمبر 1792م.

دفعت الحرب الأهلية والحرب مع الدول الأجنبية الحكومة الجمهورية نحو اتخاذ تدابير صارمة على إثر صعود بعض الثوريين أمثال روبسبيير وديدرو إلى السلطة فبدأوا بإعدام من سموهم بأعداء الشعب وأعدموا الآلاف من المواطنين، كما حُكم على روبسبيير نفسه أخيرًا بالإعدام وانتهى الأمر بزوال ما سُمي بعهد الإرهاب.

نابليون. برز نابليون بونابرت من خلال الجيش وأصبح جنرالاً بسرعة وأطاح بالحكومة الفرنسية الثورية واستولى على السلطة. كان نابليون إداريًا ممتازًا وعسكريًا فريدًا، بنى إدارة حكومية قوية واحتلت قواته معظم مناطق أوروبا الوسطى والغربية بحلول عام 1812م غير أن الوضع لم يدم طويلاً فسقط نابليون سنة 1814م ثم عاد ليحكم فرنسا لمدة ثلاثة أشهر قبل هزيمته النهائية في واترلو.   على إثر سقوط نابليون عادت أسرة بوربون إلى الحكم وأعلن شارل العاشر نفسه ملكًا سنة 1824م ثم أُطِيح به في ثورة يوليو سنة 1830م ثم جاء لويس فيليب ومرت فترة هدوء وازدهار، غير أن الطبقات الفقيرة كانت مستاءة لعدم السماح لها بالاشتراك في التصويت الانتخابي أو تقلد وظائف عامة فقامت ثورة 1848م، سقطت على إثرها الحكومة وأُعلنت الجمهورية الثانية وحصل جميع الفرنسيين على حق التصويت وانتخب لويس نابليون (ابن أخ نابليون الأوّل) رئيسًا لمدة 4 سنوات، غير أنه تجاوز سلطاته وأعلن نفسه رئيسًا لمدة 10 سنوات وسمى نفسه إمبراطورًا باسم نابليون الثالث.

الجمهورية الثالثة. كانت فرنسا تخشى من تعاظم نفوذ البروسيين ومن قدرة الاتحاد الألماني تحت الزعامة البروسية على قلب ميزان القوى في أوروبا. وبعد عدد من النزاعات أعلنت فرنسا الحرب على بروسيا سنة 1870م وهُزمت فرنسا على إثرها واضطرت إلى التنازل عن منطقة الألزاس وجانب من منطقة اللورين للإمبراطورية الألمانية الجديدة.

وعلى إثر هزيمة فرنسا في حربها مع بروسيا ثار الفرنسيون ضد لويس فيليب وتأسست جمهورية مؤقتة سميت بالجمهورية الثالثة وتم إعداد دستور جديد.

ازدهرت فرنسا ونمت قدراتها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد سيطر المكتشفون الفرنسيون والجنود على مستعمرات شاسعة في إفريقيا وآسيا وقامت فرنسا بتقوية جيشها وعقدت حلفًا عسكريًا مع روسيا سنة1894م وحلفًا وديًا مع بريطانيا وتوسعت الصناعات الفرنسية تدريجيًا ولا سيما بعد عام 1895م.

الحرب العالمية الأولى. منذ أوائل القرن العشرين كانت المنازعات مستمرة بين فرنسا وألمانيا حول أراضي المستعمرات فكانت كل واحدة منهما تخشى من هجوم الأخرى عليها وعقدت فرنسا أحلافًا بينها وبين كل من روسيا وبريطانيا وفي بداية الحرب العالمية الأولى اجتاحت ألمانيا الأراضي الفرنسية. ورغم أن الألمان كانوا يأملون في تحقيق نصر سريع إلا أن الفرنسيين أوقفوا تقدمهم في أواخر سنة 1914م. وقد جرت أشرس المعارك في فرْدان التي أصبحت رمزًا للمقاومة الفرنسية، غير أن الحرب تسببت في خسائر فادحة في الأرواح. ساعد الحلفاء فرنسا كثيرًا اعتبارًا من منتصف عام 1917م وبعد الحرب أيضًا، وقد استعادت فرنسا منطقتي الألزاس واللورين بموجب معاهدة فرساي على إثر هزيمة ألمانيا.

بالرغم من أن الفرنسيين حاولوا تأسيس علاقات جيدة مع ألمانيا وخفضوا مبالغ التعويضات الحربية عليها فإن ظهور أدولف هتلر وحكمه النازي في ألمانيا في الثلاثينيات من القرن العشرين قد أقلق فرنسا وعمدت الحكومة الفرنسية إلى سياسة استرضاء ألمانيا، ووقعت اتفاقية ميونيخ التي أُعطيت ألمانيا بموجبها بعض أراضي تشيكوسلوفاكيا السابقة.

الحرب العالمية الثانية. بدأت الحرب العالمية الثانية باجتياح الألمان لبولندا في أول سبتمبر 1939م وفي الثالث من سبتمبر أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا. غزت بعد ذلك ألمانيا كلاً من بلجيكا ولوكسمبرج وهولندا ثم فرنسا عن طريق بلجيكا بعد يومين. دخل الألمان باريس في 14 يونيو 1940م حيث وقَّع الفرنسيون هدنة مع الألمان الذين احتلوا ثلثي الأراضي الفرنسية في الجزء الشمالي، وعينوا المارشال بيتان رئيساً للدولة الفرنسية تحت الغزو الألماني. غير أن المقاومة الفرنسية للمحتلين استمرت بقيادة شارل ديجول. وفي 6 يونيو 1944م أنزل الحلفاء قواتهم في فرنسا. وبعد معارك طاحنة دخل الحلفاء باريس في 25 أغسطس فشكل ديجول فيها حكومة مؤقتة.

الجمهورية الرابعة (ديجول). في أكتوبر 1945م أُجري التصويت على قيام الجمعية الوطنية بـإعداد دستور جديد وتأسيس الجمهورية الرابعة. وقد حصلت فرنسا على مساعدات كثيرة من الولايات المتحدة وأعادت بناء المدن والمصانع المدمرة خلال الحرب.

عانت فرنسا من الانقسامات الداخلية ومن تعاظم نفوذ الشيوعيين في النقابات العمالية ومن الحركات الاستقلالية في مستعمراتها في الخارج كالهند الصينية وشمالي إفريقيا وغيرها. وبرغم انسحاب فرنسا من معظم الأقطار التي كانت تحتلها في شمالي إفريقيا فإنها ظلت متمسكة بالجزائر التي كانت تحارب فرنسا من أجل التحرير، إلى أن اعترفت أخيرًا ـ تحت زعامة ديجول ـ باستقلال الجزائر في أبريل 1962م. وقد أعيد انتخاب ديجول لرئاسة الجمهورية، فانصب اهتمامه على السياسة الخارجية وحاول جعل فرنسا زعيمة لمجموعة أوروبية متحررة من النفوذ الأمريكي والسوفييتي (سابقًا).

كان الفرنسيون في أواخر الستينيات غير راضين عن سياسة ديجول، مما أدى إلى حركات طلابية وإضرابات عمالية، لجأ البعض أثناءها إلى العنف، وخشي الناس من اندلاع حرب أهلية، غير أن ديجول استطاع معالجة الأمر ودعا إلى إجراء انتخابات عامة، فحصل مؤيدوه على 70% من المقاعد النيابية، غير أن سمعة ديجول تدنت بسبب هذه الحوادث، فطلب ديجول إجراء بعض الإصلاحات المحدودة في الدستور، لكن الشعب رفضها عند التصويت عليها فاستقال ديجول على إثرها.

فرنسا بعد ديجول. انتخب جورج بومبيدو لرئاسة الجمهورية في يونيو 1969م فوعد بتطبيق سياسات ديجول في إطار تعاون أوثق مع الولايات المتحدة في السياسة الخارجية. كذلك حسن علاقات فرنسا مع بريطانيا، وتمت الموافقة على دخولها في السوق الأوروبية. واجهت فرنسا بعض المشاكل الاقتصادية مثل ازدياد عدد العاطلين عن العمل والتضخم النقدي بعد رفع أسعار النفط المستورد. ورغم هذه المشاكل فإن مستوى معيشة الفرد الفرنسي أعلى من أي وقت مضى، وهو يمتلك حاليًا جميع الوسائل العصرية الضرورية للحياة، ويمنحه قانون الضمان الاجتماعي الحماية الضرورية ضد البطالة والمرض والتقدم في السن. كما أن فرنسا تخلت عن مستعمراتها السابقة، فتحررت بذلك من النفقات الباهظة للإدارة والتطوير. ومع ذلك فإنها مازالت تقدم العون الاقتصادي والتقني والعسكري لكثير من تلك المستعمرات السابقة. وإثر وفاة جورج بومبيدو 1974م حدثت انشقاقات في الحزب الديجولي فنتج عنها إضعاف لهذا الحزب، مما جعل وصول أحد قواده إلى الحكم أمرًا صعبًا. وفي الانتخابات التي تلت وفاة بومبيدو فاز فاليري جيسكار ديستان ممثلاً عن الحزب الجمهوري المستقل وأصبح رئيسًا للجمهورية.

ومن الناحية السياسية تحول الفرنسيون نحو الاشتراكيين، حيث انتخبوا فرانسوا ميتران من الحزب الاشتراكي رئيسًا للجمهورية سنة1981م وحصل الاشتراكيون على أكثرية المقاعد النيابية في تلك السنة. ثم فقد الاشتراكيون أغلبيتهم في انتخابات 1986م وحصل المحافظون على الأغلبية البرلمانية وظل ميتران رئيسًا للجمهورية وانتخب لفترة رئاسية أخرى. وفي يونيو 1995م فاز جاك شيراك عمدة باريس في الانتخابات البرلمانية عن حزب التجمع الديجولي من أجل الجمهورية بنسبة 52,64% لتنتهي فترة الاشتراكية التي استمرت 14 عامًا. قام شيراك بتعيين ألان جوبيه، عضو حزبه، رئيسًا للوزراء. وفي 1997، فاز ليونيل جوسبان رئيس الحزب الاشتراكي برئاسة الوزراء.

أسئلة

  1. ما الإصلاحات الرئيسية التي قام بها ديجول في نظام الحكم؟

  2. لماذا سمِّيت فرنسا بهذا الاسم؟

  3. ما أهم الصناعات في فرنسا؟

  4. كيف أثَّر الرومان على أنماط حياة الفرنسيين؟

  5. ماذا يطلق على المدارس الثانوية الفرنسية؟

  6. ما أهم المتاحف والمكتبات في فرنسا؟

  7. ما أهم صادرات فرنسا ووارداتها؟

  8. قارن بين الاقتصاد الفرنسي قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها.

 

 

 

    

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية   محفوظة لأعمال الموسوعة.
  Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

السرطان Cancer

السرطان  Cancer

 مرض تتكاثر فيه الخلايا دون ضبط أو نظام، ويتلف النسيج السليم، ويعرِّض الحياة للخطر. يصيب البشر نحو مائة نوع من أنواع السرطان. وهو المرض الرئيسي الذي يسبب الموت في عديد من دول العالم. يصيب السرطان معظم أنواع الحيوانات والنباتات، كما يصيب البشر.

ويُهَدد السرطان البَشر في كافة الأعمار، وخاصة الأشخاص ذوي الأعمار المتوسطة وكبار السن؛ ويصيب الجنسين على حد سواء. ويُمكن أن يَحْدُث المرض في أي جزء من أجزاء البدن كما يُمكن أن ينتقل إلى أجزاء أخرى. ومهما يكن، فإن أكثر الأعضاء تَعرضًا للإصابة هو الجلد وجهاز الهضم والرئتان وعنق الرحم وأثداء النساء.

ولا يعرف العلماء تمامًا كيف ينشأ السرطان. ولكنهم لاحظوا أن بعض العوامل تؤدي دورًا فعالاً في إحداث المرض؛ وتسمى هذه العوامل المسرطنات. وتتضمن القطران الموجود في التبغ، وضروبًا أخرى من مواد كيميائية، وبعض أنواع الإشعاعات. وفي عديد من الحالات، يمكن منع حدوث السرطان، بتجنب عامل معروف أو التخلص منه. فالامتناع عن التدخين مثلاً، يُمكن أن يمنع حالات كثيرة من سرطان الرئة. ويعتقد العلماء أيضًا أن بعض الأشخاص، يمكن أن يرثوا الاستعداد لتشكيل سرطان.

وبدون معالجة مناسبة وجيدة، فإن معظم أنواع السرطان تكون مميتة. وفي الماضي كانت طرق المعالجة تُعطي أملاً ضئيلاً في الشفاء. وقد تحسنت طرق تشخيص وعلاج هذا المرض منذ عام 1930م. أما اليوم، فإن نحو نصف المرضى المُصابين بالسرطان قد يعيشون خمس سنوات على الأقل بعد المعالجة. والأشخاص الذين يصبحون خالين من السرطان خلال تلك المدة الطويلة بعد المعالجة، يكون حظهم كبيرًا في البقاء معافين من هذا المرض. ولكن ما زال الأمر يتطلب كثيرًا من الأبحاث لإيجاد السبل الجيدة للوقاية والعلاج.

تَبْحث هذه المقالة كيفية نشوء السرطان، والأنواع الرئيسية للسرطانات، وأسباب هذا المرض، والطُرق الرئيسية للتشخيص والمعالجة، كما تناقش أيضًا أبحاثًا في السرطان.

كيف ينشأ السرطان

ينشأ السرطان نتيجة للتكاثر الشاذ للخلايا. يتألف جسم الإنسان البالغ من مئات البلايين من الخلايا. وفي كل دقيقة، تَموت عدة بلايين من هذه الخلايا ويستعاض عنها بعدة بلايين أخرى من خلايا جديدة. وتنشأ الخلايا الجديدة بالانقسام، حيث تنقسم الخلية إلى خليتين متماثلتين، تَتَضاعف كل منها وتُصْبح عندئذ قابلة للانقسام. وبهذه الطريقة، فإن الخلايا الجديدة المتَكوَّنة تأخذ مكان الخلايا الميتة. وتنقسم الخلايا الطبيعية عند وصول الإشارات الكيميائية إلى الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين في النواة. وتنتج الخلايا تماماً بنفس المعدَّل المطلوب لتَحل مكان الخلايا الميتة، وليس أبدًا بمعدَّل أسرع.

ويتكون السرطان نتيجة للتكاثر الشاذ للخلايا. ولا تستجيب الجينات في الخلايا السرطانية لإشارات تنظيم النمو. وتستَمر الخلايا في التضاعف، تتشكل تدريجيًا كتلة تدعى الورم. وبعض الأورام ليست سرطانية، وتسمى الأورام الحميدة. ولا ينتشر الورم الحميد في الأنسجة الطبيعية المُحيطة به وكذلك إلى أجزاء الجسم الأخرى.

يُحدث السرطان أيضًا أورامًا خبيثة. ويهاجم الورم الخَبيث الأنسجة الطبيعية المعافاة المحيطة به ويضغطها ويتلفها. وبالإضافة لذلك، يمكن للخلايا أن تنفصل عن الورم الخَبيث. وقد يحملها الدم أو اللمف (سائل من أنسجة الجسم) لأجزاء الجسم الأخرى، حيث تَستمر في التضاعف وبذلك تُشكل أورامًا ثانوية. ويدعى انتشار السرطان من الورم الأصلي لجزء أو أكثر من أجزاء الجسم النقيلة. وتجعل قدرة السرطان على الانتشار في أجزاء الجسم الأخرى، معالجة هذا المرض بالغة الصعوبة، إلا إذا اكتُشِفَ في مراحله المبكرة.

أنواع السرطان

تعرف الخبراء على نحو مائة نوع من أنواع السرطان عند البشر. وقد صُنِّفَتْ بطريقتين: 1- حسب الموضع الأولي للسرطان في الجسم، حيث يَبدأ السرطان بتلك المنطقة من الجسم 2- حسب نسيج الجسم الذي ابتدأ فيه السرطان.

التصنيف حسب الموضع بالجسم. المواضع الأولية التي تغلب إصابتها بالسرطان في الجسم هي الجلد، وأثداء النساء، والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والجهاز التناسلي، ومكونات الدم والجهاز اللمفاوي، والجهاز البولي. ويختلف حدوث السرطان في هذه الأعضاء من بلد لآخر. فسرطان المعدة على سبيل المثال شائع في اليابان أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية. وسرطان الرئة يحدُث عند الأمريكيين بنسبة كبيرة، تَفُوق ما يَحدث لدى اليابانيين. ونوضح فيما يلي أنواع السرطان التي تَحدث غالبًا في عديد من الدول.

سرطان الجلد أكثر السرطانات شيوعًا في العالم، ومعظم سرطانات الجلد لا تنتشر لأجزاء الجسم الأخرى. ونتيجة لذلك فمن السهل معالجة هذه السرطانات. وتعد الميلانوما الخبيثة شكلاً نادراً من سرطان الجلد، وهو أكثرها خطرًا.

سرطان الرئة له علاقة وثيقة بالتدخين. فقد عُرِفَ منذ عشرات السنين أن المدخنين، يتعرضون بسهولة أكثر من غيرهم لسرطان الرئة. وقد ازداد خطر تكون هذا النوع من السرطان مع ارتفاع نسبة تلوث الهواء. وهو أحد الأسباب الرئيسية لموت الرجال والنساء في معظم البلدان الصناعية. ومعدلاته تزداد تدريجياً في عدد من الدول الإفريقية والآسيوية.

سرطان المعدة كان مرضًا شائعًا جدًا منذ مائة سنة خَلَت، أما الآن فقد انخفضت نسبة حدوثه في الدول الغربية. تتعلق أسباب حدوث سرطان المعدة بالغذاء، خاصة استعمال النَتَرات في حفظ الأطعمة أو استعمال الماء المُلوث بالنترات. ومن النادر وجود هذا النموذج من السرطان بين الشعوب التي تأكل طعامًا طازجًا، أو التي تتناول وجبات غذائية متوازنة تمامًا.أما العوامل الأخرى التي تزيد من نسبة حدوث سرطان المعدة، فهي الكحول، والتدخين، وقرحات المعدة.

سرطان الثدي أكثر السرطانات التي تصيب المرأة في المجتمعات الغنية، إلا أنه أقل من سرطان الرئة في نسبة حدوثه. وهو غير معروف في أمريكا اللاتينية، وفي جزر الهند الغربية، و أوروبا الشرقية، و آسيا، وفي منطقة المحيط الهادئ. ويبدو أن هناك بعض العوامل ذات العلاقة بنشوء المرض، مثل عُمر المرأة عند الحمل لأول مرة، و عدد الأولاد لديها. والنساء الفقيرات اللواتي لديهن عدة أطفال ويأكلن غذاءً قليل الدهون هن أقل النساء إصابة بهذا الشكل من السرطان.

سرطانات القولون والمستقيم تَحْدُث بشكل رئيسي في البلدان الصناعية ولها صلة بنقص نسبة الألياف في الغذاء. فسكان الريف الذين يهاجرون للمدن يستبدلون بغذائهم الغني بالفواكه الطازجة والخضراوات، اللحوم والغذاء المُصنَّع فيزيد هذا الغذاء الناقص الألياف من خطورة نُشوء السرطان في الأمعاء الغليظة.

سرطان عُنق الرحم يحدث في البلدان التي تعيش فيها المرأة حياة فقيرةً وقاسية، مثلاًً اللواتي يأكلن غذاءً غير متوازن أو يُهملن النظافة الشخصية.

سرطان المريء ارتبط بتعاطي الكُحول، والتدخين، وشُرب الشاي الساخن جدًا، والتغذية الفقيرة. ويحدث هذا النوع من السرطان بكثرة بين أفراد الجالية الصينية في سنغافورة.

سرطان الكبد الأَوّلي من أمراض البلاد المدَاريَّة. يوجد في مناطق عديدة من بلدان الشرق الأقصى وإفريقيا؛ حيث يَكُون التهاب الكبد البائي (أو التهاب الكبد المصلي، وهو نوع من التهاب الكبد الوبائي) شائعًا أيضًا. والتهاب الكبد مرض يتضمن احتقانًا التهابيًا في الكبد وينتشر سرطان الكبد في هونج كونج، والمناطق الساحلية الحارة الرطبة في الصين.

لِمْفُوم بِيْركيت مشكلة صحية خطيرة موجودة في مناطق إفريقيا المَدَارية وغينيا الجديدة، لها علاقة وثيقة بخمج فيروسي سببه فيروس إبشتاين بار. ويصيب سرطان الجهازاللمفاوي هذا الأطفال بشكل خاص.  

سرطانات مكونات الدم والجهاز اللمفاوي. يُدعى سرطان نقي العظام ومكونات الدم الأخرى اللوكيميا. وهي تشمل ظاهرة تضاعف الكريات البيضاء غير الناضجة على حساب عناصر الدم الحيوية.

ويسمى سرطان الأعضاء اللمفاوية والأعضاء الأخرى المكونة من النسيج اللمفاوي اللمفوم. ويحصل فيها زيادة إنتاج بعض الخلايا لذلك النسيج.  

توجد عدة أشكال لسرطانات اللُّوكيميا واللِّمفوم. وأكثر أشكال اللوكيميا شيوعًا هي اللوكيميا الحادة. وأكثر أشكال اللِّمفوم شيوعًا هو مرض هودجكين، المسمِّى باسم الطبيب الإنجليزي توماس هودجكين. وهو أول من وصف هذا الداء.

في السابق، كانت اللوكيميا واللِّمفوم من بين أصعب السرطانات من حيثُ المعالجة. ولكن طُرق المعالجة قد تطورت منذ بداية 1960م وازدادت نسبة الشفاء باطّراد. واللوكيميا هو أهم أنواع السرطانات التي تصيب الأطفال. ويُعتقد أن التعرض للأشعة المؤينة داخل رحم الأم أو أثناء الطفولة عامل مهم لنشوء اللوكيميا عند الأطفال  

التصنيف حسب نسيج الجسم. تعرف السرطانات علميًا تبعًا لنمط النسيج الموجود في الجسم الذى تعود إليه أصلاً. وبذلك يُمكن تقسيمُها لمجموعتين رئيسيتين هما: السرطانة والغَرَن. تبدأ السرطانة في النسيج الِظهاري، وهو النسيج المؤلف للجلد وبطائن الأعضاء الداخلية. ويبدأ الغَرَن في النسيج الضام، وهو النسيج المؤلف للبُنَى الداعمة في الجسم، مثل العظام والغضاريف. تصنّف اللوكيميا واللمفوم أحيانًا منفصلة عن السرطانة والغَرَن ولكنها صنفت أيضًا شكلاً من أشكال الغَرَن، لأن الأنسجة التي تصيبها ـ مثل الدم واللمف ـ هي شكل من النسيج الضام.

وينتمي معظم حالات السرطان إلى مجموعة السرطانة. ويدخل فيها معظم سرطانات الجلد والثدي وأجهزة الهضم والتكاثر والتنفس والبول. يحدث الغَرَن أيضًا في كل هذه الأعضاء والأجهزة، ولكن بنسبة أقل بكثير من إصابتها بالسرطانة.

أسباب السرطان

يتفق الخبراء على أن الأشخاص يكتسبون السرطان بصورة رئيسية، عبر تعرضهم المتكرر والطويل لواحد أو أكثر من العوامل المسببة للسرطان، التي تسمى المُسَرطِنَات. وبالإضافة لذلك، يعتقد العلماء أن الشخص يمكن أن يرث الاستعداد للمرض أو قابلية تشكيل المرض.


المسرطنات المحُتملة والعوامل المسببة للسرطان


المسرطن أو العامل

أماكن الإصابة في الجسم

التبغ

الرئتان، الفم، المريء، المثانة

الكحول

الكبد

السمك الصيني المملح

الأنف والحلق

الشاي الساخن جدًا

المريء

ضوء الشمس

الجلد

الإشعاعات المؤينة

نقي العظام

القطران، الدخان

الجلد، الصفن، الرئة، المثانة، أعضاء الهضم

فيروس التهاب الكبد ب + أفلاتوكسين

الكبد

فيروس إبشتاين بار

الجهاز اللمفاوي

فيروس الحُلَيْموم

عنق الرحم

فيروس لوكيميا الخلايا التائية البشرية

نقي العظام

الأسبستوس

الرئة، بطانة تجويفي، الصدر والبطن

البنزين

نقي العظم

كلوريد الفينيل

الكبد

التسرْطُن. يبدأ بمرحلة تدعى البداية. وخلال هذه المرحلة، تحدث طفرة (تغيرات في المادة الوراثية) في الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين الذي يحوي التعليمات الطبعات الزرقاء للخلية.   ويمكن أن يحصل التغير الوراثي بشكل عرضي خلال الانقسام الخلوي، ويمكن أن يحدث أيضًا نتيجة عوامل خارجية تدخل إلى الجسم. وتتضمن العوامل الخارجية: الإشْعاعات المؤَينة، والتدخين، وبعض الفيروسات، وبعض المواد الكيميائية.

وبالرغم من أن هذه البداية قد لا تحدث السرطان، فإن الخلية المصابة تصبح جاهزة للدخول في المرحلة الثانية من التسَرطُن التي تسمى مرحلة التأسيس. وأثناء هذه المرحلة تبدأ الخلية المستعدة لذلك بالانقسام وتنقل بذلك التَغَيرات الوراثية. وعندما يتشكل الورم يمكن أن يستمر بالتطور حتى يصبح سرطانيًا.

ويصبح عدد من الخلايا في جـسم الشخـص مثارة وتبدأ بالانقسام لتشكل بؤرات (أورامًا حميدة صغيرة). ولكن في معظم الأحيان لا يحدث تطور البؤرات لأكثر من ذلك الحد. والأسباب التي تؤدي إلى إصابة بعض الناس بالمرض غير مفهومة حتى الآن. وقد ينتج عدد من السرطانات عن اجتماع عاملين أو أكثر وليست ناتجة عن عامل واحد فقط.

ويمكن أن تظهر في مجموعة معينة من الناس نسبة مرتفعة من السرطان فيبحث الخبراء عن مواد في البيئة المحلية، قد تكون سببًا في إحداث السرطان. ولتحديد الطبيعة السرطانية لمادة ما، يلجأ العلماء لاختبارها في حيوانات المختبر. وإذا وُجدِ أن نسبة مُرتفعة من الحيوانات أصيبت بالسرطان، فإن العلماء عندئذ يقررون احتمال أن تكون محدثة للسرطان أيضًا بالنسبة للبشر. ويقوم العلماء بعد ذلك بإجراء ما يسمى الدراسات الوبائية. وتُقارن في هذه الدراسات مجموعة من أناس معرضين لهذه المادة، التي يعتقد أنها مسرطنة مع مجموعة أخرى منتقاة بعناية، وغير معرضة لهذه المادة. ويؤكد ظهور السرطان بشكل مرتفع في المجموعة الأولى أن هذه المادة مسرطنة. وتُشير الُفحوص المخبرية والدراسات الوبائية أن هناك مجموعتين رئيسيتين من المسرطنات يمكن ن تسبب السرطان في الإنسان. وهاتان المجموعتان هما: 1- مواد كيميائية متنوعة. 2- بعض أشكال الإشعاعات. وتكون الفيروسات مجموعة ثالثة من المسرطنات الكامنة.

الكيميائيات.كشف العلماء عن مئات من المواد الكيميائية التي يمكن أن تسبب السرطان عند الحيوانات. وهذه المواد الكيميائية خطرة أيضًا ومسببة للسرطان عند الإنسان، إذا أصبحت واسعة الانتشار في المواد الغذائية، وفي البيئة العامة أو محيط السكن أو العمل لمجموعة معينة من الناس.

وفي معظم الحالات، تدخل الكيميائيات المسرطنة الغذاء عبر الإضافات أو المضافات الغذائية (الكيميائيات المستعملة في معالجة الطعام)، أو أثناء استعمالها في الزراعة. فقد اكتُشِف أن بعض المواد المضافة للطعام والمستعملة بشكل واسع مُسرطنة، كما هو الحال في المبيدات الحشرية والكيميائيات الأخرى المستعملة في الزراعة. ويدل العفن الذي يتكَّون أحيانًا على المحصولات الزراعية، مثل الذرة والفول السوداني، على أنها تحتوي على مُسرطنات. ويَبْحث العلماء عن السبل اللازمة لمكافحة هذه التعفنات.

وعند التخلص من النفايات المنتجة، تلقي بعض المصانع كيميائيات مسرطنة في الوسط المحيط بها. ويمكن لهذه المسرطنات أن تلوث الهواء ومياه الشرب، وبذلك تكون خطرة على الجماعات بكاملها. وتعمل الوكالات المحلية والوطنية والدولية على إيقاف هذه الممارسات قبل أن تُصبح خطرًا مهددًا.

ويمكن أن تتكَون مسرطنات أخرى في محيط الإنسان أثناء معيشته أو عمله، وتَتَضَّمن: 1- قطران التبغ 2- بعض الكيميائيات الصناعية 3- بعض الكيميائيات الموجودة في الأغذية الطبيعية 4- بعض الكيميائيات المُستعملة في الدواء.

ويُعد تدخين السيجارة السبب الرئيسي في حدوث سرطان الرئة. وله علاقة أيضًا بسرطانات أخرى منها سرطان الفم والحَنْجَرة والبَلعوم والرغامى والمريء والبنكرياس والكلية والمثانة وعنق الرحم. وتكون بعض الكيميائيات الصناعية خطرة لإحداثها السرطان عند الأشخاص العاملين بها. وتتضمن هذه الكيميائيات أصبغة الأنيلين، والزرنيخ، والأسبستوس، ومركبات الكروم والحديد، والرصاص، والنيكل، وكلوريد الفينيل، وبعض منتجات الفحم الحجري، وفحم اللجنيت، وصخر الزيت، والنفط. وإذا لم يُراقب استعمال مثل هذه الكيميائيات في المصانع بعناية، فإن الكمية الزائدة منها قد تفلت، وقد يتم التخلص منها في البيئة المحيطة. وتُسبب هذه الكيميائيات عندئذ خطرًا على الأشخاص الموجودين بتلك المنطقة.

وتوجد بعض الكيميائيات عادة في الغذاء، ولكنها يُمكن أن تُهدد بحدوث السرطان إذا استهلكت بكمية كبيرة. فالأغذية الغنية بالدهون مرتبطة بإحداث سرطان الثدي، والقولون، وغدة البروستات. ويُعدّ الاستهلاك الكبير للأملاح والغذاء المُدَخَّن ذا علاقة بسرطانات جهاز الهضم. ويبدو أن الأغذية الغنية بالفواكه، والخضراوات والخبز الكامل والحبوب تقلل من خطر حدوث بعض أنواع السرطان.

ويمكن أن تُسبب الأدوية الطبية سرطانًا، ويدخل في ذلك الأشكال الصناعية للهورمون الأنثوي المسمى الإستروجين. والهورمونات، بما فيها الإستروجين، مواد ينتجها الجسم لكي تُنظم وظائف متعددة فيه. وقد استُعملت الإستروجينات الصناعية على شكل أقراص لتنظيم الحمل، وفي علاج أعراض الإياس (نهاية الدورة الشهرية) عند المرأة. وإذا أُخذت بجرعات كبيرة، فإن هذه المادة تُسبب سرطانًا. مثلاً، يحدث سرطان الرحم بنسبة عالية بين النساء اللواتي تناولن الإستروجين بانتظام لعلاج أعراض الإياس. ولقد ترافق وجود حالات قليلة من سرطان الكبد مع تناول الأقراص المُنَظمة للحمل.

الإشعاع.تتسبب بعض أنواع الإشعاعات في إصابة الأشخاص المتعرضين لها لزمن طويل بالسرطان. فمثلاً، تتسبب معظم حالات سرطان الجلد عن الأشعة فوق البنفسجية الآتية من الشمس. ولذلك يحدُث هذا المرض غالبًا بين مستخدمي الحمامات الشمسية والأشخاص الذين تتطلب طبيعة عملهم التعرض لضوء الشمس. وحتى بجرعات قليلة، يمكن للإشعاعات المؤَينِّة أن تُسبب طفرات وراثية تزيد خطورة الإصابة بالسرطان. ويَكمُن خطر حدوث السرطان أيضًا عند إجراء التصوير بالأشعة السينية. ومهما يَكُن، فإن كمية الإشعاع التي يتلقاها المريض أثناء التصوير، يمكن التحكم فيها بحذر شديد، كما أن فائدة التصوير بالأشعة في الطب وطب الأسنان، تفوق كثيرًا المخاطر الناتجة منها.

الفيروسات. أظهرت التجارب أن بعض أنواع الفيروسات تُسبب سرطانًا عند الحيوانات. وقد لُوحظ ارتباط وجود فيروس مع لمفوم بيركيت عند الإنسان. وتحتوي بعض الأنسجة البشرية المُتسرطنة على فيروسات شبيهة بتلك المسببة للسرطانات عند الحيوانات. ومهما يكن، فإن خبراء السرطان يشعرون بأن الفيروسات ليست سببًا كبيراً في الإصابة بالسرطان.

الاستعدادات الوراثية. تحدث بعض السرطانات كالتي تصيب الثدي والقولون، بنسبة مرتفعة بين الأقارب أكثر من النسب العادية.وبذلك تَوصل العلماء إلى أن بعض الأشخاص يرثون الاستعداد لتشكيل نوع معين من السرطانات، ولكن تم التأكد فقط من أنماط معينة من السرطانات واعتبرت وراثية. ومن هذه الأنماط ورم أرومة الشبكية، وهو سرطان نادر يصيب العين، ويحدث بشكل رئيسي عند الأطفال دون ثلاث سنوات من العمر. وبالإضافة لذلك، وجد الباحثون دليلاً على أن الشخص يرِث الجينات الضرورية للنمو الابتدائي للأنسجة، والتي قد تتحور وتُسبب السرطان في مرحلة متأخرة. وتُدعى هذه الجينات مكونات الأورام، وتبقى عادة غير نشطة في خلايا البالغين. لكن المواد الكيميائية والفيروسات والهورمونات، والعوامل الأخرى يمكن أن تنشطها. وتنتج هذه الجينات مكونات الأورام بروتينات تحوَّل الخلية السليمة لأخرى سرطانية. وقد اكتشف العلماء نحو 20 من مكونات الأورام يمكن أن تُسبب سرطانًا في بعض الأعضاء، وتشمل هذه الأعضاء المثانة، والثدي، والكبد، والرئتين، والقولون، والبنكرياس.

اكتشاف وتشخيص السرطان

بوسع الطبيب وحده تشخيص السرطان. ولكن في عديد من الحالات يستشار الطبيب فقط بعد أن يكون المرض قد انتشر. ولذلك يجب أن يوجه انتباه الشخص لعدد من التَّغيرات الجسمانية التي يمكن أن تكون عرضًا للسرطان. ويزيد الكشف المبكر كثيرًا من فرص نجاح المعالجة.

التشخيص الأوَّلي. تبدأ حوالي 50% من كل أنواع السرطانات بأجزاء من الجسم يستطيع الطبيب فحصها بشكل روتيني خلال زيارة للمريض. ويعتمد الأطباء على التصوير والفحوص المخبرية لفحص السرطانات المشكوك فيها. فمثلاً، تمكن إحدى تقنيات الأشعة السينية، وتُدعى تصوير الثدي، الأطباء من الكشف عن سرطان الثدي في مراحله المبكرة وتكشف تقنية أخرى تسمى التصوير المقطعي الحاسوبي، عن السرطان في الأعضاء الداخلية، مثل الدماغ والرئتين. وفي هذه التقنية يحلل الحاسوب المعلومات الواردة من الأشعة السينية، ويوضح صورة مفصلة للعضو على الشاشة. ويكشف الأطباء أيضَا عن السرطان بوساطة التصوير بالرنين المغنطيسي. وتستعمل هذه التقنية حقولاً مغنطيسية وموجات الراديو لإنتاج صور للأعضاء الداخلية.   

ساعد اختبار بابانيكولا على إنقاص نسبة الوفيات من سرطان عنق الرحم. وقد سمي هذا الاختبار باسم مكتشفه جورج بابانيكولا، الطبيب الأمريكي اليوناني المولد. وفي هذا الاختبار يؤخذ سائل من المهبل (العضو الذي يفتح عليه الرحم) أو خلايا من عنق الرحم وتفحص بوساطة المجهر. ويمكن لهذه التقنية أن تكشف سرطان الرحم قبل ظهور الأعراض بفترة 5 ـ 10 سنوات. ويستعمل الأطباء طرقًا مماثلة للكشف عن سرطانات المثانة والرئتين في مراحلهما المبكرة.

التشخيص النهائي. يمكن أن تكشف الطرق المختلفة عن وجود ورم. لكن الأطباء يحتاجون نتائج اختبار خاص يدعى الخزعة، لتحديد ما إذا كان الورم خبيثًا. ولإجراء هذا الاختبار، تنزع جراحيًا قطعة صغيرة من الورم. وتفحص هذه العينة بوساطة المجهر للبحث عن وجود خلايا سرطانية، حيث يكون لها منظر مخالف للخلايا الطبيعية. وتجري اختبارات مشابهة لتشخيص اللوكيميا واللمفوم، حيث ينزع نسيج من عضو مكون للدم، أو تؤخذ عينة من الدم. ويفحص النسيج أو الدم بوساطة المجهر لمعرفة وجود خلايا سرطانية. ويفحص النسيج اللمفاوي لاختبارات تشخيص اللمفوم.

معالجة السرطان

يستعمل الأطباء ثلاث طرق رئيسية لمعالجة السرطان: 1ـ الجراحة 2ـ المعالجة الإشعاعية 3ـ المعالجة الدوائية.

في كثير من الحالات تشتمل المعالجة على إجراء طريقتين أو ثلاث طرق، بوسيلة تدعى المعالجة المتعددة النماذج.

الجراحة. هي الطريقة الرئيسية لمعالجة سرطانات الثدي والمستقيم والرئة والمعدة والرحم. وتتضمن المعالجة الجراحية للأورام بشكلها الرئيسي استئصال الورم وإصلاح الأعضاء المتأثرة. ولكن بالإضافة للورم نفسه، يمكن إزالة الأنسجة المجاورة السليمة ظاهريًا لمنع انتشار الداء.فمثلاً يتضمن استئصال الثدي، إزالة الثدي المصاب بالسرطان مع بعض الأعضاء اللمفاوية المجاورة، إذ يمكن للخلايا السرطانية أن تنتشر بهذه الأعضاء ثم تنتشر تباعًا

المعالجة الإشعاعية. تتضمن قذف السرطانات بالأشعة السينية بوساطة أشعة أو جُسيمات من مواد مشعة، مثل الكوبالت 60 والراديوم. والمعالجة الإشعاعية هي إحدى الطرق الرئيسية لمعالجة الحالات التي تصيب المثانة وعنق الرحم والثدي والجلد أو أجزاء الرأس والعنق، حيث تقتل الأشعة الخلايا السرطانية. ويمكن أنْ تتلف المعالجة الإشعاعية أيضًا الخلايا السليمة، ولذلك ينبغي أن تستخدم الأشعة لقتل أكبر عدد ممكن من الخلايا السرطانية بقليل من الخطورة للأنسجة السليمة. وتُجرَى التحسنيات باستمرار على المعدات الإشعاعية لزيادة فعالية هذه المعالجة. فمثلاً ينتج جهاز الأشعة السينية ذو التردد العالي وجهاز الكوبالت إشعاعات لها قدرة تأثيرية كبيرة وأقل ضررًا بالأنسجة السليمة من الإشعاعات العادية. وهنالك نبيطتان حديثتان هما المُعَجِّل الخطِّيً والسيكلوترون، وهما أكثر فعالية في هذا المجال. تنتج المعجلات الخطية إلكترونات ذات طاقة عالية تستخدم الآن بكثرة في علاج الأورام الداخلية. أما النيوترونات ذات الطاقة العالية، التي تنتجها أجهزة السيكلوترون فقد استعلمت تجريباً في معالجة السرطان المتقدم للرأس والعنق والثدي والمريء والرئة والمستقيم.

المعالجة الدوائية. وتُعرف أيضًا بالمعالجة الكيميائية وهي طريقة أخرى مهمة لمعالجة السرطان. فقد استعمل اكثر من 50 دواء ضد أنواع من السرطانات. وتفيد الأدوية خاصة في اللوكيميا و اللمفوم.

يتم اختيار الأدوية المضادة للسرطان بحيث تقضي على الخلايا السرطانية، مع قليل من الضرر للخلايا السليمة. ومع ذلك، فإن الأدوية عالية السمية، وتؤذي بدرجات مختلفة الخلايا السليمة، وينجم عنها تأثيرات جانبية مُختلفة منها سقوط الشعر والغثيان وارتفاع ضغط الدم.

يعمل الكيميائيون على تصنيع أدوية أكثر أمانًا ضد السرطان. وأكثر الأشكال العلاجية الكيميائية فعالية هي العلاج المتحد؛ حيث يصف الأطباء عدة عقاقير لها طريقة مختلفة التأثير على الخلايا السرطانية، وذات تأثيرات جانبية مختلفة. وتُساعد مثل هذه المعالجة الدوائية، على تقليل فُرص مقاومة الخلايا السرطانية للأدوية، وتساعد أيضاً في منع التأثيرات الجانبية الخطيرة الناجمة عن جرعات عالية لدواء واحد.

المعالجة المتعددة النماذج. تتضمن هذه المعالجة استعمال طريقتين أو ثلاث طرق لمعالجة المصابين بالسرطان. وقد استعمل الأطباء منذ مدة طويلة الجراحة والمعالجة الإشعاعية في هذا السبيل. ولكن في حالات عديدة سواء استعملت طريقة واحدة أو طريقتان في المعالجة فإن الأطباء يُتابعون مرضاهم بمعالجة تُدعى المعالجة الكيميائية المساعدة. ونظرًا لأن الأدوية تنتشر في كافة أنحاء الجسم، فيمكنها أيضاً أن تهاجم و تتلف الخلايا السرطانية المجهرية التي لم تُكشف نسبة لانتشارها في أعضاء بعيدة. وقد استعمل هذا النمط من المعالجة المتعددة النماذج لمعالجة بعض أنواع سرطانات الثدي. ويُعالج بها أيضاً بعض أنواع سرطان العظام. واستُعملت تجريبياً أيضاً في معالجة سرطان القولون والمستقيم والرئة والمعدة.

معالجات أخرى. خلال الثمانينيات من القرن العشرين، بدأ العلماء تجربة نمط خاص لمعالجة السرطان يدعى المعالجة بمحورة الاستجابة الحيوية. و محورات الاستجابة الحيوية مواد تنبه أو تستعمل الجهاز المناعي في الجسم، لمهاجمة الخلايا السرطانية. وهي تنتج بشكل طبيعي من الجهاز المناعي استجابة للسرطان. ويُمكن تصنيع مُحورات الاستجابة الحيوية أيضاً في المختبر بكميات كبيرة، وذلك باستعمال تقنيات البيولوجيا الجزيئية.

تتضمن مُحورات الاستجابة الحيوية المهمة الإنترفرون، الأنترلوكين-2، والأجسام المضادة وحيدة النسيلة. وتُنتج الإنترفرون، وهي بروتينات، بوساطة الخلايا المقاومة للخمج الفيروسي. وعند بعض المرضى المصابين بالسرطان، يمنع الأنترفرون نمو الخلايا السرطانية، وينشط أيضاً الجهاز المناعي، لكي يُهاجم و يقضي على الخلايا السرطانية.   أما الأنترلوكين -2 فهو بروتين تفرزة بعض خلايا الدم البيضاء لدعم و تقوية كريات دموية بيضاء أخرى. وعندما يعطى لبعض المرضى المصابين بالسرطان فإن الأنترلوكين – 2، ينبه نمو كريات الدم البيضاء لتقضي على الخلايا السرطانية.   بروتين. وتنتج الأجسام المضادة وحيدة النسيلة من اتحاد خلية سرطانية مع نوع من كريات الدم البيضاء تدعى الخلايا البائية. وقد وجد الباحثون أن الأجسام المضادة وحيدة النسيلة والمنتجة من خلايا المريض السرطانية، تستطيع القضاء على الخلايا السرطانية، ولا تؤذي بقية الخلايا

أبحاث السرطان

تشمل أبحاث السرطان مشاريع واسعة، تبدأ من الكشف عن المسرطنات إلى تصنيع الأدوية المضادة للسرطان. إن التقدم في بعض المجالات من البحوث قد أعطى الأمل في إيجاد طرق جيدة للوقاية والمعالجة. كما توصل العلماء يبحوثهم السرطانية إلى التقدم السريع في مجالين هما البيولوجيا الخلوية وعلم المناعة. وتهتم البيولوجيا الخلوية بدراسة تركيب وسلوك الخلايا. وعلم المناعة هو دراسة كيفية مقاومة الجسم للمرض. وقد توصل العلماء أيضاً إلى اكتشافات مهمة تشمل دور التغذية في مرض السرطان.

في البيولوجيا الخلوية. بدراسة الخلايا السليمة والخلايا السرطانية بوساطة المجهر، اكتشف علماء الخلية فروقاً مهمة في سلوك الخلية، فقد وجدوا مثلاً، أن الخلايا الطبيعية في حالة الانقسام الخلوي، تستمر في الانقسام حتى تلامس الخلايا المجاورة. وعند ذلك يقف الانقسام الخلوي. وتدعى هذه الصفة للخلايا الطبيعية التثبيط بالتماس. وهو فيما يبدو جزء من عمل نظام التحكم، الذي ينظم التكاثر الخلوي. والخلايا السرطانية ينقصها صفة التثبيط بالتماس. فهي تستمر في الانقسام، بعد أن تلامس الخلايا المجاورة.

وقد طوّر علماء البيولوجيا الخلوية سُُبل القضاء على الخلايا السرطانية، دون إلحاق الأذى بالخلايا السليمة. فبعض الخلايا السرطانية مثلاً، تموت أسرع من الخلايا، عندما تتعرض للحرارة. ويستطيع الأطباء قتل الخلايا السرطانية بتسليط الحرارة على نسيج مصاب بوساطة نبيطة كهربائية خاصة. وبالإضافة لذلك، يبحث علماء البيولوجيا الخلوية عن تحديد كيف تنشط مكونات الورم؟ وكيف يمكن الخلاص منها؟. وإذا عرف العلماء كيف يُبطلون مفعول مكونات الأورام، فإنهم سوف يجدون السبل اللازمة للحد من تكاثر الخلايا السرطانية.

في علم المناعة. وجد الباحثون أن العديد من الخلايا السرطانية تحوي مواد تنشط الجهاز المناعي في الجسم، بوصفه جهاز الدفاع ضد المرض.

وتسمى المواد التي تنشط الجهاز المناعي المستضدات. وينتج الجهاز المناعي مواد تدعى الأجسام المضادة، التي تتفاعل مع المستضدات فتجعلها غير مؤذية. وتكون هذه الاستجابات المناعية وسائل دفاع الجسم الرئيسية ضد البكتيريا. وقد بينت الأبحاث أن الاستجابات أيضاً وسائل دفاع ضد السرطان.

ومعظم الأشخاص الذين لم يصابوا بالسرطان لديهم، في الأغلب، جهاز مناعي يتفاعل بشدة مع مستضدات السرطان. ويعتقد أيضاً أن الاستجابات المناعية تكون مسؤولة عن الحالات النادرة، التي يتوقف فيها السرطان عن النمو ويختفي دون علاج. أما مرضى السرطان، فإنهم يصابون به، لأن جهازهم المناعي يتفاعل بضعف مع المستضدات.

في التغذية. ثبت أن الجرعات العالية من فيتامينات ¸أ· و¸ج· و¸هـ· تمنع حدوث بعض السرطانات في حيوانات المختبر. ويعتقد العديد من العلماء أن بعض الأطعمة تحوي مواد يمكن أن تُساعد على منع حدوث السرطان عند الناس. ومن هذه الأطعمة البركولي والقنبيط والكرنب والسبانخ والجزر والفواكه والخبز المصنوع من دقيق القمح والحبوب وبعض المأكولات البحرية. ويمكن أن يساعد التقليل من تناول الدهون أيضًا في منع تشكيل بعض السرطانات.

إنقاص الخطورة. أعلن الاتحاد الأوروبي لائحة الإرشادات التالية التي بموجبها يُمكن المساعدة في إنقاص خطورة السرطان. 1- المداومة على التمارين الرياضية 2- التقليل من الأطعمة الدسمة، مثل الزبدة ومشتقات الألبان 3- الوقاية من الأشعة فوق البنفسجية 4- الامتناع عن التدخين 5- الامتناع عن الكحول 6- إجراء فحص مسحات عنق الرحم للنساء كل ثلاث إلى خمس سنوات 7- فحص الثدي بحثاً عن وجود أورام أو دمامل، وتجعدات 8- تناول أطعمة صحية، مثل الفواكه، واللحم الخالي من الدهون، والخضراوات، وتناول كثير من الطعام المحتوي على الألياف.

أسئلة

  1. ما الطرق الرئيسية لمعالجة السرطان؟

  2. كيف يدخل التكاثر الخلوي في نشوء السرطان؟

  3. لماذا تصعُب مُعالجة السرطان إذا اكتشف متأخرًا.

  4. ما السرطانة ؟ وما الغرن ؟

  5. لماذا يكون لعديد من الأشخاص مناعة ضد السرطان؟

  6. ما مكونات الأورام؟

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.

 

الطَّلاق Divorce

الطَّلاق  Divorce

انفصال شرعي بين الزوج والزوجة وحرمة المعاشرة الزوجية بينهما وإنهاء عقد زواج على وجه مخصوص، بالكتابة أو باللفظ صراحة وكناية، أو بالإشارة المفيدة لذلك، ويقع في الحال، كما يمكن أن يقع في المآل، إذا أضيف إلى زمن المستقبل، أو عُلّق على حدوث أمر معين فيه.

وتفريق القاضي بين الزوجين يُقال له: تطليق، وهو يختلف عن إبطال الزواج، حيث يحكم القاضي بعدم صحة الزواج ابتداءٍ؛ لوجود مانع قبل عقد الزواج لا يصح معه عقد الزواج أساسًا، كزواج غير المسلم بالمسلمة. وقريب من هذا ما يقال له: فسخ الزواج.

شرع الإسلام الزواج لتحقيق الحاجات الفطرية والمطالب الإنسانية التي منها: الاستقرار النفسي والمودة الأسرية، قال تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ الروم:21 .

والمشاهد أن هذه الحاجات الفطرية والأمور التي من أجلها شرع الزواج لا تتحقق في بعض الأحيان، وتصير متعذرة أو متعسرة الاستمرار؛ حيث يكتشف الزوجان أو أحدهما أنه أخطأ في اختيار صاحبه، وأن هذا الزواج انقلب إلى مصدر للشقاء والتعاسة، بدلاً من أن يكون منهلاً للهناء والراحة، وأنه لا يمكن لأحدهما الاستمرار مع الآخر؛ لما فيه من طباع وسلوك لا تتغير، أو لكون مقومات الإنجاب مفقودة بينهما، أو للعجز عن القيام بالحقوق الزوجية، سواء منها الجنسية أو المالية أو غيرها. وهكذا يصبح الزواج لا معنى له لعدم توافر أسباب السعادة والاستقرار.

ولعلاج هذه الحالات التي تقع في الحياة الأسرية الإنسانية، أحاط الإسلام الطلاق بأحكام خاصة، وتدرَّج في اعتبار آثارها النهائية، وحدَّد الهيئات المشروعة في الطلاق، وحذر مما سواها واعتبر فعلها معصية وإثمًا. كل ذلك للحد من تفشي الطلاق، وتجنيب الزوجين والمجتمع الحد الأدنى من الضرر الذي قد يقع.

لقد سمح الإسلام بالطلاق للحاجة إليه، إلا أنه كرهه وعدّه من أبغض التصرفات الإنسانية المباحة، قال النبي ³: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا آخر) رواه مسلم. والفرك: البغض أي لا يكن البغض لخلق من المرأة حاملاً على طلاقها فلعله في إطار ما يتغاضى عنه شرعًا، وعساه إن كره منها خلقًا رضي منها خلقًا أو أخلاقًا أخرى. ونظرًا لما قد يترتب عليه من أضرار اجتماعية وأسرية، يكون الأطفال بسببها أول الضحايا، فضلاً عما في الطلاق من تمزيق لعرى الأسرة التي هي الخلية الأساسية في بناء المجتمعات.

لكن ينبغي القول أيضًا بأن تشريع الإسلام للطلاق في الحالات الأسرية المستعصية، يدل على واقعيته ومرونته ومواكبته وقائع الحياة البشرية ومتطلباتها العادلة، في الوقت الذي لا يعتبر مسؤولاً عن حالات الطلاق الظالمة التي تقع من بعض الناس بسبب حماقاتهم وجهالاتهم؛ لأنهم استعملوا هذا العلاج في غير موضعه الذي ُشرع من أجله، وهو تصرف شاذ منهم يحتاج إلى تبصير وإرشاد. فقد ذُكر أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يستشيره في طلاق زوجته؛ لأنه ما عاد يحبها، ويميل إليها كما كان من قبل، وصارت نفسه تملها وتسأم منها، فقال له عمر مؤنبًا: وأين الرعاية والوفاء والعشرة في السراء والضراء؟

جعل الإسلام الطلاق ـ في الأصل ـ حقًا للزوج؛ لأنه أصبر على المشكلات والخلافات الزوجية، فلا يسارع إلى الطلاق لكل غضبة يغضبها؛ حيث يعلم أنه إن طلق زوجته فسيتحمل ما يترتب على ذلك من مهر مؤجل، ومن تأمين السكن لها والنفقة عليها في أثناء عدّتها، فضلاً عن نفقة الأطفال وحضانتهم، وهم تحت إشرافها ورعايتها، ونفقات أخرى ـ مثلها أو أكثر منها ـ إذا هو أراد الزواج بامرأة أخرى.

ومع أن الطلاق ـ في الأصل ـ للزوج، فقد منحه الإسلام أيضًا للزوجة وللقاضي. أما الزوجة، فتملكه إذا اشترطته في عقد الزواج، أو فوّضها الزوج به في العقد أو بعده، بحيث لا يمكنه الرجوع عنه بعدئذ إلا بتنازل الزوجة عنه، كما يمكن للزوجة أيضًا إنهاء عقد الزواج بالمخالعة، وذلك حين تبذل للزوج مقدارًا من المال مقابل إنهاء الحياة الزوجية المتعسر استمرارها بينهما، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ البقرة: 229 . وقد جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله ³ وقالت: (يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضًا، فسألها عما أخذت منه، فقالت: حديقة، فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فقال ³ لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) رواه البخاري والنسائي.

وأما القاضي، فقد منحه الإسلام سلطة تقديرية للتفريق بين الزوجين حين المساس بحقوق الشريعة التي هي بمثابة النظام العام، كأن يرتد أحد الزوجين عن الإسلام، أو حين المساس بالحقوق الزوجية وتضرُّر الزوجة بذلك وطلبها الطلاق، كما لو اكتشفت عجز الزوج عن المعاشرة الجنسية، أو أنها تتضرر بغيبته الطويلة عنها أو بسجنه، أو بإدمانه المخدرات والمسكرات، أو بضربه الظالم لها.

أهلية المطلِّق. يُشترط في المطلق أن يكون عاقلاً بالغًا مكلفًا، فلا يقع الطلاق من المجنون وغير البالغ ولا من المعتوه والنائم والمكره على الطلاق، كما لا يقع طلاق السكران بغير إرادته واختياره، ولا طلاق المدهوش ومثله المذعور الذي أصابته مصيبة أو كارثة تجاوز معها حدّ الوعي المطلوب في أمثاله.

حرص الإسلام على الحد من وقوع الطلاق، وذلك بتقسيمه إلى طلاق سُني مشروع، وإلى طلاق بِدْعي مذموم، فالطلاق السني المشروع الذي يرتضيه الإسلام هو أن يطلق الزوج زوجته طلقة واحدة في وقت الطُهْر (انعدام الحيض بغير الحمل) الذي لم يعاشرها فيه جنسيًا. ونظرًا لوجود التجاذب الفطري والجنسي المتجدد ـ غالبًا في هذه الفترة- بين الزوجين، فإنه يُستبعد ـ عادة ـ أن يكون عقب هذا التجاذب طلاق، إلا لسبب متمكن في النفس يسوغ الطلاق شرعًا، وبهذا تقل فرص وقوع الطلاق، وبخاصة عند حرص الزوجين المسلمْين على تجنب مخالفة الشرع.

أما الطلاق البدعي المذموم، فهو أن يطلق الزوج زوجته ثلاث طلقات مجتمعة معًا، أثناء الطهر الذي لم يعاشرها فيه جنسيًا، أو يطلقها طلقة واحدة مفردة أو أكثر أثناء الطهر الذي عاشرها فيه جنسيًا، أو يطلقها طلقة واحدة مفردة أو أكثر أثناء الحيض.

وقد نهى الإسلام عن الطلاق البدعي، وعدّ فاعله عاصيًا وآثمًا، ودعاه إلى الرجوع عنه إن أمكن ذلك، ولم يرتب على بعض صوره وحالاته ـ عند فريق من العلماء ـ أي أثر شرعي؛ لأن الهدف من ذلك تقليل حالات الطلاق، وتفادي الإضرار بالزوجة التي قد يطول عليها زمن العدة.

عمل الإسلام على منع وقوع الطلاق ابتداء، وذلك بتشريع الوسائل العلاجية المناسبة لذلك، كفسح المجال أمام الزوجين أو أهلهما وأصدقائهما لمراجعة أسباب الخلاف، والعمل على إزالتها، ومحاولة رأب الصدع والحفاظ على كيان الأسرة موحدًا.

يضاف إلى هذا أن الإسلام وضع في طريق الطلاق ما يمكن تسميته بالقيود والعراقيل ـ التي لا يتجاوزها إلا المصرّ عليه ـ وذلك للحد من وقوعه وانتشاره، والحيلولة دون تمزق الأسرة وتفككها، وجعل كل هذه الأحكام ضمن خطوات متدرجة، حتى إذا انتهت الحياة الزوجية بعدئذ، عُلم أن الطلاق هو العلاج الذي لا بد منه.

وأول الخطوات التي شرعها الإسلام في هذا المجال عند بروز الخلافات بين الزوجين، العمل على توسيط حَكَم يمثل الزوج وحَكَم يمثل الزوجة، فيستمعان إليهما ويبذلان النصح لهما في إمكانية إصلاح ما بينهما، والحفاظ على وحدة الأسرة، واستمرار العيش مع بعضهما. قال الله تعالى: ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما إن الله كان عليمًا خبيرا﴾ النساء: 35 .

فإن فشلت محاولات التوفيق بينهما، وتحدد الطلاق ـ بحسب تقدير الزوجين أو الحَكَمين ـ كعلاج مطلوب، فإنه يُشرع للزوج أن يطلق طلقة رجعية واحدة في طُهْر لم يعاشر زوجته فيه جنسيًا بحسب ما تقدم آنفًا. فإن فعل هذا، فإن الإسلام ـ من منطلق حرصه على استمرار وجود الأسرة موحدة ـ يتابع الزوجين، ويمنحهما فرصة زمنية إضافية لاحقة تسمى العدَّة، يمكنهما فيها الرجوع إلى بعضهما ـ بغير مهر ولا عقد زواج جديدين ـ إن هما سكن غضبهما، وتعدّلت مواقفهما وتبين لهما أن الطلاق قام على أساس خاطئ.

فإن عادا إلى بعضهما، ثم وقع الطلاق ثانية على النحو السابق، فإن الإسلام لا يضيق بهذا ذرعًا، بل يفتح الباب للمرة الثانية والأخيرة أمام الزوجين للعودة إلى بعضهما بغير مهر ولا عقد زواج جديدين، ما دامت العدة قائمة، ويقال لهذا الطلاق الطلاق الرجعي، وهو يتكرر مرتين فقط.

أما إن أصر الزوجان على موقفيهما، ولم يستفيدا من وقت العدة في الرجوع إلى بعضهما، ثم بدا لهما بعده أن بإمكانهما التعايش الحميد مستقبلاً، فإن الإسلام يرحب بهذا أيضًا، ويطلب منهما إثبات صدق العزيمة وحسن النية، وذلك بعقد زواج جديد بينهما وتقديم مهر جديد للزوجة، إذا كانت قد طلقت طلقة واحدة بائنة أو طلقتين بائنتين لا أكثر، ويقال لهذا الطلاق الطلاق البائن بينونة صغرى، وهو يتكرر مرتين فقط إن وقع طلقة واحدة بائنة في كل مرة. أما حين يصل الأمر إلى ثلاث طلقات، وهو ما يسمى بالبينونة الكبرى، فهذا يدل على أن الخلاف عميق ومستحكم الجذور في نفسي الزوجين أو أحدهما، وأنه لا أمل يُرْجى منهما في المدى المنظور، فليذهب كل منهما وقتئذ حيث يشاء، وليكن له ما يريد، قال الله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ البقرة: 229 . ثم قال بعدئذ: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ البقرة: 230 . وفي آية أخرى ﴿ وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته﴾ النساء:130 . وذلك بأن يرزقها الله خيرًا ممن طلقها، ويرزقه هو خيرًا من مطلقته.

هذا هو منهج الإسلام في تشريع الطلاق: حرص متكرر على بقاء كيان الأسرة موحدًا، وأحكام تشريعية متلاحقة في كافة مراحل الخلافات الزوجية ـ حتى بعد حالات معينة من الطلاق ـ لرأب الصدع بين الزوجين وإنقاذ هذه الخلية الاجتماعية الفطرية من التفكك والانهيار والتشتت. ولا شك أن هذا الأسلوب التشريعي هو خير ما عرفه الناس؛ لأنه يعطي الوسيلة الواقعية الصحيحة لإنهاء الحياة الزوجية حينما تصير مصدرًا للآلام والقلق والنزاع، كما أنه يعطي الفرصة المعقولة للذين يطلِّقون، ثم يندمون على تسرعهم وتعجلهم في إنهاء الحياة الزوجية وفصم عرى الأسرة.

لا يتوقف الطلاق في الإسلام على الكتابة أو التوثيق في الدوائر الحكومية، كما لا يتوقف على إشهاد الشهود عليه، حيث لم يُنقل عن النبي ³ ولا عن الصحابة ما يدل على وجوب ذلك، بل الذي ورد وقوع حالات من الطلاق لم يشهد عليها أصحابها، ولم يوثقوها رسميًا. غير أنه يُستحب شرعًا، بل يجب التوثيق والإشهاد إذا تعيَّنا كلاهما أو أحدهما وسيلة لحفظ الحقوق، وبخاصة عند التنازع والجحود، وهذا معنى الآية: ﴿أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ الطلاق:2 .

عمل الإسلام على ترتيب بعض أحكام الطلاق وآثاره، وترك ترتيب بعضها الآخر إلى ما يتفق عليه الزوجان، انطلاقًا من مرونة أحكامه ومراعاة منه للمصالح الفردية الخاصة.

وأول آثار الطلاق وأهمها تحريم الاتصال الجنسي بل مجرد الخلوة بين الزوجين السابقين، إذا وقع الطلاق بائنًا بينونة صغرى أو بينونة كبرى ـ بحسب ما تقدم ـ حتى يتم عقد زواج جديد بمهر جديد في البينونة الصغرى، وحتى تنكح الزوجة زوجًا آخر، ثم يطلقها وتنتهي عدتها، ثم يعقد عليها الزوج الأول صاحب البينونة الكبرى.

ومن آثار الطلاق أيضًا المستحقات المالية، حيث يجب على الزوج وفاء مطلقته البائن بينونة صغرى أو كبرى ما تبقى لها من مهر غير مستوف أو مؤجل، إضافة إلى مبالغ مالية أخرى، تناسب حالات مثيلاتها في المستوى الاجتماعي، مما يسمى بمتعة الطلاق ونفقة العدة، والنفقة على الأطفال الذين سيبقون في حضانتها. ا . أما المطلقة طلاقًا رجعيًا فتجب لها النفقة في العدة حتى يتبين حالها فيما بعد.

وأما ما يتعلق بالميراث أو التركة، فإن المطلقة طلاقًا رجعيًا أو بائنًا بينونة صغرى ترث حصتها المقررة لها شرعًا، إذا مات مطلقها أثناء العدة. وإن كان طلقها طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، ثم توفي أثناء عدة الطلاق فلا ترث شيئًا منه، نظرًا لزوال عقد الزوجية زوالاً باتًا، لا يمكنهما بعده الرجوع إلى بعضهما. أما المريض مرض الموت إذا طلق زوجته طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، ثم مات أثناء عدتها، فإنها ترث منه حصتها الشرعية، دفعًا لمضارته إياها، ومعاملة له بنقيض قصده حينما حاول حرمانها من الميراث بتطليقها في مرض موته.

ومن آثار الطلاق كذلك، تملك الزوجة المطلقة حق حضانة الأطفال تحت سن معينة وبشروط خاصة، إلا إذا تراضى الزوجان على غير هذا.

ويمكن للزوجين أن يتنازلا لبعضهما عن جميع حقوقهما أو جزء منها، كما يمكن للطرفين الاتفاق على الاشتراك في تحمل مسؤولية رعاية الأبناء وإعالتهم، بدون أن تكون هناك محظورات شرعية.

وكثيرًا ما يترتب على الطلاق آثار بعيدة المدى بالنسبة للأطفال الصغار ومستقبلهم، لكن من المسلّم به أن عيش هؤلاء الأطفال مع أحد والديهم أخف ضررًا من العيش مع والدين تحيط بهما أسباب الشقاق والنزاع باستمرار.

الطلاق في القوانين المعاصرة

تستمد قوانين الطلاق المعاصرة أحكامها من مفاهيم القواعد الدينية السائدة في كلِّ مجتمع. ففي دول مثل أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، تقوم قوانين الطلاق أساساً على التقاليد النصرانية. كان الطلاق في هذه الدول مسموحًا به، حتى منتصف القرن العشرين، للطرف البريء فقط. وتشمل أسباب التطليق الخطأ أو “الجريمة الزوجية” التي ارتكبها الطرف الآخر، وذلك مثل ارتكاب الزنا أو الهجر أو القسوة. وفي كثير من الحالات، يكون طلب التطليق محلاً للنزاع، إذ يدَّعي كلٌّ من الخصمين أن الخصم الآخر هو المذنب. وأدى هذا الضرب من إجراءات التقاضي إلى إطالة أمد النزاع، وتمسك كل من الزوجين بادعاءات سمجة، وتحمله لمصروفات باهظة.

وفي الستينيات من القرن العشرين، قام جمهور كبير من الناس بحملة نحو مدخل متحرر للطلاق، اعتقاداً منهم أن الخطأ قد لايقع بالضرورة من أحد الطرفين فحسب، وأنه لامعنى للحفاظ على زواج لن تتوافر له أسباب السعادة على الإطلاق. لذلك تقوم أسباب التطليق، في العصر الحديث، في كلِّ من أستراليا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة، على مجرد ثبوت انهيار في العلاقة الزوجيّة تستحيل معه المعاشرة أو التوفيق بين الزوجين. ويمكن إثبات ذلك بأنَّ كلاًّ من الزوجين يعيش مستقلاً عن الآخر عددًا معينًا من السنين. ومع ذلك، لايزال من الممكن في المملكة المتحدة، تقديم أسباب مماثلة للأسباب المعروفة في القانون القديم، لإثبات انهيار الحياة الزوجية.

وفي بعض الأحيان، تُوجّه للزوجين ـ قبل السير في إجراءات طلب التطليق ـ نصائح للنظر في إمكانية إصلاح العلاقة الزوجيّة بينهما. وفي كثير من الدول، جرى تغيير اسم المحاكم التي كانت تنظر قضايا الطلاق، لتصبح محاكم العائلة التي تنظر أيضًا في المسائل المتعلقة بالزواج والحضانة وغيرها من مسائل الأسرة.

وفي الهند، تعتنق أكثرية السكان الديانة الهندوسية وغيرها من الديانات التي لاتسمح تقاليدها بالطلاق. ولكن في عام 1956م، صدر قانون ينظم أحكام الطلاق بين الهندوس. أمَّا الجماعات الأخرى، مثل المسلمين والنصارى والسيخ والزِرادِشْت والطوائف اليهودية، فهي تخضع للشرائع الدينية الشخصية التي ينتمون إليها.

تدابير الطلاق

في العالم الغربي، يجب على الزوجين اللذين يرغبان في التطليق، وضع ترتيبات لحضانة الأبناء وإعالتهم، وتقسيم الأموال بين الزوجين، وإنفاق أحدهما على الآخر، متى كان ذلك ضروريًا.

ويمكن للزوجين الوصول إلى اتفاق على كلِّ هذه الترتيبات عن طريق المحامين الموكلين من كلِّ طرف. ومتى اقتنع القاضي بعدالة الاتفاق، صدَّق عليه. وإذا لم يصل الزوجان إلى اتفاق في هذا الشأن، تولّى القاضي بيان الكيفية التي ينبغي أن تتمَّ بها الترتيبات.

الترتيبات المالية. كان القاضي في الزمن الماضي يُصدر أمرًا بأن يدفع الزوج المُطلِّق نفقة زوجية كافية لإعالة زوجته المطلّقة.

وكان على الزوج أيضًا التنازل عن جزء من أمواله للزوجة، وتحمل العبء الأكبر من مسؤولية إعالة الأبناء.

وقام هذا الوضع على سببين رئيسيين: الأول: أن عددًا كبيرًا من المطلّقات لم يكنَّ يعملن خارج المنزل، ومن ثَمّ يحتجْن لإعالة أنفسهنّ، فضلاً عن إعالة أطفالهن. والسبب الثاني: التقاليد التي بُنيت عليها النصوص القانونية بشأن افتراض خطأ أحد الزوجين فحسب، جرت على اعتبار أنه لايجوز للمخطئ أن يحصل على نفقة من الطرف الآخر.

وفي معظم الحالات، كان يُقضى بأنّ الزوج هو الطرف المخطئ، لأن الزوجة هي التي كانت تقوم عادة بطلب التطليق، حتى لو كان الواقع ينبئ عن رغبة كلٍّ من الزوجين في الحصول عليه.

أمّا في الوقت الحاضر، فإنَّ المحاكم تُصدر أحكامها فيما يتعلق بالترتيبات المالية بالنظر إلى الحالة المالية لكل من الزوجين، في الاعتبار الأول. ذلك أن القضاة يدركون أنَّ كثيرًا من النساء لديهن مؤهلات للعمل خارج المنزل، ولم يعدن في حاجة ماسة لإعالتهنّ إعالةً كاملةً من جانب الزوج السابق. لذلك، إذا كان لكلِّ من الزوجين دخل يكفي لإعالة نفسه، فإنه يجوز للمحكمة ألاّ تحكم بالنفقة على أي منهما. وإذا ثبت أنّ دخل الزوجة أعلى من دخل الزوج، يجوز أن يُحكم عليها بقدر من النفقة له. وفضلاً عن ذلك، يجوز للوالدين الاشتراك في تحمل مسؤولية إعالة الأبناء. ويجوز للمحكمة أن تقسّم الأموال المشتركة للزوجين، وفقًا للحالة المالية لكلِّ منهما.

الترتيبات الخاصة بحضانة الصغار. كان القضاة في الغرب في أوائل القرن العشرين ومنتصفه يصدرون عادة وتلقائيًا الحكم بحضانة الأطفال الصغار لصالح الزوجة في معظم قضايا الطلاق، اعتقادًا منهم أنه لايجوز فصل الصغار عن والدتهم.

أمّا في الوقت الحاضر، فقد تبين لكثير من القضاة أنه ربما يكون من مصلحة بعض الصغار العيش تحت رعاية الأب. لذلك يجوز الحكم، لأيٍّ من الوالدين، بالحق في حضانة الصغير. كما يجوز للقاضي أن يقرر لغير الحاضنة زيارة الصغير، ويُعرف هذا الحق بحق الزيارة.

ويجوز للقاضي أن يأخذ في اعتباره رغبة الطفل في تفضيل العيش مع أي من الوالدين، ويحرص عادة على أن يظلَّ كلُّ الأطفال من زواج واحد معًا

وقد يتردد الوالدان المطلقان على المحكمة لأن أحدهما يعترض على حكم حضانة الصغير. فإن غيرّت المحكمة حُكمَها، فربما ترتّب على ذلك انتقال الأطفال من حضانة أحد الوالدين إلى الآخر، الأمر الذي قد يؤدّي إلى إيذاء مشاعر الأطفال، لذلك تميل بعض المحاكم إلى الممانعة في نقل حضانة الصغار من أحد الوالدين إلى الآخر، مالم يكونوا عرضة للخطر.

ولقد تصاعدت نسبة الطلاق في الغرب بشكل مأساوي منذ الستينيات من القرن العشرين. وأبدى الخبراء أسبابًا لذلك، تتلخص فيما يلي: 1- أضحى الطلاق أمرًا مألوفًا من الناحية الاجتماعية أكثر مما كان عليه من قبل 2- كثير من الأزواج يتوقعون السعادة من الزواج أكثر مما كانت الأجيال السابقة تتوقع منه، لذلك كان التعرض للإحباط أيسر وأسرع 3- ازدياد فرص النساء في الحصول على أعمال ذات دخل مرتفع، وهذه الفرص جعلت الزوجة أقل اعتمادًا من الناحية الاقتصادية على الزوج مما اعتادت عليه المرأة من قبل 4- تغيير قوانين الطلاق جعل الحصول على الطلاق أمرًا ميسورًا.

 

 

الحقوق القانونية وحقوق الملكية الفكرية محفوظة لأعمال الموسوعة.
Copyrights (c) 2004 Encyclopedia Works. All Rights Resrverd.